ﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖﰗﰘﰙﰚﰛﰜﰝﰞﰟﰠﰡ

وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة لِلَّهِ بيانٌ لوجوب إتمامِ أفعالهما عند التصدي لأدائهما وإرشادٍ للناس إلى تدارُك ما عسى يعتريهم من العوارض المُخِلَّة بذلك من الإحصار ونحوه من غير تعرُّضٍ لحالها في أنفسهما من الوجوب وعدمِه كما في قوله تعالى ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام الى الليل فإنه بيانٌ لوجوب مدِّ الصيام إلى الليل من غيرِ تعرُّضٍ لوجوبِ أصلِه وإنما هو بقوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام الآية كما أن وجوبَ الحج بقوله تعالى وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت الآية فإن الأمرَ بإتمام فعلٍ من الأفعال ليس أمراً بأصله ولا مستلزماً له أصلاً فليس فيه دليل على وجوب العُمرة قطعاً وادعاءُ أن الأمرَ بإتمامهما أمرٌ بإنشائهما تامين كاملين حسبما تقتضيه قراءةُ وَأَقِيمُواْ الحج والعمرة وأن الأمرَ للوجوب مالم يدلَّ على خلافه دليل مما لا سَدادَ له ضرورةَ أنْ ليس البيانُ مقصوراً على أفعال الحجِّ المفروضِ حتى يُتصوَّرَ ذلك بل الحقُّ أن تلك القراءةُ أيضاً محمولةٌ على المشهورة ناطقةٌ بوجوب إقامةِ أفعالهما كما ينبغي من غير تعرُّضٍ لحالهما في أنفسهما فالمعنى أكمِلوا أركانَهما وشرائطَهما وسائرَ أفعالِهما المعروفةِ شرعاً لوجهِ الله تعالى من غير إخلالٍ منكم بشيء منها هذا وقد قيل إتمامُهما أن تحرِمَ

صفحة رقم 205

بهما من دُوَيرَة أهلِك رُوي ذلكَ عن عليَ وابن عباسٍ وابنِ مسعودٍ رضيَ الله عنهم وقيل أن تُفرِدَ لكل واحدٍ منها سَفَراً كما قال محمد حَجةٌ كوفية وعُمرةٌ كوفية أفضلُ وقيل هو جعلُ نفقتِهما حلالاً وقيل أن تُخلِصوهما للعبادة ولا تشوبوهما بشئ من الأعراض الدنيوية وأياً ما كانَ فلا تعرُّضَ في الآية الكريمة لوجوب العُمرة أصلاً وأما ما رُوي أن ابن عباس رضي الله عنهما قال إن العمرةَ لقرينةُ الحج وقول عمر رضي الله عنه هُديتَ لسنة نبيِّك حين قال له رجلٌ وجدتُ الحج العمرة مكتوبين على أهللت بهما وفي رواية فأهللتُ بهما جميعاً فبمعزلٍ من إفادة الوجوب مع كونه معارَضاً بما رُوي عن جابرٍ أنه قالَ يا رسولَ الله العمرةُ واجبةٌ مثلَ الحجِّ قال لا ولكن أن تعتمِرَ خيرٌ لك وبقوله عليه السلام الحجُّ جهاد والعُمرةُ تطوُّعٌ فتدبر
فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ أي مُنعتم من الحج يقال حصره العدو وأحصره إذا حبَسه ومنعه من المُضيِّ لوجهه مثلُ صَدَّه وأصدّه والمرادُ منعُ العدو عند مالك والشافعي رضي الله عنهما لقوله تعالى فَإِذَا أَمِنتُمْ ولنزوله في الحديبية ولقولِ ابنِ عباسٍ لا حصْرَ إلا حصرُ العدوِّ وكلُّ منعٍ من عدو أو مرضٍ أو غيرهما عند أبي حنيفة رضى الله عنه لما رُوي عن النبيِّ ﷺ من كُسِر أو عَرَج فعليه الحجُّ من قابل
فَمَا استيسر مِنَ الهدى أي فعليكم أو فالواجبُ ما استيسر أو فاهدوا ما استيسر والمعنى أن المُحرِم إذا أُحصر وأراد أن يتحلّل تحلَّل بذبح هدى تيسر عليه من بدَنة أو بقرةٍ أو شاة حيث أُحصر عند الأكثر وعندنا يَبعث به إلى الحرَم ويجعلُ للمبعوث بيده يوم أمارة فإذا جاء اليومُ وظن أنه ذبح تحلّل لقوله تعالى
ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يَبْلُغَ الهدى مَحِلَّهُ أي لا تُحِلوا حتى تعلموا أن الهديَ المبعوثَ إلى الحرم بلغ مكانه الذي يجب أن يُنْحَر فيه وحمل الأولون بلوغَ الهدْي مَحِلّه على ذبحه حيث يحل ذبحه فيه حِلاًّ كان حَرَماً ومرجعُهم في ذلك أن رسول الله ﷺ ذبحَ عامَ الحديبية بها وهي من الحِل قلنا كان محصرة عليه الصلاة والسلام طرفَ الحديبية الذي إلى أسفلِ مكةَ وهو من الحَرَم وعن الزُهري أن رسول الله ﷺ نحرَ هديَه في الحَرَم وقال الواقديُّ الحديبيةُ هي طرفُ الحرم على تسعة أميالٍ من مكةَ والمَحِلُّ بالكسر يُطلق على المكان والزمان والهدْيُ جمع هَدْية كجدى وجدية وقرئ من الهَدِيّ جمع هَديّة كمَطِيّ ومطية
فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا مرَضاً مُحوجاً إلى الحَلْق
أَوْ بِهِ أَذًى مّن رَّأْسِهِ كجراحة أو قُمَّلٍ
فَفِدْيَةٌ أي فعليه فديةُ إن حلق
مّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أو نسك بيان الجنس الفدية وأما قدرُها فقد روى أنه ﷺ قال لكعب بنِ عُجرةَ لعلك آذاك هو أمك قال نعم يا رسولَ الله قالَ احلِقْ وصُم ثلاثةَ أيام أو تصدّقْ بفَرْقٍ على ستةِ مساكينَ أو انسُك شاةً والفَرْقُ ثلاثة آصُع
فَإِذَا أَمِنتُمْ أي الإحصار أو كنتم في حال أمن أو سعة
فَمَن تَمَتَّعَ بالعمرة إِلَى الحج أي فمن انتفع بالتقرُّب إلى الله تعالى بالعُمرة قبل الانتفاعِ بتقرّبه بالحج في أشهره وقيل من استمتع بعد التحلُّل من عُمرته باستباحة محظوراتِ الإحرام إلى أن يُحرِم بالحج
فَمَا استيسر مِنَ الهدى أي فعليه دمٌ استيسر عليه بسبب التمتع وهو دمُ جُبرانٍ يذبحه إذا أحرَمَ بالحج ولا يأكلُ منه عند الشافعي وعندنا هو كالأضحية
فَمَن لَّمْ يَجِدْ أيْ الهديَ
فَصِيَامُ ثلاثة أَيَّامٍ فِي الحج أي في أشهره بين الإحرامين وقال الشافعيُّ في أيام الاشتغالِ بأعماله بعد الإحرام وقبل التحلل والأحب أن يصومَ سابعَ ذي الحِجة وثامنَه وتاسعَه فلا يصح يومَ النحرِ وأيامَ التشريق
وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ أي نفَرْتم وفرغتم من

صفحة رقم 206

البقرة (١٩٧)
أعماله وفي أحدِ قولي الشافعيِّ إذا رجعتم إلى أهليكم وقرئ وسبعةً بالنَّصبِ عطفاً على محلِّ ثلاثةِ أيام
تِلْكَ عَشَرَةٌ فذلكةُ الحسابِ وفائدتُها أن لا يُتَوَهّم أن الواوَ بمعنى أو كما في قولك جالسِ الحسنَ وابنَ سيرين وأن يُعلم العددُ جملةً كما عُلم تفصيلاً فإن أكثرَ العرب لا يعرِفُ الحسابَ وأن المرادَ بالسبعة هو العددُ المخصوصُ دون الكثرة كما يراد بها ذلك أيضاً
كَامِلَةٌ صفةٌ مؤكدةٌ لعشَرة تفيد المبالغةَ في المحافظة على العدد أو مبيِّنةٌ لكمال العشرة فإنها أولُ عددٍ كاملٍ إذْ بهِ ينتهي الآحادُ ويتم مراتبُها أو مقيِّدة تفيدُ كمالَ بَدَليتها من الهدْي
ذلك إشارةٌ إلى التمتع عندنا وإلى الحكم المذكورِ عند الشافعي
لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى المسجد الحرام وهو مَنْ كان من الحرَم على مسافة القصْرِ عند الشافعي ومن كان مسكنُه وراءَ الميقاتِ عندنا وأهلُ الحل عند طاوس وغيرُ أهل مكةَ عند مالك
واتقوا الله في المحافظة على أوامره ونواهيه لا سيما في الحج
واعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب لمن لم يَتَّقْهِ كي يصُدَّكم العلمُ به عن العِصيان وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موضع الإضمار لتربية المهابةِ وإدخالِ الرَّوْعة

صفحة رقم 207

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

أبو السعود محمد بن محمد بن مصطفى العمادي

الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية