ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙ

أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته لعلهم يتقون ١٨٧ .
بعد هذا عاد إلى سرد بقية أحكام الصيام فقال : أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم روي في سبب نزول هذه الآية أن الصحابة كانوا إذا أفطروا يأكلون ويشربون ويتغشون النساء إلى وقت النوم فإذا نام أحدهم ثم استيقظ من الليل صام في أول الليل، وروي أن أهل الكتاب كانوا يصومون كذلك وأن الصحابة فهموا من قوله تعالى : كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم أن التشبيه يتناول كيفية الصوم فوقع لبعضهم أن وقع على امرأته في الليل بعد النوم فشكا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ولبعضهم أن نام قبل أن يفطر ثم استيقظ فواصل الصوم إلى اليوم الثاني وكان عاملا فأضواه الجوع حتى غشي عليه فذكر خبره للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت.
قال بعض المفسرين هذه الآية ناسخة لقوله : كما كتب على الذين من قبلكم وقال بعضهم لا نسخ هنا فإن التشبيه ليس من كل وجه وإنما هو في الفريضة لا في الكيفية، وهذه الآية متصلة بما قبلها متممة لأحكام الصوم مبينة لما امتاز به صومنا من الرخصة التي لم تكن لمن قبلنا، وهذا ما اختاره الأستاذ الإمام وقال : إذا صح ما ورد في سبب النزول فهو يدل على أنه عندما فرض الصيام كان كل إنسان يذهب في فهمه مذهبا كما يؤديه إليه اجتهاده ويراه أحوط وأقرب إلى التقوى. ولذلك قالوا فيما رووه من إتيان عمر أهله بعد النوم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له لم تكن حقيقا بذلك يا عمر .
أقول : أما الرواية الأولى فعند أحمد وأبي داود والحاكم من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل قال : كانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا فإذا ناموا امتنعوا، ثم إن رجلا من الأنصار يقال قيس بن صِرمة ( بكسر الصاد ) صلى العشاء ثم نام فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح، فأصبح مجهودا وكان عمر قد أصاب من النساء بعدما نام فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فأنزل الله أحل لكم إلى قوله : ثم أتموا الصيام إلى الليل .
قال في لباب النقول : هذا الحديث مشهور عن ابن أبي ليلى لكنه لم يسمع من معاذ وله شواهد، وذكر حديث قيس بن صرمة عن البراء عند البخاري وأخرجه أبو داود أيضا في الصوم والترميذي في التفسير- وقول البراء عند البخاري لما نزل صوم شهر رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله فكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل الله علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم .
وأما حديث عمر فهو ما رواه عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه عند أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم قال : كان النساء في رمضان إذا صام الرجل فأمسى فنام حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى فطر من الغد فرجع عمر من عند النبي صلى الله عليه وسلم وقد سمر عنده فأراد امرأته فقالت إني نمت قال ما نمت، ووقع عليها وصنع كعب مثل ذلك فغدا عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فنزلت اه.
فأنت ترى في هذه الروايات اضطرابا ففي بعضها أنهم كانوا يرون مقاربة النساء محرمة في ليالي رمضان كأنهره على الإطلاق وفي الأخرى أنهم كانوا يعدونها كالأكل والشراب لا تحرم إلا بعد النوم في الليل، وأقرب ما يمكن أن يخرج عليه الجمع بين الروايتين اختلاف اجتهاد الصحابة في ذلك بحمل رواية على طائفة وإلا تعارضتا وسقط الاحتجاج بهما. وهذا الجمع يوافق ما قال الأستاذ الإمام فتعين أن اجتهادهم لم يكن حكما قرآنيا فيقال إنه نسخ بالآية، وإنما هو اجتهاد أوقعهم فيه الإجمال فجاءت هذه الآية بالبيان قال : وقوله :( أحل لكم ) لا يقتضي أنه كان محرما بل يكفي فيه أن يتوهم أن من كمال الصيام أو من شروطه عدم الأكل بعد النوم وعدم مقاربة النساء بعده أو مطلقا. وهو كقوله تعالى : أحل لكم صيد البحر ( المائدة : ٩٦ ) ولم يكن قد سبق نص في تحريمه.
وأقول : إن إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لهم على ذلك الاجتهاد كان جريا على سنته في إجازة عمل كل أحد باجتهاده فيما يحتمل الاجتهاد من النصوص من غير إلزام لأحد به إذ لم يكن يلزم الأمة كلها إلا العمل بالنص القطعي الدلالة كما يأتي بيانه في تحريم الخمر والميسر.
أما ليلة الصيام فهي الليلة التي يصبح منها المرء صائما، وأما الرفث إلى النساء فهو الإفضاء إليهن ومباشرتهن، وأصله الإفصاح بما ينبغي أن يكنى عنه مما يقع بين الرجل وامرأته. يقال رفث في كلامه إذا فحش وأفصح بذكر الوقاع وشؤونه أو حادث النساء في ذلك، وقال الأزهري الرفث كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من المرأة. وحقق الراغب أن الرفث كلام متضمن لما يستقبح من ذكر الوقاع ودواعيه، وجعل كناية عنه في الآية تنبيها على جواز دعائهن إلى ذلك ومكالمتهن فيه. وعدى بإلى لتضمينه معنى الإفضاء، وقد علمنا القرآن النزاهة في التعبير عن هذا الأمر عند الحاجة إلى الكلام فيه بما ذكر من الكنايات اللطيفة، كقوله : لامستم النساء ( النساء : ٤ ) أفضى بعضكم إلى بعض ( النساء : ٢١ ) دخلتم بهن ( النساء : ٤ ) فلما تغشاها حملت ( الأعراف : ١٨٩ ) وقال بعض المفسرين قد ذكر هنا اللفظ الصريح والسبب في ذلك استهجان ما وقع منهم. وهذا غلط فإن الكلمة بمعنى ما لا يحسن التصريح به من شأن الرجل مع المرأة وليست هي من الألفاظ الصريحة في ذلك، فالمعنى أحل لكم ذلك الأمر الذي لا ينبغي التصريح به.
وإن قال الأستاذ الإمام : والصواب أنه جيء باللفظ على خلاف ما جرت عليه سنة الكتاب للإشارة إلى استهجانه في شهر الصوم وإن حل فهو من الحلال المكروه على الجملة وقوله : هن لباس لكم وأنتم لباس لهن قول مستأنف سيق لبيان سبب الحكم أي إذا كان بينكم وبينهن هذه الملابسة والمخالطة فإن اجتنابهن عسر عليكم فلهذا رخص لكم في مباشرتهن ليلة الصيام قاله صاحب الكشاف واختاره الأستاذ الإمام، فهو يرى أن لفظ لباس هنا مصدر لابسه بمعنى خالطه وعرف دخائله، لا بمعنى ما ورد من إطلاق اللباس والإزار على المرأة. وقال ابن عباس معناه هن سكن لكم وأنتم سكن لهن. وذهب كثير من المفسرين إلى أنه كناية عن المعانقة، واستشهدوا له بقول الذبياني :

إذا ما الضجيع ثنى عطفها تثنت عليه فكانت لباسا١
وقال بعضهم إنه كناية عن الستر المقصود من اللباس لأن كلا من الزوجين ستر للآخر وإحصان له، وهو بمعنى الغشيان من ألفاظ الكناية عن وظيفة الزوجية.
ثم قال : علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم أي تنتقصونها بعض ما أحل الله لها من اللذات توهما أن من قبلكم كان كذلك، فيكون بمعنى التخون أي النقص من الشيء أو معناه تخونون أنفسكم إذ تعتقدون شيئا ثم لا تلتزمون العمل به، فهو مبالغة من الخيانة، التي هي مخالفة مقتضى الأمانة، ولم يقل تختانون الله كما قال : لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم ( الأنفال : ٢٧ ) للإشعار بأن الله تعالى لم يحرم عليهم بعد النوم في الليل ما حرمه على الصائم في النهار، وإنما ذهب بهم اجتهادهم إلى ذلك فهم قد خانوا أنفسهم في اعتقادها فكانوا كمن يتغشى امرأته ظانا أنها أجنبية، فعصيانه بحسب اعتقاده لا بحسب الواقع.
فهم على أي حال كانوا عاصين بما فعلوا محتاجين إلى التوبة والعفو ولذلك قال : فتاب عليكم وعفا عنكم فإن كان ذنبهم تحريم ما أباح الله لهم في ليالي الصوم أو التورع عنه ليوافق صيامهم صيام أهل الكتاب من كل وجه فتفسر التوبة بالرجوع عليهم ببيان الرخصة بعد ذكر فرض الصيام مجملا، والتشبيه فيه مبهما، ويكون العفو عن الخطأ في الاجتهاد الذي أدى إلى التضييق على النفس وإيقاعها في الحرج، وإن كان الذنب هو مخالفة الاعتقاد بأن كانوا فهموا من النبي صلى الله عليه وسلم أو من قوله تعالى : كما كتب على الذين من قبلكم تحريم ملامسة النساء ليلا مطلقا أو تحريمه كالأكل والشرب بعد النوم في الليل، فالتوبة على ظاهر معناها، أي أن الله قبل توبتكم، وعفا عن خيانتكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم المباشرة هنا كناية عن المباضعة الزوجية وحقيقتها وكنايتها وهي من نزاهة القرآن، والمعنى : فالآن باشروهن إذ أحل لكم الرفث إليهن بالنص الصريح النافي لما فهمتم من الإجمال في كتابة الصيام عليكم، فالأمر بالمباشرة للإباحة الناسخة أو النافية لذلك الحظر فهي كالأمر بالشيء بعد النهي عنه، واطلبوا بمباشرتهن ما قدره لجنسكم في نظام الفطرة من جعل المباشرة سببا للنسل أو ما عسى أن يكون كتبه لكل منكم، بأن تكون مباشرتكم بقصد إحياء سنة الله تعالى في الخليقة.
زاد بعضهم : لا لمحض شهوة النفس واللذة التي يشارككم فيها البهائم وهو يشعر أن التمتع باللذة الزوجية مذموم إذا لم يكن لأجل النسل، وليس بصحيح على إطلاقه فإن الزوجين المحرومين من الأولاد أو اللذين رزقا بعض الأولاد ثم انقطع نتاجهما لا يذم ولا يكره لهما الاستمتاع بالمباشرة الزوجية بغير إفراط بل هو مطلوب لإحصان كل منهما للآخر وصده عن الحرام. ولما قال صلى الله عليه وسلم للفقراء ( وفي بضع أحدكم صدقة ) قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال :( أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر ؟ ) قالوا : نعم، قال :( فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر ) ٢ والحديث في صحيح مسلم.
وقيل إن العبارة تتضمن النهي عن المباشرة المحرمة فإنها لا يقصد بها الولد سواء كانت الزنا أو غيره، وليس ببعيد وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر أي ويباح لكم الأكل والشراب كالمباشرة عامة الليل حتى يتبين لكم بياض الفجر فمتى تبين وجب الصيام. وما أحسن التعبير عن أول طلوع الفجر بالخيطين، والخيط الأبيض هو أول ما يبدو من الفجر الصادق، فمتى أسفر لا يظهر وجه لتسميته خيطا، فما ذهب إليه بعض السلف كالأعمش من أن ابتداء الصوم من وقت الإسفار تنافيه عبارة القرآن.
هذا ما كتبته أولا وهو غير دقيق وسأفصل المسألة في الاستدراك والإيضاح الذي تراه بعد تمام تفسير الآية. والاقتصار على الأكل والشراب في بيان آخر الليل دون المباشرة وحكمها حكمهما يشعر بكراهتها في آخر وقت الإباحة الذي تتلوه صلاة الفجر المندوب التغليس بها.
ثم أتموا الصيام إلى الليل فهم من غاية وقت الأكل والشراب في الجملة السابقة مبدأ الصيام، وذكر في هذه غايته وهي ابتداء الليل بغروب قرص الشمس وما يلزمه من ذهاب شعاعها عن جدران البيوت والمآذن، ولا يلزم أهل الأغوار والقيعان ذهاب شعاعها عن شناخيب الجبل العالية بعيدة كانت أو قريبة، وإنما العبرة بمغيب الشمس في أفقهم الذي يتلوه إقبال الليل. قال صلى الله عليه وسلم :( إذا أدبر النهار وأقبل الليل وغابت الشمس فقد أفطر الصائم ) ٣ متفق عليه. وزاد فيه البخاري ( من ههنا ) عند ذكر الليل والنهار والإشارة إلى المغرب والمشرق وللمباني العصرية الشامخة في بلاد أمريكا حكمها في ذلك. وأنت ترى أن هذا التحديد جاء بأسلوب الإطناب لأنه بيان للإجمال بعد وقوع الخطأ فيه، وإنما أخر البيا
١ يروى البيت :
إذا ما الضجيج ثنى جيدها تداعت فكانت عليه لباسا
وهو من المتقارب، وهو للنابغة الجعدي في ديوانه ص ٨١، ومقاييس اللغة ٥/٢٣٠، وتهذيب اللغة ١٢/٤٤٤، ومجمل اللغة ٤/٢٦٢، وتاج العروس (لبس)، ولسان العرب (لبس)، والشعر والشعراء ص ٣٠٢.
.

٢ أخرجه مسلم في الزكاة حديث ٥٢، وأحمد في المسند ٥/١٦٨، ١٦٩..
٣ أخرجه البخاري في الشهادات باب ١١، ومسلم في الصيام حديث ٥١، ٥٢..

استدراك وإيضاح لتفسير آيات الصيام
وتحقيق الحق فما اختلف فيه منها اجتهاد العلماء
( مسألة الصيام وهل هو طلوع الفجر أم تبين بياض النهار للناس ) ؟
إن ما كتبته أولا وبينت به مذهب الجمهور في تحديد نهار الصيام يبني على ما كان من تشبيه العرب أول الصبح كقول بعضهم :
ولما تبدت لنا سدفة *** ولاح من الصبح خيط أنارا٤
ومنه قول كمال الدين بن النبيه الشاعر في الخمرة وهو من التشبيه العقيم :
وتريك خيط الصبح مفتولا إذا *** صبت من الراووق في الطاسات
ولكن هذا التشبيه يصدق بالفجر الكاذب وهو الضوء المستطيل، ولا يظهر في الخيط الأسود إلا بتكلف أو بطرق التغليب، وصح أن بعض الصحابة فهموا أولا أن الخيطين على حقيقتهما حتى بين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهما النهار والليل يتميز أحدهما من الآخر، ففي الصحيحين من حديث سهل بن سعد قال : أنزلت وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ولم ينزل من الفجر فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود ولا يزال يأكل حتى تبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعد من الفجر فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار٥. وهذا الحديث مشكل باستبعاده تأخر نزول هذا البيان.
وزعم بعضهم أنه نزل بعد سنة من نزول الآيات والعمدة في الباب حديث عدي بن حاتم المرفوع المتفق عليه الذي قدمه عليه البخاري قال : لما نزلت حتى تبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتي فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فقال ( إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار ) زاد في رواية : فضحك وقال :( إن كان وسادك إذا لعريضا إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادتك ) ٦ ورواية مسلم٧ ( إن وسادك لعريض طويل ) ويحمل قول عدي في الآية : لما نزلت ـ على علمه بنزولها لتأخير إسلامه عنه. ورواية الإمام أحمد توضح هذا فإنه روي عنه أنه لما علمه صلى الله عليه وسلم الصلاة والصيام قال له :( فكل حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود ) قال فأخذت خيطين٨ الخ الحديث.
قال الحافظ في شرح حديث سهل من الفتح : ومعنى الآية حتى يظهر بياض النهار من سواد الليل. وهذا البيان يحصل بطلوع الفجر الصادق ففيه دلالة على أن ما بعد الفجر من النهار. وقال أبو عبيد : المراد بالخيط الأسود وبالخيط الأبيض الفجر الصادق والخيط اللون ثم قال : واستدل بالآية والحديث على أن غاية الأكل والشراب طلوع الفجر فلو طلع الفجر وهو يأكل أو يشرب فسد صومه، وفيه اختلاف بين العلماء ولو أكل ظانا أن الفجر لم يطلع لم يفسد صومه عند الجمهور، لأن الآية دلت على الإباحة إلى أن يحصل التبين. وقد روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عباس قال : أحل الله لك الأكل والشراب ما شككت. ولابن أبي شيبة عن أبي بكر وعمر نحوه. وروى ابن أبي شيبة من طريق أبي الضحى قال : سأل رجل ابن عباس عن السحور فقال له رجل من جلسائه : كل حتى لا تشك. فقال ابن عباس : إن هذا لا يقول شيئا، كل ما شككت حتى لا يشك. قال ابن المنذر : وإلى هذا القول صار أكثر العلماء. وقال مالك : يقضي. وقال ابن بزيزة في شرح الأحكام : اختلفوا هل يحرم الأكل بطلوع الفجر أو بتبينه عند الظاهر تمسكا بظاهر الآية واختلفوا هل يجب إمساك جزء قبل طلوع الفجر أم لا ؟ بناء على الاختلاف المشهور في مقدمة الواجب، وسنذكر بقية هذا البحث في الباب الذي يليه إن شاء الله. اهـ.
ويعني الحافظ بالباب الذي يليه حديث عائشة : إن بلالا كان يؤذن بليل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر ) ٩ قال البخاري : قال القاسم ولم يكن بين أذانيهما إلا أن يرقى ذا وينزل ذا. اهـ وقد ذكر الحافظ في شرحه الروايات في معناه عند مسلم وفي السنن الناطقة بأن أول النهار الذي يجب به الصيام الفجر الصادق ثم قال :
وذهب جماعة من الصحابة وقال به الأعمش من التابعين وصاحبه أبو بكر بن عياش إلى جواز السحور إلى أن يتضح الفجر، فروى سعيد بن منصور عن أبي الأحوص عن عاصم عن زر عن حذيفة قال : تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هو والله النهار غير أن الشمس لم تطلع. وأخرجه الطحاوي من وجه آخر عن عاصم نحوه. وروى ابن أبي شيبة وعبد الرزاق ذلك عن حذيفة من طرق صحيحة وروى سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر من طرق عن أبي بكر أنه أمر بغلق الباب حتى لا يرى الفجر. وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن علي أنه صلى الصبح ثم قال : الآن حين تبين الخيط الأبيض من سواد الليل. قال ابن المنذر : وذهب بعضهم إلى أن المراد بتبين بياض النهار من سواد الليل أن ينتشر البياض في الطرق والسكك والبيوت، ثم حكى ما تقدم عن أبي بكر وغيره. وروي بإسناد صحيح عن سالم بن عبيد الأشجعي وله صحبة أن أبا بكر قال له اخرج فانظر هل طلع الفجر ؟ قال فنظرت ثم أتيته فقلت قد ابيض وسطع، ثم قال اخرج فانظر هل طلع ؟ فنظرت فقلت قد اعترض، فقال : الآن أبلغني شرابي.
وروي من طريق وكيع عن الأعمش أنه قال : لولا الشهرة لصليت الغداة ثم تسحرت. قال إسحاق : هؤلاء رأوا جواز الأكل والصلاة بعد طلوع الفجر المعترض حتى يتبين بياض النهار من سواد الليل، قال إسحاق : وبالقول الأول أقول، لكن لا أطعن على من تأول الرخصة كالقول الثاني ولا أرى عليه قضاء ولا كفارة قلت : وفي هذا تعقب على الموفق١٠ وغيره حيث نقلوا الإجماع على خلاف ما ذهب إليه الأعمش والله أعلم اهـ.
أقول : وإذا كان الحكم منوطا بما يظهر للناس بدوهم وحضرهم بالحس كمواقيت صلوات الظهر والعصر والمغرب والعشاء وثبوت شهر رمضان وشهر ذي الحجة برؤية هلاله عند عدم المانع وإلا فبإكمال الشهر الذي قبله ـ فإن لنا في صلاة الفجر وبدء الصيام بحثين أحدهما : ما بسطناه من الخلاف في اتحاد أول وقتهما وقول بعضهم إن بدء الصيام متأخر عن أول وقت الصلاة، ومن قال باتحادهما وهم الجمهور إنما يريدون بالفجر الصادق انتشار الضوء الذي يظهر به النهار.
وههنا يأتي البحث الثاني : وهو أن ظهور الصبح لعامة الناس يختلف باختلاف الليالي من أول الشهر وآخره فإن طلوع الفجر في الليالي المقمرة لا يظهر ويرى الوقت الذي يظهر فيه في الليالي المظلمة بل يكون متأخرا، وإنما العبرة في العبادة برؤية الفجر وتبين النهار لا بحساب الموقتين والفلكيين، فإن هؤلاء قد يجتمعون على تولد الهلال ووجوده بعد غروب الشمس من اليوم التاسع والعشرين من شعبان ولا يعمل أحد بحسابهم حتى الذين يوقنون بصحته من أهل العلم بهذا الشأن ولو إجماليا ومن أهل الاستقراء لحساباتهم الدقيقة في السنين الطول، ولا فرق بين مسألة الفجر ومسألة القمر فلماذا يتبع جميع أهل الحضر المدني حسابهم في الفجر دون الهلال ؟
إن نص الآية ينوط بدء الصيام بأن يتبين للناس بياض النهار ناصلا من سواد الليل بحيث يراه كل من وجه نظره إلى وجهة المشرق، وقيل بحيث يرونه في طريقهم وبيوتهم ومساجدهم، ففي بعض روايات حديث الأذانين ( فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن مكتوم ) ١١ وكان رجلا أعمى لا يؤذن حتى يقال له : أصبحت. اهـ، وإنما كان يقول له هذا من يكونون عند المسجد ويظهر النهار لهم، لا أناس يرصدون الفجر من منارة أو سطح ويعتمدون على أول ما يرونه في أفق المشرق من انتشار الضوء المستطيل الذي يسمى الفجر الكاذب الذي يظهر كذنب السرحان ( الذئب ) ثم استطارته معترضا التي حددوا بها الفجر الصادق فإن هذا التحديد لا يدركه إلا الراصد المراقب للأفق دون الجمهور الذي خاطبه ربه بقوله : وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخ فجعل لهم بدء صيامهم وقتا واضحا لا شبهة فيه وهو ما عبر عنه المتنبي بقوله :
وهبني قلت هذا الصبح ليل *** أيعمى العالمون عن الضياء ؟١٢
وقوله :
وليس يصِحُّ في الأذهان شيء *** إذا احتاج النهار إلى دليل١٣
ولكن من طباع البشر أن يميل بعض أفرادهم بطبعه إلى التشدد والتنطع وبعضهم إلى التساهل في الأمور كلها ويكون الأكثرون في الوسط بين الإفراط والتفريط، وهو الأصل في التشريع، فهذا هو السبب في اختلاف السلف في تحديد أول النهار في الصيام هل هو أول ما يسمى الفجر الصادق أو تبين بياض النهار للناس منه ؟ كما اختلفوا في صفة المرض والسفر المبيحين للفطر. والقاعدة العامة أن التكاليف الشرعية العامة كلها يسر لا عسر ولا حرج فيها، ولا في معرفتها وثبوتها وحدودها، وأنها وسط بين إفراط الغلاة المتشددين، وتفريط المترفين المتساهلين، ومن مبالغة الخلف في تحديد الظواهر مع التفريط في إصلاح الباطن من البر والتقوى، أنهم حددوا أول الفجر وضبطوه بالدقائق وزادوا عليه في الصيام إمساك عشرين دقيقة قبله للاحتياط، والواقع أن تبين بياض النهار لا يظهر للناس إلا بعده بعشرين دقيقة تقريبا وأما وقت المغرب فيزيدون فيه على وقت الغروب التام خمس دقائق على الأقل ويشترط بعض الشيعة فيه ظهور بعض النجوم. وهذا نوع من اعتداء حدود الله تعالى ولكنه اجتهاد لا تعمد، والثابت في السنة ندب تعجيل الفطور وتأخير السحور.
وجملة القول وقت بدء الصيام من كل يوم موضع اجتهاد وأخذ الناس كلهم أو أكثرهم فيه بقول أئمة المذاهب المدونة المتبعة أضبط وأحوط وأوفى بحاجة سكان الأمصار. بيد أنه يجب إعلام المسلمين في الدروس الدينية وخطب الجمعة وفي الصحف المنتشرة أيضا بأن وقت الإمساك الذي يرونه في التقاويم ( النتائج ) والصحف إنما وضع لتنبيه الناس إلى قرب طلوع الفجر الذي يجب فيه بدء الصيام كصلاة الفجر ليتعجل المتأخر في سحوره اتباعا للسنة بإتمامه والاستعداد للصلاة ولاسيما الذين يذهبون إلى صلاة الجماعة في المساجد، وأن من أكل وشرب حتى طلوع الفجر الذي تصح فيه صلاته ولو دقيقة واحدة فإن صيامه صحيح. وإن من أكل أو شرب ظانا بقاء الليل فظهر له بعد ذلك أنه أكل بعد طلوع الفجر صح صيامه، ولكن يتأكد الاحتياط في مباشرة النساء ليتيسر التغليس بصلاة الفجر.
مسألة تعجيل الفطر وتأخير السحور وما بينه وبين صلاة الفجر
قال الرسول صلى الله عليه وسلم :( لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر ) ١٤ متفق عليه من حديث سهل بن سعد ( رض ) وروى أحمد من حديث أبي ذر أنه ( ص ) قال ( ما تزال أمتي بخير ما أخروا السحور وعجلوا الفطر ) ١٥ ولكن في إسناده سليمان بن أبي عثمان قال أبو حاتم مجهول. وقال صلى الله عليه وسلم :( يقول الله تعالى إن أحب عبادي إلي أعجلهم فطرا ) ١٦ رواه أحمد والترمذي وقال حسن غريب من حديث أبي هريرة، وعنه قال النبي صلى الله عليه وسلم :( لا يزال الدين ظاهرا ما عجل الناس الفطر لأن اليهود والنصارى يؤخرون ) ١٧ رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه. وقال :( لا تزال أمتي على سنتي ما لم ينتظر بفطرها النجوم ) رواه ابن حبان والحاكم من حديث سهل بن سعد. وروى عبد الرزاق عن عمرو بن ميمون الأودي قال : كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أسرع الناس إفطارا وأبطأهم سحورا ـ قال الحافظ ابن حجر إسناد صحيح. وقال الحافظ ابن عبد البر : أحاديث تعجيل الإفطار وتأخير السحور صحاح متواترة ـ يعني والله أعلم بالعمل بها.
وأما فصل ما بين السحور وصلاة الفجر ففيه حديث زيد ب

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير