وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ [ ١ ] لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ [ ٢ ] فَمَا اسْتَيْسَرَ [ ٣ ] مِنَ الْهَدْيِ [ ٤ ] وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [ ٥ ] فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [ ٦ ] فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ [ ٧ ] فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [ ٨ ] وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ { ١٩٦ }
[ ١ ] الحج والعمرة : معنى الكلمتين اللغوي متقارب وهو الزيارة والتوجه والقصد. ثم صار لهما صيغة دينية قبل البعثة واستمرت بعدها. وفريضة الحج ركنان في أشهر الحج واحد زيارة الكعبة وتسمى عمرة وواحد الوقوف في عرفة ولا يتم الحج إلا بالركنين. ويتبادر لنا والله أعلم أن جمع الأمر وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ قد قُصد به الركنان. وقد تكون جملة : تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ دليلاً أو قرينة على ذلك وسوف نزيد هذا شرحاً فيما بعد.
[ ٢ ] فإن أحصرتم : الإحصار هو منع مانع ما. ومعنى الجملة فإن منعتم وحالت أسباب قاهرة دون أدائكم الحج والعمرة.
[ ٣ ] ما استيسر : ما تيسر.
[ ٤ ] الهدي : ما ينذر للذبح قرباناً لله في الحج والعمرة من الأنعام. وسمّي هدياً على اعتبار أنه هدية لله وبيته.
[ ٥ ] محله : المكان الذي يحل الذبح فيه ويجوز أن يكون معنى الكلمة المكان والزمان معاً اللذان يحل الذبح فيهما. وفي سورة الحج آية تفيد المكان وهو الكعبة : ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ { ٣٣ } أما الزمان فقد عينته السنة وهو بعد الحج أو بعد العمرة.
[ ٦ ] نسك : الأصل في معناه التعبد. ولكنه هنا ما يقرّب إلى الله من الأنعام كفّارة عن عدم أداء بعض مناسك الحج وطقوسه أو الإخلال بها.
[ ٧ ] فمن تمتّع بالعمرة إلى الحج : الذي يتحلل من الإحرام بعد الطواف والسعي للمدة الباقية إلى وقت الوقوف بعرفة ؛ حيث يحل له ما يحظر على المحرم الذي يظل محرما بعد العمرة إلى انتهاء الحج.
[ ٨ ] لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام : لمن لم يكن مقيماً مع أهله في منطقة المسجد الحرام إقامة دائمة. فهذا له أن يتمتع بالعمرة إلى الحج بدون كفارة.
في هذه الآيات تشريعات في مناسك العمرة والحج :
١- فعلى المسلمين أن يقوموا بواجب الحج والعمرة بنية عبادة الله والتقرب إليه، وأن يتموا مناسكهما.
٢- فإذا خرج مسلم من منزله قاصداً القيام بهذا الواجب الديني، ثم أحصر في الطريق ومنع عن الوصول لأسباب قاهرة فيكتفي بتقريب ما تيسر له من ذبائح يقربها لله. وليس له أن يحلق رأسه إلا بعد أن تصل القرابين إلى المكان الذي ينبغي ذبحها فيه ؛ لأن حلق الرأس هو من محللات الإحرام ولا يكون إلا بعد ذبح القربان. ويرخص لمن كان مريضاً أو به أذى من رأسه أن يتحلل من الإحرام ويفعل ما فيه وقاية له من ازدياد المرض أو شفائه منه ودفع الأذى عن رأسه من لبس ثياب وحلق شعر وتغطية رأس وتطيب وغير ذلك على أن يقدم فدية عن هذه الرخصة فيصوم أو يتصدق أو يذبح قرباناً. وإذا تيسرت أسباب الأمن وبلغ المسلمون المسجد الحرام فعلى الذين يتمتعون بحريتهم في الفترة الواقعة بين العمرة والحج – أي الذين يدخلون منطقة الحرم محرمين فيؤدون العمرة أي يطوفون حول الكعبة ويسعون بين الصفا والمروة، ثم يتحللون من إحرامهم ويتمتعون بما هو محظور على المحرمين : كالنساء والطيب والتزين والثياب العادية الخ إلى وقت الحج الأكبر والوقوف في عرفة والإحرام له – أن يقرّبوا قرباناً لله مقابل ما تمتعوا به من رخصة إذا لم يكونوا من سكان منطقة المسجد الحرام. فإذا لم يقدروا على تقريب القربان فعليهم مقابل ذلك صوم عشرة أيام ثلاثة منها في موسم الحج وسبعة بعد الرجوع إلى منازلهم.
وانتهت الآية بالحثّ على تقوى الله والتحذير من عقابه الشديد في حالة تجاوز حدوده والتقصير في طاعته وتقواه.
تعليقات على آية
وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ... الخ
وسمة التشريع بارزة على الآية كمثيلاتها السابقة، ونرجح أن بينها وبين الآيات السابقة لها صلة موضوعية بشكل ما. وقد روى المفسرون أن الآية نزلت في عام الحديبية حينما خرج النبي صلى الله عليه وسلم بقصد زيارة الكعبة ومنعهم أهل مكة وانتهى الأمر بعقد الصلح وتأجيل الزيارة للسنة القابلة، وهذه الرواية لم ترد في كتب الأحاديث الصحيحة.
ويلحظ أن في الآية أحكاماً عديدة ومطلقة في صدد مناسك الحج. وقد جاء بعدها آيات أخرى في أحكام الحج وسبقها آيات فيها إشارة إلى بعض تقاليد الحج السابقة وإلغاء لها. فهذا يسوغ التوقف في صحة الرواية كمناسبة لنزول الآية وترجيح نزولها قبل عام الحديبية بزمن طويل ولأجل بيان أحكام مناسك الحج والعمرة المتنوعة وصلتها بالآيات السابقة والآيات اللاحقة بحيث يمكن القول : إن الآيات [ ١٨٩-٢٠٣ ] سلسلة واحدة نزلت دفعة واحدة أو متتابعة.
وإذا صح هذا – والقرائن تؤيد صحته إن شاء الله – فتكون مناسك الحج والعمرة قد فرضت على المسلمين وبينت لهم قبل عام الحديبية ويكون بعض المسلمين كانوا يتمكنون من الوصول إلى مكة وأداء مناسك الحج والعمرة منفردين قبل فتح مكة. وفي آية الطواف بين الصفا والمروة التي مرّ تفسيرها ما يمكن أن يكون قرينة من قرائن صحة هذا الاحتمال. وفي الآية الثانية من سورة المائدة التي نزلت على الأرجح قبل فتح مكة قرينة أقوى أو دليل على ذلك وهي : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ المائدة [ ٢ ] ولقد أراد بعض المسلمين أن يحج بعد منع المشركين النبي والمسلمين من زيارة الكعبة عام الحديبية فحاول بعض آخر منعهم من ذلك انتقاماً لمنع المشركين لهم. وهذا ما انطوى في جملة وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ... المائدة :[ ٢ ] الخ.
أما جملة فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فإنها في هذه الحال تشير إلى احتمال منع من أراد الحج والعمرة من المسلمين بسبب مرض شديد أو بسبب ما كان قائماً من حالة العداء والحرب بين المسلمين من جانب وأهل مكة من جانب آخر.
ولقد روى ١ أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما منعه أهل مكة مع المسلمين من أداء العمرة عام الحديبية على ما ذكرناه آنفاً نحر هديه في الحديبية وتحلل من الإحرام أي حلق رأٍسه ولبس ثيابه العادية وأمر المسلمين بذلك. وعلى ضوء هذه الرواية التي يؤيدها حديث رواه البخاري عن ابن عمر ٢ يتبادر لنا أن الكلام من جملة وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ إلى آخر الآية مستأنف وليس تتمة لأول الآية. فالمنع إذا كان بخاصة خوفاً من عدو أو خطر قتل وقتال وأسر يحول دون بلوغ الهدي محله في حين أن جملة وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ تنهى عن التحلل من الإحرام بحلق الرأس قبل بلوغ الهدي إلى المكان الذي ينبغي أن يذبح فيه وهو منطقة الكعبة. وإذا صح هذا فيكون أول الآية قد احتوى حكماً في حالة المنع وهو تقريب القرابين في المحل الذي وقف فيه المسلم ثم احتوت بقيتها أحكاماً متنوعة في حالة الأمن وعدم المنع القهري.
وعدم حلق الرأس أثناء الإحرام وما يدخل في مداه مما نهت عنه السنّة من لبس الثياب المخيطة والتطيب والجماع الخ... وكذلك تقريب القرابين إلى الله في موسم الحج وزيارة العمرة كل ذلك من المناسك التي كانت متبعة قبل الإسلام على ما تلهمه روح الآيات والروايات المروية فثبتت في الإسلام مع بعض الرخص والتيسير اتساقاً مع المبدأ القرآني الذي يقرر أن الله إنما يريد بالمسلمين اليسر لا العسر ولا يكلّفهم إلا وسعهم.
وروح الآية التي نحن في صددها تسوغ القول : إن الأصل في مناسك الحج هو القران بين العمرة والحج أي بقاء الحاج محرما بدون تحلل بعد زيارة الكعبة ( العمرة ) إلي يوم الوقوف في عرفة، وإن الرخصة بالتمتع بين وقتيهما هي تعديل أو تيسير إسلامي. وقد يكون إيجاب الكفارة على المتمتعين قرينة أو دليلاً، وإيجاب الكفارة على الذين يتمتعون بهذه الرخصة من غير سكان منطقة المسجد الحرام ناشئ على ما علله المفسرون من أن الذي يجب عليه الدخول إلى منطقة الحرم محرما هو غير هؤلاء السكان. وهم الذين تجب عليهم الكفارة إذا تمتعوا في الفترة بين العمرة والحج. أما سكان هذه المنطقة فلا إحرام عليهم إلا حينما يحل وقت الوقوف في عرفة حيث يحرمون ويؤدون ركن العمرة، ثم يقفون في عرفة ثم يعودون منها فيطوفون ويسعون ويتحللون. أما قبل ذلك فإن لهم أن يظلوا غير محرمين ولا كفارة عليهم.
وجملة وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ تتضمن إتمام عملين هما الحج والعمرة.
والعمرة هي زيارة الكعبة على ما هو مشهور يقيني. أما كلمة الْحَجَّ فقد جاءت هنا مطلقة. وجاءت كذلك في سورة الحج وفي آيات أخرى في هذه السورة. وجاءت مع البَيْتَ في الآية [ ١٥٨ ] من هذه السورة وسبق تفسيرها وفي آية سورة آل عمران هذه : وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [ ٩٧ ] وهذه الجملة تتضمن فرضية العمرة في موسم الحج.
وما دامت العمرة هي زيارة الكعبة فتكون كلمة الْحَجَّ المطلقة التي جاءت مع كلمة العمرة قد عنت شيئا آخر، وهو ما فسّر في الأحاديث بأنه الوقوف في عرفة. الذي عرف يقيناً أنه يجب أن يكون في التاسع من شهر ذي الحجة. والراجح أن كلمة يَوْمَ الحَجِّ الأَكْبَرِ في آية سورة التوبة الثالثة : وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ { ٣ } قد عنته. وقد روى أصحاب السنن حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم جاء فيه :«الحجّ الحجّ يوم عرفة » وعلى ضوء هذا يمكن القول إن جملة : وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ تعني أن فريضة الحج الإسلامية ركنان هما العمرة أي الطواف والسعي في أشهر الحج والوقوف في عرفة في اليوم التاسع من ذي الحجة. وقد ذكرت فرضية حج البيت في القرآن ولم تذكر فرضية الوقوف في عرفة بصراحة قطعية فيه فاقتضت حكمة ا
٢ انظر التاج ٢/١٥١ وابن هشام ٣/٣٥٥-٣٦٩.
التفسير الحديث
دروزة