ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙ

قوله تعالى : وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وأَنْتُمْ عَاكِفُونَ في المساجد [ ١٨٧ ] :
ظاهر ذلك يقتضي تحريم المباشرة مطلقاً لشهوة وغير شهوة، والمباشرة أن تتصل بشرته ببشرتها، إلا أن عائشة كانت ترجل شعر رسول الله وهو١ معتكف، فكانت لا محالة تمس بدن الرسول عليه السلام بيدها، ودل ذلك على أن المباشرة بغير شهوة غير محظورة. .
وزعم قوم أن الآية لا تدل على المباشرة بالشهوة أيضاً، بعد أن اتفق الناس على أن الجماع مراد به، لأن الكناية بها عن الجماع مجاز، وإذا حمل اللفظ على المجاز فلا يحمل بعينه هو على الحقيقة. وهذا ليس بصحيح، فإن لفظ المباشرة عموم في الجماع لا بطريق المجاز بل من حيث أن الجماع مباشرة، إذ المباشرة هي الإفضاء ببشرته إلى بشرة صاحبه، فإذا كانت حقيقة المباشرة - لا من حيث المجاز - إلصاق البشرة بالبشرة فهي عامة في الجماع وغيرها، فدلالتها على الجماع من حيث الحقيقة لا من حيث المجاز. .
قوله : وَلاَ تُباشِروهُنَّ وأَنْتُم عَاكِفُونَ في المَساجِدِ يقتضي أن يكون الحظر مختصاً بالمسجد، حتى لو جامع عند الخروج لا يبطل اعتكافه.
ويحتمل أن يقال : قوله : وأَنْتُمْ عَاكِفُونَ في المَسَاجِد معناه : لا تباشروهن حال ما يقال لكم إنكم عاكفون في المساجد، والرجل وإن خرج من المسجد لقضاء الحاجة فهو عاكف. واعتكافه باق. وأمكن أن يقال : لا يقال له عاكف في المسجد بل يقال : لم يبطل تتابع اعتكافه، فأما أن يكون عاكفاً في المسجد لفظاً وإطلاقاً وهو خارج منه فلا.
ولما كان الرجل باعتبار قعوده في المسجد لا يقال له عاكف إذا كان يخرج ويرجع على ما جرت به العادة، وإنما يقال عاكف للمواظب، فيقتضي ذلك زوال اسم العاكف عنه إذا كان يتردد في حاجاته ويخرج لأشغاله إلا ما لا بد له منه.
قوله تعالى : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ الآية [ ١٨٧ ] : الرفث يقع على الجماع ويقع على الكلام الفاحش، والمراد به الجماع ها هنا لأنه الذي يمكن أن يقال فيه : أٌحِلَّ لَكُمْ لَيْْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلى نِسَائِكُمْ ، ولا خلاف فيه.
وقوله : هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ يعني كاللباس لكم في إباحة المباشرة وملابسة كل واحد منهما لصاحبه، ويحتمل أن يراد باللباس الستر، لأن اللباس هو ما يستره، وقد سمى الله تعالى الليل لباساً لأنه يستر كل شيء يشتمل عليه بظلامه، فالمراد بالآية أن كل واحد منهما يستر صاحبه عن التخطي إلى ما يهتكه، ويكون كل واحد منهما متعففاً بالآخر مستتراً به.
قوله تعالى : عَلِمَ اللهُ أَنّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أنفُسَكم . أي يساتر بعضكم بعضاً في مواقعة المحظور من الجماع والأكل بعد النوم في ليالي الصوم، كقوله تعالى : تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ ٢ يعني : يقتل بعضكم بعضاً، ويحتمل أن يريد به كل واحد منهم في نفسه بأنه يخونها، وكان خائناً لنفسه من حيث كان ضرره عائداً إليه، ويحتمل أن يريد به أنه يعمل عمل المساتر له، فهو يعامل نفسه بعمل الخائن لها، والخيانة انتقاص الحق على وجه المساترة.
وقوله فَتَابَ عَلَيْكُمْ يحتمل معنيين : أحدهما : قبول التوبة من خيانتهم لأنفسهم، والآخر التخفيف عنهم بالرخصة والإباحة، كقوله تعالى : عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ٣ . وَعَفَا عَنْكُمْ : يعني خفف عنكم.
وذكر عقيب قتل الخطأ : فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ ٤ يعني تخفيفاً، لأن قاتل الخطأ لم يفعل شيئاً يلزمه التوبة منه، وقال الله تعالى : لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلىَ النّبِيِّ والمُهَاجِرِيِنَ والأنْصَارِ الّذِينَ اتّبَعُوهُ في سَاعَةِ العُسْرَةِ٥ ، وإن لم يكن من النبي عليه السلام ما يوجب التوبة منه. .
وقوله : وَعَفَا عَنْكُمْ يحتمل العفو عن المذنب، ويحتمل التوسعة والتسهيل كقول النبي عليه السلام :" أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله٦ " يعني تسهيله وتوسعته. .
قوله : حَتّى يَتَبَيّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ [ ١٨٧ ] : كان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه خيطاً أبيضا وخيطاً أسودا، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبينا، قال : فذكر سهل بن سعد الساعدي - وهو راوي الحديث - أنهم كانوا على ذلك حتى نزل قوله تعالى : مِنَ الفَجْرِ ، فعلموا أنه إنما عنى بذلك الليل والنهار، ولا يجوز أن لا يكون في قوله الخَيْطُ الأبْيَضُ بيان للحكم مع الحاجة، فإن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز أصلاً. . ويجوز أن يكون التجوز بالخيط الأبيض عن الفجر سائغاً في لغة قريش دون غيرها من اللغات، فأشكل على قوم آخرين، حتى تبين لهم بقوله من الفجر، ولا يجب أن يكون البيان بلغة يشترك في معرفتها جميع الناس قبل أن يتبين لهم بلغة من كان بياناً في لغتهم. . ويجوز أن يكون قد قال : من الفجر أولا، لكن قوله من الفجر يحتمل أن يكون تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، على معنى أنه يتبين الخيطان من أجل الفجر، ويحتمل أن يكون المستبان في نفسه هو الفجر. .
فإن قيل : كيف يشبه الليل بالخيط الأسود وهو يشتمل على جميع العالم، وقد علمنا أن الصبح إنما شبه بخيط مستطيل أو معترض في الأفق، أما الليل فليس بينه وبين الخيط مشاكلة ؟. . الجواب : أن الخيط الأسود هو السواد الذي في المواضع٧ قبل ظهور الخيط الأبيض فيه، وهو في ذلك الموضع مساو للخيط الأبيض الذي يظهر بعده، فلأجل ذلك سمي الخيط الأسود، وإذا أباح الله الأكل والشرب إلى أن يتبين فيدل ذلك على جواز الأكل قبل التبين حالة الشك، ويدل على أنه لا نظر إلى الشك إذا أمكن درك اليقين، وأنه يجوز استصحاب حكم الليل في حق الشاك، وفيه الدلالة على أن الجنابة لا تنافي صحة الصوم، لما فيه من إباحة الجماع من أول الليل إلى آخره، مع العلم بأن المجامع من الليل إذا صادف فراغه من الجماع طلوع الفجر أنه يصبح جنباً، ثم حكم مع ذلك بصحة صيامه بقوله : ثُمَّ أَتِموا الصِّيامَ إلى اللّيْلِ _ والذي يخالف هذا يقول. . إنما أبيح الأكل إلى الفجر لا الجماع، فإنه لم يقل :" وباشروهن إلى أن يتبين " _
وفيه دليل على أن البياض بعد تبين الفجر من النهار، بخلاف البياض بعد غروب الشمس.
وظن قوم أنه إذا أبيح له الفطر إلى أول الفجر، فإذا أكل على ظن أن الفجر لم يطلع، فقد أكل بإذن الشرع في وقت جواز الأكل، فلا قضاء عليه، كذلك قاله مجاهد وجابر بن زيد، ولا خلاف في وجوب القضاء، إذا غم عليه الهلال في أول ليلة من رمضان، إذا أكل ثم بان أنه من رمضان، والذي نحن فيه مثله، وكذلك الأسير في دار الحرب إذا أكل ظنا أنه من شعبان ثم بان خلافه. .

١ - أخرجه مالك والبخاري ومسلم..
٢ - سورة البقرة، آية ٨٥..
٣ - سورة المزمل، آية ٢٠..
٤ - سورة النساء، آية ٩٢..
٥ - سورة التوبة، آية ١١٧..
٦ - تقدم تخريجه، وليس بثابت..
٧ - لعلها الموضع..

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

إلكيا الهراسي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير