ﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤ

مِنْ نِسَائِهِمْ تعتبره الفقهاء أنه متعلق بقوله: يُؤْلُونَ حتى كثر في كلامهم " ألي فلان من امرأته "، كقولهم: " ظاهر منها "، وذلك غير ممتنع وإن كان قد ذكر بعض أهل اللغة أن تقدير الكلام: (لهم من نسائهم تربص أربعة أشهر) ودل بقوله: فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أن المولى في إيلائه مخطئ وإثم، وأنه يستحق العفو عما ارتكبه بفيئه..
قوله- عز جل:
وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ الآية: (٢٢٧) - سورة البقرة.
دواعي الإنسان إلى الفعل على مراتب أولها السابح، ثم الخاطر، تم التخيل والتفكر فيه، ثم الإرادة، ثم الهمة، ثم العزم، فالهمة إجماع من النفس على الأمر وإزماع عليه، والعزم هو العقد على إمضائه، ولهذا قال- عز وجل- فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، ويقال: (مالفلان عزمه) أي عقد على إمضائه...
ويقال: المعود عزائم تصوراً أنك قد عقدت على الشيطان أو الداء أن يمضي إراداتك فيما سميته، والطلاق: تخلية عن وثاق أو داء أو انقباض وإمساك، ومنه: " طلقت المرأة عند الولادة وبالتخليه عن الوثاق شبه الطلق في العدو، ورجل طلق الوجه وطلق اليدين، وأما عزيمة الطلاق، فقد تقدمت، ونبه تعالى بقوله: سَمِيعٌ عَلِيمٌ أنه عارف بضميره ومقاله في إيلائه وتطليقه...
قوله- عز وجل:
وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
سورة البقرة الآية (٢٢٨)...
قال الخليل: قرأت المرأة: رأت الدم، وأقرأت: حاضت، وصارت ذات قرء، والقرء في الحقيقة اسم للدخول في الحيض عن طهر، ولما كان اسماً للأمرين الطهر والحيض المتعقب له أطلق على كل

صفحة رقم 465

واحد منهما، لأن عادة العرب أن كل اسم موضوع لمعنيين معاً يطلق على كل واحد منهما إذا انفرد، كالمائدة هي للخوان والطعام، وقد سمي كل واحد منهما بانفراده مائدة، وعلى ذلك الظعينة والكأس والراوية، فكذلك القرؤ، وليس هما اسماً للطهر مجرداً بدلالة أن الطاهر التي لم تر الدم لا يقال لها ذات قرء، وكذا الحائض التي استمر بها الدم، والنفساء لا يقال لهما ذلك، فقوله: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ، أي ثلاثة دخول من الطهر في الحيض وليس حقيقة هذا إلا ما قاله الشافعي دون ما قاله غيره في أنها إذا رأت الدم ثلاث مرات، فقد انقضى عدتها، وجعل غيره حصول ثلاثة أطهار تتعقبها ثلاث حيض،
فإن قيل: قوله- عليه السلام: (دعي الصلاة أيام إقرائك) لم يرد أيام تجدد الحيض، وإنما أراد أيام الحيض كلها، قيل: ما قلته صحيح، وإنما ذلك كقولك: " فعل كذا أيام ورود فلان، ووروده إنما كان في ساعة، فكذلك قوله: " أيام إقرائك "، والحدث القليل ينسب إلى الزمن الطويل، وإن وقع ذلك في بعضه، وقول أهل اللغة أن القرء من قرءا إذا جمع، وقارئ هم اعتبروا الجمع ومن زمن الطهر وزمن الحيض لاجتماع الدم في الرحم فقط، ومنه القراءة، وهو ضم الحروف والكلمات بالخروج من بعضها إلى بعض، يدلك على ذلك أنه لا يقال للحرف الواحد يتفوه به قراءة، و " أقرأ النجم " إذا طلع واحد وغاب آخر، وصار القرؤ مستعاراً للوقت المنتظر، ومنه قال الشاعر:
إذا هبتْ لقارئها الرياحُ
أي لوقتها المنتظر المتعين.
وقال أخر:
يا رُبَّ ذي ضغنٍ على فارضٍ....
لهُ قرؤٌ كقُرؤِ الحائضِ

صفحة رقم 466

أي انتظار للفرصة كانتظار ذات الحيض للحيض... وعير ابن داود الشافعي لما جمع بين القرؤ وقريت الماء في الحوض، وقال: ألم ير أن قريت من نبات التاء، وقرأت من الهمزة، وهذا سوء ظن منه وسوء تصور، فإن أهل اللغة طريقتان في هذين اللفظين أحدهما: أنه " قريت " مقلوب عن قرأت، واليا ما بدل من الهمزة، كسألت، وسلت، والثاني: أنهما لغتان تقارب معنياهما تقارب ألفاظهما، وأنهما تقتضيان معنى الجمع، والبعل: النخل السارب بعزوقه، وعبر به عن الزوج، لإقامته على الزوجة للمعنى المخصوص، وحيث هي بعلةُ، وقيل: باعلها كقولك: جامعها، وبعل الرجل إذا دهس، فأقام مكانه كالنخل ألدي لا يبرح، وبهذا النظر، قيل لمن لا يحول لكن مكانه ما هو إلا شجر أو حجر، والبعولة جمع بعل، كالذكورة، والفحولة، والعمومة، والخؤولة، والرجل بنى عن رجل تصوراً لسعيه بها، كما سميت المرأة قعيدة وعحوزاً لتمكن مقعدها وعجزها من الأرض ولذلك قال الشاعر:
أصبحت لا رجلاُ يغدُولمطلبهِ....
ولا قعيدةَ بيتٍ تُحسنُ العْمَلاَ
وبهذا النظر سمي القوم قوماً لقيامهم بالأمور، والراجل الماشي لكونه ضارباً برجله الأرض كالسائف والرامح لمن يضرب بهما، وارتحل فلان كذا لما تناوله بسعيه مما لم يسبق إليه، وترحل النهار، كقولهم: " قام قائم الظهيرة "، والمرجل، القدر المنتصب على رجلها، وجعل بناؤه بناء الآلات والدرجة والمرقاة والمنزلة تستعار للمحال الشرفية، وذاك أن الشرف المعقول يمثل بالمحسوس على
وجهين، أحدهما يعتبر على طريق العلو والسفل، فتستعمل فيه الدرجة، والمرقاه، والصعود، والانحدار، والثاني على طريق التقدم والتأخر، فيستعمل فيه السبق والتخلف والمطلقات ضربان: مدخول بها، وغير مدخول بها ولا عدة عليها لقوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا، والمدخول بها عليها العدة،

صفحة رقم 467

وهي على ثلاثة أضرب:
الحوامل: وعدتهن أن يضعن حملهن، واليائسات، واللائي لم يحضن، وعدتهن ثلاثة أشهر، وذوات الحيض: وعدتهن ثلاثة أقرؤ، وهذا الحكم إذا كانت امرأة حرة فأما إذا كانت أمة فقرآن، وفي الشهور على النصف من الحرة...
إن قيل: كيف استعير لفمظ الخبر للأمر في قوله: يَتَرَبَّصْنَ؟ قيل: لما كانت العدة تحصل من الرأي بانقضاء الأيام، نوتها أو لم تنوها، أجدت أو لم تجد صار لفظ الخبر أملك له من لفظ الأمر، ويدلك على صحة هذا الاعتبار إتيان جميع العدد بلفظ الخبر وقوله: وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ عنى كتمان ما في أرحامهن من الحيض والحبل، وأنه لا يجوز أن تكون حاملاً، فتقول: ليست بحامل، أو لم تكن حاملاً، فتقول: أنا حامل، ولا أن تدعي الحيض أو تنفيه على ذلك، وذلك عام في كل ذلك، وإن مثل كل واحد من متقدمي المفسرين لشيء من ذلك، ومن قال: لا يجور أن يكون الحيض، لأن الحيض لم يخلق في الرحم، وإنما هو دم يرد إليه من جميع البدن، فعلى هذا قوله: فِي أَرْحَامِهِنَّ لا يكون من صلة خلق، بل يكون من صلة قوله (ولا يكتمن)، أي: لا يكتمن في أرحامهن ما خلق الله فإنه لا شك أن يحصل في الرحم خلق فيه أو لم يخلق، ونهيها عن كتمان ذلك دال على أن قولها مقبول فيما تدعي من حيضها وحملها فيما يتعلق بحقها، فإن تعلق بذلك شي، ليس من حقها، فيجور أن لا يقبل إذا اتهمت، كمن يقول: " عبدي حر " أو " امرأته طالق إن حاضت "، فقالت: " قد حضت، فمتى لم يصدقها لم يعتق عبده ولم يطلق امرأته، وقوله: إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فليس ذلك شرطاً في أنهن إذا لم يكن مؤمنات، يجوز أن يكتمن، وإنما ذلك تنبيه أنه مناف للإيمان، وأنه ليس من فعل المؤمن، كقوله: وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وقوله: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ دال عي بينة مراجعتها ما دامت معتدة، ولم يعن بالرد تجديد نكاح يشارك فيه غيره في الحال، وإنما عنى الرجعة الموجبة لبقاء النكاح بلد انقضاء الحيض التي إذا لم تكن لكان يزول النكاح، وظاهر الآية أن إباحة هذه الرجعة شريطة الإصلاح، لكن لا خلاف أنه

صفحة رقم 468

إذا راجعهما مضاراً بها، فرجعته صحيحة، فدل هدا الإجماع أن ذلك تهديد للمراجع أن لا يقصد الإضرار بها، كقوله: وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا، ثم قال: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ تنبيها أن فاعل ذلك ظالم، وأن الرجعة في الحكم صحيحة، وقيل: تسمية (بعلاً) دلالة أن ما دون الثالثة من الطلاق لا يرفع الزوجية، وأن الرجعة مادامت معتدة وقوله: (والمطلقات) عامة في الرجعية وغير الرجعية، (وبعولتهن) خاص في الرجعية، بدلالة التي تتلوها، وليس قول من قال هذه الآية نسخ منها حكم الحامل، ومن ليست بذات حيض بشيء فإن ذلك تخصيص لا نسخ، وإن كان قد سماه بعض القدماء نسخاً وقوله: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ يتبين أن لكل واحد على الآخر حقاً كحق الآخر، فمما تشاركا فيه مراعاتهما للمعنى الذي شرع لأجله النكاح وهو طلب النسل، وتربية الولد، ومعاشرة كل واحد منهما للآخر بالمعروف وحفظ المنزل، وتدبير ما فيه وسياسة ما تحت أيديهما، حماية كل واحد على الآخر بقدر جهده وحده، وقوله: وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ هو من وجه تنبيه لفضل الرجل على المرأة بالجملة، ومن وجه كالاستثناء بأن له عليها حقا، ليس لها عليه، أما فضله عليها، فقد نبه عليه بقوله: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى ودل عليه النبي- عليه السلام بقوله: " إنكن ناقصات الدين والعقول " فقيل: وما نقصان دينهن، فقال: إن إحداهن تقعد

صفحة رقم 469

نصف دهرها لا تصلي، ونقصان عقلهن أن شهادتها على النصف من شهادة الرجل، وقيل: من نقصها أن شر ما في الرجال الجبن والبخل، وهما خير ما في النساء، ولكونهن ناقصات عظم الله نسبة البنات إليه أكثر كما تعظيمه نسبة الابن، وإلا كانا منكرين، فقال تعالى: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى، وقال: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ، وقال: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ}، وقال: أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ، وعظم تعالي نسبة الملائكة إلى الأنوثة، فقال: وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا.
ولكن الأنوثية نقص جعل القوه الانفعالية أنثى، والقوة الفاعلة ذكر حتى شبهوا السماء بالفحل والأرض باللقوحة، وقالوا حديد ذكر، وحديد أنثى، وقال تعالى: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا، أي أصناماً مفعولة غير فاعله، وأما فضل حقوقه عليها، فقيل: عشرة أشياء جعل الطلاق إليه من دونها، وإباحة ضربها عند النشوز، أو هجران فراشها، ووجوب إجابتها إياه دعاها إلى الفراش، والائتمار له إذا نهاها عن الخروج، وأن ميراثه منها أكثر من ميراثها منه، وأنه إذا قذفها فله إسقاط الحد باللعان، وليس لها ذلك وأن له أن يجمع بينها وبين غيرها، وليس لها أن تجمع بينه وبين غيرة، وليس لها أن تصوم تطوعاً ولا أن تحج فرضاً إلا بإذنه، وله ذلك من دون إذنها.
وإلى وهذه الجملة أشار بقوله: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ونبه بقوله: وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ أنه يحكم بكل ما يشاء، فلا يغالب لعزة، ويتقن كل ما يفعله فيصيب بحكمته، وفيه وعد وإبعاد على مجازاتهما فيما يتحريانه من صلاح وفساد..

صفحة رقم 470

تفسير الراغب الأصفهاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى

تحقيق

هند بنت محمد سردار

الناشر كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
سنة النشر 1422
عدد الأجزاء 2
التصنيف التفسير
اللغة العربية