والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الأخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم ٢٢٨
لما ذكر في الآية السابقة أن المؤلين من نسائهم حالين الفيئة بالرجوع إلى معاشرتهن، وعزم الطلاق وإمضاءه، ناسب أن يذكر بعده شيئا من أحكام الطلاق معطوفا على ما قبله متمما له فقال والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء الخ.
قال الأستاذ الإمام قدس الله روحه(١) : المراد بالمطلقات الأزواج اللواتي تحقق فيهن معنى الزوجية وعهدن أن يكن مطلقات، وأن يتزوجن بعد الطلاق، وهن الحرائر ذوات الحيض بقرينة السياق، فلا يأتي هنا ما يقوله الأصوليون في كلمة المطلقات هل اللام فيها للاستغراق أم للجنس ؟ وهل هو عام مخصوص أم لا ؟ لأن وصل الآية بما قبلها يمنع كل ذلك كما يمنعه التربص بالزواج، ولولا ذلك لكان البحث في موضعه، وأما حكم من لسن كذلك في الطلاق كاليائسة والتي لم تبلغ سن الحيض فمذكور في سورة الطلاق، وهن كأنهن لا يدخلن في مفهوم المطلقات فإن اليائسة من شأنها أن لا تطلق لأن من أمضى زمن الزوجية مع امرأة حتى يئست من المحيض كان من مقتضى الطبع والفطرة ومن أدب الشرع والدين أن يحفظ عهدها ويرعى ودها بإبقائها على عصمة الزوجية، وإن كان بعض السفهاء لا يحترمون تلك العشرة الطويلة، ولا يراعون ذلك الميثاق الغليظ، فيقدموا على طلاق اليائسة، ثم إن اليائسة إذا طلقت فلا تكاد تتزوج، وما خرج عن مقتضى الشرع واستقامة الطبع فلا يعتد به، والتي لم تبلغ سن المحيض قلما تكون زوجا ومن عقد على مثلها كانت رغبتها فيها عظيمة فيندر أن يتحول فيطلق، وحاصل ما تقدم أن ما يتبادر في هذا المقام من لفظ المطلقات يفيد أنهن الزوجات المعهودات المستعدات للحمل والنسل الذي هو مقصد من الزوجية فينتظر أن يرغب الناس في التزوج بهن.
ومعنى التربص مدة ثلاثة قروء هو أن لا تتزوج المطلقة حتى يمر عليها ثلاثة قروء، وهي جمع قرء بضم القاف وفتحها ويطلق في اللغة على حيض المرأة وعلى طهرها ومنه والأصل فيه الانتقال من الطهر إلى الحيض كما نقل عن الشافعي في قول له ولذلك لا يقال للطاهر التي لم تر الدم ذات قرء أو قروء، ولا للحائض التي استمر لها الدم، فلما كان القرء وسطا بين الدم والطهر أو عبارة عن الصلة بين هاتين الحالتين عبر به قوم من الفقهاء عن أحدهما وقوم عن الآخر، ولكل منهم شواهد في اللغة أطال المفسرون في إيرادها والترجيح بينها، فالمالكية والشافعية وآل البيت على أن القرء هو الطهر، والحنفية والحنابلة في أصح الروايتين على أن القرء هو الحيض، وأدلة الأولين أقوى.
قال الأستاذ الإمام والخطب في الخلاف سهل لأن المقصود من هذا التربص العلم ببراءة الرحم من الزوج السابق وهو يحصل بثلاث حيض كما يحصل بثلاثة أطهار، ومن النادر أن يستمر الحيض إلى آخر الحمل فكل من القولين موافق لحكمة الشرع في المسألة. وأورد الحكم بلفظ الخبر دون الأمر وغيره من ضروب الإنشاء كقوله كتب على المطلقات كذا لتأكيده والاهتمام به، كأنه يقول إن هذا التربص واقع كذلك لا محالة، كما يقول الشيخ عبد القاهر الجرجاني في هذا النوع من الإسناد الخبري في مقام الأمر، فعندما يقال المطلقات يلتفت ذهن السامع ويكون متهيئا لسماع ما يقال عنهن، فإذا قيل ( يتربصن بأنفسهن ) الخ وفيه الإسناد والحكم يتقرر عنده أنه مأمور به أمرا مؤكدا كأنه قال إننا أمرناهن بذلك وفرضناه عليهن فامتثلن الأمر وجرين عليه بالاستمرار حتى صار شأنا من شؤونهن اللازمة لهم لا ينصرفن عنه، بل لا يخطر في البال مخالفتهن له. وليس في الأمر بصيغته ما يفيد هذا التأكيد والاهتمام، لأن المأمور بالشيء قد يمتثل وقد يخالف. وهذا الضرب من التعبير معهود في التنزيل في مقام التأكيد والاهتمام يقع في الكتاب مواقعه لا يعدوها، ولا يخفى ذلك على من طعم البلاغة وذاقها.
وفي التعبير بقوله : يتربصن بأنفسهن من الإبداع في الإشارة، والنزاهة في العبادة، ما عهد في كل القرآن، ولم يبلغ مراعاة مثله إنسان، فالكلام في المطلقات رهن معرضات للزواج، وخلو من الأزواج، والأنسب فيه ترك التصريح بما يتشوفن إليه، والاكتفاء بالكناية عما يرغبن فيه، على إقرارهن عليه، وعدم إيئاسهن منه، مع اجتناب إخجالهن، وتوقي تنفيرهن أو التنفير منهن، وقد جمع هذه المعاني قوله تعالى : يتربصن بأنفسهن على ما فيه من الإيجاز، الذي هو من مواقع الإعجاز، فأفاد أنه يجب عليهن أن يملكن رغبتهن، ويكففن جماع أنفسهن، إلى تمام المدة الممدودة، والعدة المعدودة، ولكن بطريق الرمز والتلويح، لا بطريق الإبانة والتصريح، فإن التربص في حقيقته وظاهر معناه التريث والانتظار، وهو يتعلق بشيء يتريث عنه، وينتظر زوال المدة المضروبة دونه، ولولا كلمة ( بأنفسهن ) لما أفادت الجملة تلك المعاني الدقيقة، والكنايات الرشيقة، وما كان ليخطر على بال إنسان يريد إفادة حكم العدة أن يزيد هذه الكلمة على قوله : يتربصن ثلاثة قروء ولو لم تزد لكان الحكم عاريا عن تأديب النفس والحكم على شعورها ووجدانها، ولعل الإرشاد إلى ما تنطوي عليه نفوس النساء من تلك النزعة في ضمن الإخبار عنهن بأن من شأنهن امتلاكها والتربص بها اختيارا، هو أشد فعلا في أنفسهن وأقوى إلزاما لهن أن يكن كذلك طائعات مختارات، كما أن فيه إكراما لهن ولطفا بهن، إذ لم يؤمرن أمرا صريحا، وهذا من الدقائق التي نحمد الله تعالى أن هدانا إلى فهمها، فأنى لأمثالنا من البشر أن يأتوا بمثلها ؟ !
قال الأستاذ الإمام بعد بيان هذه النكتة التي شرحناها : وزعم بعض الناس أن معنى التربص بالأنفس هنا ضبطها ومنعها أن تقع في غمرة الشهوة المحرمة، وعللوا ذلك بأن النساء أشد شهوة من الرجال ومنهم من قدر هذه الشدة والزيادة بأضعاف كثيرة حدها وعدها عدا، وهذا من نبذ الأقوال وطرحها بغير بينة ولا علم، فإن الرجال كانوا وما زالوا هم الذين يطلبون النساء ويرغبون فيهن، ثم يظلمونهن حتى بالتحكم في طبائعهن والحكم على شعورهن، ويأخذ بعضهم ذلك من بعض بالتسليم والتقليد.
وأقول إن من دقق النظر في أقوال الرجال في النساء في كل عصر ولاسيما أقوال كتاب الصحف في زمننا، ووزنها بموازينها، رأى فيها من الأغلاط والأوهام، ما يبطله النظر والاختبار، وأظهر أوهامهم ما يكتبونه في حب المرأة وفي الموازنة بينها وبين الرجل فيما تقدم وفي غيره، وأن المقلدين للمخطئ في ذلك أضعاف المقلدين للمصيب.
ثم بين تعالى حكمة هذا التربص بالزوج في سياق حكم آخر فقال ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن كما كن يفعلن أحيانا في الجاهلية إذ كانت المرأة تتزوج بعد فراق رجل بآخر ويظهر لها أنها حبلى من الأول فتلحق الولد بالثاني، فهذا محرم في الإسلام، لأنه شر ضروب الغش والزور والبهتان، ينفى عن قوم من هو منهم، ويلحق بآخرين من ليس منهم. وفي ذلك من المضار ما لا يجهل، وقد حرمه الله في الإسلام، وأمر بأن تعتد المرأة بعد فراق زوجها ليظهر أنها بريئة من الحمل، ونهى أن تكتم الحمل إذا عملت به.
واختار كثير من المفسرين أن ما خلق الله في أرحامهن يشمل الولد والحيض وهو المروي عن ابن عمر فقد تكتم المرأة حيضتها، لتطيل أجل عدتها، وذلك محرم أيضا، وقد فشا في مطلقات هذا الزمان اللواتي لا يطمعن في الزواج، لأن الحكام يفرضون لهن نفقة ما دمن في العدة فيرغبن في استدامة هذه النفقة ما دمن في العدة فيرغبن في استدامة هذه النفقة بكتمان الحيض، وادعاء عدم مرور القروء الثلاثة عليهن، وما يأخذنه بعد انقضاء العدة حرام، وما هن ممن يتفكر في ذلك إذ لا علم لهن بأحكام الحلال والحرام، ولا يبالين ما عساهن يعرفنه منها، لأنهن لم يتربين على آداب الدين وأعماله، بل لم يلقن عقائده ولم يذكرن بآياته، حتى صار أكثرهن أقرب إلى أهل الإباحة منهن إلى أهل الدين، وإنما يتجنب الحرام ويتحرى الوقوف عند حدود الحلال أهل الإيمان الصحيح، ولذلك قال تعالى عقب النهي إن كن يؤمن بالله واليوم الأخر وهذا وعيد شديد وتهديد عظيم، كأنه يقول إذا كن يعرفن من أنفسهن الإيمان بالله الذي أنزل الحلال والحرام لمصلحة أرحامهن، وباليوم الآخر الذي يكون فيه الجزاء بالقسطاس، فلا يكتمن ما خلق الله في أرحامهن، وإلا كن غير مؤمنات بما أنزل الله تعالى من هذه الأحكام التي هي خير لهن ولأزواجهن، وحافظة لحقوقهم وحقوقهن، إذ التصديق الجازم بأن الله تعالى أنزل هذا الحكم وجعل في اتباعه المثوبة والرضوان، وفي تركه الشقاء والخسران، يكون سببا طبيعيا لامتثاله، مع إعظامه وإجلاله، وعلى هذا الحد ما ورد في الحديث الصحيح ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ) (٢) الخ فمن لنا بمن يبلغ النساء المؤمنات هذا التشديد ؟ ومن لنا بمن يهتم بتلقين البنات عقائد الإيمان، وتربيتهن على الأعمال التي تمكن هذه العقائد في العقل والوجدان، وأي الرجل يفعل هذا والرجال أنفسهم لم يعد لهم هم في الدين إلا قليلا منهم ؟ وهؤلاء يرون النساء متاعا لا أناسي مثلهم، فيدعونهن وشأنهن، لا يتفكرون في أسباب ما يلقون من عواقب إهمالهن، ورزايا جهلهن.
وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا قال الأستاذ الإمام قدس الله روحه : هذا لطف كبير من الله سبحانه وتعالى وحرص من الشارع على بقاء العصمة الأولى، فإن المرأة إذا طلقت لأمر من الأمور سواء كان بالإيلاء أو غيره فقلما يرغب فيها الرجال، وأما بعلها المطلق فقد يندم على طلاقها، ويرى أن ما طلقها لأجله لا يقتضي مفارقتها دائما، فيرغب في مراجعتها ولاسيما إذا كانت العشرة السابقة بينهما على طريقتها الفطرية، فأفضى كل منهما إلى الآخر بسره حتى عرف عجره وبجره، وتمكنت الألفة بينهما على علاتهما، وإذا كانا قد رزقا الولد فإن الندم على الطلاق يسرع إليهما لأن الحرص الطبيعي على العناية بتربية الولد وكفالته بالاشتراك تغلب بعد زوال أثر المغاضبة العارضة على النفس، وقد يكون أقوى إذا كان الأولاد إناثا، لهذا حكم الله تعالى لطفا منه بعباده بأن بعل المطلقة أي زوجها أحق بردها في ذلك أي في زمن التربص وهي العدة.
وفي هذا البيان حكمة أخرى للعدة غير تبين الحمل أو براءة الرحم، وهي إمكان المراجعة، فعلم بذلك أن تربص المطلقات بأنفسهن فيه فائدة لهن وفائدة لأزواجهن. وإنما يكون بعل المرأة أحق بها في مدة العدة إذا قصد إصلاح ذات البين وحسن المعاشرة، وأما إذا قصد مضارتها ومنعها من التزوج بعد العدة حتى تكون كالمعلقة لا يعاشرها معاشرة الأزواج بالحسنى ولا يمكنها من التزوج، فهو آثم بينه وبين الله تعالى بهذه المراجعة، فلا يباح أن يرد مطلقته إلى عصمته إلا بإرادة إصلاح ذات البين ونية المعاشرة بالمعروف. وإنما قال الإمام إنه آثم بينه وبين الله تعالى لإفادة أن ذلك محرم لأمر خفي يتعلق بالقصد فلم يكن شرطا في الظواهر لصحة الرجعة، وما كل ما صح في نظر القاضي يكون جائزا تدينا بين الإنسان وربه، لأن القاضي يحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر. والطلاق الذي فيه الرجعة قبل انقضاء
٢ أخرجه ابن ماجه في الفتن باب ٨..
تفسير المنار
رشيد رضا