ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙ

صلى اللَّه عليه وسلم: أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه «١» ؟ فنزلت. فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي إذا دعوتهم للإيمان والطاعة، كما أنى أجيبهم إذا دعوني لحوائجهم. وقرئ يرشدون ويرشدون، بفتح الشين وكسرها.
[سورة البقرة (٢) : آية ١٨٧]
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)
كان الرجل إذا أمسى حل له الأكل والشرب «٢» والجماع إلى أن يصلى العشاء الآخرة أو يرقد، فإذا صلاها أو رقد ولم يفطر حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى القابلة، ثم إنّ عمر رضى اللَّه عنه واقع أهله بعد صلاة العشاء الآخرة، فلما اغتسل أخذ يبكى ويلوم نفسه، فأتى النبي صلى اللَّه عليه وسلم وقال: يا رسول اللَّه، إنى أعتذر إلى اللَّه وإليك من نفسي هذه الخاطئة وأخبره بما فعل، فقال عليه الصلاة والسلام: ما كنت جديرا بذلك يا عمر «٣». فقام رجال فاعترفوا بما كانوا صنعوا بعد العشاء، فنزلت. وقرئ: أحل لكم ليلة الصيام الرفث، أى أحل اللَّه. وقرأ عبد اللَّه:

(١). أخرجه الطبري وابن أبى حاتم والدارقطني في المؤتلف من رواية الصلت بن حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه عن جده «أن أعرابيا- فذكره- وزاد» بعد قوله «فنناديه» «فسكت عنه»
(٢). قال محمود رحمه اللَّه: «كان الرجل إذا أمسى حل له الأكل... الخ» قال أحمد رحمه اللَّه: ويشهد لصحة هذا الجواب أنه لما استقرت الاباحة فيه قال: (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ) فكنى عنه الكناية المألوفة في الكتاب العزيز. وبشكل بقوله: (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ) فان هذه العبارة استعملت ولم ينقل في الحج ما نقل في الصوم من سبب نزول الآية وهو مواقعة المكروه. ويمكن أن يجاب عنه لما وقع في آية الحج منهياً عنه أريد للشعبة عندهم كيلا يقعوا فيه، فعبر عنه بما هجنه لكون ذلك منفراً لهم عن التورط.
(٣). رواه الطبري من طريق عطية عن ابن عباس في قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ) الآية، قال: كان الناس أول ما أسلموا إذا صاموا يطعمون من الطعام فيما بين الماء والعتمة. فإذا صلوا العتمة حرم عليهم الطعام حتى يمسوا من الليلة القابلة وإن عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه بينما هو نائم إذ سولت له نفسه فأتى أهله فذكره. ليس فيه «فقام رجال فاعترفوا» وروى الطبري من طريق السدى قال «كان عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه وقع على جارية له في ناس من المسلمين لم يملكوا أنفسهم فأتى النبي صلى اللَّه عليه وسلم».

صفحة رقم 229

الرفوث، وهو الإفصاح بما يجب أن يكنى عنه، كلفظ النيك، وقد أرفث الرجل. وعن ابن عباس رضى اللَّه عنه أنه أنشد وهو محرم:
وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا... إنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيسَا «١»
فقيل له: أرفثت؟ فقال: إنما الرفث ما كان عند النساء «٢». وقال اللَّه تعالى: فلا رفث ولا فسوق، فكنى به عن الجماع، لأنه لا يكاد يخلو من شيء من ذلك. فإن قلت: لم كنى عنه هاهنا بلفظ الرفث الدال على معنى القبح بخلاف قوله: (وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ)، (فَلَمَّا تَغَشَّاها)، (بَاشِرُوهُنَّ)، (أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ)، (دَخَلْتُمْ بِهِنَّ)، (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ)، (مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ)، (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ)، (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ) ؟ قلت: استهجانا لما وجد منهم قبل الإباحة، كما سماه اختيانا لأنفسهم. فإن قلت: لم عدى الرفث بإلى؟ قلت: لتضمينه معنى الإفضاء. لما كان الرجل والمرأة يعتنقان ويشتمل كل واحد منهما على صاحبه في عناقه، شبه باللباس المشتمل عليه. قال الجعدي:
إذَا مَا الضَّجِيعُ ثَنَى عِطْفَهَا... تَثَنَّتْ فَكَانَتْ عَليْهِ لِبَاسَا «٣»
فإن قلت: ما موقع قوله: (هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ) ؟ قلت: هو استئناف كالبيان لسبب الإحلال، وهو أنه إذا كانت بينكم وبينهنّ مثل هذه المخالطة والملابسة قلّ صبركم عنهنّ وصعب عليكم اجتنابهنّ، فلذلك رخص لكم في مباشرتهنّ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ تظلمونها وتنقصونها حظها من الخير. والاختيان من الخيانة، كالاكتساب من الكسب فيه زيادة وشدة فَتابَ عَلَيْكُمْ حين تبتم مما ارتكبتم من المحظور وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ واطلبوا ما قسم اللَّه لكم وأثبت في اللوح من الولد بالمباشرة، أى لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها ولكن لابتغاء ما وضع اللَّه له النكاح من التناسل.

(١). أنشده ابن عباس في الحج، فقال له أبو العالية: أترفث وأنت محرم؟ فقال إنما الرفث ما كان عند النساء.
وقال بعضهم: قال حصين بن قيس: أخذ ابن عباس بذنب بعيره يلويه وهو يحدو ويقول: وهن... البيت.
فقلت له: أترفث وأنت محرم؟ فقال: إنما الرفث ما قيل عند النساء. وهن، أى النوق «يمشين بنا» أى معنا.
والهميس: نوع من السير لا صوت له، نصب بيمشين. وإن تصدق الطير، أى التي تفاء لنا بها حيث طارت جهة اليمين، وشبه الطير بمخبر على طريق المكنية والصدق تخييل. وروى: إن يصدق الظن، والفعل بعده جواب الشرط ولفظ «النيك» هو الحقيقة في إدخال الذكر في الفرج، وما عداه- كالوطء والجماع والملامسة- مجاز في الأصل أو كناية، ولذلك قبح النطق بها دون غيرها. ولميس: اسم امرأة، ولعل ابن عباس ضربه مثلا للظفر بما كان يقصده
(٢). أخرجه الحاكم في المستدرك من طريق زياد بن الحسين عن أبى العالية «أترفث وأنت محرم؟ فقال:
إنما الرفث ما روجع به النساء»
وأخرجه ابن أبى شيبة والطبري من هذا الوجه. والهميس: بفتح الهاء وآخره مهملة: ضرب من السير، لا يسمع له وقع. ذكره ثابت السرقسطي.
(٣). للنابغة الجعدي. و «ما» زائدة. والضجيع: المضاجع. والعطف- بالكسر-: الجانب. تثنت:
بالغث في مطلوبه من التعانق فكانت مشتملة عليه كاللباس، فهو تشبيه بليغ. ويروى: ثنى جيدها، أى عنقها

صفحة رقم 230

وقيل: هو نهى عن العزل لأنه في الحرائر. وقيل: وابتغوا المحل الذي كتبه اللَّه لكم وحلله دون ما لم يكتب لكم من المحل المحرّم. وعن قتادة: وابتغوا ما كتب اللَّه لكم من الإباحة بعد الحظر.
وقرأ ابن عباس (واتبعوا) وقرأ الأعمش (وأتوا) وقيل معناه: واطلبوا ليلة القدر وما كتب اللَّه لكم من الثواب إن أصبتموها وقمتموها، وهو قريب من بدع التفاسير الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ هو أوّل ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود. والْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ما يمتدّ معه من غبش الليل، شبها بخيطين أبيض وأسود. قال أبو داود «١» :

فَلَمَّا أضَاءَتْ لَنَا سَدْفَةٌ وَلَاحَ مِنَ الصُّبْحِ خَيْطٌ أنَارَا «٢»
وقوله مِنَ الْفَجْرِ بيان للخيط الأبيض، واكتفى به عن بيان الخيط الأسود. لأنّ بيان أحدهما بيان للثاني. ويجوز أن تكون «من» للتبعيض: لأنه بعض الفجر وأوّله. فإن قلت: أهذا من باب الاستعارة أم من باب التشبيه؟ قلت: قوله: (مِنَ الْفَجْرِ) أخرجه من باب الاستعارة، كما أن قولك: رأيت أسداً مجاز. فإذا زدت «من فلان» رجع تشبيها. فإن قلت: فلم زيد (مِنَ الْفَجْرِ) حتى كان تشبيها؟ وهلا اقتصر به على الاستعارة التي هي أبلغ من التشبيه وأدخل في الفصاحة؟
قلت: لأن من شرط المستعار أن يدل عليه الحال أو الكلام، ولو لم يذكر (مِنَ الْفَجْرِ) لم يعلم أن الخيطين مستعاران، فزيد (مِنَ الْفَجْرِ) فكان تشبيها بليغا وخرج من أن يكون استعارة.
فإن قلت: فكيف التبس على عدىّ بن حاتم مع هذا البيان حتى قال: عمدت إلى عقالين أبيض وأسود «٣» فجعلتهما تحت وسادتي فكنت أقوم من الليل فأنظر إليهما فلا يتبين لي الأبيض من الأسود، فلما أصبحت غدوت إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فأخبرته، فضحك وقال:
«إن كان وسادك لعريضا»، وروى: «إنك لعريض القفا» «٤» إنما ذاك بياض النهار وسواد الليل» ؟ قلت: غفل عن البيان، ولذلك عرّض رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قفاه، لأنه مما يستدل به على بلاهة الرجل وقلة فطنته. وأنشدتنى بعض البدويات لبدوى:
(١). قوله «قال أبو داود» لعله: دواد. (ع)
(٢). لأبى داود. وأضاء وأنار، يجيئان لازمان كما هنا ومتعديين. والسدفة بياض الفجر يشوبه قليل ظلام. وفي لغة نجد: الظلمة. وأسدفت المرأة القناع: أرسلته. وأسدف الليل: أظلم. وعند غيرهم هي الاضاءة والصبح. وأسدف الصبح. أضاء. وأسدف الباب فتحه. وشبه بياض بعض الصبح بالخيط في امتداده. ويجوز أن «من» بيانية، وجملة أنار صفة خيط، وجواب الشرط فيما بعده.
(٣). متفق عليه من حديث الشعبي عن عدى بن حاتم.
(٤). هذه الرواية في البخاري أيضا من طريق الشعبي عن عدى بن حاتم أيضا.

صفحة رقم 231

عَرِيضُ القَفَا مِيزَانُهُ فِى شِمَالِهِ قَدِ انْحَصَّ مِنْ حَسْبِ القَرَارِيِط شَارِبُهْ «١»
فإن قلت: فما تقول فيما روى عن سهل بن سعد الساعدي «٢» : أنها نزلت ولم ينزل (مِنَ الْفَجْرِ) فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبينا له، فنزل بعد ذلك (مِنَ الْفَجْرِ) فعلموا أنه إنما يعنى بذلك الليل والنهار؟ وكيف جاز تأخير البيان وهو يشبه العبث، حيث لا يفهم منه المراد، إذ ليس باستعارة لفقد الدلالة، ولا بتشبيه قبل ذكر الفجر، فلا يفهم منه إذن إلا الحقيقة وهي غير مرادة؟ قلت: أما من لم يجوّز تأخير البيان- وهم أكثر الفقهاء والمتكلمين، وهو مذهب أبى علىّ وأبى هاشم- فلم يصح عندهم هذا الحديث. وأما من يجوّزه فيقول: ليس بعبث. لأن المخاطب يستفيد منه وجوب الخطاب ويعزم على فعله إذا استوضح المراد منه ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ قالوا: فيه دليل على جواز النية بالنهار «٣» في صوم رمضان، وعلى جواز تأخير الغسل إلى الفجر، وعلى نفى صوم الوصال عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ معتكفون فيها.
والاعتكاف أن يحبس نفسه في المسجد يتعبد فيه. والمراد بالمباشرة الجماع لما تقدم من قوله (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ)، (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ) وقيل معناه: ولا تلامسوهنّ بشهوة، والجماع يفسد الاعتكاف، وكذلك إذا لمس أو قبل فأنزل. وعن قتادة كان الرجل إذا اعتكف خرج فباشر امرأته ثم رجع إلى المسجد، فنهاهم اللَّه عن ذلك. وقالوا: فيه دليل على أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد، وأنه لا يختص به مسجد دون مسجد. وقيل:
لا يجوز إلا في مسجد نبىّ وهو أحد المساجد الثلاثة. وقيل: في مسجد جامع. والعامة على
(١). يصف رجلا بالغباوة على طريق الكناية. فعرض القفا: كناية عن الحمق. وكون ميزانه في شماله: كناية عن البلة. وانحص: أى انحسر شاربه، لكثرة ما يعض على شفته عند الحسب، كناية عن البلادة. [.....]
(٢). متفق عليه من رواية أبى حازم عنه.
(٣). قال محمود رحمه اللَّه: «قالوا فيه دليل على جواز النية بالنهار... الخ». قال أحمد: وجه: استدلالهم من الآية على الحكم الأول متعذر، لأن إقران النية بأول الصوم وجوداً غير معتبر باتفاق، وتقديمها من الليل وتستصحب معتبر باتفاق، فإذاً لا تنافى بين الأكل والشرب إلى الفجر وبين نية الصوم المستقبل من الليل. ووجودها من الليل متقدمة على الصوم مستفاد من دليل دل عليه، وإنما لم يتم لهم الاستدلال بالآية على اعتبار النية في النهار- لو كان الأكل والشرب ليلا إلى الفجر- ينافي صحة استصحاب النية، وكان اقتضاء الآية لجواز الأكل والشرب إلى الفجر يمنع من اعتبار النية من الليل إلى الفجر لوجود المنافى لها ولا بد منها، فيتعين أن يوقع بعد الفجر على هذا التقدير. وذلك التقدير كما علمت متفق على بطلانه. وأما الاستدلال بها على الحكمين الآخرين فصحيح مستند واللَّه أعلم. ولتفطن الزمخشري لبطلان الاستدلال بالآية على الحكم المذكور سلك سبيل النقل عنهم فقال: قالوا، لا يقولها إلا في مثل هذا المعنى، ولم يسعه التنبيه على بطلان الاستدلال لأنه على وفق مذهبه.

صفحة رقم 232

الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل

عرض الكتاب
المؤلف

محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشريّ، جار الله، أبو القاسم

الناشر دار الكتاب العربي - بيروت
الطبعة الثالثة - 1407 ه
عدد الأجزاء 4
التصنيف التفسير
اللغة العربية