ﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖﰗﰘﰙﰚﰛﰜﰝﰞﰟﰠﰡ

الحج
وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب ( ١٩٦ )
هاتان الآيتان متصلتان بما قبلهما أوثق الاتصال، وذلك بأن الآيات الكريمات من قوله تعالى :[ ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر... ١٧٧ ] ( البقرة ) فيها تنظيم للجماعة الفاضلة، ببيان حق الفقير في مال الغني، وبيان المساواة العادلة في تطبيق القوانين الإسلامية، لا فرق بين قوي ولا ضعيف، ولا شريف ووضيع، وبيان أن العقوبة تكون على قدر الجريمة، وإن في ذلك حياة الجماعة حياة فاضلة عادلة [ و لكم في القصاص حياة... ١٧٩ ] ( البقرة ) وفيها تنظيم للأسرة بالتعاون بين آحادها، بأن يمد الغني الفقير بالهبات في الحياة، والوصايا بعد الوفاة، وفيها بيان لما يهذب النفس، ويقوي الروح فذكر الصيام، ثم فيه إشارة إلى الحج الذي يجمع في ثناياه بين إصلاح الآحاد في ذات أنفسهم، وإصلاح الجماعة وتنظيمها، وفي أحكامه تتلاقى ذرائع التنظيم الاجتماعي، والإصلاح النفسي، فهو في ذاته رحلة روحية يشارف المؤمن فيها المقام القدسي، إذ يحل في المكان الذي شرفه الله سبحانه بنسبته إليه، ووضع قواعده النبيون الصد يقون، وفيه الصدقات وإمداد الفقراء، بل في بعض كفاراته الصوم، وفيه التنظيم الاجتماعي العام بالتعارف بين المسلمين في كل البقاع، فكان حقا أن يجئ الحج بعد الأحكام المنظمة، والعبادات المصلحة للنفس، المهذبة للروح، لأنه يجمعها في أحكامه.
و لكن الحج في إبان نزول القرآن كان متعذرا أو متعسرا، لأن المزار الأكبر وهو البيت الحرام، والمشعر الحرام، كان المشركون قد سيطروا عليه، والأصنام تحيط به من كل جانب، وهم يمنعون المسلمين منه، والعداوة بينهم وبين النبي وصحبه مستعرة، فكان لابد من القتال للوصول إليه، وأداء تلك الشعيرة الإسلامية، لذلك جاء القتال بين الإشارة إليه بقوله تعالى :[ يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها... ١٨٩ ] ( البقرة ) وبين بيان بعض أحكامه في قوله تعالى :[ و أتموا الحج والعمرة لله ]. ثم هناك ارتباط خاص بين أحكام القتال وأحكام الحج، لأن القتال جهاد لحماية الدولة في الخارج، والحج جهاد لتهذيب النفس وحماية الدولة الإسلامية في الداخل، بالجمع بين أقطارها، والتعارف العام بين شعوبها، ونشر المساواة العادلة بين آحادها، ولذلك لم يعتبر النبي صلى الله عليه وسلم عبادة تلي الجهاد في سبيل الله غير الحج لله.
ثم هناك مناسبة خاصة بين الآية الأولى وأحكام القتال، لأن فيها بيان حكم من يمنعه عدو من الوصول إلى البيت الحرام، وقد حدث في العام السادس أن منع النبي صلى الله عليه وسلم من الوصول إلى البيت الحرام، وهم بأن يمتشق السلاح ويقاتل حتى يصل إليه بقوة السلاح، ولكن كان الصلح على أن يرجع من عامه هذا، ثم عاد في العام السابع وأدى عمرة القضاء. فكانت هذه الآية ذات مناسبة خاصة تربطها بالقتال والجهاد في سبيل الله تعالى.
و هذه الآيات في بعض أحكام الحج، ولذلك نبين هذه الأحكام ولا نتعرض للتفريع واختلاف الفقهاء إلا بالقدر الذي يكون تفسيرا لكلماتها، أو يكون مستمدا من ظلالها أو قابسا من نورها.
[ و أتموا الحج والعمرة لله ] الحج في أصل معناه اللغوي : القصد، وخصه الراغب الأصفهاني بالقصد للزيارة، ومن ذلك قول الشاعر :
.................................. *** يحجون بيت الزبرقان المعصفر
والعمرة في الأصل اللغوي تتلاقى مع مادة العمارة التي هي ضد الخراب ويراد بالعمرة في اللغة : الزيارة التي يقصد بها عمارة المكان، وعمارة القلوب بالود، وتلاقيها على صفاء المحبة والإخلاص.
هذا هو الأصل اللغوي لمعنى كلمتي الحج والعمرة، وقد صارت الكلمتان من الألفاظ الإسلامية التي خصها الشرع بمعان تتصل بأصل معناها اللغوي، فالحج في أصل معناه كما رأيت قصد المكان للزيارة، فصار في المعنى الإسلامي يطلق على قصد بيت الله الحرام وعرفات والمشعر الحرام للزيارة بشروط خاصة وأركان خاصة، جماعها المتفق عليه الذي لا خلاف فيه بين أهل العلم ثلاثة : الإحرام، وهو بالنسبة للحج كتكبيرة الإحرام بالنسبة للصلاة، والوقوف بعرفة، وهو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "الحج عرفة" ١ لأن له وقتا معينا إذا فات الشخص فاته الحج في هذا العام، ووجب الحج من قابل، والطواف.
و قد اختلف في الوجوب فيما عدا هذه الثلاثة من السعي بين الصفا والمروة والوقوف بالمزدلفة وغيرهما.
و العمرة قد رأيت أنها في أصل معناه للزيارة المقصود بها عمارة المكان بالأشخاص، وعمارة النفوس بالمودة والإخلاص، وقد خصها الإسلام بزيارة بيت الله الحرام، وتلاقي النفوس فيه على مودة ورحمة وإخاء، ولها أركان خاصة وشروط، وجماع أركانها المتفق عليها بين الفقهاء اثنان : الإحرام والطواف.
و قد أمر الله سبحانه وتعالى بإتمام الحج والعمرة لله، فنص بهذا على وجوب أن تكون هذه العبادة خالصة لله سبحانه وتعالى لا يشرك المؤمن فيها مع الله سبحانه وتعالى أحدا، وكذلك الشأن في كل عبادة، بل في كل عمل خير، يجب أن يتجه العبد فيه إلى الله سبحانه وتعالى، لا يقصد غير الله، ولا يريد بعمله إلا وجهه، لأن من كمال الإيمان أن يحب المؤمن الشئ لا يحبه إلا لله، ومن كمال الإيمان أن يكون هوى المؤمن وغاياته ومقاصده تبعا لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يقصد به إلا وجه الله سبحانه وتعالى.
وكل عبادة لا يقصد بها وجه الله لا يثاب عليها صاحبها، بل إنها جديرة بالعقاب لا بالثواب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد قرر بأن ذلك شرك، وهو الذي يقول عنه العلماء إنه الشرك الخفي، ولقد قال صلى الله عليه وسلم :"من صلى يرائي فقد أشرك ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك "٢ وقد سماه العلماء شركا خفيا لأن صاحبه يخفيه ولا يبديه، ولأنه دقيق لا يدركه إلا ذوو النفوس الطاهرة، والقلوب البارة التي تحاسب نفسها، ولأنه بلا ريب دون عبادة الأوثان، وإن كان من بابها، وقد وجدنا في عصرنا ناسا يجاهرون بأنهم يتصدقون بالصدقة العظيمة يبتغون بها الجاه، أو ملق أصحاب الجاه، فبأي اسم يسمى عملهم ؟ أيسمى شركا خفيا، أم يسمى شركا جليا ؟ وهو على أي حال مروق من الدين، إذ قد اطرح فيه جانب رب العالمين.
و ما المراد بالأمر بإتمام الحج والعمرة : أيراد بالأمر إقامتهما، وإيجادهما، أم يراد بالأمر إتمامهما لا أصل إقامتهما بأن يراد الإتيان بهما تامين فيكون الأمر منصبا على الإتمام، لا على أصل الأداء، ويكون المعنى على الأول : أقيموا الحج والعمرة أي أدوهما، كقوله تعالى :[ ثم أتموا الصيام إلى الليل... ١٨٧ ] ( البقرة ) فليس الاتجاه إلى الإتمام بل إلى الإنشاء، والمعنى الثاني ائتوا بهما تامين، أي كاملي الأركان قد استوفيت شروط كل منهما، خالصين لوجه الله سبحانه وتعالى لا تشوبهما شائبة من رياء.
هناك اتجاهان في هذا المقام، فبعض الفقهاء ومعهم بعض المفسرين، وسبقهم بعض التابعين والصحابة على أن المراد بالأمر الإنشاء والإتيان والإقامة، فمعنى أتموا الحج والعمرة ائتوا بهما، وعلى هذا المنهج علقمة والنخعي وسعيد بن جبير وعطاء، وطاوس، وروي عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم، ولهذا قرروا أن العمرة واجبة كالحج، وهذا ما قرره الشافعي على أحد قوليه وسفيان الثوري.
والاتجاه الثاني هو أن المراد بالأمر الأمر بالإتمام، أي أنه إذا شرع فيهما أو في أحدهما عليه أن يتمه ويأتي به كاملا، وإذا لم يستطع إتمامه أو عدل عنه فعليه أن يعيده، وتكون الإعادة واجبة، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه في عمرة القضاء، وعلى ذلك الرأي لا تكون العمرة واجبة لعدم قيام الدليل على وجوبها، وليس في هذه الآية الكريمة ما يفيد الوجوب فهي لا تفيد وجوب حج ولا وجوب عمرة، بل تفيد وجوب الإتمام إن شرع في أحدهما، وفد ثبتت فريضة الحج بآية أخرى، وهي قوله تعالى :[ و لله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا... ٩٧ ]( آل عمران ).
و على هذا الرأي جمهور الفقهاء وجمهور التابعين وكثرة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فهي على هذا الاتجاه سنة. وقد تأيد استنباط هؤلاء من الآية الكريمة بأقوال للنبي صلى الله عليه وسلم قد صحت عنه، وثبتت نسبتها إليه، ووفق ذلك فإن أركان العمرة تدخل في ثنايا أركان الحج، ولذلك ورد في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة "٣.
و القول الجملي أن فريضة الحج مجمع عليها، وأما فريضة العمرة ففيها خلاف، وقد فرض الحج في العام التاسع من الهجرة على أرجح الروايات.
و قد ذكرنا أن أول أركان الحج الإحرام، وأنه من الحج كتكبيرة التحريم بالنسبة للصلاة، ينوى به الدخول في الحج، كما ينوى بها الدخول في الصلاة، وإذا تم الإحرام على وجهه صار الشخص حاجا، فيلبس غير المخيط، ولا يحلق رأسه، ولا يقصر شعره، ويحرم عليه الصيد، وتحرم عليه النساء، كما يحرم على المرأة الرجال.. وهكذا يستمر في تلك الشعيرة المباركة حتى يتحلل من الإحرام بالذبح والحلق، كما يخرج المصلي من الصلاة بالتسليم.
والإحرام له ميقات من الزمان والمكان، فهو بالنسبة للزمان يكون في أشهر الحج، كما تبين، وفي المكان يكون في مداخل الحرم المكي، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم الأمكنة لأهل كل جهة ومن وراءهم ويجيء عن طريقهم، فجعل لأهل المدينة ومن وراءهم قرية ذي الحليفة، ولأهل الشام ومن وراءهم كأهل مصر قرية الجحفة التي تقرب من قرية رابغ، ولأهل نجد جبل قرن، ولأهل العراق ذات عرق ٤.
فإذا نوى الحج أحد من هذه الأماكن صار محرما تحرم عليه محرمات الحج، إلا أنه قد يعرض له ما يرخص له قطع الإحرام أو التحلل من بعض ما حرم عليه، وذلك في ثلاثة أحوال، اثنتان فيهما معنى الاضطرار، وثالثة فيها اختيار، فالأوليان حال الإحصار، وحال المرض، والثالثة حال التمتع، قد ابتدأ سبحانه بذكر الأولى فقال :[.. فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ].
مادة الحصر في اللغة تدل على التضييق، ومن ذلك قوله تعالى في شأن القتال :[ و احصروهم ] أي ضيقوا عليهم، ولذلك أطلقت على الحبس. وقال سبحانه :[... وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا ٨ ]( الإسراء ) أي محبسا.
هذا موضع اتفاق بين علماء اللغة، ولكن الخلاف بينهم في الفرق بين الإحصار والحصر، فقد قال الكسائي وأبو عبيدة وكثيرون من علماء اللغة : الإحصار المنع بالمرض أو ذهاب النفقة، أي ما يكون الحبس فيه من ذات الشخص لا من أمر خارج عنه، والحصر هو حصر العدو، وعلى هذا يقال أحصره المرض، وحصره العدو، وقال الفراء : هما بمعنى واحد، فيقال حصره المرض وأحصره، وحصره العدو وأحصره، وقال الراغب الأصف

١ جزء من حديث رواه في المناسك الترمذي (٨١٤) والنسائي (٢٩٩٤) وأبو داود (١٦٦٤) وابن ماجة (٣٠٠٦) وأحمد في أول مسند الكوفيين (١٨٠٢٣) والدار مي. كلهم عن عبد الرحمان بن يعمرالديلي رضي الله عنه..
٢ رواه أحمد : مسند الشاميين : حديث شداد بن أوس (١٦٥١٧)..
٣ رواه مسلم : كتاب الحج – حجة النبي صلى الله عليه وسلم (٢١٢٧) عن جابر بن عبد الله، ورواه أحمد في مسنده (١٣٩١٨)، والدارمي (١٧٧٨)، والترمذي (٨٥٤) والنسائي (١٥٢٥) وأبو داود (١٦٢٨) وابن ماجة (٣٠٦٥)..
٤ عن عائشة قالت :: "وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام ومصر الحجفة، ولأهل العراق ذات عرق، ولأهل نجد قرنا، ولأهل اليمن يلملم ". أخرجه النسائي – ميقات أهل العراق (٢٦٠٨) وفي الصحيحين من رواية عبد الله بن عباس قال :" إن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة ". (البخاري –مهل أهل مكة للحج والعمرة (١٤٢٧)، ومسلم – مواقيت الحج والعمرة (٢٠٢٢) )..

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو زهرة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير