ﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤ

باب الأقراء :


قال الله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء اختلف السلف في المراد بالقُرْءِ المذكور في هذه الآية، فقال علي وعمر وعبدالله بن مسعود وابن عباس وأبو موسى :" هو الحيض " وقالوا :" هو أحقّ بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة ". ورَوَى وكيعٌ عن عيسى الحافظ عن الشعبي عن ثلاثة عشر رجلاً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الخبر فالخبر، منهم أبو بكر وعمر وابن مسعود وابن عباس، قالوا :" الرجل أحقّ بامرأته ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة " وهو قول سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب. وقال ابن عمر وزيد بن ثابت وعائشة :" إذا دخلت في الحيضة الثالثة فلا سبيل له عليها " قالت عائشة :" الأقراء الأطهار ". ورُوي عن ابن عباس رواية أخرى :" أنها إذا دخلت في الحيضة الثالثة فلا سبيل له عليها ولا تحل للأزواج حتى تغتسل ". وقال أصحابنا جميعاً :" الأقراء الحيض " وهو قول الثوري والأوزاعي والحسن بن صالح. إلا أن أصحابنا قد قالوا :" لا تنقضي عدّتها إذا كانت أيامها دون العشرة حتى تغتسل من الحيضة الثالثة أو يذهب وقت صلاة "، وهو قول الحسن بن صالح، إلا أنه قال :" اليهودية والنصرانية في ذلك مثل المسلمة ". وهذا لم يقُلْه أحد ممن جعل الأقراء الحيض غير الحسن بن صالح. وقال أصحابنا :" الذمية تنقضي عدّتها بانقطاع الدم من الحيضة الثالثة، لا غُسْلَ عليها، فهي في معنى من اغتسلت فلا تنتظر بعد انقطاع الدم شيئاً آخر. وقال ابن شبرمة :" إذا انقطع من الحيضة الثالثة بطلت الرجعة ولم يعتبر الغسل ". وقال مالك والشافعي :" الأقراء الأطهار، فإذا طعنت في الحيضة الثالثة فقد بانت وانقطعت الرجعة ".
قال أبو بكر : قد حصل من اتفاق السلف وقوعُ اسم الأقراء على المَعْنَيَيْنِ من الحيض ومن الأطهار من وجهين، أحدهما : أن اللفظ لو لم يكن محتملاً لهما لما تأوّله السلف عليهما، لأنهم أهل اللغة والمعرفة بمعاني الأسماء وما يتصرف عليه المعاني من العبارات، فلما تأوّلها فريق على الحيض وآخرون على الأطهار علمنا وقوع الاسم عليهما. ومن جهة أخرى أن هذا الاختلاف قد كان شائعاً بينهم مستفيضاً، ولم ينكر واحد منهم على مخالفيه في مقالته، بل سوّغ له القول فيه، فدلّ ذلك على احتمال اللفظ للمعنيين وتسويغ الاجتهاد فيه. ثم لا يخلو من أن يكون الاسم حقيقة فيهما، أو مجازاً فيهما، أو حقيقة في أحدهما مجازاً في الآخر ؛ فوجدنا أهل اللغة مختلفين في معنى القُرْءِ في أصل اللغة، فقال قائلون منهم : هو اسم للوقت ؛ حدثنا بذلك أبو عمرو غلام ثعلب عن ثعلب أنه كان إذا سئل عن معنى القرء لم يَزِدْهُمْ على الوقت، وقد استشهد لذلك بقول الشاعر :
* يا رُبَّ مَوْلًى حَاسِدٍ مُبَاغِضِ * عليَّ ذِي ضِغْنٍ وضَبٍّ فارِضِ *
* له قروءٌ كقُرُوء الحَائِضِ *
يعني : وقتاً تهيج فيه عدواته. وعلى هذا تأولوا قول الأعشى :
* وفي كلِّ عَام أنْتَ جَاشِمُ غَزْوَةٍ * تَشُدُّ لأقْصَاهَا عَزِيمَ عَزَائِكَا *
* مورثة مالاً وفي الحيِّ رِفْعَةٌّ * لِمَا ضَاعَ فيها مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكَا *
يعني وقت وطئهنّ ومن الناس من يتأوّله على الطهر نفسه، كأنه قال : لما ضاع فيها من طهر نسائك. وقال الشاعر :
* كَرِهْتُ العَقْرَ عَقْرَ بَني شليل * إذا هبت لقَارِئِها الرِّياحُ *
يعني : لوقتها في الشتاء. وقال آخرون : هو الضمُّ والتأليف، ومنه قوله :
* تُرِيكَ إذا دَخَلَتْ عَلَى خلاءٍ * وَقْد أمِنَتْ عُيُونَ الكَاشِحِينَا *
* ذِرَاعَيْ عَيْطَلٍ أدْمَاءَ بِكْرٍ * هِجَانِ اللَّوْنِ لم تَقْرَأْ جَنِينَا *
يعني : لم تضمّ في بطنها جنيناً. ومنه قولهم :" قَرَيْتُ الماء في الحوض إذا جَمَعْتَهُ، و " قرَوْتُ الأرْضَ " إذا جَمَعْتَ شيئاً إلى شيء وسيراً إلى سير. ويقولون :" ما قَرَأتِ الناقةُ سَلًى قطُّ " أي ما اجتمع رَحِمُها على ولد قطّ. ومنه :" أقرأت النجوم " إذا اجتمعت في الأفق. ويقال :" أقرأت المرأة " إذا حاضت، فهي مقرىءٌ ذكره الأصمعي والكسائي والفراء. وحُكي عن بعضهم أنه قال :" هو الخروج من شيء إلى شيء " وهذا قولٌ ليس عليه شاهد من اللغة ولا هو ثابت عمن يُوثَقُ به من أهلها، وليس فيما ذكرنا من الشواهد ما يليق بهذا المعنى، فهو ساقطٌ مردودٌ. ثم يقول : وإن كانت حقيقته الوقت فالحيض أوْلى به، لأن الوقت إنما يكون وقتاً لما يحدث فيه، والحيض هو الحادث، وليس الطهر شيئاً أكثر من عدم الحيض، وليس هو شيء حادث، فوجب أن يكون الحيض أوْلى بمعنى الاسم. وإن كان هو الضمّ والتأليف فالحيض أوْلى به، لأن دم الحيض إنما يتألف ويجتمع من سائر أجزاء البدن في حال الحيض، فمعناه أولى بالاسم أيضاً.
فإن قيل : إنما يتألف الدم ويجتمع في أيام الطهر ثم يسيل في أيام الحيض. قيل له : أحسنت ! إن الأمر كذلك، ودلالته قائمة على ما ذكرنا ؛ لأنه قد صار القرء اسماً للدم، إلاّ أنك زعمت أنه يكون اسماً له في حال الطهر وقلنا يكون اسماً له في حال الحيض، فلا مدخل إذاً للطهر في تسميته بالقرء، لأن الطهر ليس هو الدم، ألا ترى أن الطهر قد يكون موجوداً مع عدم الدم تارة ومع وجوده أخرى على أصلك ؟ فإذاً القرء اسمٌ للدم وليس باسم للطهر، ولكنه لا يسمَّى بهذا الاسم إلا بعد ظهوره، لأنه لا يتعلق به حكمٌ إلا في هذه الحال ؛ ومع ذلك فلا يتيقن كونه في الرحم في حال الطهر فلم يجزْ كونه في حال الطهر أن نسميه باسم القرء، لأن القرء اسم يتعلق به حكم ولا حكم له قبل سَيَلانه وقبل العلم بوجوده. وأيضاً فمن أين لك العلم باجتماع الدم في الرحم في حال الطهر واحتباسه فيه ثم سيلانه في وقت الحيض ؟ فإن هذا قول عارٍ من دليل يقوم عليه، ويردّه ظاهر الكتاب، قال الله تعالى : ويعلم ما في الأرحام [ لقمان : ٣٤ ] فاستأثر تعالى بعلم ما في الأرحام ولم يطلع عباده عليه، فمن أين لك القضاء باجتماع الدم في حال الطهر ثم سيلانه في وقت الحيض ؟ وما أنكرت ممن قال إنما يجتمع من سائر البدن ويسيل في وقت الحيض لا قبل ذلك ؟ ويكون أوْلى بالحق منك، لأنّا قد علمنا يقيناً وجوده في هذا الوقت ولم نعلم وجوده في وقت قبله فلا يُحْكم به لوقت متقدم، وإذ قد بيّنا وقوع الاسم عليهما وبيّنا حقيقة ما يتناوله هذا الاسم في اللغة. فليدلّ على أنه اسم للحيض دون الطهر في الحقيقة وأن إطلاقه على الطهر إنما هو مجاز واستعارة، وإن كان ما قدّمْنَا من شواهد اللغة وما يحتمله اللفظ من حقيقتها كافية في الدلالة على أن حقيقته تختص بالحيض دون الطهر، فنقول : لما وجدنا أسماء الحقائق التي لا تنتفي عن مسمَّياتها بحال ووجدنا أسماء المجاز قد يجوز أن تنتفي عنها في حال وتلزمها في أخرى، ثم وجدنا اسم القرء غير مُنْتَفٍ عن الحيض بحال ووجدناه قد ينتفي عن الطهر لأن الطهر موجود في الآيسة والصغيرة وليستا من ذوات الأقراء، علمنا أن اسم القرء للطهر الذي بين الحيضتين مجازٌ وليس بحقيقة، سُمِّي بذلك لمجاورته للحيض كما يسمَّى الشيء باسم غيره إذا كان مجاوراً له وكان منه بسبب ؛ ألا ترى أنه حين جاور الحيض سُمِّي به وحين لم يجاوره لم يسمَّ به ؟ فدل ذلك على أنه مجاز في الطهر حقيقة في الحيض.
ومما يدلّ على أن المراد الحيض دون الطهر، أنه لما كان اللفظ محتملاً للمعنيين واتّفقت الأمة على أن المراد أحدهما، فلو أنهما تساويا في الاحتمال لكان الحيض أوْلاها ؛ وذلك لأن لغة النبي صلى الله عليه وسلم وردت بالحيض دون الطُّهْرِ بقوله :" المُسْتَحَاضَةُ تَدَعُ الصّلاةَ أيامَ أقْرَائِها " وقال لفاطمة بنت أبي حبيش :" فإذا أقْبَلَ قُرْؤُكِ فدَعي الصلاة، وإذا أدْبَرَ فاغْتَسِلِي وصَلِّي ما بين القُرْءِ إلى القُرءِ ". فكان لغة النبي صلى الله عليه وسلم أن القرء الحيضُ، فوجب أن لا يكون معنى الآية إلا محمولاً عليه، لأن القرآن لا محالة نزل بلغته صلى الله عليه وسلم، وهو المبين عن الله عز وجل مراد الألفاظ المحتملة للمعاني ولم يرد لغته بالطهر، فكان حمله على الحيض أوْلى منه على الطهر.
ويدلّ عليه ما حدثنا محمد بن بكر البصري قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا محمد بن مسعود قال : حدثنا أبو عاصم، عن ابن جُرَيْج، عن مظاهر بن أسلم، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" طَلاقُ الأمَةِ ثِنْتَان وقُرْؤُها حَيْضَتَانِ " قال أبو عاصم : فحدثني مظاهر قال : حدثني به القاسم عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله، إلا أنه قال :" وعِدَّتُها حَيْضَتَانِ ". وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال : حدثنا محمد بن شاذان قال : حدثنا معلّى قال : حدثنا عمرو بن شبيب، عن عبدالله بن عيسى، عن عطية، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" تَطْلِيقُ الأمَةِ تَطْليقَتَانِ وعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ " فنصَّ على الحيضتين في عدة الأَمَةِ، وذلك خلاف قول مخالفينا، لأنهم يزعمون أن عدتها طُهْران ولا يستوعبون لها حيضتين ؛ وإذا ثبت أن عدّة الأَمَةِ حيضتان كانت عدة الحرّة ثلاثَ حِيَضٍ. وهذان الحديثان وإن كان ورودهما من طريق الآحاد فقد اتفق أهل العلم على استعمالهما في أن عدة الأمة على النّصف من عدة الحرة، فأوجب ذلك صحته. ويدلّ عليه أيضاً حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في سبايا أوطاس :" لا تُوطَأْ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ ولا حَائِلٌ حَتَّى تَسْتَبْرِىءَ بحَيْضَةٍ " ومعلوم أن أصل العِدّة موضوعٌ للاستبراء، فلما جعل النبي صلى الله عليه وسلم استبراء الأمة بالحيضة دون الطهر وجب أن تكون العدة بالحيض دون الطهر، إذ كل واحد منهما موضوع في الأصل للاستبراء أو لمعرفة براءة الرحم من الحبل ؛ وإن كان قد تجب العدة على الصغيرة والآيسة، لأن الأصل للاستبراء، ثم حمل عليه غيره من الآيسة والصغيرة لئلا يترخص في التي قاربت البلوغ وفي الكبيرة التي قد يجوز أن تحيض وترى الدم بترك العدة، فأوجب على الجميع العدة احتياطاً للاستبراء الذي ذكرنا. ويدلّ عليه أيضاً قوله تعالى : واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر [ الطلاق : ٤ ] فأوجب الشهور عند عدم الحيضِ فأقامها مقامها، فدلّ ذلك على أن الأصل هو الحيض : كما أنه لما قال : فلم تجدوا ماء فتيمموا [ النساء : ٤٣ ] علمنا أن الأصل الذي نقل عنه إلى الصعيد هو الماء. ويدل عليه أن الله حصر الأقراء بعَدَدٍ يقتضي استيفاءه للعدة، وهو قوله تعالى : ثلاثة قروء واعتبار الطهر فيه يمنع استيفاءها بكمالها فيمن طلقها للسنّة، لأن طلاق السنّة أن يوقعه في طهر لم يجامعها فيه، فلا بد إذا كان كذلك من أن يصادف طلاقه طهراً قد مضى بعضه ثم تعتدُّ بعده بطهرين آخرين، فهذان طهران وبعض الثالث، فلما تعذر استيفاء الثلاث إذا أراد طلاق السنة علمنا أن المراد الحَيْضُ الذي يمكن استيفاء العدد المذكور في الآية بكماله ؛ وليس هذا كقوله تعالى : الحج أشهر معلومات فالمراد شهران وبعض الثالث ؛ لأنه لم يحصرها بعدد وإنما ذكرها بلفظ الجمع، والأقراء محصورة بعدد لا يحتمل الأقلّ منه، ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول رأيت ثلاثة رجال وم

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

الجصاص

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير