٦٢- حدثنا سعيد بن نصر قراءة مني عليه أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال : حدثنا جعفر بن محمد الصائغ، قال : حدثنا محمد بن سابق قال : حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن عطاء، عن صفوان بن أمية أنه قال : جاء رجل إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- متضمخا١ بالخلوق وعليه مقطعات، فقال : كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي ؟ قال : فأنزل الله : وأتموا الحج والعمرة لله ، قال : فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- :( أين السائل عن العمرة ؟ ) فقال له :( ألق عنك ثيابك، واغتسل، واستنق ما استطعت، وما كنت صانعه في حجك فاصنعه في عمرتك )٢. ( ت : ٢/٢٥١ ).
٦٣- حدثنا أحمد بن قاسم بن عيسى قال : حدثنا عبيد الله بن محمد بن حبابة ببغداد قال : حدثنا عبد الله بن محمد البغوي، قال : حدثنا علي بن الجعد، قال : أخبرنا شعبة، قال : أخبرني عبد الرحمان بن الأصبهاني، قال : سمعت عبد الله بن معقل، قال : جلست إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد –يعني مسجد الكوفة- فسألته عن هذه الآية : ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ، فقال : حملت إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- والقمل يتناثر على وجهي، فقال :( ما كنت أرى الجهد بلغ بك هذا، ما عندك شاة ؟ ) قال : لا، فنزلت هذه الآية : ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ، فقال :( صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من طعام )، فقال : فنزلت هذه الآية فيَّ خاصة، وهي لكم عامة٣. ( ت : ٢١/٥ ).
٦٤- أما قول الله –عز وجل- : وأتموا الحج والعمرة لله ، فمحتمل للتأويل، قالت طائفة : " أتموا " بمعنى أقيموا الحج والعمرة لله. هكذا قال السدي وغيره.
ومن حجة من ذهب هذا المذهب : أن قوله -عز وجل- : وأتموا ، بمعنى : أقيموا، وأقيموا بمعنى أتموا، قال الله –عز وجل- : فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة ٤، بمعنى أتموا، وقال : وأتموا الحج والعمرة لله ، بمعنى أقيموا الحج والعمرة لله.
وذكر عبد الرزاق قال : أخبرنا الثوري، عن أبي إسحاق، قال : سمعت مسروقا يقول : أمرتم في القرآن بإقامة أربع : أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وأقيموا الحج والعمرة٥.
حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا ابن المسور وبكير بن الحسن، قالا : حدثنا يوسف ابن زيد القراطيس، قال : حدثنا أسد بن موسى، قال : حدثنا إسرائيل، وأبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن مسروق، قال : أمرتم في كتاب الله بإقامة أربع : بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وإقامة الحج والعمرة إلى بيت الله. قال أسد : وحدثنا زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن مسروق، قال : أمرتم في كتاب الله المنزل بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وإقام الحج والعمرة ؛ قال : والعمرة من الحج بمنزلة الزكاة من الصلاة٦. ( ت : ٢٠/١٥ ).
٦٥- حدثنا خلف بن القاسم، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا أحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله المنادي قال : حدثنا جدي، قال : حدثنا روح بن عبادة، قال : حدثنا سفيان، عن محمد بن سوقة، قال سمعت سعيد بن جبير، وسئل : ما تمام العمرة ؟ فقال : أن تحرم من أهلك. ( ت : ١٥/١٤٥ ).
٦٦- قال أبو عمر : الإحصار عند أهل العلم على وجوه، منها : الحصر بالعدو، ومنها بالسلطان الجائر، ومنها بالمرض وشبهه.
وأصل الحصر في اللغة : الحبس والمنع ؛ قال الخليل وغيره : حصرت الرجل حصرا : منعته وحبسته، وأحصر الحاج عن بلوغ المناسك من مرض أو نحوه، هكذا قال٧، جعل الأول ثلاثيا من " حصرت "، وجعل الثاني في المرض رباعيا، وعلى هذا خرج قول ابن عباس : لا حصر إلا حصر العدو٨، ولم يقل إلا إحصار العدو.
وقالت طائفة : يقال : أحصر فيهما جميعا من الرباعي. وقال منهم جماعة : حصر وأحصر بمعنى في المرض والعدو جميعا، ومعناه : حبس.
واحتج من قال بهذا من الفقهاء بقول الله –عز وجل- : فإن أحصرتم ، وإنما نزلت هذه الآية في الحديبية٩، وعلى نحو ذلك أهل العلم في أحكام المحبوس بعدو، والمحبوس بمرض ؛ إلا أن أكثر علماء اللغة يقولون في هذا الفعل من العدو : حصره العدو، فهو محصور، وأحصره المرض، فهو محصر. ( ت : ١٥/١٩٤، وانظر س : ١٢/٧٨ ).
٦٧- قال مالك : والمحصر الذي أراد الله –عز وجل- بقوله : فإن أحصرتم ، هو المريض. ( ت : ١٥/٢٠١ ).
٦٨- قال أبو عمر : قال الله –عز وجل- : ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ، قال ابن عباس : المرض أن يكون برأسه قروح، والأذى : القمل، وقال عطاء : المرض : الصداع والقمل وغيره. ( ت : ٢/٢٣٩ ).
٦٩- قال أبو عمر : قوله – عز وجل- في يوم الحديبية : ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ، يعني حتى تنحروا، ومحله هذا : نحره.
وأما قوله في البدن١٠ : ثم محلها إلى البيت العتيق ١١، فهذا لمن لم يمنع من دخول مكة، ومكة كلها ومنى مسجد، لمن قدر على الوصول إليها، وليس البيت بموضع النحر. ( س : ١٢/٨١ ).
٧٠- روي عن عمر، وعلي، وابن عباس، في قوله : ما استيسر من الهدي ، شاة وعليه جمهور العلماء، وجماعة الفقهاء. ( ت : ١٥/٢٣٠ ).
٧١- معنى قوله –عز وجل- : وسبعة إذا رجعتم ، يعني من منى، عند مالك، أقام بمكة أو لا، ويصوم الثلاثة أيام في الحج المتمتع، والقارن، والمفسد لحجه، والذي يفوته فيقضيه، والناسي لحلق رأسه من العمرة، كل هؤلاء يصوم إذا لم يجد الهدي ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، وكذلك من تعدى الميقات عند مالك. وأما من وطئ أهله بعد رمي جمرة العقبة وقبل الإفاضة أو ترك المبيت في المزدلفة، أو ترك رمي جمرة أو عجز عن بعض المشي إلى مكة فكل هؤلاء إذا لم يجد الهدي، صام ثلاثة، وسبعة بعدها حيث شاء في الحج بمكة وغيرها، ولا إطعام في شيء من هذه الدماء، وإنما هو هدي أو صيام، وهذا كله تحصيل مذهب مالك عند أصحابه. ( الكافي : ١٥٠ ).
٧٢- أجمع العلماء على أن الثلاثة الأيام إن صامها قبل يوم النحر فقد أتى بما يلزمه من ذلك، ولهذا قال من قال من أهل العلم بتأويل القرآن في قوله : ثلاثة أيام في الحج ، قال : آخرها يوم عرفة١٢. ( س : ١٣/٣٧٢ ).
٢ - أخرجه الإمام البخاري في الحج، باب غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب: ١/١٤٤. والإمام مسلم في الحج أيضا، باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح، وبيان تحريم الطيب عليه: ٢/٨٣٦- ٨٣٧. وأبو داود في المناسك، باب الرجل يحرم في ثيابه: ٢/١٦٤. والنسائي في مناسك الحج، باب في الخلوق للمحرم: ٥/١٤٢- ١٤٣. وهو عندهم جميعا من حديث يعلى بن أمية لا صفوان بن أمية..
٣ - أخرجه الإمام البخاري في الطب، باب الحلق من الأذى، مع اختلاف يسير في بعض ألفاظه: ٧/١٥- ١٦. والإمام مسلم في الحج، باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى، ووجوب الفدية لحلقه وبيان قدرها: ٣/٨٦١- ٨٦٢. والترمذي في التفسير، البقرة: ١٩٥: ٤/٢٨١. والنسائي في مناسك الحج، باب في المحرم يؤذيه القمل في رأسه: ٥/١٩٤- ١٩٥. والإمام مالك في الحج، باب فدية من حلق قبل أن ينحر: ٢٦٩. والإمام أحمد: ٤/٢٤١- ٢٤٢. وهو عندهم جميعا من حديث كعب بن عجرة عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم..
٤ - سورة النساء: ١٠٢..
٥ - لم أعثر على هذا الأثر في النسخة المطبوعة من مصنف عبد الرزاق، وهو عند الطبري في جامع البيان: ٢/٢٠٩..
٦ - قال الحافظ ابن عبد البر: أما اختلاف الفقهاء في وجوب العمرة، فذهب مالك إلى أن العمرة سنة مؤكدة، وقال في موطئه: ولا أعلم أحدا من المسلمين أرخص في تركها، وهذا اللفظ يوجبها.. وقال أبو حنيفة وأصحابه: العمرة تطوع، وقال الشافعي والثوري، والأوزاعي: العمرة فريضة واجبة، وهو قول ابن عباس، وابن عمر، وزيد ابن ثابت، ومسروق، وعلي بن حسين، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، وسعيد بن جبير، وغيرهم. واختلف في ذلك عن ابن مسعود. التمهيد: ٢٠/١٤..
٧ - انظر معجم كتاب "العين" له، مادة "حصر": ٣/١١٣..
٨ - في جامع البيان: ٢/٢١٤. "لا حصر إلا من حبس عدو"..
٩ - قال صاحب معجم البلدان: "هي قرية متوسطة ليست بالكبيرة، سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة بايع رسول الله –صلى الله عليه وسلم- تحتها. ونقل عن الخطابي قوله: سميت الحديبية بشجرة حدباء كانت في ذلك الموضع": ٢/٢٢٩..
١٠ - جمع بدنة، من الإبل والبقر، كالأضحية من الغنم، تهدى إلى مكة، الذكر والأنثى في ذلك سواء. اللسان مادة "بدن": ١٣/٤٨..
١١ - سورة الحج: ٣١..
١٢ - قال القرطبي: "هذا قول طاوس، وروي عن الشعبي، وعطاء، ومجاهد، والحسن البصري، والنخعي، وسعيد بن جبير، وعلقمة، وعمرو بن دينار، وأصحاب الرأي، حكاه ابن المنذر". الجامع لأحكام القرآن: ٢/٣٩٩..
جهود ابن عبد البر في التفسير
أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي