الآية الموفية ثلاثين : قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى [ البقرة : ١٧٨ ].
٥٣- مكي : الآية عند مالك محكمة. ١
٥٤- يحيى : قال مالك : أحسن ما سمعت في تأويل هذه الآية، قول الله تبارك وتعالى :
الحر بالحر والعبد بالعبد فهؤلاء الذكور والأنثى بالأنثى أن القصاص يكون بين الإناث كما يكون بين الذكور. والمرأة الحرة تقتل بالمرأة الحرة. كما يقتل الحر بالحر. والأمة تقتل بالأمة. كما يقتل العبد بالعبد، والقصاص يكون بين النساء كما يكون بين الرجال. ٢
والقصاص أيضا يكون بين الرجال والنساء. وذلك أن الله تبارك وتعالى قال في كتابه : وكتبنا عليكم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص ٣ فذكر الله تبارك وتعالى أن النفس بالنفس. فنفس المرأة الحرة بنفس الرجل الحر، وجرحها بجرحه.
٥٤م- ابن وهب : قال : أخبرني مالك بن أنس قال : قال الله تعالى : الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فإذا قتل العبد العبد عمدا خير سيد العبد المقتول، فإن شاء قتل العبد القاتل، وإن كان أفضل منه بأضعاف، وإن شاء قبل العقل، فإن أخذ العقل أخذ قيمة عبده المقتول. وإن شاء أرباب العبد القاتل أن يعطوه ثمن العبد المقتول فعلوا، وإن أسلموا عبدهم فليس عليهم إلا ذلك، وليس لأرباب العبد المقتول، إذا أخذوا العبد القاتل ورضوا بالعقل، أن يقتلوا العبد القاتل الذي يأخذون. قال : وذلك في القصاص كله بين العبدين في القتل وفي قطع اليد والرجل وأشباه ذلك.
قوله تعالى : فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان [ البقرة : ١٧٨ ].
٥٥- يحيى : قال مالك : فتفسير ذلك، فيما نرى والله أعلم، أنه من أعطي من أخيه شيء من العقل، فليتبعه بالمعروف. وليؤده إليه بإحسان. ٤
٥٦- ابن العربي : قال مالك في رواية ابن القاسم : موجب العمد القود خاصة، ولا سبيل إلى الدية إلا برضا من القاتل. ٥
٥٧- يحيى : قال مالك : إن ابن شهاب قال : مضت السنة في قتل العمد حين يعفو أولياء المقتول. أن الدية تكون على القاتل في ماله خاصة. إلا أن تعينه العاقلة، عن طيب نفس منها. ٦
قال مالك : الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا فيمن قبلت منه الدية في قتل العمد، أو في شيء من الجراح التي فيها القصاص : أن عقل ذلك لا يكون على العاقلة. إلا أن يشاؤوا. وإنما عقل ذلك في مال القاتل أو الجارح خاصة إن وجد له مال، فإن لم يوجد له مال كان دينا عليه، وليس على العاقلة منه شيء، إلا أن يشاؤوا.
٥٨- يحيى : عن مالك : أنه أدرك من يرضى من أهل العلم يقولون في الرجل إذا أوصى أن يعفى عن قاتله، إذا قتل عمدا، إن ذلك جائز له. وأنه أولى بدمه من غيره من أوليائه من بعده. ٧
قال مالك، في الرجل يعفو عن قتل العمد بعد أن يستحقه ويجب له : إنه ليس على القاتل عقل يلزمه. إلا أن يكون الذي عفا عنه اشترط ذلك عند العفو عنه.
قال مالك، في القاتل عمدا إذا عفي عنه. إنه يجلد مائة جلدة ويسجن سنة.
قال مالك، وإذا قتل الرجل عمدا وقام، على ذلك البينة، وللمقتول بنون وبنات. فعفا البنون وأبى البنات أن يعفون، فعفو البنين جائز عن البنات، ولا أمر للبنات مع البنين في القيام بالدم والعفو عنه.
٥٩- القرطبي : قال مالك : من قتل بعد أخذ الدية، هو كمن قتل ابتداء إن شاء الولي قتله، وإن شاء عفا عنه، وعذابه في الآخرة. ٨
قوله تعالى : فله عذاب أليم [ البقرة : ١٧٨ ].
٦٠- ابن الفرس : قال مالك : هو عذاب الآخرة. ٩
٢ - الموطأ: ٢/ ٨٧٣-٨٧٤، وينظر الهداية لمكي: ٢/٤٧٣، وأحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٦٤، وأحكام القرآن لابن الفرس: ٣٧.
قال محمد بن رشد في المقدمات: روي عن مالك رحمه الله في هذه الآية تأويل جيد ظاهر رواه عنه أبو المصعب وهو أنه قال: أحسن ما سمعت في تأويل هذه الآية: الحر بالحر أن معنى ذلك الجنس، الذكر والأنثى فيه سواء وكذلك العبد بالعبد معناه الجنس الذكر والأنثى سواء، وأعاد إلى قوله: "والجروح قصاص" بالمساواة في ذلك الحرية في جنسها والعبودية في جنسها، وهذا جيد لأن الألف واللام إنما يدخلان على الواحدة للتعريف إما بالعهد وإما باستغراق الجنس، فإذا لم يكن عهد فلابد أن يحمل على استغراق الجنس وإلا كان نكرة فكأنه قال تعالى على هذا التأويل الأحرار بالأحرار والعبيد بالعبيد ٣١١/٢٨٣.
وينظر: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي: ١٣٧. وزاد فيه قائلا: "وأشار أبو عبيد إلى أن قوله – يعني مالكا- هو مذهب ابن عباس"..
٣ سورة المائدة، آية: ٤٥.
.
٤ الموطأ: ٢/٨٦٦ كتاب العقول، باب ما يوجب العقل على الرجل في خاصة ماله. قال الباجي في المنتقى معلقا على قول مالك: "ذلك يقتضي تفسيره الآية برأيه واجتهاده": ٧/١٠٣.
وينظر، الهداية لمكي: ١٣١ م خ ع رقم ق ٦٠٣ وأحكام القرآن لابن العربي: ١/٦٦. وقال ابن العربي في الناسخ والمنسوخ: "رجع مالك وأصحابه العطاء لأن العفو إذا كان بمعنى الإسقاط وصل بكلمة (عن) كقوله تعالى: واعف عنا [البقرة: ٢٨٦]: ٢/٥٤.
.
٥ أحكام القرآن لابن العربي: ١/٦٦، وينظر، الأحكام الصغرى: ١/٨٤. والمحرر: ٢/٦٢، والجامع: ٢/٢٥٤.
.
٦ الموطأ: ٢/٨٧٤ كتاب العقول، باب العفو في قتل العمد.
.
٧ الموطأ: ٢/٨٧٤ كتاب العقول، باب العفو في قتل العمد..
٨ الجامع: ٢/٢٥٥ وينظر المحرر: ٢/٦٥، والفتح القدير: ١/١٧٦.
قال محمد بن رشد في المقدمات الممهدات: جعل مالك العافي في هذه الآية الدافع لا التارك، وجعل العافي في آية الطلاق في قوله: وإن طلقتموهن قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح [البقرة، ٢٣٧] وهو الزوج فالمعنى عنده في الآية: "إلا أن يعفو الزوجات فيتركن النصف، أو يعفو الزوج فيدفع الجميع والله أعلم ما أراد من ذلك لا إله إلا هو": ٣/٢٨٩..
٩ - أحكام القرآن لابن الفرس: ٤٢..
تفسير الإمام مالك
أبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي المدني