ﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱ

٣٨- روي عن ابن عباس وغيره من أهل العلم بتأويل القرآن، أن سبب نزول الآية، كان لما كان عليه أهل الجاهلية : إذا قتل الشريف منهم عبدا، قالوا : لا يقتل به إلا حر، وكان فيهم القود(١) ولم تكن فيهم الدية، فأنزل الله –عز وجل- : الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء ، يعني الدية فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة . ( س : ٢٥/٢٥٥- ٢٥٦ ).
٣٩- قال مالك : أحسن ما سمعت في تأويل هذه الآية، قول الله - تبارك وتعالى : الحر بالحر والعبد بالعبد ، فهؤلاء الذكور، والأنثى بالأنثى ، أن القصاص يكون بين الإناث كما يكون بين الذكور، والمرأة الحرة تقتل بالمرأة، كما يقتل الحر بالحر. والأمة تقتل بالأمة، كما يقتل العبد بالعبد، والقصاص يكون بين النساء كما يكون بين الرجال، والقصاص يكون أيضا بين الرجال والنساء ؛ وذلك أن الله تبارك وتعالى قال في كتابه : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص (٢)، فذكر الله –تبارك وتعالى- أن النفس بالنفس، فنفس المرأة الحرة بنفس الرجل الحر، وجرحها بجرحه(٣).
قال أبو عمر : أما قول الله –عز وجل- : الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ، فأجمع العلماء على أن العبد يقتل بالحر، وعلى أن الأنثى تقتل بالذكر، وكذلك أجمعوا على قتل الذكر بالأنثى ؛ إلا أن منهم من قال : إن قتل أولياء المرأة الرجل بها، أدوا نصف الدية، إن شاءوا وإلا أخذوا الدية. ولا يقتل الذكر بالأنثى حتى يؤدوا نصف الدية، روي هذا القول عن علي –رضي الله عنه- ولا يصح ؛ لأن الشعبي لم يلق عليا(٤).
وأما جمهور العلماء وجماعة أئمة الفتيا بالأمصار، فمتفقون على أن الرجل يقتل بالمرأة، كما تقتل المرأة به ؛ لقول الله –عز وجل- : النفس بالنفس (٥)، ولقول رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ( المسلمون تتكافأ دماؤهم )(٦). ولم يخص الله –عز وجل- ولا رسوله –صلى الله عليه وسلم- بما ذكرنا ذكرا من أنثى. وليس شيء من هذا مخالفة لكتاب الله –عز وجل- ؛ لأن المسلمين لا يجتمعون على تحريف التأويل لكتاب الله –عز وجل- بل الكتاب والسنة بينا مراد قول(٧) الله –عز وجل- من قوله :{ الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى )، وإنما كان يكون ذلك خلافا لكتاب الله –عز وجل- لو قال أحد : إنه لا يقتل حر بحر، ولا تقتل أنثى بأنثى، وهذا لا يقوله أحد، لأنه خلاف ظاهر الآية، ورد لها. ( س : ٢٥٣-٢٥٦ ).
٤٠- قال الله –تعالى- : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ، وقال تعالى : والجروح قصاص (٨). فمن جاز أن يقتص منه في النفس، كان فيما دونها أحرى وأولى، إن شاء الله. ( س : ٢٥/١٥٩ ).
٤١- قال الله –عز وجل- : كتب عليكم القصاص ، وقال : ولكم في القصاص حياة ، وقال : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس (٩)، وقال في موضع آخر : الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ، يريد بذلك عند أهل العلم، التسوية بين الشريف والوضيع من الأحرار، وبين العبد الرفيع الثمن والوضيع، ونسخ بذلك ما كانوا عليه في جاهليتهم من رفع القصاص بين الشريف والوضيع، وقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- :( المسلمون تتكافأ دماؤهم )(١٠)، وقال : لا يقتل مؤمن بكافر (١١)، وبلفظ :( لا يقتل مسلم بكافر )، فدلت السنة على أن المؤمن لا يكافئه الكافر، وكذلك العبد لا يكافئ الحر عند أكثر العلماء. ( الكافي : ١٨٧ ).

١ - أي القصاص. انظر القاموس الفقهي ص: ٣٠٩..
٢ - سورة المائدة: ٤٧..
٣ - الموطأ، كتاب العقول، باب القصاص في القتل: ٥٨٣- ٥٨٤..
٤ - انظر الجامع لأحكام القرآن: ٢/٢٤٧- ٢٤٨..
٥ - سورة المائدة: ٤٧..
٦ - أخرجه أبو داود في الديات، باب أيقاد المسلم بالكافر: ٤/١٨٠- ١٨١. والنسائي في القسامة، باب القود بين الأحرار والمماليك في النفس: ٨/١٩-٢٠. وابن ماجة في الديات، باب المسلمون تتكافأ دماؤهم: ٢/٨٩٥. والإمام أحمد: ١/١٢٢..
٧ - حذف هذه اللفظة أصح وأسلم..
٨ - سورة المائدة: ٤٧..
٩ - نفسها..
١٠ - سبق تخريجه قبل قليل..
١١ - أخرجه البخاري في الديات، باب: لا يقتل المسلم بالكافر: ٨/٤٧. وأبو داود في الديات أيضا، باب أيقاد المسلم بالكافر: ٤/١٨٠-١٨١. والترمذي في الديات كذلك، باب ما جاء لا يقتل مسلم بكافر: ٢/٤٣٢- ٤٣٣. والنسائي في القسامة، باب القود بين الأحرار والمماليك في النفس: ٨/١٩- ٢٠، وكذا في ٢٣- ٢٤. وابن ماجة في الديات باب لا يقتل مسلم بكافر: ٢/٨٨٧- ٨٨٨. والدارمي في الديات، باب لا يقتل مسلم بكافر: ٢/١٩٠. والإمام أحمد: ١/٧٩، ١١٩، ١٢٢، وكذا في ٢/١٧٨، ١٨٠، ١٩٢، ١٩٤، ٢١١، ٢١٥..

جهود ابن عبد البر في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير