والمطلقات هذا اللفظ عام يشتمل الرجعيات والبائنات الحاملات والحائلات والمدخول بهن وغيرهن والحرائر والإماء، خص الإماء عنها بالسنة والإجماع قال رسول الله :" طلاق الأمة طلقتان وعدتها حيضتان " رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه والدارمي من حديث عائشة وسنذكر البحث في هذا الحديث وما في هذه المسألة من تخصيص العام من الكتاب بخبر الآحاد في تفسير قوله تعالى : الطلاق مرتان إن شاء الله تعالى ونسخ حكم هذه الآية في الحوامل بقوله تعالى : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن وفي غير المدخول بها بقوله تعالى : في الأجزاب : يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة يتربصن خبر بمعنى الأمر للتأكيد بأنفسهن فيه بعث للنساء على التربص أي يحبسن أنفسهن ويغلبنها وإن كان على خلاف هواها ثلاثة قروء فلا يتزوجن يها، والقرء لفظ مشترك من الأضداد يطلق على الحيض والطهر كليهما بإجماع أهل اللغة، فقال الشافعي ومالك وهو المروي عن عائشة وابن عمر وزيد بن ثابت : إن المراد ههنا الطهر لحديث ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض فذكر عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتغيظ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال :" ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهر قبل أن يمسها فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق بها النساء " متفق عليه. وجه الاحتجاج أن الله سبحانه قال : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن قالوا : اللام في لعدتهن للوقت أي وقت عدتهن والمشار إليه في الحديث بتلك العدة الطهر الذي لا مسيس فيه فظهر أن المراد بالقروء الأطهار، قلنا : اللام للوقف بمعنى في غير معهود في الاستعمال ويستلزم ذلك تقدم العدة على الطلاق أو مقارنة له لاقتضائه وقوعه في وقت العدة بل اللام هناك لإفادة معنى استقبال عدتهن يقال في التاريخ بإجماع أهل العربية خرج لثلاث بقين من رمضان، ويؤيد ما قلنا أن ابن عباس وابن عمر كانا يقرآن : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن وفي هذا الحديث في رواية لمسلم أنه صلى الله عليه وسلم تلا : وإذا طلقتم النساء فطلقوهن لقبل عدتهن أو نقول المراد بالعدة في قوله صلى الله عليه وسلم :" قتلك العدة التي أمر الله بها " الوقت للطلاق أي تلك الوقت الذي أمر الله أن يطلق بها النساء لا العدة التي يجب بعد الطلاق، وقد يحتج للشافعي بأن التاء في ثلاثة يدل على تذكير المميز والقرء بمعنى الحيض مؤنث وبمعنى للطهر مذكر فهو المراد، وهذا ليس بشيء فإن الشيء إذا كان له اسمان مذكر كالبر ومؤنث كالحنطة وليس هناك تأنيث حقيقي فالعبرة للمذكر منهما وههنا كذلك فإنن الحيض مؤنث والقرء مذكر وإذا كان التأنيث حقيقيا واللفظ مذكر كالشخص يعبر به عن المرأة ففيه وجهان جائزان، وقال أبو حنيفة وأحمد : المراد به الحيض ويحتج له بوجوه أحدها ما مر في احتجاج الشافعي من حديث ابن عمر برواية مسلم وقراءة ابن عباس وابن عمر، ثانيها أن اللفظ ثلاثة عدد خاص لا يدل على أقل منه ولا على أزيد منه والطلاق على وجه السنة لا يكون إلا في الطهر إجماعا ولما مر من حديث ابن عمر لثلاثة قروء لا يتصور إلا في الحيض دون الأطهار إذ لا يخلوا إما أن لا يعد هذا الطهر الذي وقع فيه الطلاق من العدة وهو خلاف الإجماع ولم يقل به أحد وأيضا يلزم حينئذ الزيادة على الثلاث أو يعد فتكون العدة طهرين وبعض طهر وذلك ليست بثلاثة، ولو جاز إطلاق الثلاثة على طهرين وبعض طهر لجاز إطلاق ثلاثة أشهر في قوله تعالى : فعدتهن ثلاثة أشهر على شهرين وبعض شهر ولم يقل به أحد. فإن قيل أليس في قوله تعالى : الحج أشهر معلومات إطلاق الأشهر على شهرين وبعض شهر، قلنا : هناك لم يقل الحج ثلاثة أشهر بل قال أشهر، وههنا لم يقل قروء بل قال ثلاثة قروء فهذا أدل وأصرح فلا يجوز حملها على ما دون ثلاثة تجوزا فإن كلمة ثلاثة يمنع عن التجوز ومما يدل على أن المعتبر الأقراء التامات دون بعض القرء ما احتج به الشافعي من حديث ابن عمر فإنه صلى الله عليه وسلم لم يجوز الطلاق في الطهر الذي يلي الحيضة التي أوقع فيه الطلاق أولا كيلا يجتمع الطلقتان بلا فصل قرء تام، ثالثها : قوله صلى الله عليه وسلم :" طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان " مع الإجماع على أنه لا يخالف الأمة الحرة فيما به الاعتداد بل في الكمية فظهر أن المراد بالقروء ا لحيض، رابعها : أن العدة شرعت لتعرف براءة الرحم وذلك بالحيض دون الطهر ومن ثم وجب الاستبراء في الأمة بالحيض دون الطهر، خامسها أنه لو كان القرء بمعنى الطهر تنقضي العدة بدخول الحيض الثالثة ولو كان بمعنى الحيض لم ينقض ما لم تطهر من الحيضة الثالثة فلا تنقضي العدة بالشك، ومذهبنا مأثور من الخلفاء الراشدين والعبادلة وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وأبي الدرداء وعبادة بن الصامت وزيد بن ثابت وأبي موسى الأشعري، وزاد أبو داود والنسائي ومعبد الجهني وبه قال من التابعين سعيد بن المسيب وابن جبير وعطاء وطاووس وعكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك والحسن البصري ومقاتل وشريك القاضي والثوري والأوزاعي وابن شبرمة وربيعة والسدي وأبو عبيدة وإسحاق وإليه رجع أحمد بن حنبل، قال محمد بن الحسن في الموطأ : حدثنا عيسى بن أبي عيسى الخياط عن الشعبي عن ثلاثة عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم قالوا الرجل أحق بامرأته حتى تغتسل من الحيضة الثالثة، والله أعلم.
وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ من الحمل والحيض استعجالا في العدة وإبطالا لحق الزوج في الرجعة، وفيه دليل على أن قولها مقبول في ذلك إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر والجزاء محذوف يعني إن كن يؤمن الله لا يكتمن فإن من شأن المؤمن من أن لا يرتكب المحرم، والغرض منه التأكيد والتوبيخ والله أعلم وبعولتهن جمع بعل والتاء لتأنيث الجمع كالعمومة، وأصل البعل المالك والسيد سمي الزوج بعلا لقيامه بأمر زوجته والضمير راجع إلى الرجعيات منهم ولا امتناع فيه كما كرر الظاهر خصصه ثانيا، أو البعولة مصدر أقيم مقام المضاف المحذوف أي أهل بعولتهن أحق فعل ههنا بمعنى الفاعل أي حقيق بردهن إلى النكاح بالرجعة سواء رضيت المرأة أو لا في ذلك أي في زمان التربص إن أرادوا بالرجعة إصلاحا ضرارا بالمرأة كما كانوا يفعلونه في الجاهلية كان الرجل يطلق امرأته فإن اقترب اقتضاء عدتها راجعة ثم طلقها، وليس المراد من شريطة قصد الإصلاح للرجعة حتى ولو راجعها بقصد الإضرار كان رجعة بل هو للمنع عن قصد الإضرار والتحريض على الإصلاح أو يكون التقدير إن أرادوا إصلاحا فلا جناح عليه في الرجعة. أجمعوا على جواز الرجعة من الطلاق الرجعي واختلفوا في أنه هل يجوز وطؤها في العدة أم لا ؟ فقال أبو حنيفة وأحمد في أظهر روايتيه يجوز وفي أخرى له كقول الشافعي لا يجوز، قال الشافعي : الزوجية زائلة لوجود القاطع وهو الطلاق، قلنا : تأخر عمل الطلاق إلى انقضاء العدة إجماعا لجريان التوارث بينهما وجواز الرجعة بغير رضاها ووجوب النفقة فظهر أن النكاح قائم ويدل عليه قوله تعالى : وبعولتهن قالوا : إطلاق البعل تجوز بناء على ما كان ولفظ الرد يدل على زوال النكاح، قلنا : القول بالتجوز في لفظ البعل ليس أولى من القول به في الرد فإنه يقال رد البيع في بيع كان الخيار للبائع، ثم إذا تعارض احتمالا المجاز في لفظ البعل ولفظ الرد في تلك الآية تساقط اعتبارهما وبقي قوله تعالى : فإمساك بمعروف وقوله : فأمسكوهن بمعروف سالما فإن الإمساك يدل على البقاء، ويمكن حمل الرد على الرد إلى الحالة الأولى وهي كونها بحيث لا يحرم بعد مضي العدة فلا إشكال حينئذ أصلا. واختلفوا في أنه هل يشترط للرجعة القول ؟ فقال الشافعي : لا يحصل الرجعة إلا بالقول بناء على ما قال أن الرجعة بمنزلة ابتداء النكاح، وقال أبو حنيفة وأحمد : إذا وطئها أو قبلها أو لسمها بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة يصيرا مراجعا أيضا كما يصير مراجعا بالقول بناء على ما ذكرنا أن الرجعة عندهما ليست بمنزلة ابتداء الناكح بل هو إبقاء لها فيكفي فيها الفعل الدال على الاستدامة كما في إسقاط الخيار، وقال مالك في المشهور عنه : إن بالوطء إن نوى الرجعة حصلت وإلا فلا واختلفوا في أنه هل يشترط الإشهاد لرجعة ؟ فقال أحمد وهو قول الشافعي يشترط عملا بقوله تعالى : وأشهدوا ذوي عدل منكم في سورة الطلاق، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي في أصح قوليه وأحمد في إحدى روايتيه : أنه لا يشترط ذلك والأمر في الآية محمول على الاستحباب إذ لو كان كالإشهاد واجبا لكان الإشهاد على الفرقة أيضا واجبا لاقترابه بقوله تعالى : فارقوهن بمعروف ولم يقل به أحد ولو كان واجبا لكان واجبا بالاستقلال ولم يكن شرطا للرجعة لعموم قوله تعالى : فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف .
ولهن أي للنساء على الأزواج حقوق مثل الذي عليهن للأزواج في وجوب واستحقاق المطالبة لا في الجنس بالمعروف بكل ما يعرف في الشرع من أداء الحقوق النكاح وحسن الصحبة فلا يجوز لأحد أن يقصد ضرار الآخر بل ينبغي أن يريدوا إصلاحا، قال ابن عباس : إني أحب أن أتزين لامرأتي كما تحب امرأتي أن تتزين لي لأن الله تعالى قال : ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف عن معاوية القشيري قال : قلت يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه قال :" أن تطعمها إذا طعمت وأن تكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت } رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر في قصة حجة الوداع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته يوم عرفة :" فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف " رواه مسلم، وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخياركم خياركم لنسائهم " رواه الترمذي وقال : حسن صحيح، ورواه أبو داود إلى قوله خلقا، وروى الترمذي نحوه عن عائشة، وعن عبد الله بن زمعة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي " رواه الترمذي والدارمي ورواه ابن ماجه عن ابن عباس، وعن أبي هريرة قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" استوصوا بالنساء خيرا فإنهن خلقن من ضلع وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء " متفق عليه وللرجال عليهن درجة زيادة في الحق وفضلا، قال النبي صلى الله عليه وسلم :" لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لما جعل الله لهم عليهن من حق " رواه أبو داود عن قيس بن سعد وأحمد عن معاذ بن جبل والترمذي عن أبي هريرة نحوه والبغوي عن أبي ظبيان، وعن أم سلمة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أيما ارمرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة " رواه الترمذي، وعن طلق بن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا الرجل دعا زوجته فلتأته وإن كانت على التنور " رواه الترمذي والله عزيز يقدر على الانتقام ممن ظلم
التفسير المظهري
المظهري