ﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱ

وبعد ذلك يقول الحق :
يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ١٧٨
وساعة ينادي الله ( يا أيها الذين آمنوا ) فهذا النداء هو حيثية الحكم الذي سيأتي، ومعنى هذا القول : أنا لم أكلّفكم اقتحاما على إرادتكم ؛ أو على اختياركم، وإنما كلفتكم لأنكم دخلتم إلي من باب الإيمان بي، ومادمتم قد آمنتم بي فاسمعوا مني التكليف. فالله لم يكلّف من لم يؤمن به، ومادام الله لا يكلف إلا من آمن به فإيمانك به جعلك شريكا في العقد، فإن كتب عليك شيئا فأنت شريك في الكتابة، لأنك لو لم تؤمن لما كتب، فكأن الصفقة انعقدت، ومادامت الصفقة قد انعقدت فأنت شريك في التكليف، ولذلك يقول الله :( كتب ) بضم الكاف. ولم يقل ( كتب ) بفتح الكاف. وتلحظ الفرق جليّا في الأشياء التي للإنسان دخل فيها، فهو سبحانه يقول :
كتب الله لأغلبنّ أنا ورسلي ( من الآية ٢١ سورة المجادلة ).
إنه سبحانه هنا الذي كتب، لأنه لا شريك له. عندما تقرأ ( كتب عليكم ) فافهم أن فيها إلزاما ومشقة، وهي على عكس ( كتب لكم ) مثل قوله تعالى :
قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ( من الآية ٥١ سورة التوبة ).
إن ( كتب لنا ) تشعرنا أن الشيء لمصلحتنا. وفي ظاهر الأمر يبدو أن القصاص مكتوب عليك، وساعة يكتب عليك القصاص وأنت قاتل فيكون ولي المقتول مكتوباً له القصاص، إذن كل ( عليك ) مقابلها ( لك )، وأنت عرضة أن تكون قاتلا أو مقتولا. فإن كنت مقتولا فالله كتب لك. وإن كنت قاتلا فقد كتب الله عليك. لأن الذي ( لي ) لابد أن يكون ( على ) غيري، والذي ( علي ) لابد أن يكون ( لغيري ). فالتشريع لا يشرع لفرد واحد وإنما يشرع للناس أجمعين.
عندما يقول :( كتب عليكم القصاص )، ثم يقول في الآية التي بعدها :( ولكم في القصاص حياة )، فهو سبحانه قد جاء ب ( لكم )، و( عليكم ). ( عليكم ) للقاتل، و( لكم ) لولي المقتول. فالتشريع عادلا لأنه لم يأت لأحد على حساب أحد، والعقود دائما تراعي مصلحة الطرفين. ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر ).
ومن هو الحر ؟ الحر ضد العبد وهو غير مملوك الرقبة، والحر من كل شيء هو أكرم ما فيه، ويقال : حر المال يعني أكرم ما في المال. و( الحر ) في الإنسان هو من لا يحكم رقبته أحد. و ( الحر ) من البقول هو ما يؤكل غير ناضج، أي غير مطبوخ على النار، كالفستق واللوز.
والحق سبحانه يقول :( الحر بالحر )، وظاهر النص أن الحر لا يقتل بالعبد، لأنه سبحانه يقول :( الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى )، لكن ماذا يحدث لو أن عبداً قتل حراً، أو قتلت امرأة رجلاً ؛ هل نقتلهما أم لا ؟
إن الحق يضع لمسألة الثأر الضوابط، وهو سبحانه لم يشرّع أن الحر لا يقتل إلا بالحر، وإنما مقصد الآية أن الحر يقتل إن قتل حراً، والعبد يقتل إن قتل عبداً، والأنثى مقابل الأنثى، هذا هو إتمام المعادلة، فجزاء القاتل من جنس ما قتل، لا أن يتعداه القتل إلى من هو أفضل منه. إن الحق سبحانه وتعالى يواجه بذلك التشريع في القصاص قضية كانت قائمة بين القبائل، حيث كان هناك قتل للانتقام والثأر.
ففي الزمن الجاهلي كانت إذا نشأت معركة بين قبيلتين، فمن الطبيعي أن يوجد قتلى وضحايا لهذا الاقتتال، فإذا قتل عبد من قبيلة أصرّت القبيلة التي تملك هذا العبد أن تصعّد الثأر فتأخذ به حراً، وكذلك إذا قتلت في تلك الحرب أنثى، فإن قبيلتها تصعد الثأر فتأخذ بها ذكراً.
والحق سبحانه وتعالى أراد أن يحسم قضية الثأر حسماً تدريجيا، لذلك جاء بهذا الأمر ( الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ). إذن فالحق هنا يواجه قضية تصعيدية في الأخذ بالثأر، ويضع منهجاً يحسم هذه المغالاة في الثأر.
وفي صعيد مصر، مازلنا نعاني من الغفلة في تطبيق شريعة الله، فحين يقتل رجل من قوم فهم لا يثأرون من القاتل، وإنما يذهبون إلى أكبر رأس في عائلة القاتل ليقتلوه. فالذين يأخذون الثأر يريدون النكاية الأشد، وقد يجعلون فداء المقتول عشرة من العائلة الأخرى، وقد يمثلون بجثثهم ليتشفوا، وكل ذلك غير ملائم للقصاص. وفي أيام الجاهلية كانوا يغالون في الثأر، والحق سبحانه وتعالى يبلّغ البشرية جمعاء بأن هذه المغالاة في الثأر تجعل نيران العداوة لا تخمد أبدا. لذلك فالحق يرد أمر الثأر إلى حده الأدنى، فإذا قتلت قبيلة عبداً فلا يصح أن تصعّد القبيلة الأخرى الأمر فتأخذ بالعبد حراً.
إذن فالحق يشرع أمراً يخص تلك الحروب الجماعية القديمة، وما كان يحدث فيها من قتل جماعي، وما ينتج عنها بعد ذلك من مغالاة في الثأر، وهذا هو التشريع التدريجي، وقضى سبحانه أن يرد أمر الثأر إلى الحد الأدنى منه، فإذا قتلت قبيلة عبدا فلا يصح أن تصعّد القبيلة الأخرى الثأر بأن تقتل حراً. والحق يشرّع بعد ذلك أن القاتل في الأحوال العادية يتم القصاص منه بالقتل له أو بالدية. فقد جاءت آية أخرى يقول فيها الحق :
وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدّق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ٤٥ ( سورة المائدة ).
وهكذا يصبح القصاص في قتل النفس يتم بنفس أخرى، فلا تفرقة بين العبد أو الحر أو الأنثى، بل مطلق نفس بمطلق نفس. وهاهو ذا الحق سبحانه وتعالى يواجه بتقنين تشريع القصاص قضية يريد أن يميت فيها لدد الثأر وحنق الحقد. فساعة تسمع كلمة قصاص وقتل، فمعنى ذلك أن النفس مشحونة بالبغضاء والكراهية، ويريد أن يصفي الضغن والحقد الثأري من نفوس المؤمنين. إن الحق جل وعلا يعطي لولي الدم الحق في أن يقتل أو أن يعفو، وحين يعطي الله لولي الدم الحق في أن يقتل، فإن أمر حياة القاتل يصبح بيد ولي الدم، فإن عفا ولي الدم لا يكون العفو بتقنين، وإنما بسماحة نفس، وهكذا يمتص الحق الغضب والغيظ.
وبعد ذلك يرقّق الله قلب ولي الدم فيقول :( فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ).
وإذا تأملنا قوله :( فمن عفي له من أخيه ) فلنلاحظ النقلة من غليان الدم إلى العفو. ثم المبالغة في التحنن، كأنه يقول : لا تنس الأخوة الإيمانية ( فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف ).
وساعة يقول الحق كلمة ( أخ ) فانظر هل هذا الأخ اشترك في الأب ؟ مثل قوله تعالى :( وجاء إخوة يوسف ). ثم يرتقى بالنسب الإيماني إلى مرتبة الأخوة الإيمانية، فيقول :( إنما المؤمنون إخوة ) يعني إياكم أن تجعلوا التقاء النسب المادي دون التقائكم في القيم العقائدية.
والأصل في الأخ أن يشترك في الأب مثل :( وجاء إخوة يوسف )، فإن كانوا إخوة من غير الأب يسمّهم إخواناً، فإن ارتقوا في الإيمان يسمّهم إخوة. وعندما وصفهم بأنهم إخوان قال :( واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ). لقد كانت بينهم حروب وبغضاء وشقاق، لم يصفهم بأنهم إخوة ؛ لأنهم لازالوا في الشحناء، فوصفهم بأنهم إخوان، وبعد أن يختمر الإيمان في نفوسهم يصبحون إخوة.
ولننظر في غزوة بدر، هاهو ذا مصعب بن عمير، كان فتى قريش المدلل والمنعّم الذي كانت تفوح منه رائحة العطر وملابسه من حرير ؛ كان ذلك قبل إسلامه، وتغير كل ذلك عندما دخل في الإسلام، فقد أخرجه الإيمان من هذا النعيم إلى بؤس المؤمنين الأولين لدرجة أنه كان يلبس جلد حيوان ويراه رسول الله في هذا الضنك فيقول :( انظروا كيف فعل الإيمان بصاحبكم ).
وعندما جاءت معركة بدر التقى مع أخيه ( أبي عزيز ) الذي ظل على دين قريش، والتقى الاثنان في المعركة، مصعب في معسكر المؤمنين، وأبو عزيز في جيش المشركين. وأثناء المعركة رأى أخاه أبا عزيز أسيراً مع أبي اليسر وهو من الأنصار ؛ فالتفت مصعب إلى أبي اليسر، وقال : يا أبا اليسر أشدد على أسيرك فإن أمه غنية وستفديه بمال كثير.
فالتفت إليه أبو عزيز وقال : يا أخي أهذه وصاتك بأخيك ؟ قال مصعب : لا لست أخي وإنما أخي هذا. وأشار إلى أبي اليسر. لقد انتهى نسب الدم وأصبح نسب الإيمان هو الأصل، وأصبح مصعب أخاً لأبي اليسر في الإيمان، وانقطعت صلته بشقيقه في النسب لأنه ظل مشركاً.
وقوله تعالى :( فمن عفي له من أخيه شيء ) كأنه يحث ولي الدم على أن يعفوا ولا ينسى أخوة الإيمان. صحيح أنه ولي للمقتول ؛ لأنه من لحمته ونسبه، ولكن الله أراد أن يجعل أخوة الإيمان فوق أخوة الدم. ( فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف ).
وقد أورد الحق الأخوة هنا لترقيق المشاعر، لينبه أهل القاتل والقتيل معاً أن القتل لا يعني أن الأخوة الإيمانية انتهت، لا. إن على المؤمنين أن يضعوا في اعتبارهم أن أخوة الإيمان قد تفتر رابطتها. وحين يتذكر أولياء الدم أخوة الإيمان، فإن العفو يصبح قريباً من نفوسهم. ولنا أن نلاحظ أن الحق يرفعنا إلى مراتب التسامي، فيذكرنا أن عفو واحد من أولياء الدم يقتضي أن تسود قضية العفو، فلا يقتل القاتل.
وبعد ذلك لننظر إلى دقة الحق في تصفية غضب القلوب حين يضع الدية مكان القصاص بالقتل. إن الدية التي سيأخذها أولياء الدم من القاتل قد تكون مؤجلة الأداء، فقد يقدر القاتل أو أهله على الأداء العاجل، لذلك فعلى الذي يتحمل الدية أن يؤديها، وعلى أهل القتيل أن يتقبلوا ذلك بالمعروف، وأن تؤدي الدية من أهل القاتل أو من القاتل نفسه بإحسان.
وقوله الحق :( عفي له من أخيه شيء )، ( شيء ) تدل على أن أولياء المقتول إن عفا واحد منهم فهو عفو بشيء واحد، وليس له أن يقتص بعد ذلك، وتنتهي المسألة ويحقن الدم، ولم يرد الله أن يضع نصا بتحريم القصاص، ولكن أراد أن يعطي ولي الدم الحق في أن يقتل، وحين يصبح له الحق في أن يقتل ؛ فقد أصبحت المسألة في يده، فإن عفا، تصبح حياة القاتل ثمرة من ثمرات إحسانه، وإن عاش القاتل، لا يترك هذا في نفس صاحب الدم بغضاء، بل إن القاتل سيتحبب إليه لأنه أحسن إليه ووهبه حياته.
لكن لو ظل النص على قصاص أهل القتيل من القاتل فقط ولم يتعدّه إلى العفو لظلت العقدة في القلب.
والثارات الموجودة في المجتمعات المعاصرة سببها أننا لم نُمكن ولي الدم من القاتل، بدليل أنه إذا ما قدر قاتل على نفسه وذهب إلى أهل القتيل ودخل عليهم بيتهم، وبالغ في طلب العفو منهم، وأخذ كفنه معه وقال لهم : جئتكم لتقتصوا مني، وهذا كفني معي فاصنعوا بي ما شئتم، لم يحدث قط أن أهل قتيل غدروا بقاتل، بل المألوف والمعتاد أن يعفو عنه، لماذا ؟
لأنهم تمكنوا منه وأصبحت حياته بين أيديهم، وفي العادة تنقلب العداوة إلى مودة. فيظل القاتل مدينا بحياته للذين عفوا عنه. والذين يعرفون ذلك من أبناء القاتل يرون أن حياة أبيهم هبة وهبها لهم أولياء القتيل وأقرباؤه، يرون أن عفو أهل القتيل هو الذي نجّا حياة قريبهم، وهكذا تتسع الدائرة، وتنقلب المسألة من عداوة إلى ود.
ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليّ حميم ( من الآية ٢٤ سورة فصلت ).
ولو لم يشرع الله القصاص لأصبحت المسألة فوضى. لكنه يشرعه،

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير