ﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖﰗﰘﰙﰚﰛﰜﰝﰞﰟﰠﰡ

١٩٦ - قوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ الآية.
قال ابن عباس (١) ومجاهد (٢): أتِمُّوهما بمناسِكِهما وحدودِهما وسننِهِما وتأديةِ كل ما فيهما (٣).
وقال ابن مسعود (٤) وعلي (٥) رضي الله عنهما: إتمامُهُما: أن تُحرم بهما من دُوَيْرة أهلك مؤتنفَيْن. وبهذا قال سعيد بن جبير (٦) وطاوس (٧).
وفي إيجاب العمرة قولان:

(١) رواه سعيد بن منصور في "السنن" ٢/ ٧١٢، والطبري في "تفسيره" عنه بمعناه ٢/ ٢٠٧، وعزاه في "الدر المنثور" ١/ ٣٧٦ إلى وكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر، والنحاس في "ناسخه"، والحاكم وصححه، والبيهقي في "سننه".
(٢) في "تفسير مجاهد" ١/ ١٠٠، ورواه الثوري في "تفسيره" ص ٦٥، والطبري في "تفسيره" ٢/ ٢٠٧، وعزاه في "الدر" ١/ ٣٧٦ إلى عبد بن حميد.
(٣) وبه قال علقمة وإبراهيم. ينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ٢٠٦، ٢٠٧، "تفسير الثعلبي" ٢/ ٤٥٢.
(٤) نسبه إليه البغوي في "تفسيره" ١/ ٢١٧، وابن العربي في "أحكام القرآن" ١/ ١١٧.
(٥) رواه عنه الطبري في "تفسيره" بمعناه ٢/ ٢٠٧، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ١/ ٣٣٣، والحاكم ٢/ ٣٠٣ وصححه، وعزاه في "الدر المنثور" ١/ ٣٧٦ إلى وكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والنحاس في "ناسخه"، والبيهقي في "سننه".
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" عنه ٢/ ٢٠٧، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" ١/ ٣٣٣، والجصاص في "أحكام القرآن" ١/ ٢٦٣.
(٧) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٤/ ٩، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" ١/ ٣٣٣، وابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص ٢٢٥، وقد ذكر المؤلف قولين، والقول الثالث: إتمامهما: أن يفصل بينهما فيأتي بالعمرة في غير أشهر الحج، روي عن عمر والحسن وعطاء، والرابع: أنه فعل ما أمر الله فيهما، روي عن مجاهد. والخامس: ألا يتجر معهما. والسادس: ألا يحرم بالعمرة في أشهر الحج، قاله قتادة. ينظر: "زاد المسير" ١/ ٢٠٤ (ط. المكتب الإسلامي)

صفحة رقم 5

أحدهما: أنها (١) واجبة، وهو مذهب علي (٢) وابن عباس (٣)، وقول الشافعي في الجديد (٤).
قال ابن عباس: والله إن العمرة لقرينة الحج في كتاب الله وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ (٥).
وقال مسروق: نزلت العمرة من الحج منزلة الزكاة من الصلاة، ثم تلا هذه الآية (٦).
فمن أوجَبَ العمرةَ تأول الإتمام على معنى الابتداء، أي: أقيموهما وافعلوهما بما فيهما من الأعمال، كقوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ

(١) في (أ) (أنهما)، وفي (م) (أيهما).
(٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٢/ ٢٠٩، وعزاه السيوطي في "الدر" ١/ ١٧٦ إلى عبد ابن حميد، وذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ٤٦٣.
(٣) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" ١/ ٣٣٤، والدارقطني في "السنن" ٢/ ٢٨٥، والبيهقي في "تفسيره" ٤/ ٣٥١، والحاكم ١/ ٦٤٣ وصححه، وعزاه في "الدر" ١/ ٣٧٧، إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد والدارقطني والحاكم والبيهقي.
(٤) ينظر: "الأم" للشافعي ٢/ ٤٧٧ (ط. دار إحياء التراث العربي) "المجموع" ٧/ ٧، "البيان في مذهب الشافعي" للعمراني ٤/ ١١، وممن قال بالوجوب: ابن عمر وجابر وزيد وعطاء وابن المسيب وسعيد بن جبير وعلي بن الحسين، والسفيانان، وقتادة، وهو المذهب عند الحنابلة. ينظر: "المصنف" لابن أبي شيبة ٤/ ٣٠٤ - ٣٠٥، "البيان" للعمراني ٤/ ١١، "تفسير الثعلبي" ٢/ ٤٦٣، "الفروع" لابن مفلح ٣/ ٢٠٣.
(٥) رواه البخاري تعليقًا في العمرة، باب: وجوب الحج والعمرة ٢/ ٢٤٠، ورواه موصولاً: الشافعي في "الأم" ٤/ ١٤٤، والبيهقي في "تفسيره" ٤/ ٣٥١، وابن عبد البر في "التمهيد" ٢٠/ ١٦.
(٦) رواه الطبري عنه في "تفسيره" ٢/ ٢٠٩، والبيهقي في "تفسيره" ٤/ ٣٥١، وابن عبد البر في "التمهيد" ٢٠/ ١٥.

صفحة رقم 6

فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة: ١٢٤]، أي: فعلهن وقام بهن، وقوله: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة: ١٨٧]، أي: ثم ابتدؤوا الصيام وأتموه؛ لأنه ذكر الإتمام عَقِيب الأكل والشرب (١).
وفرائض الحَجِّ أربعةٌ: الإحرامُ، والوقوفُ، وطوافُ الإفاضة، والسعيُ (٢).
وأعمال العمرة: الإحرامُ، والطوافُ، والسعي، والحلق والتقصير (٣)، وأقله: ثلاث شَعَرات (٤).
القول الثاني: أن العمرة سنةٌ وليست بفريضة، وهو مذهب أهل العراق (٥)، وحملوا الآية على معنى: أتموها إذا دخلتم فيها، كالمتطوع

(١) من "تفسير الثعلبي" ٢/ ٤٦٩، وينظر: "الأم" ٢/ ١٤٤، "التمهيد" ٢٠/ ١٠.
(٢) من "تفسير الثعلبي" ٢/ ٤٥٤، وهذا مذهب الجمهور. ينظر: "حاشية ابن عابدين" ٢/ ٢٥٠، "شرح الزرقاني على مختصر خليل" ٢/ ٢٨١، "المهذب" للشيرازي ٢/ ٧٨٩، "الوسيط" للغزالي ٢/ ١٢٦١، "البيان" للعمراني ٤/ ٣٧٣، "الموسوعة الفقهية الكويتية" ١٧/ ٤٩.
(٣) من "تفسير الثعلبي" ٢/ ٤٥٤، وينظر: "المهذب" ٢/ ٧٨٩، "المجموع" ٨/ ٢٦٥، وذهب جمهور الفقهاء إلى أن أركان العمرة ثلاثة، هي: الإحرام، والطواف، والسعي، وهو مذهب المالكية والحنابلة، وزاد الشافعية ركنًا رابعًا هو الحلق، ومذهب الحنفية أن الإحرام شرط للعمرة، وركنها واحد هو الطواف. ينظر: "الشرح الكبير" و"حاشيته للدسوقي" ٢/ ٢١، "المسلك المتقسط" ص ٣٠٧، "كشاف القناع" ٢/ ٥٢١، "البيان" للعمراني ٤/ ٣٧٠.
(٤) القدر الواجب: هو حلق شعر جميع الرأس، أو تقصيره عند المالكية والحنابلة، وربع الرأس على الأقل عند الحنفية، وثلاث شعرات على الأقل عند الشافعية. ينظر: "فتح القدير" ٢/ ١٧٨ - ١٧٩، "المسلك المتقسط" ص ١٥١ - ١٥٤، "الشرح الكبير" و"حاشيته للدسوقي" ٢/ ٤٦، "الفروع" ٣/ ٥١٣.
(٥) القول بالسنية قول المالكية وأكثر الحنفية، وهو قول الشافعي في القديم، واختيار=

صفحة رقم 7

بالحج يلزمه المضي فيه إذا شرع فيه (١).
والقول الأول أولى لأن فيه جمعاً بين وجهي الإتمام، ومعناه: ابتدئوا العمرة فإذا دخلتم فيها فأتموها، وقد تقول لمن لم يشرع في أمر: أَتِمَّ هذا الأمر (٢).
وقوله تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ اختلف أهلُ اللغةِ في الحَصْر والإحْصَار، ففرَّق بينهما قوم.
أقرأني العروضي، قال: أقرأنا الأزهري، عن المنذري، عن ابن فهم، عن محمد بن سلام (٣)، عن يونس، قال: إذا رُدّ الرجل عن وجه يريده فقد أُحْصر، وإذا حُبِسَ فقد حُصر (٤).
وبهذا الإسناد عن المنذري، عن الحرَّاني، عن ابن السِّكِّيت (٥):

= الطبري، وقول أبي ثور، وذهب بعض الحنفية إلى أنها واجبة في العمر مرة واحدة، على اصطلاح الحنفية في الواجب. ينظر: "مختصر الطحاوي" ص ٥٩، "أحكام القرآن" للجصاص ١/ ٢٦٤، "شرح فتح القدير" ٢/ ٣٠٦، "بدائع الصنائع" ٢/ ٢٢٦، "حاشية الدسوقي" ٢/ ٢، "الموسوعة الكويتية" ٣/ ٣١٤.
(١) من "تفسير الثعلبي" ٢/ ٤٦٨، وينظر: "الأم" ٢/ ١٤٤، "تفسير الطبري" ٢/ ٢١٠، "أحكام القرآن" للجصاص ١/ ٢٦٤، "التمهيد" ٢٠/ ١٠.
(٢) من "تفسير الثعلبي" ٢/ ٤٦٩، وقال: ولأن من أوجبها أكثر، والأخبار في إيجاب الحج والعمرة مقترنين أظهر وأشهر.
(٣) هو: محمد بن سلام بن عبيد الله بن سالم أبو عبد الله، الجمحي البصري، تقدمت ترجمته (البقرة آية ٥٨).
(٤) في "تهذيب اللغة" ١/ ٨٣٨ (حصر): عن يونس أنه قال: إذا رُدَّ الرجل عن وجه يريده فقد أحصر، أبو عبيد، عن أبي عبيدة: حُصر الرجل في الحبس، وأحصر في السفر من مرض أو انقطاع به.
(٥) في "تهذيب اللغة" ٢/ ٨٣٨ (حصر)، وقال ابن السكيت، ولم يذكر الإسناد.

صفحة رقم 8

أحصره المرض: إذا منعه من السفر أو من حاجة يريدها، وحَصَرَه العَدُوّ: إذا ضَيَّق عليه (١).
وأقرأني سعيد بن أبي بكر الزاهد، عن أبي عليٍّ الحسنِ (٢) بن أحمد الفارسي، عن أبي إسحاقَ الزجاج، قال: الروايةُ عن أهل اللغة للذي يمنعه الخوف أو المرض: أُحْصِر، وللمحبوس: حُصِر (٣).
وقال ابن قتيبة في قوله: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ: هو أن يَعْرِضَ للرجل ما يحول بينه وبين الحج من مَرَضٍ أو كَسْرٍ أو عَدُو، يقال: قد أُحصر فهو محصَر، فإن حُبِس في سجن أو في دار قيل: حُصِر فهو مَحصُور (٤).
وهذا هو قول الفراء في المَصَادر، ونحو (٥) ذلك ذكر أبو عبيد عن أبي عبيدة (٦).
وذهب قوم إلى أنهما بمعنى واحد، قال الزجاج، في باب الوفاق من فَعَلْت وأَفْعَلْت، يقال للرجل: من حَصَرك ههنُا، ومن أحصرك؟.
وقال أحمدُ بن يحيى: أصل الحَصْرِ والإِحْصَار: الحبس، وحُصِرَ في

(١) "تهذيب اللغة" ٢/ ٨٣٨ (حصر)، وزاد: إذا ضيق عليه فحصر، أي: ضاق صدره.
(٢) في (أ) (م) الحسن.
(٣) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢٦٧ بمعناه.
(٤) "غريب القرآن" لابن قتيبة ٧٨.
(٥) في (أ) (م) نحو بلا واو.
(٦) "مجاز القرآن" ١/ ٦٩، وينظر: "الفروق في اللغة" للعسكري ص ١٠٨، "أحكام القرآن" ١/ ٢٦٨، وقد فرق بينهما الراكب في "المفردات" ص ١٢٨ فقال: والحصر والإحصار من طريق البيت، فالإحصار يقال في المنع الظاهر كالعدو، والمنع الباطن كالمرض، والحصر لا يقال إلا في المنع الباطن، فقوله تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فمحمول على الأمرين.

صفحة رقم 9

الحبس أقوى من أُحْصِر (١).
وقال الأزهري: الرواية عن ابن عباس صحيحة أنه قال: لا حصر (٢) إلا حصر العدو (٣)، فَجَعْلُه بغير ألف جائزٌ، بمعنى قول الله تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ (٤).
وقال الفراء: يقال للذي يمنعه خوف أو مرض: أُحْصِر، ولمن حُبِسَ قَهْرًا: حُصر، فإن نويت بقهر السلطان أنها عِلَّةٌ مانعةٌ ولم يذهب إلى فعل الفاعل جاز فيه أحصر، وإن نويت في العلة (٥) أنها حبسته جاز حُصِر (٦).
هذا كلام أهل اللغة في الحصر والإحصار، وأصل الباب: الحَبْس، ومنه يقال للذي لا يبوح بسرِّه: حَصِرَة لأنه حبس نفسه عن البَوْح (٧) قال

(١) بمعناه عند الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ٤٩٥، ونقله في "البحر المحيط" بنحوه ٢/ ٧٣، "الدر المصون" ٢/ ٣١٤.
(٢) سقطت من (ش).
(٣) رواه الشافعي في "الأم" ٢/ ١٧٨، والطبري في "تفسيره" ٢/ ٢١٤، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ١/ ٣٣٦، والبيهقي في "تفسيره" ٥/ ٢١٩، وصحح إسناده الحافظ في "تلخيص الحبير" ٢/ ٢٨٨.
(٤) "تهذيب اللغة" ٢/ ٨٣٨، قال القشيري أبو نصر: وادعت الشافعية: أن الإحصار يستعمل في العدو، فأما العدو فيستعمل فيه الحصر، والصحيح أنهما يستعملان فيهما، نقله القرطبي في "تفسيره" ٢/ ٣٤٨ - ٣٤٩، وقال أبو حيان في: "البحر المحيط" ٢/ ٧٣: وثبت بنقل من نقل من أهل اللغة أن الإحصار والحصر سواء، وأنهما يقالان في المنع بالعدو وبالمرض وبغير ذلك من الموانع، فتحمل الآية على ذلك، ويكون سبب النزول ورد على أحد مطلقات الإحصار، وليس في الآية تقيد، وبهذا قال قتادة والحسن وعطاء والنخعي ومجاهد وأبو حنيفة.
(٥) في (ش) اللغة.
(٦) "معاني القرآن" للفراء ١/ ١١٨ بمعناه.
(٧) ينظر: "تهذيب اللغة" ٢/ ٨٣٨ حصر.

صفحة رقم 10

جرير:

ولقد تَكَنَّفَنِي الوُشَاةُ فَصَادفوا حَصِراً بسرِّكِ يا أُمَيْمُ ضَنِيْنَا (١)
والحَصْر: احتباس الغائط، والحصير: المَلِك؛ لأنه كالمحبوس في الحجاب، وهو في شعر لبيد:
جِنٌّ لَدَى بابِ الحَصِيرِ قِيامُ (٢)
والحصير: المعروف، وسَقِيْفُ من بَرْديٍّ (٣)؛ لانضمام بعضه إلى بعض، كحبس (٤) الشيء مع غيره، ومنه يقال للجَنْب: حصير، تشبيهًا به (٥).
فأما حُكْمُ الإِحْصار فمذهب أهل العراق: أن كل مانع منع المُحْرم عن الوصول إلى البيت من: مَرَضٍ أو جُرْح أو كسر أو خوف عدو أو أي مانع كان، فإنه يقيم مكانه على إحرامه، ولبعث بهديه، أو بثمن الهدي، فإذا نحر الهدي حَلَّ من إحرامه. واحتجوا بأن الإحصار من طريق اللفظ عام
(١) البيت في "ديوانه" ص ٠٤٧٦ وقد ورد البيت: ولقد تسقطني، وعند الطبري: تساقطني ٣/ ٢٥٥، وورد منسوبا له في "مجاز القرآن" ١/ ٩٢، "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٤٠٧،"تهذيب اللغة" ٤/ ٢٣٥، "معجم مقاييس اللغة" ٢/ ٧٣، "لسان العرب" ٢/ ٨٩٦.
(٢) ورد البيت وهو في "ديوانه" ص ١٦٠ هكذا:
وَمَقَامةٍ غُلْبِ الرِّقَابِ كَأنهم جِنٌّ لدى طَرَفِ الحَصِيرِ قِيامُ
"المفردات" للراغب ص ١٢٨ وروايته: ومَعَالمٍ.
(٣) في (ش) سقيف من تردي وفي (م) سفيف من بردي. والبردي: نبات يعمل منه الحصر.
(٤) في (ش): كلبس.
(٥) ينظر في مادة (حصر): "تهذيب اللغة" ٢/ ٨٣٩، "المفردات" ص١٢٨، "عمدة الحفاظ" ١/ ٤٨١.

صفحة رقم 11

في كل مانع (١).
وأما مذهب أهل الحجاز (٢)، وهو مذهب الشافعي (٣)، رحمه الله، أن الحكم المتعلق بالإحصار إنما يتعلق بحبس العدو عن الوصول إلى البيت، فأما سائر الأعذار فغير داخل في الآية، والدليل على (٤) هذا سببُ النزول، وهو إحصار العدوِّ للنبي - ﷺ - وأصحابه بالحُدَيْبِيَةِ (٥)، يَدُلُّ على أن المراد به حبس العدو فقط، قوله في سياق الآية: فَإِذَا أَمِنْتُمْ ولم يقل: فإذا أندملتم (٦)، والأمن المطلق يقتضى الخوف المطلق من العدو، لأنه قال:

(١) وبه قال النخعي والحسن ومجاهد وعطاء وقتادة وعروة بن الزبير ومقاتل. ينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ٢١٥، "أحكام القرآن" للجصاص ١/ ٢٦٨، "شرح معاني الآثار" ٢/ ٢٥٢، "أحكام القرآن" للكيا الهراسي، "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ١١٩، "تفسير القرطبي" ٢/ ٣٥٠ - ٣٥١.
(٢) ينظر: "الموطأ" ١/ ٣٦٠، "معاني القرآن" للنحاس ١/ ١١٥، "تفسير الثعلبي" ٢/ ٤٩٥، "أحكام القرآن" للكيا الهراسي ١/ ٩٠ - ٩١، "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ١١٩، وقال: قاله ابن عمر وابن عباس وأنس والشافعي، وهو اختيار علمائنا، ورأي أكثر أهل اللغة ومُحصِّليها على أن أُحصِر: عرض للمرض، وحُصر: نزل به الحصر، واستدرك عليه القرطبي في "تفسيره" ٢/ ٣٥٠ فقال: ما حكاه ابن العربي من أنه اختيار علمائنا، فلم يقل به إلا أشهب وحده، وخالفه سائر أصحاب مالك في هذا، وقالوا: الإحصار إنما هو المرض، وأما العدو فإنما يقال فيه: حصِر حصْرا فهو محصور، قاله الباجي في المنتقى، وحكى أبو إسحاق الزجاج أنه كذلك عند جميع أهل اللغة.
(٣) "الأم" ٢/ ١٧٨، و"اختلاف العلماء" للمروزي ص ٨٥، و"السنن" للبيهقي ٥/ ٢١٩.
(٤) في (ش) عليه.
(٥) ينظر: "تفسير الثعلبي": ٢/ ٤٩٥. قال ابن العربي في "أحكام القرآن" ١/ ١١٩: وقد اتفق علماء الإسلام على أن الآية نزلت سنة ست، في عمرة الحديبية، حين صد المشركون رسول الله - ﷺ - عن مكة.
(٦) ينظر: "تفسير الثعلبي" ٢/ ٤٩٥، "تفسير القرطبى" ٢/ ٣٥٠.

صفحة رقم 12

فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا فعُلم أن الإحصار في الآية ليس بالمرض، وأيضًا ذكرنا عن ابن عباس أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو (١).
وقولهم: الإحصار عام، قلنا: هو عام من حيث اللفظ، خاص ههنا في حبس العدو، بما (٢) ذكرنا من الدليل (٣).
فإذا (٤) بان أن الإحصار هو قهر العدو بالحبس عن البيت، فالرجل إذا أحرم بحجٍّ أو عُمْرةٍ انحتم عليه الإتمام، حتى لو أفسد الإحرام بالجماع وجب عليه المضي في فَاسِدِ الإحرام، وإنما يباح التحلل (٥) من الإحرام بإحصار العدو، كما أُحْصِر رسول الله (٦).
ثم إن كان الحج فَرْضاً أو العمرة فأحصره العدو فقال الشافعي: إذا أُحْصِرَ بعدوٍّ كافرٍ أو مسلم، أو سُلْطَان يحبسه في سجن، نحر هديًا بالإحصار حيث أُحْصِر في حِلٍّ أو حَرَم، وحَلَّ من إحرامه، وعليه القَضَاءُ إذا انْجَلَى الحَصْر، فإن انجلى الحَصْرُ عاجلاً أمكنه القضاء في ذلك العام، وإن كان النُّسُكُ في الأصل نفلاً فأُحْصِر فَتَحَلَّلَ فلا قضاء عليه من طريق الوجوب، ولكن يُسْتَحَبُّ له ذَلكَ، وإذا لم يجد هديًا يشتريه، أو كان فقيرًا، ففيه قَوْلان:
أحدهما: لا يحل إلا بهدي.

(١) تقدم تخريجه.
(٢) في (م) وبما.
(٣) ينظر في ذكر الأدلة: "أحكام القرآن" للكيا الهراسي ١/ ١٣٤ - ١٣٥.
(٤) في (ش) فإن.
(٥) في (ش) التحليل.
(٦) ينظر: "تفسير القرطبي" ٢/ ٣٤٨ - ٣٥٥، "البحر المحيط" ٢/ ٧٣.

صفحة رقم 13

والآخر: إذا لم يَقْدِر عليه حَلَّ، وأتى به إذا قَدَرَ عَليه (١).
وأما المحصر بالمرض، فإنه يصير على إحرامه ولا يتحلل، وله أن يتداوى بما لابد منه ويفتدي، ويأتي في هذه الآية ذكره (٢).
وفي الآية إضمار، تقديره: فإن أحصرتم دون تمام الحج والعمرة، وجاز الحذف لأن ما تقدم يدل عليه (٣).
قوله تعالى: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ محل "ما" رفع. المعنى: فواجبٌ عليكم ما استيسر (٤).
قال الفراء: ولو نصبتَ على معنى: اهْدُوا ما استيسر، كان صوابًا، وأكثر ما جاء في القرآن من أشباهه مرفوع (٥).

(١) "مختصر المزني" الملحق بكتاب "الأم" للشافعي ٨/ ١٦٩، "تفسير الثعلبي" ٢/ ٤٩٦، والنقل عنه. وينظر: "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ١٢٢، "تفسير القرطبي" ٣/ ٣٥٣ - ٣٥٥، ويرى أبو حنيفة أن عليه القضاء، وهو اختيار الطبري في "تفسيره" ٢/ ٢٢٦، واحتجوا بأن النبي - ﷺ - قضى عمرة الحديبية في العام الآخر، وأجيبوا بأنه إنما قضاها لأن الصلح وقع على ذلك إرغاما للمشركين، وإتماما للرؤيا، وتحقيقا للموعد، وهي في ابتداء عمرة أخرى، وسميت عمرة القضية من المقاضاة لا من القضاء.
(٢) من "تفسير الثعلبي" ٢/ ٤٩٧، وينظر: "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ١٢١، "تفسير القرطبي" ٢/ ٣٥١، وقد رد الإمام الطبري هذا القول في "تفسيره" ٢/ ٢٢٧، وناقش القائلين به، وبين عدم الفرق بين الإحصار بالعدو وبالمرض لعدم الفارق بين المعنيين بكلام نفيس.
(٣) ينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ٢١٥.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢٦٧، "تفسير الطبري" ٢/ ٢١٩، "تفسير الثعلبي" ٢/ ٤٩٨، "تفسير القرطبي" ٢/ ٣٥٥، "التبيان" ١٢٢، وقال مكي في "مشكل إعراب القرآن" ١/ ١٢٣: (ما) في موضع رفع بالابتداء، أي: فعليه ما استيسر.
(٥) "معاني القرآن" للفراء بمعناه ١/ ١١٨، وينظر: "تفسير الثعلبي" ٢/ ٤٩٨، "مشكل =

صفحة رقم 14

واستَيْسر بمعنى: تيسر، ومثله استعظم، أي: تَعَظَّم، واسْتَكْبَر، أي: تَكَبَّر (١).
والهَدْيُ: جَمْعُ هَدْيَة، مثل: شَرْية وشَرْي، وجَدْيَة وجَدْي (٢).
قال أحمد بن يحيى: أهلُ الحجاز يُخَفِّفُون الهَدْي، وتميمٌ تُثَقِّلُهُ،
فيقولون: هديّة وهديّ، مثل مطيّة ومَطِيّ (٣).
قال الشاعر:

حَلَفْتُ بربِّ مَكَّةَ والمُصَلَّى وأعْنَاقِ الهَديِّ مُقَلَّداتِ (٤)
ومعنى الهَدْي: ما يُهْدَى إلى بيت الله عزّ وجلّ تَقَرُّبًا إليه، بمنزلة الهَدِيَّةِ يُهْدِيها الإنسان إلى غيره متقربًا بها إليه (٥). قال علي (٦) وابن
= إعراب القرآن" لمكي ١/ ١٢٣، "التبيان" ١٢٢، "البحر المحيط" ٢/ ٧٤.
(١) ينظر: "التفسير الكبير" ٥/ ١٦٠، "التبيان" للعكبري ١٢٢، قال: والسين هنا ليست للاستدعاء. وقال في "البحر المحيط" ٢/ ٧٤: واستيسر هو بمعنى الفعل المجرد، أي: يسر، بمعنى: استغنى وغني، واستصعب وصعب، وهو أحد المعاني التي جاءت لها استفعل.
(٢) ينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ٢١٩، "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢٦٧، "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٧٣٨، "المفردات" ٥١٩، "اللسان" ٨/ ٤٦٤٢ "هدى".
(٣) نقله الرازي في "التفسير الكبير" ٥/ ١٦٠، وصاحب "اللسان" ٨/ ٤٦٤٢ (هدى).
(٤) البيت للفرزدق في "ديوانه" ١/ ١٠٨، "لسان العرب" مادة: قلد ٦/ ٣٧١٨.
(٥) "تفسير الثعلبي" ٢/ ٤٩٩، وينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ٢٢٠، "المفردات" ٥١٩، "التفسير الكبير" ٥/ ١٦٠، "اللسان" ٨/ ٤٦٤٢ (هدى).
(٦) رواه عنه مالك في "الموطأ" ١/ ٣٨٤، وسعيد بن منصور في "تفسيره" ٣/ ٧٥٣، والطبري في "تفسيره" ٢/ ٢١٧، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ١/ ٣٣٦، قال: ما استيسر من الهدي: شاة، ولم يذكر هذا التقسيم، والواحدي لعله لما نقل هذا عن الثعلبي لم يلتفت إلى التفريق في عبارته؛ حيث قال الثعلبي ٢/ ٤٩٩: فقال علي ابن أبي طالب وابن عباس: شاة، وقال الحسن وقتادة: أعلاه بدنة، وأوسطه شاة.

صفحة رقم 15

عباس (١) والحسن (٢) وقتادة (٣) في هذه الآية: أعلاه بدنة، وأوسطه بقرة، وأخسُّه شاة، فعليه ما تيسر له من هذه الأجناس.
وقوله تعالى: وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ أي: لا تَتَحَلَّلُوا من إحرامكم حتى يُنْحَرَ الهَدْيُ (٤).
ومعنى حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ أي: حيث يَحِلُّ ذبحُه ونَحْرُه، يُقال: حلَّ الشيء يَحِلُّ حَلاَلاً وحِلاًّ، وهذا أوان محله، أي: حينَ حَلَّ (٥)، كقوله - ﷺ - في اللحم الذي تصدّق على بريرة: "قربوه فقد بَلَغ محله" (٦) أي: حل لنا

= أو لعله سقط من المخطوطة. والله أعلم.
(١) رواه مالك في "الموطأ" ١/ ٣٨٤، والطبري بمعناه ٢/ ٢١٥ - ٢١٧، وابن أبي حاتم ١/ ٣٣٦، وسعيد بن منصور ٣/ ٧٤٩.
(٢) رواه سعيد بن منصور في "السنن" ٣/ ٧٥٨، والطبري في "تفسيره" ٢/ ٢١٦، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" ١/ ٣٣٦ كلهم عن الحسن قال: فما استيسر من الهدي: شاة، وليس فيه التقسيم المذكور. وذكره الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ٥٠٠ بلفظ الواحدى.
(٣) ينظر: "تفسيرالثعلبي" ٢/ ٤٩٩.
(٤) ينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ٢٢٠.
(٥) من "تفسير الثعلبي"، وينظر: "غريب القرآن" ٧٩، "تفسير الطبري" ٢/ ٢٢٠.
(٦) بهذا اللفظ ذكره الطبري في "تفسيره" ٢/ ٢٢٢، والثعلبي في "تفسيره" ٢/ ٥٠٢، وتابعه الواحدي هنا. وحديث بريرة المشهور، لفظه: هو لها صدقة ولنا هدية، رواه البخاري في الزكاة، باب: الصدقة على موالي أزواج النبي - ﷺ - ٢/ ١٦٤ برقم ١٤٩٣، ومسلم في العتق، باب: إنما الولاء لمن أعتق ٢/ ١١٤٣ برقم ١٥٠٤ وليس فيه اللفظ الذي ذكره المؤلف، لكنه ورد في حديث أم عطية أنه - ﷺ - قال عن الشاة التي أرسلتها نسيبة الأنصارية: فقد بلغت محلها، رواه البخاري في الزكاة، باب: قدر كم يعطي من الزكاة والصدقة ٢/ ١٤٨ برقم ١٤٤٦، ومسلم في الزكاة، باب. إباحة الهدية للنبي - ﷺ - ٢/ ٧٥٦. =

صفحة رقم 16

بالهدية إلينا (١)، بعد أن كان صدقة على بريرة (٢) (٣).
وهكذا فعل النبي - ﷺ - وأصحابه، حين صُدُّوا عن البيت، نَحَروا هَدْيَهُم بالحديبية ليست من الحرم (٤).
قال الشافعي رحمه الله: وكل ما وجب على المحرم في ماله من بَدَنةٍ وجَزَاء وَهَدْي فلا يُجْزِي إلا في الحرم، لمساكين أهله، إلا في موضعين:
أحدهما: دم المحصر بالعدو، فإنه ينحر حيث حبس ولحل.
والآخر: من ساق هديًا فعَطب في طريقه ذبحه وخلى بينه وبين المساكين (٥).
هذا على مذهب أهل الحجاز (٦)، وعلى مذهب أهل العراق محلُّ

= قال أحمد شاكر في تعليقه على الطبري: ولم أجد لفظ: "فقد بلغ محله"، الذي حكاه الطبري في قصة بريرة، ولعله وقع إليه من رواية خفيت علينا، ثم ذكر شاكر أن نحو هذا اللفظ جاء في قصتين أخريين: إحداهما: من حديث أم عطية الأنصارية، ولفظه: "إنها قد بلغت محلها"، والأخرى: من حديث جويرية بنحو اللفظ السابق.
(١) سقطت من (ش).
(٢) بريرة مولاة عائشة رضي الله عنهما، وكانت مولاة لبعض الأنصار، ثم اشترتها عائشة فأعتقتها، وكانت تحت مغيث فخيرها رسول الله - ﷺ - بعد عتقها، فاختارت فراقه، وعاشت إلى خلافة يزيد بن معاوية. ينظر: "صحيح البخاري" ٦/ ٢١٠، "الاستيعاب" ٤/ ٣٥٧ (٣٢٩٠).
(٣) "تفسيرالثعلبي" ٢/ ٥٠٢.
(٤) ينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ٢٢١، ٢٢٢، "تفسير الثعلبي" ٢/ ٥٠٢.
(٥) "تفسير الثعلبي" ٢/ ٤٩٧، وقد عزاه فقال: وقال بعض الفقهاء، ولم يعزه إلى الشافعي، لكن الجملة التي قبله عزاها للشافعي، وهي التي نقلها الواحدي قبل عدة أسطر.
(٦) ينظر: "الأم" ٢/ ١٧٤، "تفسير الثعلبي" ٢/ ٥٠١، "أحكام القرآن" لابن العربي=

صفحة رقم 17

هدي المحصر الحرمُ، ولا محل له غيره، فإن كان حاجًا فمحله يوم النحر، وإن كان معتمرًا فمحله (١) يوم يبلغ هديه الحرم (٢).
وحقيقة الخلاف تعود إلى أن عند أهل الحجاز المحل في هذه الآية اسمًا للأوان الذي يحل فيه ذبح الهدي عن المحصر، وعند غيرهم المحل اسم للمكان (٣).
وقوله تعالى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ نزلت في كعب ابن عُجْرة (٤) قال: مر بي رسول الله - ﷺ - زمن الحديبية ولي وفرة من شعر فيها القَمْل والصِّيبَان، وهي تَتَناثر على وجْهي وأنا أطبخ قِدرًا لي، فقال رسول الله - ﷺ -: "أيؤذيك هوام رأسك؟ " قلت: نعم يا رسول الله قال: "احلق رأسك"، فأنزل الله عز وجل: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ (٥) أي:

= ١/ ١٢٢، "تفسير الطبري" ٢/ ٢٢١، ٢٢٢، وبين رحمه الله ٢/ ٢٢٦، ٢٢٧ أن أولى الأقوال بالصواب قول من قال: إن المراد بالآية كل محصر بعمرة أو حج، وجعل محل هديه الموضع الذي أحصر فيه، وجعل له الإحلال من إحرامه ببلوغ هديه محله، وأراد بالمحل: المنحر أو المذبح، وذلك حين حل ذبحه ونحره في حرم كان أو حل.
(١) في (م) (فحله في الموضعين).
(٢) ينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ٢٢٣، "أحكام القرآن" للجصاص ١/ ٢٧٢، "شرح معاني الآثار" ٢/ ٢٥١، "بدائع الصنائع" ٢/ ١٧٩.
(٣) "التفسير الكبير" ٥/ ١٦٢.
(٤) كعب بن عجرة بن أمية البلوي، الأنصاري المدني، أبو محمد، صحابي مشهور، تأخر إسلامه، ثم شهد المشاهد كلها، مات بعد الخمسين، وله نيف وسبعون سنة، روى حديثه الجماعة. ينظر، "أسد الغابة" ٤/ ٢٤٣، "تقريب التهذيب" ص ٤٦١ (٥٦٤٣).
(٥) أخرجه البخاري (١٨١٧) كتاب المحصر، باب: النسك شاة، ومسلم (١٢٠١) =

صفحة رقم 18

فحلق أو فداوى فعليه فدية يفدي بها إحرامه؛ لأنه يجبر بها ما وقع من خلل في إحرامه (١).
والحكم في هذا: أن المحرم إذا تأذّى بهوامِّ رأسِه أو بالمرض أُبيح له الحلق والمداواة بشرط الفدية، وهذه الفدية على التخيير أيها شاء فعل، كما دل عليه ظاهر الآية (٢)، فالصيام ثلاثة أيام، يصوم حيث شاء من البلاد (٣)، والصدقة إطعام ستة مساكين، لكل مسكين مدان، فيكون الجملة فَرَقًا، وهو اثنا عشر مدًّا (٤)، وفي سائر الكفارات لكلِّ مسكين (٥) مدٌّ واحد.
وأصل معنى الصدقة نذكرها في قوله: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ [البقرة: ٢٧١] إن شاء الله تعالى.

= كتاب الحج، باب: جواز حلق الرأس للمحرم، وقال الطبري في "تفسيره" ٢/ ٢٣٠: وقد تظاهرت الأخبار عن رسول الله - ﷺ - أن هذه الآية نزلت بسبب كعب بن عجرة، إذ شكا كثرة أذى رأسه من صئبانه، وذلك عام الحديبية، ثم ذكر ٢٨ طريقا للحديث. والوفرة: أعظم من الجمة، وهي: ما جاوز شحمة الأذنين من الشعر، ثم اللمة، وهي: ما ألم بالمنكبين، والصئبان: جمع صؤاب، جمع: صؤابة، وهو بيض القمل، والهوام: واحدها: هامة، وهي الحيات وأشباهها مما يهم، أي: يدب، والهميم: الدبيب، وكنوا عن القمل بأنها هوام؛ لأنها تهم في الرأس، أي: تدب فيه وتؤذي.
(١) "تفسير القرطبي" ٢/ ٣٦٠، "اللسان" ٦/ ٣٣٦٧ فدي.
(٢) ينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ٢٣١ - ٢٣٤، ٢٣٦، ٢٣٧، "تفسير الثعلبي" ٢/ ٥٠٨، "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ١٢٤.
(٣) ينظر: "تفسير الثعلبي" ٢/ ٥٠٧، "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ١٢٤ - ١٢٥، "تفسير القرطبي" ٢/ ٣٦٣ خلافًا لقول الحسن وعكرمة.
(٤) ينظر: "تفسير الثعلبي" ٢/ ٥٠٧، "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ١٢٥، "تفسير القرطبي" ٢/ ٣٦٢ - ٣٦٣.
(٥) ليست في (أ) ولا (م).

صفحة رقم 19

وقوله تعالى: أَوْ نُسُكٍ جمعُ نسيكة، وهي الذبيحة يَنْسُكُها لله عز وجل، أي: يذبحها (١)، ويجمع أيضا: نسائك، وأصل النسك: العبادة. والناسك: العابد. قال ابن الأعرابي: النسك سبائك الفضة. كل سبيكة منها نسيكة، وقيل للمتعبد: ناسك؛ لأنه خَلَّص نفسه من دنس الآثام وصفّاها، كالسبيكة المخلَّصَة من الخَبَث (٢). هذا أصل معنى النسك. ثم قيل للذبيحة نسك؛ لأنها من أشرف العبادات التي يُتَقرَّب بها إلى الله (٣).
قال العلماء أعلاها: بدنة، وأوسطها: بقرة، وأدناها: شاة. وهو مخير بينهما؛ لأن النسك وقع على هذه الأجناس (٤). والصحيح: أنه يأتي بالإطعام والنسك أي موضع شاء، لأن الله تعالى أطلق في الآية، ولم يخص مكانًا دون مكانٍ (٥).

(١) في (م) بذبحها.
(٢) نقله عن ابن الأعرابي في "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٥٦٢.
(٣) ينظر في معنى النسك: "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٥٦٢ - ٣٥٦٣، "المفردات" ٤٩٣، "التفسير الكبير" ٥/ ١٦٤، "تفسير القرطبي" ٢/ ٣٦٤، "عمدة الحفاظ" ٤/ ١٩٧.
(٤) "تفسير الثعلبي" ٢/ ٥٠٧، "تفسير البغوي" ١/ ٢٢٣، وقال الرازي في "تفسيره" ٥/ ١٦٤: اتفقوا في النسك على أن أقله شاة لأن النسك لا يتأدى إلا بأحد الأمور الثلاثة: الجمل، والبقرة، والشاة، ولما كان أقلها الشاة، لا جرم كان أقل الواجب في النسك هو الشاة، قال ابن عبد البر: كل من ذكر النسك في هذا الحديث مفسرًا فإنما ذكره بشاة، وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء، نقله القرطبي في "تفسيره" ٢/ ٣٦١. وينظر: "الإجماع في التفسير" ص٢٠٤.
(٥) وهذا قول علي وإبراهيم النخعي، وروي عن مجاهد، وهو قول المالكية، واختيار الطبري والثعلبي، وقال الحسن وطاوس وعطاء ومجاهد، وهو قول الشافعي: النسك والإطعام بمكة، والصيام حيث شئت، وعلتهم: قياسه على جزاء الصيد، حيث قال الله تعالى: هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة: ٩٥]، وإذا كان =

صفحة رقم 20

قوله تعالى: فَإِذَا أَمِنْتُمْ، قال ابن عباس: أي من العدو، أو كان حج ليس فيه عدو (١)، قد جمع ابن عباس الحالتين في تفسير قوله: فَإِذَا أَمِنْتُمْ لأن الأمن يكون بعد خوف فيزول، ويكون من غير خوف قد زال، وكلا الحالتين سواء في حكم المتمتع، وهو قوله: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ.
والمتاع: كل شيء يُتَمَتَّعُ به، ويُنْتَفَع به. وأصله: من قولهم: جَبَلٌ ماتعٌ، أي: طَويل، وكل من طالت صُحْبته مع الشيء فهو متمتع به (٢).
والتمتع بالعمرة إلى الحجِّ هو: أن يَقْدُمَ مَكَّةَ مُحْرِمُا، فيعتمرَ في أَشْهُرِ الحَجِّ، ثم يقيم حلالاً بمكةَ، حتى ينشئَ منها الحجَّ فيحج من عامه ذلك، ويكون متمتعًا بمحظورات الإحرام؛ لأنه حل بالعمرة إلى إحرامه بالحج (٣).

= هذا حكم الدم فكذا الإطعام، وقال عطاء: ما كان من دم فبمكة، وما كان من طعام وصيام فحيث شاء، وروي عن الحسن وهو قول أصحاب الرأي، قال الطبري ٢/ ٢٤٠: وأجمعوا على أن الصيام مجزئ عن الحالق رأسه من أذى حيث صام من البلاد. ينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ٢٤٠، "تفسير الثعلبي" ٢/ ٥٠٩، "أحكام القرآن" للكيا الهراسي ١/ ١٤٥، "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ١٢٥، "تفسير القرطبي" ٢/ ٣٦٤.
(١) هذا من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها في المقدمة. والمفسرون على قولين: أحدهما: أمنتم من العدو؛ لأن الأمن لا يقال إلا من العدو، والمرض لا تؤمن معاودته، وبه قال قتادة والربيع، وقال علقمة: أمنتم من المرض والخوف، وكذا قال عروة. ينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ٢٤٣.
(٢) ينظر في متع: "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٣٣٤ - ٣٣٣٥، "المفردات" ٤٦٣، "تفسير الثعلبي" ٢/ ٥١١، "التفسير الكبير" ٥/ ١٦٥، "عمدة الحفاظ" ٤/ ٧٢ - ٧٤، "اللسان" ٧/ ٤١٢٧، "معاني القرآن" للنحاس ١/ ١٢١، "تفسير الثعلبي" ٢/ ٥١٠، "تفسير ابن أبي حاتم" ٢/ ٣٤١.
(٣) وبه قال سعد بن أبي وقاص وابن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب وعطاء =

صفحة رقم 21

ومعنى قوله: بِالْعُمْرَةِ هو أي: بسبب العمرة، لأنه لا يتمتع بالعمرة، ولكنه يتمتع بمحظورات الإحرام بسبب العمرة حيث أتى بها (١). هذا معنى التمتع بالعمرة إلى الحج.
وقوله تعالى: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ قال أصحابنا: المتمتع الذي يجب عليه الدّم: هو الذي يُحِم في أشهر الحج، ويحل بعمرة في أشهر الحج، ويُحْرم بالحج من عامه ذلك من مكةَ، ولا يرجع إلى الميقات، ويكون من غير أهل الحرم، فإذا انخرم شيء من هذه الشرائط سقط عنه الدم، ولا يكون متمتعاً (٢).

= وإبراهيم والحسن. ينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ٢٤٣ - ٢٤٦،"تفسير الثعلبي" ٢/ ٥١٠، "تفسير ابن أبي حاتم" ٢/ ٣٤١، "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ١٢٦، "التفسير الكبير" ٥/ ١٦٥، "تفسير القرطبي" ٢/ ٣٦٤ - ٣٦٦، وذكر رحمه الله أربع صور للتمتع، هذه إحداها. والثانية: القرآن، وهي أن يجمع بين الحج والعمرة في إحرام واحد فيهل بهما جميعا في أشهر الحج أو غيرها. والثالثة: أن يحرم بالحج حتى إذا دخل مكة فسخ حجه في عمرة، ثم أهل بالحج يوم التروية، وهذا الذي توعد عليه عمر بن الخطاب، وقال: متعتان كانتا على عهد رسول الله - ﷺ - أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما: متعة النساء، ومتعة الحج. والرابعة: متعة المحصر، ومن صُدَّ عن البيت حتى ينقضي الحج فيأتي إلى البيت فيعتمر ويحل إلى الحج من قبل قابل فيحج ويُهدي. وذكر هذه الصور: الطبري بأسانيده ٢/ ٢٤٣ - ٢٤٦.
(١) "تفسير الثعلبي" ٢/ ٥١١، ونقله الرازي في "تفسيره" ٥/ ١٦٥، وقيل: سمي متمتعًا؛ لأنه تمتع بإسقاط أحد السفرين. ينظر القرطبي في "تفسيره" ٢/ ٣٦٤ - ٣٦٦.
(٢) ينظر: "تفسير الثعلبي" ٢/ ٥١١، و"غرائب القرآن" للنيسابوري ٢/ ١٦١، "فتح الباري" ٣/ ٤٣٥، وذكر الرازي في "تفسيره" ٥/ ١٦٥ - ١٦٦: أن دم التمتع له خمس شرائط عند الأصحاب أي من الشافعية: أحدها: أن يقدم العمرة على =

صفحة رقم 22

وإذا وجدت هذه الشرائط كان متمتعًا، وعليه إراقة دم إن شاء قبل يوم النحر، وإن شاء في يوم النحر (١)، ولا يجزيه غيره إن كان موسرًا، وإن كان معسرًا فعليه صوم عشرة أيام، وذلك قوله: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ أي: في أشهر الحج.
قال المفسرون: يصومُ يومًا قبل التروية، ويومَ التروية، ويومَ عرفة.
قال أصحابنا: يصوم ثلاثة أيام قبل يوم النحر في أشهر الحج، إن شاء متتابعة، وإن شاء متفرقة، وإن صام قبل يوم عرفة حتى يكون يوم عرفة (٢) مفطرًا كان أولى؛ لأن رسول الله - ﷺ - ما صامَ بعرفةَ يومَ عَرَفة، وذلك

= الحج. والثاني: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج. والثالث: أن يحج من عامه. والرابع: أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام. والخاص: أن يحرم بالحج من جوف مكة بعد الفراغ من العمرة، فإن عاد إلى الميقات لم يلزمه شيء. وفصلها ابن العربي في "أحكام القرآن" ١/ ١٢٦ وزاد فقال: والتمتع يكون بشروط ثمانية: الأول: أن يجمع بين العمرة والحج. الثاني: في سفر واحد. الثالث: في عام واحد. الرابع: في أشهر الحج. الخامس: تقديم العمرة. السادس: ألا يجمعهما، بل يكون إحرام الحج بعد الفراغ من العمرة. السابع: أن تكون العمرة والحج عن شخص واحد. الثامن: أن يكون من غير أهل مكة.
(١) من "تفسير الثعلبي" ٢/ ٥١٢، وهذا قول علي وابن عمر وابن عباس وجماعة من التابعين.
ينظر: "تفسير عبد الرزاق" ١/ ٧٦، "تفسير الطبري" ٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦، "تفسير ابن أبي حاتم" ١/ ٣٤٢.
(٢) ينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ٢٤٧ - ٢٤٩، "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ١٢٩ -
١٣١، "زاد المسير" ١/ ٢٠٦، وقد بين الطبري رحمه الله علة قول من قال: إن آخر الثلاثة قبل يوم النحر، أن الله أوجب صومهن في الحج، وإذا انقضى عرفة انقضى الحج، والعلماء مجمعون على حرمة صوم يوم النحر، فإن كان إجماعهم على حرمة صيام لأجل كونه ليس من أيام الحج فما بعده أولى، وان كان لأجل كونه عيدا فما بعده من أيام التشريق في معناه. وقال آخرون: إن آخرهن أيام التشريق=

صفحة رقم 23

أقوى للدعاء (١).
وقوله تعالى: وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ أما السَّبْعَةُ فله أن يصومها بعد الفراغ من الحج، أين شاء ومتى شاء، والأولى: أن لا يُوقِعَها في أيام التشريق (٢)، وإن فاته صوم الأيام الثلاثة في الحج قضاها من بعد.
وقوله تعالى: تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ يقال: كمُل الشيءُ يَكمُل، وكمَل يكمُل، فهو كامِلٌ وكميل، وذُكِر أيضًا: كَمِل يكمَلُ (٣).
وإنما قال: تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ مع العلم بأن الثلاثة والسبعة عشرة،

= لحديث عائشة وابن عمر قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي. رواه البخاري، قالوا: وأيام منى من أيام الحج، وفيه جملة من أعماله، وممن يرى جواز ذلك: عائشة وابن عمر وابن الزبير ومالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق، كما في "تفسير البغوي" ١/ ٢٢٤. والواحدي رحمه الله كأنه بكلامه يرى عدم جواز صيام أيام التشريق مطلقا، وهذا قول الشافعية، والحديث حجة عليهم كما بين ذلك ابن العربي في "تفسيره" ١/ ١٢٩ - ١٣٠، والقرطبي في "تفسيره" ٢/ ٣٧٧.
(١) ينظر: "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ١٣٠، "تفسير القرطبي" ٢/ ٣٧٧.
(٢) ذكر الطبري في "تفسيره" رحمه الله ٢/ ٢٥٣: " الإجماع" على أن المراد بقوله: وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ، أي: إلى أهليكم، ودليله. حديث ابن عمر في الصحيحين مرفوعا: فمن لم بجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله. البخاري ٢/ ١٨١ في الحج، باب: من ساق البدن معه، ومسلم ٢/ ٩٠١ في الحج، باب: وجوب الدم على المتمتع، وقد اختلف العلماء في حكم صيامها بعد الفراغ من أعمال الحج، وقبل الرجوع على قولين، ذكرهما القرطبي في "تفسيره" ٢/ ٣٧٨ - ٣٧٩.
(٣) ينظر: "لسان العرب" ٧/ ٣٩٣٠، "تفسير القرطبي" ٢/ ٣٧٩.

صفحة رقم 24

للتأكيد (١)، كقول الفرزدق (٢):
ثَلاثٌ واثْنَتَانِ فهُنَّ خَمْسُ (٣).......................... البيت.
وكقوله تعالى: وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [الأعراف: ١٤٢].
وقيل: إن العرب أمّةٌ أميةٌ، لا تَعْرِف الحساب (٤)، ولذلك قال جابر حين ذكر عددَ أهلِ الحُدَيْبِيَة: كنا أربعَ عَشرَ مائة (٥). ويروى أن رجلًا من الصحابة سَبَى جاريةً في بعض المغازي، فطلبوا منه أن يأخذ الفداء، فقال: لا أفديها إلا بألف درهم، فبذلوها له، فقيل له: لو طلبت أكثر من ذلك لأعطوك، فقال: والله ما عرفت أن فوق الألف حسابا (٦).
وقال الزجاج: العرب قد تذكر الواو والمراد منها أو، كقوله: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ [النساء: ٣]، فجاز أن يَتَوَهَّم المتوهم أن الفرضَ ثلاثة أيام في الحج أو سبعة في الرجوع، فأعلم الله عز وجل

(١) ينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ٢٥٤، "المحرر الوجيز" ٢/ ١٦٢، "التفسير الكبير" ٥/ ١٦٩.
(٢) هو: همام بن غالب بن صعصعة التميمي، أبو فراس، الشهير بالفرزدق، شاعر عظيم الأثر في اللغة، مات في بادية البصرة سنة ١١٠ هـ انظر: "الشعر والشعراء" ٣١٠، "السير" ٤/ ٥٩٠.
(٣) عجزه: وسادسة تميل إلى شمام
والبيت للفرزدق في "ديوانه" ٢/ ٨٣٥، ينظر: "البحر المحيط" ٢/ ٨٠، "تفسير الثعلبي" ٢/ ٥١٣، "الدر المصون" ٢/ ٣٢٠ وشمام: اسم جمل ينظر: "لسان العرب" ٥/ ٢٩٥٢ (عشر).
(٤) ينظر: "تفسير البغوي" ١/ ٢٢٤، "التفسير الكبير" ٥/ ١٦٩.
(٥) رواه مسلم (١٨٥٦) كتاب الإمارة، باب: استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال.
(٦) لم أجده.

صفحة رقم 25

أن العشرَ مفترضةٌ كلها (١). وذكر الكمال على التأكيد.
وقيل: أراد: كاملة في البدل عن الدم، وإن كانت مُفَرَّقة، ثلاثة في الحج وسبعة في الوطن (٢).
وقيل: لفظه خبر ومعناه أمر، أي: فأكملوها ولا تنقصوها (٣).
وقوله: لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أي: ذلك الفرض والذي أمرنا به لمن كان من الغرباء من غير أهل مكة (٤).
قال الفراء: واللام في قوله: لِمَنْ معناها: على (٥)، أي: ذلك الفرض الذي هو الدمُ أو الصومُ على من لم يكن من أهل مكة، كقوله - ﷺ -: "اشترطي لهم الولاء" (٦). أي: عليهم.
والله تعالى ذكر الأهل والمراد بالحضور المحرم لا الأهل، وذلك أن

(١) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢٦٨، وينظر: "المحرر الوجيز" ٢/ ١٦٢، "التفسير الكبير" ٥/ ١٦٩، "تفسير القرطبي" ٢/ ٣٧٩.
(٢) ينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ٢٥٤، "المحرر الوجيز" ٢/ ١٦٢، "التفسير الكبير" ٥/ ١٦٩، "تفسير القرطبي" ٢/ ٣٧٩.
(٣) ينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ٢٥٤، "المحرر الوجيز" ٢/ ١٦٢، "التفسير الكبير" ٥/ ١٧٠، "تفسير القرطبي" ٢/ ٣٧٩، وهذا هو اختيار الطبري.
(٤) هذا قول، وهو رجوع اسم الإشارة إلى المتمتع الذي يلزمه الدم أو بدله، والقول الآخر: أن اسم الإشارة عائد إلى التمتع، ولهذا اختلفوا في حكم تمتع المكي، وهل له المتعة أو لا؟ والأول: قال به الشافعي، والثاني: قال به أبو حنيفة. ينظر: "التفسير الكبير" ٥/ ١٧١، "تفسير القرطبي" ٢/ ٣٨٠، "البحر المحيط" ٢/ ٨٠.
(٥) "معاني القرآن" للفراء ١/ ١١٨، وينظر: "تفسير القرطبي" ٢/ ٣٨١، والقول الآخر: أن اللام على بابها، والمعنى: ذلك لازم لمن. ينظر: "الدر المصون" ٢/ ٣٢١.
(٦) أخرجه البخاري (٢١٦٨) كتاب البيوع، باب: إذا اشترط شروطا في البيع لا تحل، ومسلم (١٥٠٤) كتاب العتق، باب: إنما الولاء لمن أعتق.

صفحة رقم 26

الغالب على الرجل أن يسكن حيث كان أهله ساكنون (١).
والحاضرون: من كانت دارُه على مسافةٍ لا يَقْصُر إليها الصِّلاة، سموا حاضرين: لأنهم يقربون من مكة، والحَضْرة عند العرب: قرب الشيء (٢).
وقوله تعالى: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أصلُ الحرام: المَنْع، والمحروم: المَمْنُوع من المكاسب، والشيء المنهي عنه حَرَام؛ لأنه منع من إتيانه؛ ومنه قول زُهيْر:
لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ (٣).
أي: لا ممنوع. فالمسجد الحرام: الممنوع من أن يفعل فيه ما حَرُم ولم يؤذن في إتيانه (٤).
قال الفراء: ويقال حَرَام وحَرَمُ، مثل: زَمَان وزَمَن (٥).

(١) نقله عن الواحدي بتمامه الرازي في "تفسيره" ٥/ ١٧٢.
(٢) واختلف الناس في حاضري المسجد الحرام، بعد "الإجماع" على أن أهل مكة وما اتصل بها، من حاضريه، وقال الطبري: بعد "الإجماع" على أهل الحرم، فقالا بعضهم: من وجبت عليه الجمعة فهو من حاضريه، وقال مالك: هم أهل مكة وما اتصل بها خاصة، وقال أبو حنيفة: من كان دون المواقيت فهو من حاضري المسجد الحرام، وقال الشافعي: ما ذكره الواحدي. ينظر في ذكر الأقوال: "تفسير الطبري" ٢/ ٢٥٥ - ٢٥٧، "التفسير الكبير" ٥/ ١٧١، "تفسير القرطبي" ٢/ ٣٨١، "البحر المحيط" ٢/ ٨١، "تفسير الثعلبي" ٢/ ٥١٥.
(٣) البيت بتمامه:
وإن أتاه خليل يوم مسألة... يقول: لا غائب مالي ولا حرم
وهو في "ديوان زهير بشرح ثعلب" ص ١٥٣، وفي "الكتاب" لسيبويه ٣/ ٦٦، "الكامل" ١/ ١٣٤، "المقتضب" ٢/ ٧٠، والخليل من الخَلة: الفقير.
(٤) ينظر: "المفردات" ص ١٢٢، "عمدة الحفاظ" ١/ ٤٥٧، ونقله عن الواحدي بلا عزو: الرازي في "تفسيره" ٥/ ١٧٢، "لسان العرب" ٢/ ٨٤٦ (حرم).
(٥) نقله عنه الرازي في "تفسيره" ٥/ ١٧٢.

صفحة رقم 27

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية