ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙ

باب الأكل والشرب والجماع ليلة الصيام


قال الله تعالى : أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم إلى قوله : ثم أتموا الصيام إلى الليل . ورُوي عن ابن عباس أن ذلك كان في الفرض الأول من الصيام بقوله تعالى : كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم وأنه كان صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وأنه كان من حين يصلي العتمة يَحْرُمُ عليهم الطعامُ والشرابُ والجماعُ إلى القابلة ؛ رواه عطية عن ابن عباس. ورَوَى عكرمة عن ابن عباس مثله، ولم يذكر أنه كان في الصوم الأول. وروى عطاء عن ابن عباس " أنه كان إذا صلى العتمة ورقد حرَّم عليه الطعام والشراب والجماع ". وروى الضحاك " أنه كان يحرّم ذلك عليهم من حين يصلّون العتمة ". وعن معاذ " أنه كان يحرم ذلك عليهم بعد النوم ". وكذلك ابن أبي ليلى عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا : ثم إن رجلاً من الأنصار لم يأكل ولم يشربْ حتى نام، فأصبح صائماً فأجهده الصوم، وجاء عمر وقد أصاب امرأته بعدما نام فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى، أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ونَسَخَ به تحريم الأكل والشرب والجماع بعد النوم.
والرَّفثُ المذكور هو الجِمَاعُ لا خلاف بين أهل العلم فيه. واسم الرَّفَثِ يقع على الجماع، وعلى الكلام الفاحش، ويُكْنَى به عن الجماع، قال ابن عباس في قوله : فلا رفث ولا فسوق [ البقرة : ١٩٧ ] إنه مراجعة النساء بذكر الجماع، قال العجاج :
* عن اللَّغَا ورَفْثِ التكلُّمِ *
فأولى الأشياء بمعنى الآية هو الجماع نفسه ؛ لأن رَفَثَ الكلام غير مباح، ومراجعة النساء بذكر الجماع ليس لها حكم يتعلق بالصوم ؛ لا فيما سلف ولا في المستأنف، فعُلِمَ أن المراد هو ما كان محرماً عليهم من الجماع فأبيح لهم بهذه الآية، ونُسخ به ما تقدم من الحظر.
وقوله تعالى : هن لباس لكم وأنتم لباس لهن بمعنى هنّ كاللباس لكم في إباحة المباشرة وملابسة كل واحد منهما لصاحبه ؛ قال النابغة الجعدي :
* إذا ما الضجيعُ ثَنَى عِطْفَهُ * تَثَنَّتْ عليه فكَانتْ لِبَاسا *
ويحتمل أن يريد باللباس الستر ؛ لأن اللباس هو ما يَسْتُرُ. وقد سمَّى الله تعالى الليل لباساً، لأنه يسْتُرُ كلَّ شيء يشتمل عليه بظلامه، فإن كان المعنى ذلك، فالمراد كل واحد منهما سَتَرَ صاحِبَهُ عن التخطِّي إلى ما يَهْتكه من الفواحش، ويكون كل واحد منهما متعففاً بالآخر مستتراً به.
وقوله تعالى : علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ذِكْرٌ للحال التي خرج عليها الخطاب واعتداد بالنعمة علينا بالتخفيف بإباحة الجماع والأكل والشرب في ليالي الصوم واستدعاء لشكره عليها.
ومعنى قوله : تختانون أنفسكم أي يستأثر بعضكم بعضاً في مواقعة المحظور من الجماع والأكل والشرب بعد النوم في ليالي الصوم، كقوله : تقتلون أنفسكم [ البقرة : ٨٥ ] يعني يقتل بعضكم بعضاً.
ويحتمل أن يريد به كل واحد في نفسه بأنه يخونها، وسمّاه خائناً لنفسه من حيث كان ضرره عائداً عليه.
ويحتمل أن يريد به أنه يعمل عمل المستأثر له، فهو يعامل نفسه بعمل الخائن لها، والخيانة هي انتقاص الحق على جهة المساترة.
وقوله تعالى : فتاب عليكم يحتمل معنيين، أحدهما : قبول التوبة من خيانتهم لأنفسهم، والآخر : التخفيف عنكم بالرخصة والإباحة، كقوله تعالى : علم أن لن تحصوه فتاب عليكم [ المزمل : ٢٠ ] يعني والله أعلم : خفف عنكم. وكما قال عقيب ذكر حكم قتل الخطأ : فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله [ النساء : ٩٢ ] يعني تخفيفه، لأن قاتل الخطأ لم يفعل شيئاً تلزمه التوبة منه.
وقوله تعالى : وعفا عنهم يحتمل أيضاً العفو عن الذنب الذي اقترفوه بخيانتهم لأنفسهم، ثم لما أحدثوا التوبة منه عفا عنهم في الخيانة، ويحتمل أيضاً التوسعة والتسهيل بإباحة ما أباح من ذلك، لأن العفو يعبّر به في اللغة عن التسهيل، كقول النبي صلى الله عليه وسلم :" أوّلُ الوَقْتِ رِضْوَانُ الله وآخِرُهُ عَفْوُ الله " يعني تسهيله وتوسعته.
وقوله تعالى : فالآن باشروهن إباحة للجماع المحظور ؛ كان قبل ذلك في ليالي الصوم. والمباشرة هي إلصاق البشرة بالبشرة، وهي في هذا الموضع كناية عن الجماع ؛ قال زيد بن أسلم :" هي المواقعة والجماع " وقال في المباشرة مرة :" هي إلصاق الجلد بالجلد "، وقال الحسن :" المباشرة النكاح "، وقال مجاهد :" الجماع ". وهو مثل قوله عز وجل : ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد .
وقوله : وابتغوا ما كتب الله لكم . قال عبدالوهاب عن أبيه عن ابن عباس قال :" الولد ". وعن مجاهد والحسن والضحاك والحكم مثله. وروى معاذ بن هشام قال : حدثني أبي عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس وابتغوا ما كتب الله لكم قال :" ليلة القدر ". وقال قتادة في قوله : وابتغوا ما كتب الله لكم قال :" الرخصة التي كتب الله لكم ".
قال أبو بكر : إذا كان المراد بقوله : فالآن باشروهن الجماع، فقوله : وابتغوا ما كتب الله لكم لا ينبغي أن يكون محمولاً على الجماع لما فيه من تكرار المعنى في خطاب واحد، ونحن متى أمكننا استعمال كل لفظ على فائدة مجددة فغير جائز الاقتصار بها على فائدة واحدة، وقد أفاد قوله : فالآن باشروهن إباحة الجماع، فالواجب أن يكون قوله : وابتغوا ما كتب الله لكم على غير الجماع.
ثم لا يخلو من أن يكون المراد به ليلة القدر على ما رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس، أو الولد على ما رُوي عنه وعن غيره ممن قدمنا ذكره، أو الرخصة على ما رُوي عن قتادة. فلما كان اللفظ محتملاً لهذه المعاني ولولا احتماله لها لما تأوّله السلف عليها وجب أن يكون محمولاً على الجميع، وعلى أن الكل مراد الله تعالى، فيكون اللفظ منتظماً لطلب ليلة القدر في رمضان ولاتّباع رخصة الله تعالى ولطلب الولد، فيكون العبد مأجوراً على ما يقصده من ذلك، ويكون الأمر بطلب الولد على معنى ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ فإنّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ يَوْمَ القيامة "، وكما سأل زكريا ربه أن يرزقه ولداً بقوله : فهب لي من لدنك وليّاً يرثني ويرث من آل يعقوب [ مريم : ٦ ].
وقوله : وكلوا واشربوا إطلاقٌ مِنْ حَظْرٍ، كقوله : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله [ الجمعة : ١٠ ]، وقوله : وإذا حللتم فاصطادوا [ المائدة : ٢ ]، ونظائر ذلك من الإباحة الواردة بعد الحظر، فيكون حكم اللفظ مقصوراً على الإباحة لا على الإيجاب ولا الندب.
وأما قوله : حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر قال أبو بكر : قد اقتضت الآية إباحة الأكل والشرب والجماع إلى أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. رُوي أن رجالاً منهم حملوا ذلك على حقيقة الخيط الأبيض والأسود، وتَبَيُّنِ أحدهما من الآخر. منهم عدي بن حاتم ؛ حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا مسدد قال : حدثنا حصين بن نمير قال وحدثنا أبو داود قال : حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال : حدثنا ابن إدريس المعنيّ عن حصين عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال : لما نزلت هذه الآية : حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود قال : أخذت عقالاً أبيض وعقالاً أسود فوضعتها تحت وسادتي، فنظرت فلم أتبين، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك فقال :" إنّ وِسَادَك إذاً لعَرِيضٌ طَوِيلٌ، إنّما هو اللّيلُ والنَّهار " قال عثمان :" إنّما هُوَ سَوَادُ اللَّيل وبَيَاضُ النهار ". قال وحدثنا أبو محمد جعفر بن محمد الواسطي قال : حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد اليماني قال : حدثنا أبو عبيد قال : حدثنا ابن أبي مريم عن أبي غسان محمد بن مطرف قال : أخبرنا أبو حازم عن سهل بن سعد قال : لما نزل قوله : وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ولم ينزل من الفجر قال : فكان رجالٌ إذا أرادوا الصوم رَبَط أحدُهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبينا له، فأنزل الله بعد ذلك : من الفجر فعلموا أنه إنما يعني بذلك الليل والنهار.
قال أبو بكر : إذا كان قوله من الفجر مبيناً فيه فلا إلباس على أحد في أنه لم يُرِدْ به حقيقة الخيط، لقوله : من الفجر ويشبه أن يكون إنما اشتبه على عدي وغيره ممن حمل اللفظ على حقيقته قبل نزول قوله من الفجر وذلك لأن الخيط اسم للخيط المعروف حقيقة، وهو مجاز واستعارة في سواد الليل وبياض النهار. وجائز أن يكون ذلك قد كان شائعاً في لغة قريش ومن خُوطبوا به ممن كان بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم عند نزول الآية، وأن عدي بن حاتم ومن أشكل عليه ذلك لم يكونوا عرفوا هذه اللغة ؛ لأنه ليس كل العرب تعرف سائر لغاتها، وجائز مع ذلك أن يكونوا عرفوا ذلك اسماً للخيط حقيقة ؛ ولبياض النهار وسواد الليل مجازاً، ولكنهم حملوا اللفظ على الحقيقة، فلما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم بمراد الله تعالى منه، وأنزل الله تعالى بعد ذلك : من الفجر فزال الاحتمال وصار المفهوم من اللفظ سواد الليل وبياض النهار، وقد كان ذلك اسماً لسواد الليل وبياض النهار في الجاهلية قبل الإسلام مشهوراً ذلك عندهم ؛ قال أبو داود الإيادي :
* ولما أضاءَتْ لنا ظُلْمَةٌ * ولاَحَ مِنَ الصُّبْحِ خَيْطٌ أنارَا *
وقال آخر في الخيط الأسود :
* قد كان يبدُو أو بدتْ تباشِرُهْ * وسِدْفُ الخيطِ البَهِيمِ ساتِرُه *
فقد كان ذلك مشهوراً في اللسان قبل نزول القرآن به، وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى : الخيط الأبيض هو الصبح والخيط الأسود الليل ؛ قال : والخيط هو اللون.
فإن قيل : كيف شَبَّهَ الليل بالخيط الأسود وهو مشتمل على جميع العالم، وقد علمنا أن الصبح إنما شُبِّهَ بالخيط لأنه مستطيل أو مستعرض في الأفق، فأما الليل فليس بينه وبين الخيط تشابه ولا مشاكلة ؟ قيل له : إن الخيط الأسود هو السواد الذي في الموضع قبل ظهور الخيط الأبيض فيه، وهو في ذلك الموضع مساوٍ للخيط الأبيض الذي يظهر بعده، فمن أجل ذلك سُمِّي الخيط الأسود.
وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحديد الوقت الذي يَحْرُمُ به الأكل والشرب على الصائم، ما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا مسدد قال : حدثنا حماد بن زيد عن عبدالله بن سوادة القشيري عن أبيه قال : سمعت سمرة بن جندب يخطب وهو يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا يَمْنَعَنَّكُمْ مِنْ سُحُورِكُمْ أَذَانُ بلالٍ ولا بَيَاضُ الأُفُقِ الذي هكذا حتى يَسْتَطِيرَ ". وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا محمد بن عيسى قال : حدثنا ملازم بن عمرو عن عبدالله بن النعمان قال : حدثني قيس بن طلق عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" كُلُوا واشْرَبُوا ولا يَهِيدَنَّكُمُ السَّاطِعُ المُصْعِدُ فكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يَعْتَرِضَ لَكُمُ الأحمرَ ". فذكر في هذا الخبر الأحمر، ولا خلاف بين المسلمين أن الفجر الأبيض المعترض في الأفق قبل ظهور الحمرة ؛ يحرم به الطعام والشراب على الصائم ؛ وقال عليه السلام لعدي

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

الجصاص

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير