ﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖﰗﰘﰙﰚﰛﰜﰝﰞﰟﰠﰡ

وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رٍأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب ١٩٦ .
اتصال هذه الآيات بما قبلها جلي لاسيما لمن قرأ ما تقدم من التفسير، فإن آيات القتال السابقة نزلت في بيان أحكام الأشهر الحرم والإحرام والمسجد الحرام، فكان الغرض الأول من السياق بيان أحكام الحج بعد بيان أحكام الصيام لأن شهوره بعد شهره الذي هو رمضان. ولما أراد النبي صلى الله عليه وسلم العمرة وصده المشركون أول مرة بالحديبية وأراد القضاء في العام القابل وخاف أصحابه غدر المشركين بهم واضطرارهم إلى قتالهم إذا هم نقضوا العهد وبدؤوا بالقتال أنزل الله تعالى أحكام القتال بعد ذكر الحج في الجواب عن حكمة اختلاف الأهلة ثم عاد إلى إتمام أحكام الحج فقال.
وأتموا الحج والعمرة لله فالعطف والتعبير بالإتمام ظاهران في أن السياق في الكلام عن الحج، ولذلك لم يقل هنا كتب عليكم كما قال في الصيام. وقد كان الحج معروفا في الجاهلية لأنه فرض على عهد إبراهيم وإسماعيل فأقره الإسلام في الجملة، ولكنه أزال ما أحدثوا فيه من الشرك والمنكرات، وزاد ما زاد فيه من المناسك والعبادات، فالآية ليست في فرضيته وفرضية العمرة بل هي في واقعة تتعلق بهما وبقاصديهما وقد كانوا توجهوا إلى ذلك قبل نزولها بعام كما تقدم، فدل ذلك على أن المشروعية سابقة لنزول هذه الآيات.
والمراد بإتمام الحج والعمرة الإتيان بهما تامين ظاهرا بأداء المناسك على وجهها، وباطنا بالإخلاص لله تعالى وحده دون قصد الكسب والتجارة أو الرياء والسمعة فيهما، ولا ينافي الإخلاص البيع والشراء في أثناء الحج إذا لم تكن التجارة هي المقصود في الأصل. وسيأتي التفصيل في حكم التجارة في الحج في تفسير ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ( البقرة : ١٩٨ ).
وأما الرياء وحب السمعة فإذا كان هو الباعث على الحج فالحج ذنب للمرائي لا طاعة، وإذا عرض الرياء في أثنائه فقيل إنه لا يقبل منه شيء لما ورد من أن الله تعالى لا يقبل إلا ما كان خالصا لوجهه، والأحاديث في ذلك كثيرة، وإذا كان هذا قد بدأ بالنسك لوجه الله فإنه لم يتمه لله كما أمر، وقيل بل يؤاخذ بقدر قصده الطاعة والإخلاص وقدر قصده الرياء، وكل شيء عنده تعالى بمقدار : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يراه ( الزلزلة : ٧ ) وتجد القول في هذه المسألة مفصلا في كتاب الرياء من الجزء الثالث من ( الإحياء ) فراجعه.
وقد نبه الأستاذ الإمام في الدرس لحال عامة الحجاج في هذا الزمان فقال إن أكثرهم لا يخطر في بالهم مناسك الحج وأركانه وواجباته ولا يقصدونها للجهل بها، وإنما يقصدون زيارة ( أبو إبراهيم ) يعني النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من لا يعرف معنى سوى هذه الزيارة، وهؤلاء هم الهائمون المغرمون بالحج. ومن الناس من يحج ليقال له الحاج فلان أو ليحتفل بقدومه، وهذا من أخس ضروب الرياء، وكثير منهم يقترض بالربا ويحج فيريد أن يعبد الله بأنكر المنكرات.
وقد استدل بالآية القائلون بوجوب العمرة كالحج وهو المروي عن علي وابن عمر وابن عباس وجماعة من كبار التابعين وعليه الشافعي وأحمد. وقيل إنها سنة ويروى عن ابن مسعود وجابر بن عبد الله وعليه مالك والحنفية، وعن أبي حنيفة قول بالوجوب. وقد تقدم أن الآية ليست في وجوب الحج والعمرة فلا تصلح حجة على القائلين بالسنية، لأن الأمر بإتمام الحج والعمرة خطاب لمن شرع فيهما، وهو يصدق وإن كانت العمرة سنة.
ويدل على فرضية الحج قوله تعالى : ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ( آل عمران : ٩٧ ) والأحاديث الصحيحة الصريحة. وأما الأحاديث في العمرة فمتعارضة. والصواب أن الأحاديث الناطقة بأن العمرة غير واجبة وبأنها تطوع ضعيفة، وأقواها حديث الأعرابي الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أخبرني عن العمرة أواجبة هي ؟ فقال لا وأن تعتمر خير لك ١ وهو عند أحمد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وصححه الترمذي وفي إسناده الحجاج بن أرطأة وقد ضعفه الأكثرون وبالغ ابن حزم فقال إن هذا الحديث مكذوب وباطل. والصواب ما قاله النووي من اتفاق الحفاظ على تضعيفه.
وأقوى أحاديث القائلين بوجوب العمرة حديث أبي رزين العقيلي قال يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن فقال حج عن أبيك واعتمر ٢ رواه أحمد وأصحاب السنن وصححه الترمذي بلا نكير بل قال الإمام أحمد لا أعلم في إيجاب العمرة حديثا أوجب من هذا ولا أصح منه. فهو حجة عند القائلين بأن الأمر للوجوب ما لم يصرفه صارف، وقد يقال إن هذا السائل لم يقصد السؤال عن مشروعية أصل الحج والعمرة فإنه كان يعلم حكمهما وإنما سأل هل يصح أن يأتي بهما عن أبيه الذي يقعده عنهما العجز. ولا ينافي هذا كون العمرة سنة متبعة لا فرضا لازما، ويؤيد هذا عدم ذكرها في الآية الناطقة بالوجوب ولا في حديث أركان الإسلام فهي تطوع النسك وإن لم يصح الحديث الذي فيه لفظ التطوع. وقال بعضهم إن العمرة سنة فمتى شرع فيها كان إتمامها واجبا. وما تقدم في معنى الإتمام هو المتبادر والجامع بين الأقوال المختلفة وما رواه ابن أبي حاتم عن صفوان ابن أمية في سبب نزولها إن صح لا ينافيه، وهو أن رجلا جاء النبي صلى الله عليه وسلم متضمخا بالزعفران عليه جبة فقال كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي ؟ فأنزل الله الآية فقال ( أين السائل عن العمرة ؟ ) قال ها أنا ذا فقال له ( ألق عنك ثيابك ثم اغتسل واستنشق ما استطعت ثم ما كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك ).
وأركان الحج خمسة :
١ الإحرام من المقيات وهو في الأصل الوقت المضروب للشيء والمراد به هنا المكان الذي عينه الشارع لإحرام أهل كل قطر، وسيأتي تفسير الإحرام.
٢ الوقوف بعرفة.
٣ و ٤ الطواف بالكعبة والسعي بين الصفا والمروة.
٥ الحلق أو التقصير.
فمن أدى هذه الأعمال فقد أدى الفريضة التي هي ركن من أركان الإسلام. وله أعمال أخرى واجبة من قصر في شيء منها كان عليه فدية.
وأركان العمرة هي ما عدا الوقوف من أركان الحج. وفريضة الحج مجمع عليها معلومة من الدين بالضرورة من أنكرها كان مرتدا والراجح أنه فرض سنة تسع من الهجرة وعليه الجمهور وهذه الآية نزلت سنة ست ولكن فيها أن الحج فرض على كل مستطيع من المؤمنين رجالا ونساء.
هذا ما كتبته عقب حضور درس التفسير على شيخنا وطبع في المنار سنة ١٣٢٢ ثم على حدة سنة ١٣٢٥.
وأقول الآن إن الحج مما أقره الإسلام من ملة إبراهيم صلى الله عليه وسلم كما تقدم آنفا، وآية آل عمران في التصريح بفرضيته نزلت قبل هذه الآيات فيما يظهر لأن سورة آل عمران نزلت عقب غزوة أحد سنة أربع، ولكن المسلمين لم يكن يمكنهم الحج قبل فتح مكة فالطائف وكان فتحها في سنة ثمان وفي سنة تسع خرجوا للحج أول مرة بإمارة أبي بكر ( رض ) وكانت تمهيدا لحجة النبي ( ص ) سنة عشر إذ أذن أبو بكر بالمشركين الذين حجوا فيها بأن لا يطوف بالبيت بعد هذا العام مشرك. ونزلت الآية : إنما المشركون نجس فلا يقربون المسجد الحرام بعد عامهم هذا ( التوبة : ٢٨ ) ولهذا قال الجمهور إن الحج فرض سنة تسع والصواب أنه فرض قبلها ونفذ فيها.
أمر بالإتمام ثم ذكر حكم ما عساه يحول دونه فقال : فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي الحصر والإحصار في اللغة الحبس والتضييق، يقال عن السفر وأحصره عنه إذا حبسه ومنعه، وقال بعض أئمة اللغة إن الإحصار هو المنع بسبب الناس والحصر بسبب المرض وقال بعضهم بالعكس، وقوله تعالى الآتي بعد فإذا أمنتم يرجح أن المراد بالإحصار منع العدو أي إن منعتهم من إتمام النسك فعليكم ما تيسر لكم وسهل حصوله وثمنه من الهدي وهو ما يهديه الحاج والمعتمر إلى البيت الحرام من النعم ليذبح ويفرق على فقرائه، وذهب الجمهور إلى أن المراد بما استيسر الشاة وهي أدناه وقال ابن عمر وعائشة وابن الزبير : جمل أو بقرة، والمتبادر من الآية أن على كل أحد ما استيسر له من بدنة أو بقرة، أو شاة قال ابن عباس وما عظم فهو أفضل. والجمهور على أن يذبحه حيث أحصر ولو في الحل ويتحلل لأنه عليه الصلاة والسلام ذبح عام الحديبية بها وهي من الحل على الأرجح. وقالت الحنفية يبعث به إلى الحرم ويجعل للمبعوث بيده يوم أمارة فإذا جاء اليوم وغلب على ظنه أنه ذبح تحلل.
ثم قال : ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله الدخول في الحج أو العمرة يكون بالإحرام وهو نية النسك عند الابتداء به بالتلبية ولبس غير المخيط من إزار ورداء مع كشف الرأس للرجل ولبس النعلين العربيين والخروج منهما ويعبر عنه بالإحلال والتحلل يكون بحلق الرأس أو تقصير شعره، فالنهي عن الحلق هنا عبارة عن النهي عن الإحلال قبل بلوغ الهدي إلى المكان الذي يحل ذبحه فيه وهو في حال الإحصار حيث يحصر الحاج وإلا فالكعبة لقوله تعالى : هديا بالغ الكعبة ( المائدة : ٩٥ ) وقوله : ثم محلها إلى البيت العتيق ( الحج : ٣٣ ) واستدل الحنفية بهذا على عدم جواز نحر الهدي في محل الإحصار، وحجة الجمهور فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية وأن الأصل في الهدي أن يبلغ الكعبة لأنه مهدي إليها، وحال الإحصار حال ضرورة ولاسيما إحصار السنة التي أنزلت فيها الآية، فقد كانت الكعبة في أيدي المشركين، فلا يعقل أن يأمر الله تعالى بإرسال الهدي إليها فيكون غنيمة لهم، على أن إبلاغه محله في حال الإحصار يكون متعذرا أو متعسرا فكيف يتوقف الإحلال عليه ؟ ثم إن اكتفاءهم بذبحه في أدنى مكان من أرض الحرم لا ينطبق على الآيتين الناطقتين ببلوغه الكعبة والبيت العتيق، وقولهم إنه عليه السلام ذبح عام الحديبية في أول الحرم غير مسلم فجمهور أهل النقل على خلافه. ثم إنهم احتاجوا في تصحيح قولهم إلى تقدير العلم أي حتى تعلموا أن الهدي بلغ محله ولا حاجة إلى تقدير على رأي الجمهور.
واستدل الجمهور بالاقتصار على الهدي في مقام البيان على أن القضاء غير واجب على المحصر، وقالت الحنفية يجب قضاء العمرة لأن النبي قضاها بأصحابه وسميت عمرة القضاء، وقال الشافعي سميت عمرة القضاء والقضية للمقاضاة التي وقعت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش لا على أنه واجب عليهم قضاء تلك العمرة، والهدي جمع هدية كجدي وجدية والمحل بكسر الحاء اسم مكان من حل يحل حلا أي صار حلالا، ضد حرم يحرم إذا صار حراما.
ثم ذكر حكم من يؤذيه عدم الحلق فقال : فمن كان منكم مريضا مرضا ينفعه فيه الحلق ويضره عدمه أو به أذى من رأسه كقمل أو جرح ففدية من صيام أو صدقة أو نسك أي فعليه إن حلق فدية من هذه الأجناس الثلاثة على التخيير. أخرج البخاري من حديث كعب بن عجرة قال وقف علي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية ورأسي يتهافت قملا فقال :( يؤذيك هوامك ؟ ) قلت نعم. قال :( فاحلق رأسك ) قال فنزلت هذه الآية وذكرها فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( صم ثلاثة أيام أو تصدق بفرق بين ستة أو انسك بما تيسر ) ٣ قال البخاري وعنه رضي ا

١ أخرجه أحمد في المسند ٣/٣١٢..
٢ أخرجه أبو داود في المناسك باب ٢٥، والترمذي في الحج باب ٨٧، والنسائي في المناسك باب ٢، ١٠، وابن ماجه في المناسك بابا ١٠، وأحمد في المسند ٤/١٠، ١١، ١٢..
٣ أخرجه البخاري في المحصر باب ٦، ومسلم في الحج حديث ٨٢..

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير