قال ابو حنيفة يحمل قوله على السماع قال ابن همام وهذا ترجيح عام- والله اعلم وهاهنا خلافيات اخر أحدها انه إذا اتى بغير يمين الله كالطلاق والعتاق والصدقة وإيجاب العبادات هل يكون موليا أم لا فقال ابو حنيفة يكون موليا سواء يقصد به الإضرار بها- او المصلحة لها بان كانت مريضة مثلا او المصلحة لنفسه بان كان مريضا مثلا- وقال مالك لا يكون موليا الا ان يحلف حال الغضب او لقصد الإضرار بها- وقال احمد الا ان يقصد الإضرار- وعن الشافعي قولان أصحهما كقول ابى حنيفة- وثانيهما انه من ترك وطى زوجته للاضرار بها من غير يمين اكثر من اربعة أشهر هل يكون موليا- فقال مالك وأحمد فى احدى روايتيه نعم وقال الجمهور لا ثالثها ان مدة إيلاء الرقيق كالحر اربعة أشهر عند الشافعي واحمد لعموم الاية قالا انها ضربت لامر يرجع الى الطبع وهو قلة صبر المرأة عن الزوج فى تلك المدة فيستوى فيه الحر والعبد كمدة الغيبة- وعند ابى حنيفة ومالك ينتصف المدة بالرق لكن عند ابى حنيفة برق المرأة وعند مالك برق الزوج بناء على اختلافهما فى الطلاق رابعها انه إذا تعذر الوطي فالفىء عند ابى حنيفة بقوله فئت ثم ان قدر على الوطي قبل مضى المدة يجب عليه الوطي وعند الشافعي لا فىء الا بالوطى إذ لا حنث الا به-.
وَالْمُطَلَّقاتُ هذا اللفظ عام يشتمل الرجعيات والبائنات الحاملات والحائلات والمدخول بهن وغيرهن والحرائر والإماء- خص الإماء عنها بالسنة والإجماع قال رسول الله ﷺ طلاق الامة طلقتان وعدتها حيضتان- رواه الترمذي وابو داود وابن ماجة والدارمي من حديث عائشة وسنذكر البحث فى هذا الحديث وما فى هذه المسألة من تخصيص العام من الكتاب بخبر الآحاد فى تفسير قوله تعالى الطَّلاقُ مَرَّتانِ ان شاء الله تعالى- ونسخ حكم هذه الاية فى الحوامل بقوله تعالى وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وفى غير المدخول بها بقوله تعالى فى الأحزاب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ يَتَرَبَّصْنَ خبر بمعنى الأمر للتأكيد بِأَنْفُسِهِنَّ فيه بعث للنساء على التربص اى يحبسن انفسهن ويغلبنّها وان كان على خلاف هواها ثَلاثَةَ قُرُوءٍ فلا يتزوجن فيها- والقرء لفظ مشترك من الاضداد يطلق على الحيض والطهر كليهما بإجماع اهل اللغة فقال الشافعي ومالك وهو المروي عن عائشة وابن عمرو زيد بن ثابت ان المراد هاهنا
الطهر لحديث ابن عمر انه طلق امرأته وهى حائض فذكر عمر لرسول الله ﷺ فتغيظ فيه رسول الله ﷺ ثم قال ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر فان بدا له ان يطلقها فليطلقها طاهرا قبل ان يمسها فتلك العدة التي امر الله ان يطلق بها النساء- متفق عليه وجه الاحتجاج ان الله سبحانه قال يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ قالوا اللام فى لعدتهن للوقت اى وقت عدتهن والمشار اليه فى الحديث بتلك العدة الطهر الذي لا مسيس فيه فظهر ان المراد بالقروء الاطهار قلنا اللامر للوقت بمعنى فى غير معهود فى الاستعمال ويستلزم ذلك تقدم العدة على الطلاق او مقارنة له لاقتضائه وقوعه فى وقت العدة- بل اللام هناك لافادة معنى استقبال عدتهن يقال فى التاريخ بإجماع اهل العربية خرج لثلاث بقين من رمضان- ويؤيد ما قلنا ان ابن عباس وابن عمر كانا يقران يا ايّها النّبىّ إذا طلّقتم النّساء فطلّقوهنّ فى قبل عدّتهنّ- وفى هذا الحديث فى رواية لمسلم انه ﷺ تلا وإذا طلّقتم النّساء فطلّقوهنّ لقبل عدّتهنّ- او نقول المراد بالعدة فى قوله ﷺ فتلك العدة التي امر الله بها الوقت للطلاق اى تلك الوقت الذي امر الله ان يطلق بها النساء لا العدة التي يجب بعد الطلاق- وقد يحتج للشافعى بان التاء فى ثلثة يدل على تذكير المميز والقرء بمعنى الحيض مؤنث وبمعنى الطهر مذكر فهى المراد- وهذا ليس بشىء فان الشيء إذا كان له اسمان مذكر كالبر ومؤنث كالحنطة وليس هناك تأنيث حقيقى فالعبرة للمذكر منهما وهاهنا كذلك فان الحيض مؤنث والقرء مذكر وإذا كان التأنيث حقيقيا واللفظ مذكر كالشخص يعبر به عن المرأة ففيه وجهان جائزان- وقال ابو حنيفة واحمد المراد به الحيض ويحتج له بوجوه أحدها ما مر فى احتجاج الشافعي من حديث ابن عمر برواية مسلم وقراءة ابن عباس وابن عمر- ثانيها ان لفظ ثلاثة عدد خاص لا يدل على اقل منه ولا على أزيد منه والطلاق على وجه السنة لا يكون الا فى الطهر اجماعا ولما مر من حديث ابن عمر فثلاثة قروء لا يتصور الا فى الحيض دون الاطهار إذ لا يخلوا اما ان لا يعد هذا الطهر الذي وقع فيه الطلاق من العدة وهو خلاف الإجماع ولم يقل به أحد وايضا يلزم حينئذ الزيادة على الثلاث- او يعد فتكون العدة طهرين «١» وبعض طهر وذلك ليست بثلاثة- ولو جاز اطلاق الثلاثة على طهرين وبعض طهر لجاز اطلاق ثلاثة أشهر فى قوله تعالى فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ- على شهرين
وبعض شهر ولم يقل به أحد- فان قيل أليس فى قوله تعالى الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ اطلاق الأشهر على شهرين وبعض شهر قلنا هناك لم يقل الحج ثلاثة أشهر بل قال أشهر- وهاهنا لم يقل قروء بل قال ثلاثة قروء فهذا ادل واصرح فلا يجوز حملها على ما دون ثلاثة تجوزا فان كلمة ثلاثة يمنع عن التجوز ومما يدل على ان المعتبر الأقراء التامات دون بعض القرء ما احتج به الشافعي من حديث ابن عمر فانه ﷺ لم يجوز الطلاق فى الطهر الذي يلى الحيضة التي أوقع فيه الطلاق او لا كيلا يجتمع الطلقتان بلا فصل قرء تام- ثالثها قوله ﷺ طلاق الامة تطليقتان وعدتهما «١» حيضتان- مع الإجماع على انه لا يخالف الامة الحرة فيما به الاعتداد بل فى الكمية فظهر ان المراد بالقروء الحيض- رابعها ان العدة شرعت لتعرف براءة الرحم وذلك بالحيض دون الطهر ومن ثم وجب الاستبراء فى الامة بالحيض دون الطهر- خامسها انه لو كان القرء بمعنى الطهر تنقضى العدة بدخول الحيض الثالثة ولو كان بمعنى الحيض لم ينقض ما لم تطهر من الحيضة الثالثة فلا تنقضى العدة بالشك- ومذهبنا مأثور من الخلفاء الراشدين والعبادلة وابى بن كعب ومعاذ بن جبل وأبى الدرداء وعبادة بن الصامت وزيد بن ثابت وابى موسى الأشعري- وزاد ابو داود والنسائي ومعبد الجهني وبه قال من التابعين سعيد بن المسيب وابن جبير وعطاء وطاءوس وعكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك والحسن البصري ومقاتل وشريك القاضي والثوري والأوزاعي وابن شبرمة وربيعة والسدى وابو عبيدة وإسحاق واليه رجع احمد بن حنبل قال محمد بن الحسن فى المؤطا حدثنا عيسى بن ابى عيسى الخياط عن الشعبي عن ثلاثة عشر من اصحاب النبي ﷺ كلهم قالوا الرجل أحق بامراته حتى تغتسل من الحيضة الثالثة- والله اعلم وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ من الحمل والحيض استعجالا فى العدة وابطالا لحق الزوج فى الرجعة- وفيه دليل على ان قولها مقبول فى ذلك إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ والجزاء محذوف يعنى إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ لا يكتمن فان من شأن المؤمن ان لا يرتكب المحرم- والغرض منه التأكيد والتوبيخ والله اعلم وَبُعُولَتُهُنَّ جمع يعل والتاء لتانيث الجمع كالعمومة- واصل البعل المالك والسيد سمى الزوج بعلا لقيامه بأمر زوجته- والضمير راجع الى الرجعيات منهن ولا امتناع فيه كما كرر الظاهر وخصصه ثانيا-
او البعولة مصدر أقيم مقام المضاف المحذوف اى اهل بعولتهن أَحَقُّ افعل هاهنا بمعنى الفاعل اى حقيق بِرَدِّهِنَّ الى النكاح بالرجعة سواء رضيت المرأة اولا فِي ذلِكَ اى فى زمان التربص إِنْ أَرادُوا بالرجعة إِصْلاحاً لا ضرارا بالمرأة كما كانوا يفعلونه فى الجاهلية كان الرجل يطلق امرأته فاذا اقترب انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها- وليس المراد منه شريطة قصد الإصلاح للرجعة حتى لو راجعها بقصد الإضرار كان رجعة بل هو للمنع عن قصد الإضرار والتحريض على الإصلاح او يكون التقدير ان أرادوا إصلاحا فلا جناح عليه فى الرجعة- اجمعوا على جواز الرجعة من الطلاق الرجعى واختلفوا فى انه هل يجوز وطيها فى العدة أم لا- فقال ابو حنيفة واحمد فى اظهر روايتيه يجوز وفى اخرى له كقول الشافعي لا يجوز قال الشافعي الزوجية زائلة لوجود القاطع وهو الطلاق- قلنا تأخر عمل الطلاق الى انقضاء العدة اجماعا لجريان التوارث بينهما وجواز الرجعة بغير رضاها ووجوب النفقة فظهر ان النكاح قائم ويدل عليه قوله تعالى بُعُولَتُهُنَّ قالوا اطلاق البعل تجوز بناء على ما كان ولفظ الرد يدل على زوال النكاح- قلنا القول بالتجوز فى لفظ البعل ليس اولى من القول به فى الرد فانه يقال رد البيع فى بيع كان الخيار للبائع- ثم إذا تعارض احتمالا «١» المجاز فى لفظ البعل ولفظ الرد فى تلك الاية تساقط اعتبارهما وبقي قوله تعالى فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ وقوله فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ سالما فان الإمساك يدل على البقاء- ويمكن حمل الرد على الرد الى الحالة الاولى وهى كونها بحيث لا يحرم بعد مضى العدة فلا إشكال حينئذ أصلا- واختلفوا فى انه هل يشترط للرجعة القول- فقال الشافعي لا يحصل الرجعة الا بالقول بناء على ما قال ان الرجعة بمنزلة ابتداء النكاح وقال ابو حنيفة وأحمد إذا وطيها او قبلها أو لمسها بشهوة او نظر الى فرجها بشهوة يصير مراجعا ايضا كما يصير مراجعا بالقول بناء على ما ذكرنا ان الرجعة عندهما ليست بمنزلة ابتداء النكاح بل هو ابقاء لها فيكفى فيها الفعل الدال على الاستدامة كما فى إسقاط الخيار- وقال مالك فى المشهور عنه انّ بالوطى ان نوى الرجعة حصلت والا فلا- واختلفوا فى انه هل يشترط الاشهاد للرجعة- فقال احمد وهو قول الشافعي يشترط عملا بقوله تعالى وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ فى سورة الطلاق- وقال ابو حنيفة ومالك والشافعي فى أصح قوليه واحمد فى احدى «٢» روايتيه- انه لا يشترط ذلك والأمر فى الاية محمول على الاستحباب إذ لو كان الاشهاد واجبا لكان الاشهاد على الفرقة
(٢) فى الأصل أحد-
ايضا واجبا لاقترابه بقوله تعالى أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ولم يقل به أحد ولو كان واجبا لكان واجبا بالاستقلال ولم يكن شرطا للرجعة لعموم قوله تعالى فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَهُنَّ اى للنساء على الأزواج حقوق مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ للازواج فى الوجوب واستحقاق المطالبة لا فى الجنس بِالْمَعْرُوفِ بكل ما يعرف فى الشرع من أداء حقوق النكاح وحسن الصحبة فلا يجوز لاحد ان يقصد ضرار الاخر بل ينبغى ان يريدوا إصلاحا قال ابن عباس انى أحب ان اتزيّن لامراتى كما تحب امراتى ان تتزين لى لان الله تعالى قال وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ- عن معاوية القشيري قال قلت يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه قال ان تطعمها إذا طعمت وان تكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر الا فى البيت- رواه احمد وابو داود وابن ماجة وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر فى قصة حجة الوداع قال رسول الله ﷺ فى خطبته يوم عرفة فاتقوا الله فى النساء فانكم أخذتموهن بامان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن ان لا يؤطين فرشكم أحدا تكرهونه فان فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرج ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف- رواه مسلم وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ان أكمل المؤمنين ايمانا أحسنهم خلقا وخياركم خياركم لنسائهم- رواه الترمذي وقال حسن صحيح ورواه ابو داود الى قوله خلقا- وروى الترمذي نحوه عن عائشة وعن عبد الله بن زمعة قال قال رسول الله ﷺ لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد الحديث- متفق عليه وعن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ خيركم خيركم لاهله وانا خيركم لاهلى- رواه الترمذي والدارمي ورواه ابن ماجة عن ابن عباس وعن ابى هريرة قالا قال رسول الله ﷺ استوصوا بالنساء خيرا فانهن خلقن من ضلع وانّ اعوج شىء فى الضلع أعلاه فان ذهبت تقيمه كسرته وان تركته لم يزل اعواج فاستوصوا بالنساء- متفق عليه وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ زيادة فى الحق وفضلا قال النبي ﷺ لو كنت امر أحدا «١» ان يسجد لاحد لامرت المرأة ان تسجد لزوجها لما جعل الله لهم عليهن من حق- رواه ابو داود عن قيس بن سعد- واحمد عن معاذ بن جبل والترمذي عن ابى هريرة نحوه والبغوي عن ابى ظبيان وعن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
التفسير المظهري
القاضي مولوي محمد ثناء الله الهندي الفاني فتي النقشبندى الحنفي العثماني المظهري
غلام نبي تونسي