٩٣- قال القتبي في قول الله –عز وجل- : ثلاثة قروء ، هي الحيض وهي الأطهار أيضا، واحدها قرء، وتجمع أقراء.
قال(١) : وإنا جعل الحيض قرءا، والطهر قرءا ؛ لأن أصل القرء في كلام العرب الوقت، يقال : رجع فلان لقروئه، ولقارئه، أي لوقته.
قال أبو عمر : فهذا أصل القرء في اللغة، وأما معناه في الشريعة، فاختلف العلماء في مراد الله –عز وجل- من قوله : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ، فقال منهم قائلون(٢) : الأقراء : الحيض ههنا، واستدلوا بأشياء كثيرة، منها قول الله –عز وجل- : ثلاثة قروء ، قالوا : والمطلق في الطهر إذا مضى بعضه واعتدت به امرأته، فلم تعتد، ولم تتربص ثلاثة قروء ؛ وإنما تربصت قرءين وبعض الثالث إذا كانت الأقراء الأطهار، قالوا : والله –عز وجل- يقول : ثلاثة قروء ، فلابد أن تكون كاملة. ( ت : ١٥/٨٨- ٤٩ ).
٩٤- وممن ذهب إلى هذا : سفيان الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة وأصحابه وسائر الكوفيين، وأكثر العراقيين، وهو الذي استقر عليه أحمد بن حنبل- فيما ذكر الخرقي(٣) عنه، خلاف ما حكى الأثرم عنه. ( ت : ١٥/٩٠ ).
٩٥- وقال آخرون : الأقراء التي عنى الله –عز وجل- وأرادها بقوله في المطلقات : يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ، هي الأطهار، ما بين الحيضة والحيضة قرء، قالوا : وهو المعروف من لسان العرب على ما ذكرنا من أهل العلم باللغة في هذا الباب ؛ قالوا : وإنما هو جمع الرحم الدم، لا طهوره، ومنه قرأت الماء في الحوض – أي جمعته، وقرأت القرآن- أي ضممت بعضه إلى بعض بلسانك ؛ قالوا : والدليل على أن الأطهار هي الأقراء التي أمر الله المطلقة أن تتربصها، أمر رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بالطلاق في الطهر لمن شاء أن يطلق. وقوله في العدة التي أمر الله –عز وجل- أن يطلق لها النساء(٤). فبين مراد الله –عز وجل- من قوله : فطلقوهن لعدتهن (٥) أو لقبل عدتهن، وهو المبين عن الله مراده – صلى الله عليه وسلم. ( ت : ١٥/٩١-٩٢. وانظر س : ١٨/٢٧- ٢٩ ).
٩٦- وممن ذهب إلى أن الأقراء : الأطهار، مالك، والشافعي، وداود بن علي، وأصحابهم وهو قول عائشة، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر. ( ت : ١٥/٩٢ ).
٢ - سيأتي ذكره للبعض منهم في النص الموالي..
٣ - هو عمر بن الحسين بن عبد الله بن أحمد أبو القاسم الخرقي. قرأ العلم على من قرأه على أبي بكر المروذي، وحرب الكرماني، وصالح، وعبد الله: ابني الإمام أحمد... وقرأ عليه جماعة من الشيوخ من داخل المذهب الحنبلي، منهم: أبو عبد الله ابن بطة، والحسين التميمي، وأبو الحسين ابن شمعون وغيرهم. توفي سنة ٣٣٤هـ انظر طبقات الحنابلة: ٢/٧٥- ١١٨. وسير أعلام النبلاء: ١٥/٣٦٣- ٣٦٤..
٤ - أخرج الإمام مالك عن نافع، أن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض، على عهد رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فسأل عمر بن الخطاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عن ذلك فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- :(مره فليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء). الموطأ، كتاب الطلاق، باب ما جاء في الأقراء وعدة الطلاق وطلاق الحائض: ٣٦٨..
٥ - سورة الطلاق: ١..
جهود ابن عبد البر في التفسير
أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي