ﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱ

ولما مدح الله تعالى الصبر والجرأة في الحرب، أمر بالقصاص ؛ لئلا يتسع الناس في إطلاق الجرأة، حتى يتجرءوا على قتل المسلم، فقال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذالِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذالِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
قلت : عفا لازمٌ يتعدى بالحرف : بعَنْ إلى الجناية، وباللام إلى الجاني، فيقال : عفوت لفلان عن جنايته و اتباعٌ خبر عن مضمَر، أي : فالأمر اتباع.
يقول الحقّ جلّ جلاله : يا أيها المؤمنون كتب عليكم القصاص في شأن القتلى في العَمْد، فاستسلِموا للقصاص، فالحُر يُقتل بالحر ، ولا يقتل بالعبد. بل يغرم قيمته لسيده، ودليله قوله - عليه الصلاة والسلام- :" لا يُقتل مسلمٌ بكافرٍ ولا حرٌ بعبدٍ "، والعبد يقتل بالعبد، إن أراد سيد المقتول قتله، فإن استحياه خُيِّر سيدُه بين إسلامه وفدائه بقيمة العبد. وكذلك إن قُتل الحر خُيّر أولياؤُه بين قتله أو استرقاقه، فإن استحيَوْه خُيِّر سيدُه بين إسلامه وفدائه بِدِيَةِ الحر العَمْد، والأنثى تُقتل بالأنثى والذكر، والذكر يقتل بالأنثى.
وتخصيصُ الآية بالمُساوي، قال مالك :( أحسنُ ما سمعتُ في هذه الآية : أنه يُراد بها الجنسُ - أي : جنس الحر - والذكر والأنثى فيه سواء. وأعيدَ ذِكْرُ الأنثى تأكيداً وتهمُّمَا بإذهاب أمر الجاهلية ). ه. يعني أن ( أل ) في الحر : للجنس، تشمل الذكر والأنثى. وأعاد ذكر الأنثى اهتماماً بردِّ ما كان يفعله الجاهلية من عدم القَودَ فيها.
ثم قال الحقّ جلّ جلاله : فمن عُفي له من دم أخيه شيء ولو قَلَّ، فقد سقط القتل، فالواجب اتباعٌ للقاتل بالدية بالمعروف من غير تعنيف ولا تعنيت، و أداء من القاتل بإحسان من غير مطل ولا بَخس.
ذلك - الذي شرعْتُ لكم من أمر العفو والديّة - تخفيف من ربكم ورحمة بكم، وقد كُتب على اليهود القصاص وحده، وعلى النصارى مطلقاً. وخيَّركم أيها الأمة المحمدية بين أخذ الديّة والقصاص. فمن اعتدى بعد أخذ الديّة وقَتَل فله عذاب أليم في الدنيا والآخرة، في الدنيا : بأن يُقتل لا محالة ؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام - :" لا أُعَافِي أحَداً قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَة ".
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : كما جعل الله القصاص في الجناية الحسيّة، جعل القصاصَ في الجناية المعنوية، وهي الجنايةُ على النفس بسوء الأدب مع الله، فكل من صدر منه هفوةٌ أو زَلَّة، اقْتصَ الحقّ تعالى منه في دار الدنيا، إن كانت له من الله عناية، الكبيرة بالكبيرة والصغيرة بالصغيرة : وتأمَّلْ قضية الرجل الذي كان يطوف بالكعبة، فنظر إلى امرأة، فلطَمْته كَف من الهوى، وذهبت عينه، فقال : آه، فقيل له : لطمة بنظرة، وإن زدت زدنا. هـ. وقضية أبي تراب النخشبي : قال رضي الله عنه : ما تمنت نفسي شهوةً من الشهوات إلا مرة واحدة، تمنيت خبزاً وبيضاً وأنا في سفر، فعدلت إلى قرية، فقام واحد، وتعلّق بي، وقال : هذا رأيته مع اللصوص، فضربوني سبعين درة، ثم عرفني رجلٌ منهم، وحملني إلى منزله، وقدَّم لي خبزاً وبيضاً، فقلت في نفسي : كُلْ بعد سبعين درة.
وقضية أبي الخير العسقلاني : اشتهى السمك فلما مد يده ليأكل أخذت شوكة من عظامها أصبعه، فذهبت في ذلك يده. وقضية إبراهيم بن شيبان : قال :( اشتهيت شبعة من الخبز والعدس، فاتفق ذلك، فأكلت حتى شبعت، ثم رأيت منكرا، فغيرته، فأخذوني وضربوني مائة خشبة، وطرحوني في السجن أربعة أشهر، حتى شفع في شيخي، فخرجت، وقال : أخذتها مجانا )، أي : حيث عوقبت في ظاهرك دون باطنك.
قضية خير النساج : قال :( عاهدت الله وعقدت ألا آكل الرطب فغلبتني نفسي، فأخذت نصف رطل، فلما أكلت واحدة إذا برجل نظر إلي وقال : يا خير، أين هربت مني ؟ وكان له عبد اسمه خير، فوقع علي شبهه – قال : فبقيت معه عدة أشهر أنسج له الكرباس – وهو القطن الأبيض -، ثم تبت فزال عني الشبه ).
فمن عفي له عن شيء من هذه الجناية، بعد الأدب أو قبله، فليشكر الله، ويتبع ما أمره به، ويؤدي ما فرضه عليه بالمعروف، من غير إسراف، ولا تقصير، ذلك تخفيف من الله عنه، ورحمة به، فمن اعتدى بعد ذلك، ورجع إلى ما تاب عنه فله عذاب أليم، وهو الطرد عن حضرة الأحباب، إلى الوقوف بالباب أو سياسة الدواب، إلا من تاب وعمل صالحا فإن الله يتوب على من تاب. ولكم في القصاص في دار الدنيا – حياة عظيمة لأرواحكم وأسراركم ؛ لأن ذلك اعتناء بكم يا أولي الألباب، لعلكم تتقون كل ما يشغلكم عن مولاكم.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير