أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: في قوله تعالى ذكره: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم)، وذلك أن المسلمين كانوا في شهر رمضان إذا صلوا العشاء حُرِّم عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة. ثم إن ناساً من المسلمين أصابوا الطعام والنساء في رمضان بعد العشاء منهم عمر بن الخطاب، فشكوا ذلك إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأنزل الله: (علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن) يعني: انكحوهن، (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر).
قال مسلم: حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر. قال ابن أيوب: حدثنا إسماعيل بن جعفر. أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن (وهو ابن معمر بن حزم الأنصاري أبو طوالة) أن أبا يونس مولى عائشة أخبره عن عائشة رضي الله عنها؛ أن رجلاً جاء إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يستفتيه، وهي تسمع من وراء الباب، فقال: يا رسول الله! تدركني الصلاة وأنا جنب. أفأصوم؟ فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب، فأصوم" فقال: لست مثلنا. يا رسول الله! قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فقال: "والله! إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم. بما أتقى".
(الصحيح ٢/٧٨١ ح١١١٠- ك الصيام، ب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب).
فيه بيان جواز الجماع ليلة الصيام حتى يتبين الصبح كالأكل والشرب.
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: المباشرة: هو الجماع ولكن الله يكني.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن قتادة ومجاهد (وابتغوا ما كتب الله لكم) قال: الولد.
وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة (وابتغوا ما كتب الله لكم) قال: الرخصة التي كتبت لكم.
قوله تعالى (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر... )
قال البخاري: حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة حدثنا عبد العزيز بن صهيب قال سمعت أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "تسحروا، فإن في السحور بركة"
(الصحيح ٤/١٣٩ ح ١٩٢٣- كتاب الصيام، باب بركة السحور من غير إيجاب) وأخرجه مسلم (٢/٧٧٠ ح ١٠٩٥).
أخرج البخاري بسنده عن سهل بن سعد قال: أنزلت (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) ولم ينزل (من الفجر) وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعده (من الفجر) فعلموا أنما يعني: الليل من النهار.
(الصحيح- تفسير سورة البقرة، ب ٢٨ ح ٤٥١١).
قال الترمذي: حدثنا هناد. حدثنا ملازم بن عمرو. حدثني عبد الله بن النعمان عن قيس بن طلق. حدثني أبي طلق بن علي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "كلوا واشربوا ولا يهيدنكم الساطع المصعد وكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر".
(جامع الترمذي ٣/٧٦ ح ٧٠٥- ك الصوم، ب ما جاء في بيان الفجر)، وأخرجه أبو داود (٢/٣٠٤ ح ٢٣٤٨) وأحمد في مسنده (٤/٢٣) والطبراني في الكبير (٨/٤٠٣-٤٠٤ ح ٨٢٥٧) وابن خزيمة في صحيحه (٣/٢١١ ح ١٩٣٠)، والدارقطى في سننه (٢/١٦٦ ح ٧) كلهم من طريق عبد الله بن النعمان به. وعند الدارقطني والطبراني قصة وقعت بين عبد الله بن النعمان وقيس بن طلق، وهو عند أحمد مختصر بلفظ: "ليس الفجر المستطيل في الأفق، ولكنه المعترض الأحمر". قال الترمذي: حديث حسن غريب من هذا الوجه. وغمزه الدارقطني بقيس بن طلق، وتوقف ابن خزيمة في صحته لعدم معرفته عبد الله بن النعمان بعدالة ولا جرح. وقد رد الشيخ الألبانى ذلك فقال عن قيس بن طلق: وثقه ابن معين والعجلي وابن حبان، ووهاه أبو حاتم، وقال الحافظ: صدوق. قال: فمثله حسن الحديث إن
شاء الله تعالى إن لم يخالف. ثم رأيت الذهبي ذكر عن ابن القطان أنه قال: يقتضي أن يكون خبره حسناً لا صحيحاً. فالحمد لله على توقيفه (الصحيحه ٥/٥٠-٥١)، وأما عبد الله بن النعمان، فقال: وثقه ابن معين والعجلي وابن حبان، وقد روى عنه ثقتان... فحاله قريب من حال شيخه قيس بن طلق، ولكنه قد توبع، فقال عبد الله بن بدر السحيمي: حدثني جدي قيس بن طلق به، أخرجه الطحاوي (١/٣٢٥). وجملة القول: أن الحديث حسن. وله شاهد من حديث سمرة بن جندب مرفوعاً نحوه... (الصحيحة ٥/٥١). وقال لي حاشية ابن خزيمة: إسناده حسن.
أخرج البخاري (الصحيح -الصوم- باب ١٦ ح ١٩١٦) ومسلم (الصحيح -الصيام- ح ١٠٩٠) عن عبدي بن حاتم - رضي الله عنه - قال: لما نزلت (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض فجعلتهما تحت وسادي، فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فذكرت له ذلك فقال: "إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار".
أخرج الطبري وأحمد (المسند ٥/٤٠٥) بسند صحيح عن أبي هريرة مرفوعاً: "إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه".
وقوله تعالى (ثم أتموا الصيام إلي الليل)
أخرج البخاري بسنده عن أبي هريرة قال: "نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الوصال في الصوم".
(الصحيح -الصوم- باب ٤٩ ح ١٩٦٥).
قال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر".
(الصحيح ٤/١٩٨ ح ١٩٥٧- ك الصيام، ب يفطر بما تيسر من الماء أو غيره)، وأخرجه مسلم (٢/٧٧١ ح ١٠٩٨).
أخرج البخاري بسنده عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إذا أقبل الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم".
(الصحيح -الصوم، ب ٤٣ ح ١٩٥٤).
قوله تعالى (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد)
قال البخاري: حدثنا قتيبة حدثنا ليث عن ابن شهاب عن عروة وعمرة بنت عبد الرحمن أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قالت: "وإن كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليدخل رأسه وهو في المسجد فأرَجِّلُهُ، وكان لا يدخل البيت إلا الحاجة إذا كان معتكفاً".
(الصحيح ٤/٢٧٣ ح ٢٠٢٩- ك الصيام، ب لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان). وأخرجه مسلم (١/٢٤٤ ح ٢٩٧).
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) في رمضان أو في غير رمضان فحرم الله أن ينكح النساء ليلاً ونهاراً حتى يقضي اعتكافه.
قوله تعالى (تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون)
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (تلك حدود الله) يعني: طاعة الله.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الصحيح عن مجاهد (لعلهم يتقون) قال: يطيعون.
قوله تعالى (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون)
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله (وتدلوا بها إلى الحكام) قال: هذا في الرجل يكون عليه مال، وليس عليه فيه بينة، فيجحد المال، ويخاصمهم إلى الحكام وهو يعرف أن الحق عليه، وقد علم أنه آثم آكل حراماً.
أخرج البخاري عن أم سلمة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إنكم تخَتصمون إليَّ ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه شيئاً بقوله فإنما أقطع له قطعة من النار، فلا يأخذها".
(الصحيح- الشهادات، ب من أقام البينة ح ٢٦٨٠) ومسلم (الصحيح -الأقضية، ب الحكم بالظاهر ح ١٧١٣)
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين