[ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحق لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم ( ٢٢٨ ) ].
أشارت الآيات السابقة إلى أمثل السبل لاختيار الزوج، وهو أن يكون أساس الاختيار الدين والتقوى والخلق، لا المال والنسب، [ و لأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم... ٢٢١ ]( البقرة ).
ثم أشارت الآيات أيضا إلى حسن العشرة الواجبة، ولطف المودة الواصلة، وبينت أن العلاقة بين الزوجين طهر لا دنس فيه، ونظافة لا رجس معها يستوي في ذلك الحس والمعنى، والمخبر والمظهر.
و أوجبت أن تكون العلاقة قائمة على العدل من غير ضرار ولا ظلم، وبينت الحكم في الظلم الواقع إن استمر عليه مرتكبه، ووثق إصراره بيمين يحلفها، وذكرت أن القطع في هذه الحال أولى من الوصل، والإنهاء أولى من البقاء، لأن بقاء الحياة الزوجية في هذه الحال استمرار للظلم، وبقاء للإثم، ولا منفعة ترجى، ولا جدوى تلتمس، ولذلك قرر سبحانه وتعالى حكمه الصارم وهو الطلاق القاطع لهذا الظلم المستمر.
و لقد بينت بعد ذلك هذه الآية الكريمة التي تلوناها، والتي سنتكلم في معناها حكم الطلاق، وفصلت أحواله ومراته الآيات من بعدها.
و قبل أن نخوض في معنى هذه الآية الكريمة، والإشارة إلى دقائق ألفاظها ومعانيها، نقرر أن شريعة القرآن شرعت الزواج عقدا أبديا في أصل شرعته، لأنه شرع لمعان وأغراض لا تتحقق إلا مع البقاء والدوام، فقد شرع لإقامة الأسرة، وتنظيم الحياة بين الرجل والمرأة، وإنجاب النسل، والقيام على تربيته وتهذيبه والسير به في مدارج الحياة، وتلك أغراض لا تكون على الوجه الأكمل إلا إذا استمرت الحياة الزوجية موصولة موثقة بروابط من المودة والأخلاق والشرع إلى أن يقضي الله قضاءه. ذلك حكم الشرع، وهو سنة الوجود، وهو أكثر أحوال الزواج بين بني الإنسان، لا يختلف في ذلك شرقي عن غربي ولا مسلم عن مسيحي.
و الإسلام هو دين المبادئ السامية، يبين المثل العليا ويدعو الناس إليها، يشير إلى المثل السامي في الزواج في مثل قوله تعالى :[ و من آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ٢١ ]( الروم ) وبقوله سبحانه وتعالى في العلاقة الزوجية [ هن لباس لكم وأنتم لباس لهن... ١٨٧ ]( البقرة ).
و لكن الإسلام مع دعوته إلى تلك المثل العليا في العلاقة الزوجية يعترف بالحقائق الواقعة ويعالجها، ويطب لها، ليأخذ النفوس إلى السير في طريق الكمال، فإن عجزت أو انبتت في الطريق عالج ذلك العجز.
و كذلك عالج الأمر في شأن الزواج فشرعه أبديا، ولكن الشرط في استمراره أن يكون الوداد هو الرابطة الواصلة، وأن تلك الرابطة قد تتقطع أشبابها وتنفر القلوب بعد مودتها، وتنفصم عروتها، فهل يبقى المثل السامي في الزواج وهو الاستمرار ولا يلتفت إلى النفرة المستحكمة والعداوة المسيطرة، ونيران البغضاء الملتهبة ؟ لذلك اتجه الإسلام إلى علاج تلك الأدواء القائمة والطب لها، فلم يكتف بالمثل العليا يعلنها ويدعو إليها، بل اعترف بالواقع وعالجه، وطب للأسقام، فكان دين الحقائق الثابتة، والسمو النفسي.
و النزاع بين الزوجين أمر يقع، مهما يكن الزوجان، ومهما تكن درجة كمالهما، وقد كان نساء النبي صلى الله عليه وسلم يختلفن معه في الشأن الذي يربط بينهما، بمطالبته بما ليس عنده، وكان النبي صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة لقومه وأمته في أخلاقه ومعاملته لأهله، في الغضب والرضا، وفي الوفاق وفي الخلاف، ولكن أنى يكون للناس أخلاق النبيين، والوحي ينزل عليهم من السماء، ونفوسهم علت إلى الملكوت الأعلى. ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول :" خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي " (١).
و لقد دعا الإسلام إلى إصلاح ما بين الزوجين إن ابتدأت العلاقة بينهما تسير في غير طريق المودة، ولذا قال تعالى :[ و إن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ١٢٨ ] ( النساء ).
و دعا الزوجين من له بهما صلة أن يتدخلوا عند الشقاق بينهما أو عند خوفه، بأن يحكموا حكمين عند خوف الشقاق وتوقع النزاع، ولذا قال تعالى :[ و إن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا ٣٥ ]( النساء ).
و إذا تعذر الإصلاح ولم يمكن التوفيق وصار الأمر نيرانا، ولم يكن سلاما كان لابد من التفريق، ولذا قال سبحانه :[ و إن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما ١٣٠ ]( النساء ).
لابد إذن من التفريق بينهما، لأن عقد الزواج أصبح غير صالح للبقاء، ولكن من ذا الذي يملك التفريق ؟ لاشك أنهما إن اتفقا عليه وقع الطلاق، ولا ضير في ذلك ما دام لم يكن في نوبة غضب جامحة، ولم يكن لأمر عارض، فيجب الاحتياط لذلك ما أمكن الاحتياط.
هذا إذا لم يتفقا فهل يقع الطلاق بإرادة منفردة من غير حكم قضائي ؟ لقد قال بعض الذين يظنون أن في ذلك صلاحا أنهما إن لم يتفقا على الطلاق لا يقع إلا بأمر القضاء، وإن ذلك القول له وجهته لو كانت كل أمور الأسرة يجري فيها التقاضي، ويسوغ فيها الإعلان، وأن تتكشف أسرارها بين الناس، ولكن الأمور بين الزوجين لا تجري فيها البينات، وهي مستورة بستر الله لا يسوغ إعلانها، وليس من مصلحة المجتمع إظهار العيوب الخاصة فيها.
و هب السبب المسوغ للطلاق هو النفرة الشديدة فكيف يمكن إثباتها ؟ إنها لا تعرف إلا من صاحبها، لذلك لم يكن الطلاق في الإسلام في عامة أحواله بيد القضاء، بل جرى الأمر فيه على أن يكون بيد الزوج إن كان هو الراغب، وبيد القضاء إن كانت هي الراغبة فيه.
و هنا يرد سؤالان : لماذا كان بيد الزوج مطلقا وبيد الأخرى مقيدا ؟ والثاني : ألا يخشى أن تكون النفرة مستحكمة، ويطلق الزوج لنوبة غضب جامحة، وتحت تأثير هوج ليست فيه إرادة مستقيمة ؟
و الجواب عن السؤال الأول : أن الزوج تكلف في سبيل الزواج مالا كثيرا، وسيعقب الطلاق تكليفات مالية أخرى، فوق ما يحمله الزوج الجديد من أعباء جديدة، فكل هذا يدفعه إلى التأني والتروي فلا يندفع وراء هوى جامح إلا إذا إيفت مشاعره، وفسدت مداركه، أما المرأة فعكس ذلك، فلو كان الطلاق بيدها من غير تدخل قضاء لاندفعت وراء هواها جامحة، ولكان في ذلك ظلم شديد على الرجل بضياع ماله، وتكليفه بأعباء مالية جديدة فكان لابد أن يتدخل القضاء ليعرف أكان الزوج ظالما فيذوق وبال أمره بضياع ماله، وهدم الحياة الزوجية التي أقامها على الظلم، أو ليعرف أن الزوجة ظالمة بالنشوز فيقضي بالطلاق، ويكلفها المغارم المالية التي غرمها الزوج في سبيل الزواج كما هو مذهب مالك ؟ وليس السبيل لمعرفة الحق في الأمر هو الإثبات في البينات فقط، إنما هو الإثبات بتحكيم الحكمين من أهلها وأهله.
وأما الجواب عن السؤال الثاني، وهو الخاص بألا تقع الحياة الزوجية تحت تأثير الغضب الجامح، فقد احتاط الشارع الإسلامي لأمر ذلك الغضب في الطلاق بأحكام شرعها قبل الطلاق وبعده :
( أ ) فهو أولا : فرض أمر الحكمين والإصلاح ما أمكن الإصلاح إذا كان شقاق بين الزوجين كما أشرنا من قبل.
( ب ) و أوجب ثانيا : أن يكون الطلاق في وقت لا تكون المرأة فيه على حال تسوغ النفرة، إلا إذا كانت مستحكمة، فمنع الطلاق في حال الحيض، ومنع الطلاق في الطهر الذي دخل بها فيه، و ظواهر السنة أن يكون الطلاق في هذه الأحوال باطلا.
( ت ) و احتاط الشارع الإسلامي ثالثا بالنسبة للزوج المدخول بها وهي التي قامت معها الحياة الزوجية فعلا، فلم يسوغ أن يكون الطلاق في هذه الحال باتا، فلم يسوغه إلا واحدة، ولم يسوغه إلا رجعيا في أثناء العدة.
( ث ) و احتاط الشارع رابعا : فجعل للزوج الحق في مراجعة زوجته من غير عقد جديد ولا مهر جديد مدة طويلة تقارب نحو ثلاثة أشهر، فإذا مضت هذه المدة الطويلة، مع الإصرار والباب مفتوح وتدخل أهل الخير بينهما محتمل، فإن ذلك يكون دليلا على استحكام النفرة، وإن القلوب قد تشعب ودها، ولم يعد من الصالح بقاء الحياة الزوجية في ظلها.
( ج ) و احتاط الشارع الإسلامي خامسا فسوغ لهما أن يستأنفا حياة زوجية جديدة، إن عادت القلوب النافرة، واستقامت على الحق، وندم كل واحد على ما فرط منه في جنب صاحبه.
فإن تكرر الطلاق من بعد، تكررت الاحتياطات السابقة، فإن كانت الثالثة فهي التحريم المؤقت، حتى تكون التجربة القاسية بزواجها من رجل آخر زواجا صحيحا للدوام والبقاء وقيام العشرة الزوجية الجديدة ثم انتهائها بأي سبب من أسباب الإنهاء الشرعية الصحيحة، فإنها بعد ذلك تحل لزوجها الأول، وقد صقلته التجربة وصقله البعد، والله عليم بذات الصدور.
و لقد سقنا هذا القول في مقدمة تفسير هذه الآيات الكريمة المشتملة على أحكام الطلاق لأن ذلك خلاصتها، وهو مرماها، ولنضع الأحجار في أفواه الذين يعيبون أحكام الطلاق في القرآن، وهي أحكام قد اشتقت من الفطرة وطبيعة الحياة الزوجية، والاحتياط لها ما أمكن الاحتياط ولم يكن شيء منها معروفا من قبل، ولم يصل العقل البشري لأدق منها وأحكم من بعد، إنها شريعة اللطيف الخبير.
[ و المطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاث قروء ] التربص معناه : التأني والانتظار، وقد قال بعض العلماء إنه مقلوب التصبر، فهو تكلف الأناة، وتكلف الانتظار مع صعوبة الاحتمال، كما هو الشأن في أمر الصبر والتصبر، وسواء أصح ذلك القول أم لم يصح، فالتصبر والتربص متلاقيان في المعنى، ومتشابهان في اللفظ.
و التعبير "يتربصن" يدل على الأمر، وهو الطلب اللازم المؤكد، وإن كانت الصيغة في ظاهرها صيغة خبرية، وقد قرر الخبراء بالبيان العربي أن أوكد الصيغ دلالة على اللزوم الموثق : الصيغ الخبرية التي تساق للطلب، مثل [ و الوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة... ٢٣٣ ]( البقرة )، ومثل هذه الآية الكريمة التي نتكلم في معناها، ولكن مع ذلك لماذا كان النسق البياني السامي في أن يجيء الأمر في هذا المقام بتلك الصيغة الخبرية، فيكون معنى يتربصن : ليتربصن ؟.
و الجواب عن ذلك من عدة وجوه :
أولها : الإشارة إلى أن ذلك التربص يجب أن يكون من ذات نفس المطلقة، لأنه هو الذي يليق بكرامتها، ويتفق مع فطرتها، فإن كانت الرغبة تدفعها إلى الزواج العاجل السريع إن كان الزوج الجديد كفئا، فإن الكرامة توجب عليها الانتظار والتريث، فلا يليق بالحرة الكريمة أن تنتقل بين الأزواج انتقالا سريعا، لا فاصل فيه بين الزوجين.
و ثانيها : أن نداء الفطرة يوجب عليها الانتظار لتستبرئ رحمها، حتى إذا كان حمل نسب لأبيه ولا يتنازعه الأزواج، فهن إذا انتظرن وامتنعن عن الزواج هذه المدة فكأن ذلك من أنفسهن لا من أمر فوقهن، وكأن ذلك إلزام الفطرة قبل أن يكون إلزام الشرع.
و ثالثها : الإشارة إلى أن الأمر بالتربص أجيب وحصل التربص فعلا، فالتعبير بصيغة الخبر إشارة إلى الأمر والتنفيذ معا.
و إن من أبلغ الإشارات السامية الإتيان بكلم
زهرة التفاسير
أبو زهرة