ﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱ

وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا فيما بينهم وبين الله تعالى يوم الميثاق وفي الحيوة الدنيا إذا حلفوا او نذروا أوفوا- وفيما بينهم وبين الناس إذا وعدوا انجزوا وإذا قالوا صدقوا وإذا اؤتمنوا أدوا وإذا استشهدوا على الحق شهدوا عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ اية المنافق ثلث إذا حدث كذب وإذا وعد خلف وإذا اؤتمن خان- متفق عليه- زاد مسلم وان صام وصلى وزعم انه مسلم- وعن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله ﷺ اربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت خصلة من النفاق حتى يدعها إذا اؤتمن خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر- متفق عليه معطوف على من أمن وَالصَّابِرِينَ ايضا معطوف على من أمن ونصبها على تطاول الكلام ومن شأن العرب تغيير الاعراب إذا طال الكلام كذا قال ابو عبيدة- ومثله في المائدة والصّابئون وفي سورة النساء والمقيمين الصّلوة- وقال الخليل منصوب على المدح ولم يعطف لفضل الصبر على سائر الأعمال لان أفضل الأعمال أدوم وذلك بالصبر وتقديره اخصّ الصابرين بمزيد البرا وامدح الصابرين بمزيد البر- فحينئذ من عطف الجملة على الجملة- وقيل منصوب عطفا على ذوى القربى يعنى واتى الصابرين- نظيره قوله تعالى لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ فِي الْبَأْساءِ اى الشدة والفقر وَالضَّرَّاءِ المرض والزمانة وَحِينَ الْبَأْسِ اى القتال والحرب أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا فى الايمان والبر وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧) عن الكفر وسائر الرذائل والاية جامعة للكمالات الانسانية صريحا او ضمنا دالة على صحة الاعتقاد وحسن المعاشرة وتهذيب النفس وهذا منصب الأبرار واما الصديقون المقربون فمزيد فضلهم مبنى على الفضل والاجتباء ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ-.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى القصاص المساوات والمماثلة- قال البغوي قال الشعبي والكلبي وقتادة نزلت هذه الاية في حيين من احياء العرب اقتتلوا فى الجاهلية قبل الإسلام بقليل فكانت بينهما قتلى وجراحات لم يأخذها بعضهم من بعض حتى جاء الإسلام قال مقاتل بن حبان كانت بين القريظة والنضير- وقال سعيد بن جبير كانت بين الأوس والخزرج- قالوا جميعا- وكان لاحد الحيين على الاخر طول في الكثرة والشرف وكانوا ينكحون نساءهم بغير مهود

صفحة رقم 177

فاقسموا لنقتلن بالعبد «١» منا الحرّ وبالمرأة منا الرجل منهم وبالرجل منا الرجلين منهم وجعلوا جراحاتهم ضعفى جراحات أولئك فرفعوا أمرهم الى النبي ﷺ فانزل الله تعالى هذه الاية وامر بالمساوات فرضوا وسلموا- كذا اخرج ابن ابى حاتم عن سعيد بن جبير- قلت ورضاؤهم وتسليمهم وخطاب الله تعالى إياهم بقوله يا ايها الذين أمنوا دليل على ان المخاطبين به هم الأوس والخزرج الذين صاروا أنصار الله دون قريظة والنضير فانهم كانوا اعداء الله كفارا- وفي قوله تعالى كتب عليكم القصاص حجة لابى حنيفة رحمه الله على قوله ان الواجب في القتل العمد القصاص فقط دون الدية وانه لا يجوز أخذ المال الا برضاء القاتل- ويؤيده قوله عليه السلام في العمد القود- رواه الشافعي وابو داود والنسائي وابن ماجة من حديث ابن عباس في حديث طويل واختلف في وصله وإرساله وصحح الدارقطني الإرسال والمرسل عندنا حجة ورواه الدارقطني من طريق عبد الله بن ابى بكر بن محمد بن حزم عن أبيه عن جده مرفوعا العمد قود والخطاء دية- وفي اسناده ضعف ولكل واحد من مالك والشافعي واحمد في المسألة قولان أحدهما ان الواجب هو القود لكن يجوز لورثة المقتول ان يعفو عن القود الى الدية من غير رضاء الجاني- وثانيهما ان الواجب أحدهما لا بعينه اما القصاص واما الدية- والفرق بين القولين يظهر إذا عفى مطلقا من غير ذكر الدية فعلى القول الاول يسقط القصاص بلادية وعلى القول الثاني يثبت الدية- واحتجوا على جواز أخذ المال من غير رضاء الجاني بأحاديث- منها حديث ابى شريح الكعبي ان رسول الله ﷺ قال يوم فتح مكة بعد مقامى هذا فاهله بين خيرتين ان أحبوا قتلوا وان أحبوا أخذوا العقل- رواه الترمذي والشافعي وروى ابن الجوزي والدارمي عن ابى شريح الخزاعي قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من أصيب بدم او خبل والخبل الجرح فهو بالخيار بين احدى ثلاث فان أراد الرابعة فخذوا على يديه بين ان يقتص او يعفوا ويأخذ العقل فان أخذ من ذلك شيئا ثم عدا بعد ذلك فله النار خالدا فيها مخلدا ابدا- ومنها حديث ابى هريرة عن النبي ﷺ من قتل له قتيل فهو بخير النظرين اما ان يفدى واما ان يقتل- متفق عليه- ومنها حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده ان رسول الله ﷺ قال من قتل متعمدا دفع الى اولياء المقتول فان شاء واقتلوه وان شاءوا أخذوا العقل ثلاثين حقة وثلاثين جذعة وأربعين خلفة في بطونها أولادها- رواه احمد والترمذي وابن ماجة- قال اصحاب ابى «٢» حنيفة رحمه الله في الجواب عن هذه الأحاديث ان المراد ان اولياء المقتول

(١) فى الأصل العبد منا الحر والمرأة-
(٢) فى الأصل ابو حنيفة

صفحة رقم 178

بالخيار في القود والصلح والصلح لا يكون الا برضاء القاتل والظاهر ان القاتل يرضاه لحقن دمه فترك النبي ﷺ ذكر رضاء القاتل بناء على الظاهر والله اعلم الْحُرُّ يقتل بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى وهذا لا يدل على ان الحر لا يقتل بالعبد- والعبد لا يقتل بالحر- والأنثى لا يقتل بالذكر- او الذكر لا يقتل بالأنثى- فان ذلك الاحكام مسكوت عنها في هذه الاية ولا عبرة بالمفهوم عند ابى حنيفة رحمه الله مطلقا- وكذا فى هذه الاية عند القائلين بالمفهوم إذا المفهوم عندهم انما يعتبر حيث لم يظهر للتخصيص غرض سوى اختصاص الحكم- وكان الغرض هاهنا دفع استطالة أحد الحيين على الاخر فالمفهوم المعتبر من هذه الاية على ما يقتضيه القصة ان الحر إذا تفرد بقتل الحر يقتل القاتل وحده ولا يقتل معه غيره لاجل شرف المقتول وكذا العبد إذا قتل العبد يقتل ذلك العبد القاتل بالعبد المقتول ولا يقتل حر مكان ذلك لاجل شرف المقتول وكذا الأنثى إذا قتل الأنثى قتلت القاتلة لا رجل مكان امراة والله اعلم- بقي المبحث عن الاحكام المسكوت عنها في تلك الاية- فقال ابو حنيفة رحمه الله يقتل النفس حرا كانت او رقيقا- ذكرا كانت او أنثى- مسلما كان او ذميّا بالنفس كيف ما كانت لعموم قوله تعالى وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ- والاحكام الالهية في الكتب المنزلة السّابقة إذا ثبتت عندنا حكايتها بالقران او السنة ولا عبرة بقول الكفار من اليهود والنصارى فهى باقية واجبة اتباعها إذ الحاكم واحد والشرع واحد قال الله تعالى فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ وقال الله تعالى شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى - ولا يختلف الاحكام الا لاجل النسخ سواء كان في كتاب واحد او كتب وما لم يظهر النسخ يبقى الحكم- ويدل ايضا على بقاء هذا الحكم حديث ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ لا يحل دم امرئ مسلم يشهد ان لا اله الا الله وانى رسول الله الا بإحدى ثلاث النفس بالنفس- والثيب الزاني- والمارق لدينه التارك للجماعة- متفق عليه- وحديث ابى امامة ان عثمان اشرف يوم الدار فقال أنشدكم بالله أتعلمون ان رسول الله ﷺ قال لا يحل دم امرئ مسلم الا بإحدى ثلاث زنى بعد إحصان او كفر بعد اسلام او قتل نفسا «١» بغير حق- الحديث رواه الشافعي واحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي وفي الباب عن عائشة رواه مسلم وابو داود وغيرهما- لكن قال ابو حنيفة لا يقتل رجل يقتل عبده ولا مدبره ولا مكاتبه وبعبد ملك

(١) فى الأصل نفس-

صفحة رقم 179

بعضه ولا بعبد ولده لانه لا يستوجب لنفسه على نفسه القصاص ولا ولده عليه- وبه قال الجمهور خلافا لداود محتجا بما روى الترمذي وابو داود وابن ماجة والدارمي عن الحسن عن سمرة قال قال رسول الله ﷺ من قتل عبده قتلناه ومن جدع عبده جدعناه- قال الجمهور هذا الحديث محمول على السياسة والحديث مرسل لم يسمع الحسن عن سمرة وقد روى الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان رجلا قتل عبده متعمدا فجلده النبي ﷺ مائة جلدة ونفاه سنة ومحا سهمه من المسلمين ولم يقد به وامره ان يعتق رقبة- لكن فيه اسمعيل بن عياش ضعيف والله اعلم- واما غير ابى حنيفة رحمه الله فاتفقوا على ان العبد يقتل بالحر والأنثى بالذكر والكافر بالمسلم لان في كل ذلك تفاوت الى نقصان والناقص يجوز ان يستوفى بالكامل دون عكسه- واتفقوا ايضا على ان الذكر يقتل بالأنثى لما روى عن عمرو بن حزم ان النبي ﷺ كتب في كتابه الى اهل اليمن ان الذكر يقتل بالأنثى هذا طرف من كتاب النبي صلى الله عليه وسلم- وهو مشهور رواه مالك والشافعي- واختلف اهل الحديث فى صحة هذا الحديث- قال ابن حزم- صحيفة عمرو بن حزم منقطعة لا يقوم بها حجة وسليمان بن داود «١» راويه متفق على تركه- وقال ابو داود سليمان بن داود وهم انما هو سليمان بن أرقم- وصححه الحاكم وابن حبان والبيهقي- ونقل عن احمد انه قال ارجوا ان يكون صحيحا- وقد اثنى على سليمان بن داود ابو زرعة وابو حاتم وجماعة من الحفاظ- وصحح الحديث جماعة من الائمة لا من حيث الاسناد بل من حيث الشهرة فقال الشافعي في رسالته- لم يقبلوا هذا الحديث حتى ثبت عندهم انه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال ابن عبد البر هذا كتاب مشهور عند اهل السير معروف ما فيه عند اهل العلم- بقي الاختلاف في انه هل يقتل الحر بالعبد عبد غيره فقال مالك والشافعي واحمد لا يقتل وقال ابو حنيفة يقتل- احتجوا بحديث ابن عباس ان النبي ﷺ قال لا يقتل حر بعبد رواه الدارقطني والبيهقي- وحديث على قال من السنة ان لا يقتل حر بعبد- رواه ايضا الدارقطني والبيهقي- والجواب ان حديث ابن عباس فيه جويبر وعثمان البزي ضعيفان متروكان كذا قال ابن الجوزي والحافظ ابن حجر وحديث على فيه جابر الجعفي كذاب- وفي انه هل يقتل المسلم بالكافر الذمي- فقال الشافعي واحمد لا يقتل احتجا بحديث ابى جحيفة عن على قال سالت عليا هل عندكم شىء ليس في القران قال والذي فلق الحبة وبرىء النسمة ما عندنا الا ما في القران الا فهما

(١) فى الأصل هاهنا سليمان بن ابى داود

صفحة رقم 180

يعطى الرجل في كتابه وما في هذه الصحيفة قلت وما في الصحيفة- قال العقل وفكاك الأسير وان لا يقتل مسلم بكافر- رواه البخاري ورواه احمد بلفظ لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده- وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان النبي ﷺ قضى- لا يقتل مسلم بكافر رواه احمد واصحاب السنن الا النسائي ورواه ابن ماجة من حديث ابن عباس ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر- وروى الشافعي عن عطاء وطاءوس والحسن ومجاهد مرسلا ان رسول الله ﷺ قال يوم الفتح لا يقتل مؤمن بكافر ورواه البيهقي من حديث عمران بن حصين- وحديث عائشة عن رسول الله ﷺ لا يحل قتل مسلم الا في احدى ثلاث خصال زان محصن فيرجم ورجل يقتل مسلما متعمدا ورجل يخرج من الإسلام فيحارب الله ورسوله فيقتل او يصلب او ينفى من الأرض- رواه ابو داود والنسائي وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه ان مسلما قتل رجلا من اهل الذمة فرفع الى عثمان فلم يقتله به وغلظ عليه الدية- قال الحافظ قال ابن حزم هذا في غاية الصحة ولا يصح عن أحد من الصحابة فيه بشىء غير هذا الا ما رويناه عن عمر انه كتب في مثل ذلك ان يقاد به ثم الحقه كتابا فقال لا تقتلوه ولكن اعتقلوه- والجواب ان المراد بالكافر في قوله ﷺ لا يقتل مسلم بكافر الحربي دون الذمي ويدل عليه قوله ﷺ ولا ذو عهد في عهده- يعنى لا يقتل الذمي في عهده بكافر ولا شك ان الذمي يقتل بالذمي اجماعا فالمراد بالكافر هو الحربي لا غير وفتوى عثمان وعمر رضى الله عنهما كان بالرأى ولذا اختلف الجواب عن عمر رضى الله عنه- واما قيد الإسلام في حديث عائشة فقد وقع اتفاقا- واحتج صاحب الهداية على وجوب قتل المسلم بالذمي بما روى ان النبي ﷺ قتل مسلما بذمي- قلت وهذا الحديث رواه الدارقطني عن ابن عمران رسول الله ﷺ قتل مسلما بمعاهد وقال انا أكرم من اوفى بذمته- قال الدارقطني لم يسنده غير ابراهيم بن يحيى وهو متروك الحديث- قال ابن الجوزي ابراهيم بن يحيى كذاب والصواب عن ابن سليمان عن النبي ﷺ مرسلا وابن سليمان ضعيف لا يقوم به حجة إذا وصل الحديث فكيف بما يرسله- قلت والاولى بالاحتجاج ما ذكرنا سابقا النفس بالنفس- وحديث ابن مسعود وعثمان وعائشة واختلفوا في انه هل يقتل الوالد بولده قال مالك إذا اضتجعه فذبحه قتل به وقال داود لا يقتل به «١»

(١) فى الأصل والنقول ولا يظهر منه الفرق بين مذهب داود ومذهب ابى حنيفة ومن معه فعل مذهب داود يقتل بكل حال

صفحة رقم 181

بكل حال- وقال ابو حنيفة والشافعي واحمد لا يقتل- لنا حديث عمر بن الخطاب قال سمعت رسول الله ﷺ يقول لا يقاد الوالد بالولد رواه الترمذي وفي اسناده الحجاج بن ارطاة- وله طريق اخر عنه احمد واخر عند الدارقطني والبيهقي أصح منهما وصحح البيهقي سنده- ورواه الترمذي ايضا من حديث سراقة واسناده ضعيف وفيه اضطراب واختلاف على عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فقيل عن عمرو قيل عن سراقة وعند احمد عن عمرو بن شعيب بلا واسطة وفيه ابن لهيعة ضعيف- ورواه الترمذي وابن ماجة من حديث ابن عباس وفيه إسماعيل بن مسلم المكي ضعيف لكن تابعه الحسن بن عبد الله العنبري عن عمرو بن دينار قاله البيهقي وقال عبد الحق هذه الأحاديث كلها معلولة لا يصح منها شىء وقال الشافعي- حفظت عن عدد من اهل العلم ان لا يقتل الوالد بالولد وبذلك أقول والله اعلم- واتفق أكثرهم على انه إذا قتل الجماعة واحدا قتلوا- وقال داود وهو رواية عن احمد لا يقتلون ويجب الدية- روى عن سعيد بن المسيب ان إنسانا قتل بصنعاء وان عمر قتل به سبعة نفر وقال لو قالا عليه اهل صنعاء لقتلتهم به- رواه مالك في المؤطا والشافعي عنه ورواه البخاري من وجه اخر نحوه...
واختلفوا في واحد قتل جماعة فقال ابو حنيفة ومالك- ليس عليه الا القود لجماعتهم ولا يجب عليه شىء اخر- وقال الشافعي ان قتل واحدا بعد واحد قتل بالأول وللباقين الديات وان قتلهم في حالة واحدة اقرع بين اولياء المقتولين فمن خرجت قرعته قتل له وللباقين الديات- وقال احمد ان حضر الأولياء وطلبوا القصاص قتل بجماعتهم ولا دية عليه وان طلب بعضهم القصاص وبعضهم الدية قتل لمن طلب القصاص ووجب الدية لمن طلبها وان طلبوا كلهم الدية كان لكل واحد منهم دية كاملة- واتفقوا على انه لا قصاص في الخطاء انما القصاص في العمد- واختلفوا في تفسير العمد فقال ابو حنيفة رحمه الله- هو ما تعمد ضربه بسلاح او ما جرى مجرى السلاح كالمحدد من الخشب والمروة ونحو ذلك والنار- وقال الشعبي والنخعي والحسن البصري- لا عمد الا بحديد فحسب ولا قود في غيره واما ما تعمد ضربه بما ليس بسلاح ولا ما اجرى مجرى السلاح فهو شبه العمد لا قود فيه وفيه الدية- وقال ابو يوسف ومحمد والشافعي واحمد إذا ضربه بحجر عظيم او بخشبة عظيمة يقتل به غالبا فهو عمد وفيه القود وكذا ان أغرقه في الماء او خنقه او منعه من الطعام والشراب أياما يموت فيه غالبا فمات- وقال مالك ان تعمد ضربه بعصا او سوط او حجر صغير لا يقتل به غالبا فمات به فهو ايضا عمد وفيه القود

صفحة رقم 182

وقال الجمهور هو خطاء العمد لا قود فيه وفيه الدية- غير ان الشافعي قال ان تكرر الضرب حتى مات فعليه القود- والحجة للجمهور في وجوب القصاص بالقتل بالمثقل ما في الصحيحين عن انس بن مالك ان يهوديا رضخ رأس امراة بين حجرين فقتلها فرضخ رسول الله ﷺ رأسه بين حجرين- وما روى احمد عن ابن عباس عن عمر انه نشد قضاء رسول الله ﷺ في الجنين فجاء ابن مالك فقال كنت بين امرأتين فضربت أحدهما الاخرى بمسطح فقتلتها وجنينها فقضى رسول الله ﷺ في جنينها بغرة وان تقتل بها- والحجة لهم في عدم القود في قتيل السوط والعصا حديث عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ قال ان قتيل الخطا شبه العمد قتيل السوط والعصا فيه مائة ابل منها أربعون فى بطونها أولادها- رواه ابو داود والنسائي وابن ماجة وصححه ابن حبان وعن ابى هريرة قال اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الاخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فقضى رسول الله ﷺ ان دية جنينها غرة عبدا ووليدة وقضى بدية المرأة على عاقلتها- متفق عليه- وعن المغيرة بن شعبة نحوه رواه مسلم- وعن ابن عباس من قتل في عميا في رمى يكون بينهم بالحجارة او جلد بالسياط او ضرب بعصا فهو خطا وعقله عقل الخطأ ومن قتل عمدا فهو قود- رواه ابو داود والنسائي- واما حجة ابى حنيفة على عدم القود بالمثقل فحديث على مرفوعا لا قود في النفس وغيرها الا بحديدة- رواه الدارقطني وفي سنده معلى بن هلال قال يحيى ابن معين كان يضع الحديث- وقال الجمهور ان صح فهو محمول على انه لا قود الّا بالسيف وقد ورد حديث لا قود الا بالسيف- وفي رواية الا بالسلاح من حديث ابى هريرة وابن مسعود وراويهما ابو معاذ سليمان بن أرقم متروك- وروى مثله من حديث ابى بكرة والنعمان بن بشير وراويهما مبارك ابن فضالة كان احمد لا يعبأ به وفي الباب حديث النعمان بن بشير عن النبي ﷺ كل شىء خطأ الا السيف وفي كل خطأ أرش- وفي رواية كل شىء خطأ إلا بحديدة وفي رواتهما جابر الجعفي كذاب- واختلفوا في انه هل يجوز القصاص بمثل ما قتله القاتل فقال ابو حنيفة واحمد لا قود الا بالسيف وقد مر سنده وما فيه من البحث- وقال الشافعي ومالك واحمد في قوله الثاني يقتل بمثل ما قتله- لقوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ- والقصاص هو المساوات ولما مر من حديث انس في الصحيحين ان يهوديا رضخ رأس امراة بين حجرين فقتلها فرضخ رسول الله صلى
الله عليه وسلم رأسه بين حجرين- ولما روى ان النبي ﷺ قال من غرق غرقناه ومن حرق حرقناه رواه البيهقي في المعرفة من حديث عمرو بن نوفل بن

صفحة رقم 183

يزيد بن البراء عن أبيه عن جده وفي اسناده بعض من يجهل- فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ قال صاحب القاموس العفو الصفح وترك عقوبة المستحق عفى عنه ذنبه وعفى له ذنبه ومن هذه العبارة يستفادان العفو يتعدى الى الذنب بنفسه والى الجاني بعن واللام وعلى هذا من مبتدأ اما شرطية او موصولة والمراد به القاتل- ومن في مِنْ أَخِيهِ اما للابتداء والظرف لغو والمراد بالأخ ولى المقتول- واما للتبعيض يعنى من دم أخيه بحذف المضاف والمراد بالأخ المقتول والظرف مستقر وقع حالا مقدما- وشىء مفعول به للعفو أسند اليه الفعل والمراد به الجناية- والمعنى من عفى له من القاتلين شىء من الجناية كائنة من دم أخيه- او عفى له من ولى المقتول شىء من الجناية فاتباع بالمعروف- وقال البيضاوي عفا لازم وما قيل انه بمعنى ترك وشىء مفعول به ضعيف إذ لم يثبت عفا الشيء بمعنى تركه بل اعفى عنه ويتعدى بعن الى الجاني والى الذنب قال الله تعالى عَفَا اللَّهُ عَنْكَ- وعفا عنها فاذا عدى به الى الذنب عدى الى الجاني باللام وعليه ما في الاية كانه قيل من عفى له عن جنايته من جهة أخيه يعنى ولى الدم شىء من العفو فهو مسند الى المصدر وحينئذ من في من أخيه للابتداء- وعلى هذين التركيبين تنكير شىء ليدل على ان المتروك بعض الجناية- او الموجود بعض العفو لا كله ولذا صح اسناد الفعل الى المصدر لانه مفعول مطلق للنوع والمراد عفو قليل نحو إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا- فلا يدل الاية على ان بعد عفو كل الجناية من جميع الأولياء يجب الدية- فليس فيه حجة الشافعي رحمة الله ومن معه- وقال الأزهري العفو في الأصل الفضل ومنه يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ- يقال عفوت لفلان بمالى إذا أفضلت له وأعطيت وعفوت له عن مالى عليه- وحينئذ المراد بالأخ ولى المقتول والمعنى من عفى له يعنى من اعطى له من اولياء المقتول من أخيه يعنى من مال أخيه يعني القاتل شىء صلحا- وانما ذكر القاتل او المقتول او ولى المقتول بلفظ الاخوة الثابتة بالجنسية او الإسلام ليرق له ويعطف عليه- وفيه دليل على ان القاتل لا يصير كافرا بالقتل حيث ذكر الاخوة الاسلامية بين القاتل والمقتول وايضا خاطب بقوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فَاتِّباعٌ اى فليكن من ولى المقتول- او فالامر لولى المقتول اتباع بِالْمَعْرُوفِ فلا يعنف وَعلى القاتل أَداءٌ إِلَيْهِ يعنى الى ولى المقتول بِإِحْسانٍ بلا مطل وبخس ذلِكَ اى الحكم المذكور من جواز الصلح او وجوب الدية لبعض الورثة بعد عفو البعض تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ اخرج ابن جرير عن قتادة ان رحم الله هذه

صفحة رقم 184

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

القاضي مولوي محمد ثناء الله الهندي الفاني فتي النقشبندى الحنفي العثماني المظهري

تحقيق

غلام نبي تونسي

الناشر مكتبة الرشدية - الباكستان
سنة النشر 1412
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية