كما أنه لم يختم الآية التي ذكر فيها الفيء إلى طاعته = في مراجعة المولي زوجته التي آلى منها، وأداء حقها إليها = بذكر الخبر عن أنه"شديد العقاب"، إذْ لم يكن موضعَ وعيد على معصية، ولكنه ختم ذلك بذكر الخبر عن وصفه نفسه تعالى ذكره بأنه"غفور رحيم"، إذْ كان موضعَ وَعد المنيب على إنابته إلى طاعته، فكذلك ختم الآية التي فيها ذكر القول، والكلام بصفة نفسه بأنه للكلام"سميع" وبالفعل"عليم"، فقال تعالى ذكره: وإن عزم المؤلون على نسائهم على طلاق من آلوا منه من نسائهم="فإن الله سميع" لطلاقهم إيّاهن إن طلقوهن="عليم" بما أتوا إليهنّ، مما يحل لهم، ويحرُم عليهم. (١).
وقد استقصينا البيان عن الدلالة على صحة هذا القول في كتابنا (كتاب اللطيف من البيان عن أحكام شرائع الدين)، فكرهنا إعادته في هذا الموضع.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره:"والمطلقات" اللواتي طُلِّقن بعد ابتناء أزواجهن بهنّ، وإفضائهم إليهن، إذا كن ذوات حيض وطهر-"يتربصن بأنفسهن" عن نكاح الأزواج ="ثلاثةَ قُرُوْءٍ".
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل"القرء" الذي عناه الله بقوله:" يتربَّصن بأنفسهن ثلاثة قروء"
فقال بعضهم: هو الحيض.
* ذكر من قال ذلك:
٤٦٦٦ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:" والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء" قال: حِيَضٍ. (١)
٤٦٦٧ - حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:" ثلاثة قروء" أي ثلاث حِيَض. يقول: تعتدّ ثلاث حِيَض.
٤٦٦٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج قال، حدثنا همام بن يحيى قال، سمعت قتادة في قوله:" والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء" يقول: حمل عدة المطلقات ثلاث حيض، ثم نُسخ منها المطلقة التي طُلِّقت قبل أن يدخل بها زوجها، واللائي يَئِسْن من المحيض، واللائي لم يحضن، والحامل.
٤٦٦٩ - حدثنا علي بن عبد الأعلى قال، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك قال، القروءُ الحِيَض. (٢)
٤٦٧٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين، قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس:" والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء" قال: ثلاث حيض.
٤٦٧١ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا ابن جريج قال، قال عمرو بن دينار: الأقراءُ الحيَض عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
(٢) الأثر: ٤٦٦٩- في المطبوعة والمخطوطة: "علي بن عبد الأعلى" وانظر ما سلف رقم: ٤٤٨٥، وأخشى أن يكون الصواب"محمد بن عبد الأعلى" وقد سلف مرارًا.
٤٦٧٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن رجل سمع عكرمة قال: الأقراءُ الحِيَض، وليس بالطهر، قال تعالى:" فطلِّقوهن لعدتهن"، ولم يقل:"لقروئهن".
٤٦٧٣ - حدثنا يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله:" والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء" قالا ثلاث حيض.
٤٦٧٤ - حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:" والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء" أما ثلاثة قروء: فثلاث حيض.
٤٦٧٥ - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن أبي معشر، عن إبراهيم النخعي: أنه رُفِع إلى عمر، فقال لعبد الله بن مسعود: لتقولنَّ فيها. فقال: أنت أحق أن تقول! قال: لتقولن. قال: أقول: إن زوجها أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة. قال، ذاك رأيي وافقتَ ما في نفسي! فقضى بذلك عُمر. (١)
٤٦٧٦- حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن أبي معشر، عن النخعي، عن قتادة، أن عمر بن الخطاب قال لابن مسعود، فذكر نحوه.
٤٦٧٧ - حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن أبي معشر، عن النخعي، أن عمر بن الخطاب وابن مسعود قالا زُوجُها أحق بها ما لم تغتسل= أو قالا تحلَّ لها الصلاة. (٢)
٤٦٧٨ - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا
(٢) يعني: ما لم تحل لها الصلاة.
سعيد بن أبي عروبة= قال، حدثنا مطر، أن الحسن حدثهم: أن رجلا طلق امرأته، ووكَّل بذلك رجلا من أهله= أو إنسانًا من أهله= فغفل ذلك الذي وكله بذلك حتى دخلت امرأته في الحيضة الثالثة، وقرَّبت ماءها لتغتسل، فانطلق الذي وُكِّل بذلك إلى الزوج، فأقبل الزوج وهي تريد الغُسل، فقال: يا فلانة، قالت: ما تشاء؟ قال: إني قد راجعتك! قالت: والله ما لك ذلك! قال: بلى والله! قال: فارتفعا إلى أبي موسى الأشعري، فأخذ يمينها بالله الذي لا إله إلا هو: إن كنت لقد اغتسلت حين ناداك. قالت: لا والله، ما كنت فعلت، ولقد قربت مائي لأغتسل. فردها على زوجها، وقال: أنتَ أحقُّ بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة.
٤٦٧٩- حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن مطر، عن الحسن، عن أبي موسى الأشعري بنحوه.
٤٦٨٠ - حدثنا عمران بن موسى قال، حدثنا عبد الوارث قال، حدثنا يونس، عن الحسن قال، قال عمر: هو أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة.
٤٦٨١ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو الوليد قال، حدثنا أبو هلال، عن قتادة، عن يونس بن جبير: أن عمر بن الخطاب طلق امرأته، فأرادت أن تغتسل من الحيضة الثالثة، فقال عمر بن الخطاب: امرأتي ورب الكعبة! فراجعها= قال ابن بشار: فذكرت هذا الحديث لعبد الرحمن بن مهدي، فقال: سمعتُ هذا الحديث من أبي هلال، عن قتاده، وأبو هلال لا يحتمل هذا. (١)
٤٦٨٢ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان،
عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة قال: كنا عند عمر بن الخطاب، فجاءت امرأة فقالت: إن زوجي طلقني واحدة أو ثنتين، فجاء وقد وضعت مائي، وأغلقت بابي، ونزعت ثيابي. فقال عمر لعبد الله: ما ترى؟ قال: أراها امرأته ما دون أن تحل لها الصلاة. قال عمر: وأنا أرى ذلك. (١)
٤٦٨٣ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود: أنه قال- في رجل طلق امرأته ثم تركها حتى دخلت في الحيضة الثالثة، فأرادت أن تغتسل، ووضعت ماءها لتغتسل، فراجعها-: فأجازه عمر وعبد الله بن مسعود.
٤٦٨٤- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، بمثله= إلا أنه قال: ووضعت الماء للغسل، فراجعها، فسأل عبد الله وعمر، فقال: هو أحق بها ما لم تغتسل.
٤٦٨٥ - حدثني أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: كان عمر وعبد الله يقولان: إذا طلق الرجل امرأته تطليقة يملك الرجعة، فهو أحق بها ما لم تغتسل من حيضتها الثالثة.
٤٦٨٦ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا المغيرة، عن إبراهيم أن عمر بن الخطاب كان يقول: إذا طلق الرجل امرأته تطليقة أو تطليقتين، فهو أحق برجعتها، وبينهما الميراث ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة.
٤٦٨٧ - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن الحسن: أن رجلا طلق امرأته تطليقة أو تطليقتين ثم وكلَّ بها بعض أهله، فغفل الإنسان حتى دخلت مغتسلها، وقرَّبت غسلها. فأتاه فآذنه، فجاء فقال: إني قد راجعتك! فقالت: كلا والله! قال: بلى والله! قالت: كلا والله! قال: بلى
والله! قال: فتخالفا، فارتفعا إلى الأشعريّ، واستحلفها بالله لقد كنتِ اغتسلت وحلَّت لك الصلاة. فأبت أن تحلف، فردَّها عليه. (١)
٤٦٨٨ - حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، حدثنا سعيد، عن أبي معشر، عن النخعي، أنّ عمر استشار ابن مسعود في الذي طلق امرأته تطليقة أو ثنتين، فحاضت الحيضة الثالثة، فقال ابن مسعود: أراه أحق بها ما لم تغتسل، فقال عمر: وافقت الذي في نفسي. فردّها على زوجها.
٤٦٨٩ - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا النعمان بن راشد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: أن عليا كان يقول: هو أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة. (٢)
٤٦٩٠ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار قال، سمعت سعيد بن جبير يقول: إذا انقطع الدم فلا رجعة.
٤٦٩١ - حدثنا أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم قال، إذا طلق الرجل امرأته وهي طاهر اعتدت ثلاث حيض سوى الحيضة التي طهُرت منها.
٤٦٩٢- حدثني محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن مطر، عن عمرو بن شعيب، أن عمر سأل أبا موسى عنها- وكان بلغه قضاؤه فيها- فقال أبو موسى: قضيتُ أن زوجها أحقُّ بها ما لم تغتسل.
فقال عمر: لو قضيت غير هذا لأوجعت لك رأسك.
٤٦٩٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: أن علي بن أبي طالب قال - في
(٢) الأثر: ٤٦٨٩٠-"النعمان بن راشد الجزري" روى عن الزهري قال أحمد: مضطرب الحديث روى أحاديث مناكير. وقال ابن معين: ضعيف مضطرب الحديث، وقال مرة: ثقة وقال البخاري وأبو حاتم: في حديثه وهم كثير وهو في الأصل صدوق.
الرجل يتزوَّج المرأة فيطلقها تطليقة أو ثنتين- قال، لزوجها الرجعة عليها، حتى تغتسل من الحيضة الثالثة وتحلَّ لها الصلاة.
٤٦٩٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن زيد بن رفيع، عن أبي عبيدة بن عبد الله قال، أرسل عثمان إلى أبي يسأله عنها، فقال أبي: وكيف يفتى منافق؟ فقال عثمان: أعيذُك بالله أن تكون منافقًا، ونعوذ بالله أن نسمِّيك منافقًا، ونعيذك بالله أن يَكون مثلُ هذا كان في الإسلام، ثم تموت ولم تبيِّنه! قال: فإني أرى أنه أحق بها حتى تغتسل من الحيضة الثالثة وتحلَّ لها الصلاة. قال: فلا أعلم عثمان إلا أخذ بذلك. (١)
٤٦٩٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة= قال، وأخبرنا معمر، عن قتادة= قالا راجع رجل امرأته حين وضعت ثيابها تريدُ الاغتسال فقال: قد راجعتك. فقالت: كلا! فاغتسلت. ثم خاصمها إلى الأشعري، فردَّها عليه.
٤٦٩٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن زيد بن رفيع، عن معبد الجهني قال، إذا غسلت المطلقة فرجها من الحيضة الثالثة بانت منه وحلَّت للأزواج. (٢)
وهذا الأث رواه البيهقي في السنن الكبرى ٧: ٤١٧ مختصرًا وفيه خطأ في ضبط لفظ"أبي" وضعت على الياء شدة، وهو خطأ.
(٢) الأثر: ٤٦٩٦-"معبد الجهني" يقال: "معبد بن عبد الله بن عكيم" ويقال: "معبد بن عبد الله بن عويم" ويقال: "معبد بن خالد" وهو من التابعين روى عنه الحسن وقتادة وزيد بن رفيع ومالك بن دينار وعوف الأعرابي. كان رأسا في القدر، قدم المدينة فأفسد بها ناسًا.
حديثه صالح، ومذهبه رديء. وكان الحسن يقول: إياكم ومعبد فإنه ضال مضل- يعني كلامه في القدر. وقال ابن معين ثقة. وقال أبو حاتم: كان صدوقًا في الحديث. مترجم في التهذيب.
٤٦٩٧- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن حماد، عن إبراهيم: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: يحلّ لزوجها الرجعةُ عليها حتى تغتسل من الحيضة الثالثة، ويحلّ لها الصوم.
٤٦٩٨- حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى، قالا حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: هو أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة.
٤٦٩٩- حدثنا محمد بن يحيى. قال: حدثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن دُرُسْت، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن علي، مثله. (١)
* * *
وقال آخرون: بل"القرء" الذي أمر الله تعالى ذكره المطلقات أن يعتددن به: الطهر.
* ذكره من قال ذلك:
٤٧٠٠ - حدثنا عبد الحميد بن بيان قال، أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة. قالت: الأقراء الأطهار.
٤٧٠١- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني عبد الله بن عمر، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه. عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها كانت تقول: الأقراء الأطهار.
٤٧٠٢ - حدثنا الحسن قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عمرة وعروة، عن عائشة قالت: إذا دخلت المطلقة في الحيضة الثالثة فقد بانت من زوجها وحلت للأزواج= قال الزهري: قالت عمرة: كانت عائشة تقول: القرء: الطُّهر، وليس بالحيضة.
٤٧٠٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، مثل قول زيد وعائشة.
٤٧٠٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن أيوب عن نافع، عن ابن عمر، مثل قول زيد.
٤٧٠٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار أن زيد بن ثابت قال: إذا دخلت المطلَّقة في الحيضة الثالثة فقد بانت من زوجها وحلَّت للأزواج= قال معمر: وكان الزهري يفتي بقول زيد.
٤٧٠٦- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، سمعت يحيى بن سعيد يقول: بلغني أن عائشة قالت: إنما الأقراء: الأطهار.
٤٧٠٧- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن زيد بن ثابت قال، إذا دخلت في الحيضة الثالثة فلا رجعة له عليها.
٤٧٠٨ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي وعبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن ابن المسيب: في رجل طلق امرأته واحدة أو ثنتين قال- قال زيد بن ثابت: إذا دخلت في الحيضة الثالثة فلا رجعة له عليها = وزاد ابن أبي عدي قال: قال علي بن أبي طالب: هو أحق بها ما لم تغتسل.
٤٧٠٩- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد،
عن قتادة، عن ابن المسيب، عن زيد وعلي، بمثله.
٤٧١٠- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن سليمان بن يسار عن زيد بن ثابت قال، إذا دخلت في الحيضة الثالثة فلا ميراثَ لها.
٤٧١١ - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية = وحدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب= قالا جميعً، حدثنا أيوب، عن نافع، عن سليمان بن يسار: أن الأحوص -رجل من أشراف أهل الشام- طلق امرأته تطليقة أو ثنتين، فمات وهي في الحيضة الثالثة، فرُفعت إلى معاوية، فلم يوجد عنده فيها علم. فسأل عنها فضالة بن عبيد ومَنْ هناك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يوجد عندهم فيها علم، فبعث معاوية راكبًا إلى زيد بن ثابت، فقال: لا ترثه، ولو ماتت لم يرثها. فكان ابن عمر يرى ذلك. (١)
٤٧١٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن سليمان بن يسار أن رجلا يقال له الأحوص من أهل الشام طلق امرأته تطليقة، فمات وقد دخلت في الحيضة الثالثة، فرفع إلى معاوية، فلم يدر ما يقول، فكتب فيها إلى زيد بن ثابت، فكتب إليه زيد:"إذا دخلت المطلقة في الحيضة الثالثة فلا ميراث بينهما".
٤٧١٣ - حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد،
عن أيوب، عن نافع، عن سليمان بن يسار، أن رجلا يقال له الأحوص، فذكر نحوه عن معاوية وزيد.
٤٧١٤- حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن أيوب، عن نافع قال، قال ابن عمر: إذا دخلت في الحيضة الثالثة فلا رجعة له عليها.
٤٧١٥- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال في المطلقة: إذا دخلت في الحيضة الثالثة فقد بانت.
٤٧١٦ - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني عمر بن محمد، أن نافعًا أخبره، عن عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت أنهما كانا يقولان: إذا دخلت المرأة في الدم من الحيضة الثالثة، فإنها لا ترثه ولا يرثها، وقد برئت منه وبرئ منها. (١)
٤٧١٧- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، بلغني، عن زيد بن ثابت قال: إذا طلقت المرأة، فدخلت في الحيضة الثالثة أنه ليس بينهما ميراث ولا رجعة.
٤٧١٨ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، سمعت يحيى بن سعيد، يقول: سمعت سالم بن عبد الله يقول مثل قول زيد بن ثابت.
٤٧١٩ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، وسمعت يحيى يقول: بلغني عن أبان بن عثمان أنه كان يقول ذلك.
٤٧٢٠- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا عبيد الله، عن زيد بن ثابت، مثل ذلك. (١)
٤٧٢١- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا وهب بن جرير قال، حدثنا شعبة، عن عبد ربه بن سعيد، عن نافع: أن معاوية بعث إلى زيد بن ثابت، فكتب إليه زيد:"إذا دخلت في الحيضة الثالثة فقد بانت"، وكان ابن عمر يقوله.
٤٧٢٢ - حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سليمان وزيد بن ثابت أنهما قالا إذا حاضت الحيضة الثالثة فلا رجعة، ولا ميراث.
٤٧٢٣- حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا هشام بن حسان، عن قيس بن سعد، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن زيد بن ثابت قال، إذا طلق الرجل امرأته، فرأت الدم في الحيضة الثالثة، فقد انقضت عدتها.
٤٧٢٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة عن موسى بن شداد، عن عمر بن ثابت الأنصاري قال، كان زيد بن ثابت يقول: إذا حاضت المطلقة الثالثة قبل أن يراجعها زوجها فلا يملك رَجعتها. (٢)
٤٧٢٥ - حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن دُرُسْت، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، أن عائشة وزيد بن ثابت قالا
(٢) الأثر: ٤٧٢٤-"موسى بن شداد" ترجمه البخاري في الكبير ٤١/٢٨٦ وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٤/١/١٤٦ وقال: "روى عن عمرو بن ثابت. روى عنه مغيرة بن مقسم الضبي+ سمعت أبي يقول ذلك". ولم يزد البخاري شيئًا. وأما"عمر بن ثابت الأنصاري" فهو مترجم في التهذيب روى عن أبي أيوب الأنصاري وبعض الصحابة. والظاهر أن ما في الطبري هو الصواب وأن ما جاء في التاريخ الكبير والجرح والتعديل"عمرو بن ثابت" فهو خطأ فلم أجد"عمرو بن ثابت" أنصاريًا ومن هذه الطبقة.
إذا دخلت في الحيضة الثالثة فلا رجعة له عليها. (١)
* * *
قال أبو جعفر:"والقروء" في كلام العرب: جمع"قُرْء"، (٢) وقد تجمعه العرب"أقراء" يقال في"فعل" منه:"أقرأت المرأة"- إذا صارت ذات حيض وطُهر-" فهي تقرئ إقراء". وأصل"القُرء" في كلام العرب: الوقتُ لمجيء الشيء المعتاد مجيئه لوقت معلوم، ولإدبار الشيء المعتاد إدبارُه لوقت معلوم. ولذلك قالت العرب:"قرأت حاجةُ فلان عندي"، بمعنى: دنا قضاؤها، وحَان وقت قضائها (٣) "واقرأ النجم" إذا جاء وقت أفوله،"وأقرأ" إذا جاء وقت طلوعه، كما قال الشاعر:
| إذَا مَا الثُّرَيَّا وَقَدْ أقْرَأَتْ | أَحَسَّ السِّمَا كَانِ مِنْها أُفُولا (٤) |
| شَنِئْتُ العَقْرَ عَقْرَ بَنِي شُلَيْلٍ | إِذَا هَبَّتْ لِقَارِئِهَا الرِّيَاحُ (٦) |
(٢) في المطبوعة: "والقرء في كلام العرب جمعه قروء" وأثبت ما في المخطوطة.
(٣) في المطبوعة: "وجاء وقت قضائها" والذي أثبته ما في المخطوطة.
(٤) لم أجد هذا البيت وهو متعلق ببيت بعده فيما أرجح فتركت شرحه حتى أعثر على تمام معناه.
(٥) هو مالك بن الحارث أحد بني كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل.
(٦) ديوان الهذليين ٣: ٨٣ وشيء الشيء يشنأه شناءة: كرهه. والعقر: اسم مكان و"خليل" الذي نسب إليه هو جد جرير بن عبد الله البجلي.
٤٧٢٦ - ولذلك قال ﷺ لفاطمة بنت أبي حُبّيْش: دعي الصلاة أيام أقرائك. (١)
بمعنى: دعي الصلاة أيام إقبال حيضك.
وسمى آخرون من العرب وقت مجيء الطهر"قُرءًا"، إذْ كان وقت مجيئه وقتًا لإدبار الدم دم الحيض، وإقبال الطهر المعتاد مجيئُه لوقت معلوم. فقال في ذلك الأعشى ميمون بن قيس:
وَفيِ كُلِّ عَامٍ أَنْتَ جَاشِمُ غَزْوَةٍ... تَشُدُّ لأقْصَاهَا عَزِيمَ عَزَائِكَا (٢) مُوَرِّثَةٍ مَالا وَفِي الذِّكْرِ رِفْعةً... لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءٍ نِسَائِكَا (٣)
فجعل"القُرء": وقت الطهر.
* * *
قال أبو جعفر: ولما وصفنا من معنى:"القُرء" أشكل تأويل قول الله:" والمطلقات يتربَّصن بأنفسهن ثلاثة قروء" على أهل التأويل.
وانظر البخاري (فتح الباري ١: ٣٤٨- وما بعده من أبواب الحيض) ومسلم ٤: ١٦- ٢١ وفاطمة بنت أبي حبيش بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية.
(٢) ديوانه: ٦٧، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٧٤ وغيرهما كثير. يمدح هوذة بن على الحنفي، وقد ذكر فيها من فضائل هوذة ومآثره ما ذكر. جشم الأمر يجشمه جثما وجشامة: تكلفه على جهد ومشقة وركب أجسمه والعزيم والعزيمة والعزم: الجد وعقد القلب على أمر أنك فاعله. والعزاء: حسن الصبر عن فقد ما يفقد الإنسان. يقول لهوذة: كم من لذة طيبة صبرت النفس عنها في سبيل تشييد ملكك بالغزو المتصل عامًا بعد عام.
(٣) قوله: "مورثة" صفة لقوله: "غزوة" يقول: تعزيت عن كل متاع فهجرت نساءك في وقت طهرهن فلم تقربهن، وآثرت عليهن الغزو، فكانت غزواتك غني في المال، ورفعة في الذكر، وبعدًا في الصيت.
فرأى بعضهم أن الذي أمِرت به المرأة المطلقة ذات الأقراء من الأقراء، أقراء الحيض، وذلك وقت مجيئه لعادته التي تجيء فيه- فأوجب عليها تربُّص ثلاث حيَض بنفسها عن خطبة الأزواج.
* * *
ورأى آخرون: أنّ الذي أمرت به من ذلك، إنما هو أقراءُ الطهر- وذلك وقت مجيئه لعادته التي تجيء فيه- فأوجب عليها تربُّص ثلاث أطهار.
* * *
فإذْ كان معنى"القُرء" ما وصفنا لما بيَّنا، وكان الله تعالى ذكره قد أمرَ المريدَ طلاقَ امرأته أن لا يطلقها إلا طاهرًا غير مُجامعة، وحرَّم عليه طلاقها حائضًا= كان اللازمُ المطلقةَ المدخولَ بها إذا كانت ذات أقراء (١) تربُّص أوقات محدودة المبلغ بنفسها عقيب طلاق زوجها إياها، أن تنظرَ إلى ثلاثة قروء بين طهريْ كل قرءٍ منهنّ قرءٌ، هو خلاف ما احتسبته لنفسها قروءًا تتربصهن. (٢) فإذا انقضين، فقد حلت للأزواج، وانقضت عدّتها، وذلك أنها إذا فعلت ذلك، فقد دخلت في عداد من تربَّصُ من المطلقات بنفسها ثلاثةَ قروء، بين طُهريْ كل قرءٍ منهن قرءٌ له مخالفٌ. وإذا فعلت ذلك، كانت مؤدية ما ألزمها ربها تعالى ذكره بظاهر تنزيله.
فقد تبيَّن إذًا -إذ كان الأمر على ما وصفنا- أنّ القرءَ الثالثَ من أقرائها على ما بينا، الطهرُ الثالث= وأنّ بانقضائه ومجيء قرء الحيض الذي يتلوه، انقضاءُ عدّتها.
* * *
(٢) في المخطوطة والمطبوعة: "وهو خلاف... " والصواب إسقاط"واو" العطف يعني: أن هذا القرء الذي بين الطهرين خلاف ما احتسبته لنفسها قروءًا تتربصهن. وذلك لأن لفظ"قرء" مشترك المعنى بين الحيض والطهر. وفي المخطوطة والمطبوعة: "فتربصهن" وهو تصحيف والصواب ما أثبت. وسيأتي هذا المعنى واضحا فما يلي من عبارته.
فإن ظن ذو غباء (١) أنَّا إذْ كنا قد نسمِّي وقت مجيء الطهر"قُرءًا"، ووقت مجيء الحيض"قرءًا"، أنه يلزمنا أن نجعل عدة المرأة منقضية بانقضاء الطهر الثاني، إذ كان الطهرُ الذي طلقها فيه، والحيضة التي بعده، والطهر الذي يتلوها،"أقراءً" كلها (٢) فقد ظن جهلا.
وذلك أن الحكم عندنا- في كل ما أنزله الله في كتابه- على ما احتمله ظاهرُ التنزيل، ما لم يبيّن الله تعالى ذكره لعباده، أنّ مراده منه الخصوص، إما بتنزيل في كتابه، أو على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا خصّ منه البعض، كان الذي خصَّ من ذلك غيرَ داخل في الجملة التي أوجب الحكم بها، وكان سائرها على عمومها، كما قد بيَّنا في كتابنا: (كتاب لطيف القول من البيان عن أصول الأحكام) وغيره من كتبنا.
فـ "الأقراء" التي هي أقراءُ الحيض بين طُهريْ أقراء الطهر، غير محتسبة من أقراء المتربِّصة بنفسها بعد الطلاق، لإجماع الجميع من أهل الإسلام: أن"الأقراء" التي أوجبَ الله عليها تربَّصُهن، ثلاثة قروء، بين كل قرء منهن أوقات مخالفاتُ المعنى لأقرائها التي تربَّصُهن، وإذْ كن مستحقات عندنا اسم"أقراء"، فإن ذلك من إجماع الجميع لم يُجِزْ لها التربّص إلا على ما وصفنا قبل.
* * *
قال أبو جعفر: وفي هذه الآية دليل واضح على خطأ قول من قال:"إن امرأة المُولي التي آلى منها، تحل للأزواج بانقضاء الأشهر الأربعة، إذا كانت قد حاضت ثلاث حيضٍ في الأشهر الأربعة". لأن الله تعالى ذكره إنما أوجبَ عليها العدّة بعد عزم المُولي على طلاقها، وإيقاع الطلاق بها بقوله:" وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم والمطلقات يتربَّصن بأنفسهن ثلاثة قروء"، فأوجب تعالى
(٢) يعني: أن طهر التطليق قرء، والحيضة قرء، والطهر الثاني قرء، فهي ثلاثة قروء تتربصها المطلقة.
ذكره على المرأة إذا صارت مطلقة- تربُّص ثَلاثة قروء فمعلوم أنها لم تكن مطلقة يوم آلى منها زوجها، لإجماع الجميع على أنّ الإيلاء ليس بطلاق موجب على المولى منها العِدّة.
وإذ كان ذلك كذلك، فالعدة إنما تلزمها بعد الطلاق، والطلاق إنما يلحقها بما قد بيناه قبل.
* * *
قال أبو جعفر: وأما معنى قوله:" والمطلقات" فإنه: والمخلَّياتُ السبيل، غير ممنوعات بأزواج ولا مخطوبات، وقول القائل:"فلانة مطلقه" إنما هو"مفعَّلة" من قول القائل:"طلَّق الرجل زوجته فهي مطلَّقة". وأما قولهم:"هي طالق"، فمن قولهم:"طلَّقها زوجها فطّلُقت هي، وهي تطلُق طلاقًا، وهي طالق". وقد حكي عن بعض أحياء العرب أنها تقول:"طَلَقت المرأة". (١) وإنما قيل ذلك لها، إذا خلاها زوجها، كما يقال للنعجة المهملة بغير راع ولا كالئ، إذا خرجت وحدها من أهلها للرعي مُخلاةً سبيلها:"هي طالق"، فمثلت المرأة المخلاة سبيلها بها، وسُميت بما سُميت به النعجة التي وصفنا أمرها. وأما قولهم:"طُلِقت المرأة"، فمعنى غير هذا، إنما يقال في هذا إذا نُفِست. (٢) هذا من"الطَّلْق"، والأول من"الطلاق".
* * *
وقد بينا أن"التربُّص" إنما هو التوقف عن النكاح، وحبسُ النفس عنه في غير هذا الموضع. (٣)
* * *
(٢) نفست المرأة (بضم فكسر) ونفست (بفتح فكسر) : ولدت فهي نفساء. والطلق: طلق المخاض عند الولادة وهو الوجع والفعل منه بالبناء للمجهول بضم الطاء وكسر اللام.
(٣) انظر ما سلف في معنى"التربص" من هذا الجزء ٤: ٤٥٦.
القول في تأويل قوله تعالى: وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك:
فقال بعضهم: تأويله:"ولا يحلّ"، لهن يعني للمطلقات="أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن"، من الحيض إذا طُلِّقن، حرّم عليهن أن يكتمن أزواجهن الذين طلَّقوهن، في الطلاق الذي عليهم لهنّ فيه رجعة يبتغين بذلك إبطال حقوقهم من الرجعة عليهن. (١)
* ذكر من قال ذلك:
٤٧٢٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث، عن يونس، عن ابن شهاب قال، قال الله تعالى ذكره:" والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء" إلى قوله:" وللرجال عليهنّ درجة والله عزيز حكيم" قال: بلغنا أنّ"ما خلق في أرحامهن" الحمل، وبلغنا أن الحيضة، فلا يحل لهنّ أن يكتمن ذلك، لتنقضي العدة ولا يملك الرجعة إذا كانت له
٤٧٢٨ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم:" ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن" قال: الحيض
٤٧٢٩ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم:" ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن" قال: أكبرُ ذلك الحيض. (٢)
(٢) الأثر: ٤٧٢٩- في الدر المنثور ١: ٢٧٦ بنصه هنا ثم قال: "وفي لفظ: أكثر ما عنى به الحيض" وسيأتي كذلك برقم: ٤٧٣٣، ولكن المخطوطة تخالفهن جميعًا ففيها، "إذا كثر ذلك الحيض" وكلها قريب في معناه بعضه من بعض.
٤٧٣٠ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت مطرّفًا، عن الحكم قال، قال إبراهيم في قوله:" ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهنّ" قال: الحيض
٤٧٣١ - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا خالد الحذاء، عن عكرمة في قوله:" ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن" قال: الحيض= ثم قال خالد: الدم.
* * *
وقال آخرون: هو الحيض، غير أن الذي حرّم الله تعالى ذكره عليها كتمانَه فيما خلق في رحمها من ذلك، هو أن تقول لزوجها المطلِّق وقد أراد رجعتها قبل الحيضة الثالثة:" قد حضتُ الحيضةَ الثالثة" كاذبةً لتبطل حقه بقيلها الباطلَ في ذلك.
* ذكر من قال ذلك:
٤٧٣٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عبيدة بن معتِّب، عن إبراهيم في قوله:" ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن" قال: الحيض، المرأةُ تعتد قُرْأين، ثم يريد زوجها أن يراجعها، فتقول: قد حضتُ الثالثة" (١)
٤٧٣٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم:" ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن" قال: أكثر ما عني به الحيض. (٢)
* * *
(٢) الأثر: ٤٧٣٣- انظر التعليق على الأثر السالف رقم: ٤٧٢٩.
وقال آخرون: بل المعنى الذي نُهِيتْ عن كتمانه زوجَها المطلِّقَ: الحبلُ والحيضُ جميعًا.
* ذكر من قال ذلك:
٤٧٣٤ - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا الأشعث، عن نافع، عن ابن عمر:" ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن"، من الحيض والحمل، لا يحل لها إن كانت حائضًا أن تكتُم حيضها، ولا يحل لها إن كانت حاملا أن تكتُم حملها.
٤٧٣٥ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت مطرِّفًا، عن الحكم، عن مجاهد في قوله:" ولا يحل لهنّ أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن"، قال: الحمل والحيض= قال أبو كريب: قال ابن إدريس: هذا أوَّل حديث سمعته من مطرِّف.
٤٧٣٦ - حدثني أبو السائب قال، حدثنا ابن إدريس، عن مطرف، عن الحكم، عن مجاهد، مثله= إلا أنه قال: الحبل.
٤٧٣٧ - حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري قال، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن ليث، عن مجاهد في قوله:" ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن" قال: من الحيض والولد
٤٧٣٨ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:" ولا يحلّ لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن"، قال: من الحيض والولد
٤٧٣٩ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره:" ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن" قال: لا يحلّ للمطلَّقة أن تقول:"إني حائض"،
وليست بحائض= ولا تقول:"إني حبلى" وليست بحبلى= ولا تقول:"لستُ بحبلى"، وهي حُبلى.
٤٧٤٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
٤٧٤١ - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن الحجاج، عن مجاهد قال، الحيض والحبل= قال، تفسيره أن لا تقول:"إني حائض"، وليست بحائض="ولا لست بحائض"، وهي حائض=: ولا" أني حبلى"، وليست بحبلى= ولا"لست بحبلى"، وهي حبلى.
٤٧٤٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن الحجاج، عن القاسم بن نافع، عن مجاهد نحو هذا التفسير في هذه الآية. (١)
٤٧٤٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، مثله= وزاد فيه: قال: وذلك كله في بُغض المرأة زوجها وحبِّه
٤٧٤٤ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:" ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن" يقول: لا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن من الحيض والحبل، لا يحلّ لها أن تقول:"إني قد حضت" ولم تحض= ولا يحلّ أن تقول:"إني لم أحض"، وقد حاضت= ولا يحل لها أن تقول:"إني حبلى" وليست بحبلى= ولا أن تقول:"لست بحبلى"، وهي حبلى
٤٧٤٥ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:" ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن" الآية قال، لا يكتمن الحيض
ولا الولد، ولا يحل لها أن تكتمه وهو لا يعلم متى تحلّ، لئلا يرتجعها- تُضارُّة (١)
٤٧٤٦ - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله:" ولا يحل لهن أن يتكتمن ما خلق الله في أرحامهن" يعني الولد قال: الحيضُ والولدُ هو الذي ائتُمِن عليه النساء.
* * *
وقال آخرون: بل عنى بذلك الحبل.
ثم اختلف قائلو ذلك في السبب الذي من أجله نُهِيتْ عن كتمان ذلك الرجلَ، (٢) فقال بعضهم: نهيت عن ذلك لئلا تبطل حقَّ الزوج من الرجعة، إذا أراد رجعتها قبل وضعها وحملها.
* ذكر من قال ذلك:
٤٧٤٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن قباث بن رزين، عن علي بن رباح أنه حدثه: أن عمر بن الخطاب قال لرجل: اتل هذه الآية فتلا. فقال: إن فلانة ممن يكتمن ما خلق الله في أرحامهنّ = وكانت طُلِّقت وهي حبلى، فكتمت حتى وضعت (٣)
(٢) قوله: "الرجل" منصوب بالمصدر وهو قوله: "كتمان ذلك" مفعول به.
(٣) الأثر: ٤٧٤٧- قباث بن رزين بن حميد بن صالح اللخمي أبو هاشم المصري روى عن عم أبيه سلمة وعلي بن رباح وعكرمة وروى عنه ابن المبارك وابن لهيعة وابن وهب. ذكره ابن حبان في الثقات. وقال أبو حاتم: لا بأس بحديثه. وقد ذكرت له قصة في التهذيب: أن ملك الروم أمره أن يناظر البطريق. فقال للبطرك. كيف أنت؟ وكيف ولدك؟ فقال البطارقة: ما أجهلك! تزعم أن للبطرك ولدًا وقد نزهه الله عن ذلك! قال: فقلت لهم: تنزهون البطرك عن الولد، ولا تنزهون الله تعالى -وهو خالق الخلق أجمعين- عن الولد! قال: فنخر البطرك نخرة عظيمة وقال: أخرج هذا هذه الساعة عن بلدك لئلا يفسد عليك دينك، فأطلقه. قال ابن حجر"وقد وقع شبيه هذه القصة للقاضي أبي بكر الباقلاني: لما توجه بالرسالة إلى ملك الروم وظهر من هذا أنه مسبوق بهذا الإلزام. والله أعلم". وتوفي قباث سنة ١٥٦.
و"علي بن رباح بن قصير اللخمي روى عن عمرو بن العاص وسراقة بن مالك ومعاوية بن أبي سفيان وأبي قتادة الأنصاري وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة. وفد على معاوية وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل مصر. وقال: كان ثقة. وغزا إفريقية وذهبت عينه يوم ذي الصواري في البحر مع ابن أبي سرح سنة ٣٤ ولد سنة عشرة من الهجرة ومات سنة ١١٤.
٤٧٤٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: إذا طلق الرجل امرأته تطليقة أو تطليقتين وهي حامل، فهو أحق برجعتها ما لم تضع حملها، وهو قوله:" ولا يحل لهنّ أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إنْ كن يؤمنَّ بالله واليوم الآخر"
٤٧٤٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن يحيى بن بشر أنه سمع عكرمة يقول: الطلاق مرّتان بينهما رجعة، فإن بدا له أن يطلِّقها بعد هاتين فهي ثالثة، وإن طلقها ثلاثًا فقد حرمت عليه حتى تنكح زوجًا غيره. إنما اللاتي ذكرن في القرآن:" ولا يحلُّ لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهنّ إن كنّ يؤمنَّ بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحقُّ بردهنَّ"، هي التي طلقت واحدة أو ثنتين، ثم كتمتْ حملها لكي تنجو من زوجها، فأما إذا بتَّ الثلاثَ التطليقات، فلا رجعة له عليها حتى تنكح زوجًا غيره. (١)
* * *
وقال آخرون: السبب الذي من أجله نُهين عن كتمان ذلك أنهن في الجاهلية كنّ يكتمنَه أزواجهن، خوف مراجعتهم إياهُنّ، حتى يتزوجن غيرهم، فيُلحق نسب الحمل- الذي هو من الزوج المطلِّق- بمن تزوجته. فحرم الله ذلك عليهن. (٢)
* ذكر من قال ذلك:
٤٧٥٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا سويد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:" ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن" قال: كانت المرأة إذا طُلِّقت كتمت ما في بطنها وحملها لتذهب بالولد إلى غير أبيه، فكره الله ذلك لهنّ.
(٢) في المطبوعة: "فيلحق بسببه الحمل... " وهو خطأ فاسد صوابه من المخطوطة.
٤٧٥١ - حدثني محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:" ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن" قال: علم الله أنّ منهن كواتم يكتمن الولد. وكان أهل الجاهلية كان الرجل يطلّق امرأته وهي حامل، (١) فتكتم الولد وتذهبُ به إلى غيره، وتكتُم مخافة الرجعة، فنهى الله عن ذلك، وقدَّم فيه. (٢)
٤٧٥٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة:" ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن"، قال: كانت المرأة تكتم حملها حتى تجعله لرجل آخر منها
* * *
وقال آخرون: بل السبب الذي من أجله نُهين عن كتمان ذلك، هو أنّ الرجل كان إذا أراد طلاق امرأته سألها هل بها حملٌ؟ كيلا يطلقها، وهي حامل منه (٣) للضرر الذي يلحقُه وولدَه في فراقها إن فارقها، فأمِرن بالصدق في ذلك ونُهين عن الكذب.
* ذكر من قال ذلك:
(٢) الأثر: ٤٧٥١- سلف هذا الإسناد مرارا وأقر به رقم: ٤٦٧٦، ٤٦٧٧، ٤٦٧٩ن ٤٦٩٢، ٤٧١٣، ٤٧١٤ن ٤٧٢٥ وغيرها. ولا بد من بيان رجاله"محمد بن يحيى بن أبي حزم القطعي" أبو عبد الله البصري. روى عن عمه حزم بن مهران وعبد الأعلى بن عبد الأعلى وعبد الصمد بن عبد الوارث وغيرهم. روى عنه مسلم وأبو داود والترمذي والبخاري في غير الجامع. قال أبو حاتم: صالح الحديث صدوق. مات سنة ٢٥٣. و"عبد الأعلى بن عبد الأعلى بن محمد القرشي السامي البصري" يلقب أبا همام، فكان يغضب منه روى عن داود بن أبي هند وسعيد الجريري وسعيد بن أبي عروبة وحميد الطويل وخالد الحذاء وغيرهم. وروى عنه إسحاق بن راهويه وعلي بن المديني ومحمد بن بشار بندار ونصر بن الجهضمي وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وكان متقنًا للحديث قدريًا غير داعية إليه. مات سنة ١٩٨.
* وقوله: "وقدم فيه" أي أمر فيه بما أمر.
(٣) في المطبوعة: "لكيلا" وأثبت ما في المخطوطة.
٤٧٥٣ - حدثني موسى قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (١) " ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن"، فالرجل يريد أن يطلق امرأته فيسألها: هل بك حمل؟ فتكتمه إرادةَ أن تفارقه، فيطلقها وقد كتمته حتى تضع. وإذا علم بذلك فإنها تردّ إليه، عقوبةً لما كتمته، وزوجها أحق برجعتها صاغرةً.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: الذي نُهيت المرأة المطلَّقة عن كتمانه زوجها المطلِّقَها تطليقة أو تطليقتين مما خلق الله في رحمها- الحيضُ والحبَل. لأنه لا خلاف بين الجميع أنّ العِدّة تنقضي بوضع الولد الذي خلق الله في رحمها، كما تنقضي بالدم إذا رأته بعد الطهر الثالث، في قول من قال:"القُرء" الطهر، وفي قول من قال: هو الحيض، إذا انقطع من الحيضة الثالثة، فتطهرت بالاغتسال. (٢)
فإذا كان ذلك كذلك= وكان الله تعالى ذكره إنما حرَّم عليهن كتمانَ المطلِّق الذي وصفنا أمره، ما يكونُ بكتمانهن إياه بُطُول حقه الذي جعله الله له بعد الطلاق عليهن إلى انقضاء عِدَدهن، (٣) وكان ذلك الحق يبطل بوضعهن ما في بطونهن إن كن حواملَ، وبانقضاء الأمراء الثلاثة إن كن غير حوامل= (٤) علم أنهن
(٢) في المطبوعة: "تطهرت للاغتسال" وهو معرق في الخطأ والصواب من المخطوطة.
(٣) قوله: "ما يكون بكتمانهن.. " هذه الجملة مفعول به منصوب بالمصدر"كتمان" وقوله: "بطول" مصدر"بطل الشيء يبطل بطولا وبطلانًا" وقد سلف ذلك فيما مضى ٢: ٤٢٦ ثم ٣: ٢٠٥ تعليق: ٦ وهذا الجزء ٤: ١٤٦.
(٤) قوله: "علم" جواب قوله آنفًا: "وإذ كان ذلك كذلك.. " وما بينهما معطوف بعضه على بعض.
منَهيَّات عن كتمان أزواجهن المطلِّقِيهنَّ من كل واحد منهما، (١) - أعني من الحيض والحبل - مثل الذي هنَّ مَنْهيَّاتٌ عنه من الآخر، وأن لا معنى لخصوص مَنْ خصّ بأن المراد بالآية من ذلك أحدهما دون الآخر، إذ كانا جميعًا مما خلق الله في أرحامهن، وأنّ في كل واحدة منهما من معنى بُطول حق الزوج بانتهائه إلى غاية، مثل ما في الآخر.
ويُسأل من خصّ ذلك- فجعله لأحد المعنيين دون الآخر- عن البرهان على صحة دعواه من أصْل أو حجة يجب التسليم لها، ثم يعكس عليه القول في ذلك، فلن يقول في أحدهما قولا إلا ألزم في الآخر مثله.
* * *
وأما الذي قاله السدي (٢) من أنه معنيٌّ به نهي النساء كتمانَ أزواجهن الحبلَ عند إرادتهم طلاقهن، فقولٌ لما يدل عليه ظاهر التنزيل مخالف، وذلك أن الله تعالى ذكره قال:" والمطلَّقات يتربَّصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلقَ الله في أرحامهن"، بمعنى: ولا يحل أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن من الثلاثة القروء، إن كنّ يؤمنَّ بالله واليوم الآخر.
وذلك أنّ الله تعالى ذكره ذكر تحريم ذلك عليهن، بعد وصفه إياهن بما وَصفهن به، من فراق أزواجهن بالطلاق، وإعلامهن ما يلزمهن من التربُّص، معرِّفًا لهن بذلك ما يحرُم عليهن وما يحلّ، وما يلزمُهن من العِدَّة ويجبُ عليهن فيها. فكان مما عرّفهن: أنّ من الواجب عليهن أن لا يكتمن أزواجَهن الحيض والحبَل= الذي يكون بوضع هذا وانقضاء هذا إلى نهاية محدودة انقطاعُ حقوق أزواجهن= ضرارًا منهنّ لهم، فكان نهيُه عما نهاهن عنه من ذلك، بأن يكون من صفة ما يليه
(٢) هو الأثر السالف رقم: ٤٧٥٣.
قبله ويتلوه بعده، أولى من أن يكون من صفة ما لم يَجْرِ له ذِكر قبله.
* * *
قال أبو جعفر: فإن قال قائل: ما معنى قوله:" إن كن يؤمنَّ بالله واليوم الآخر"؟ أوَ يحل لهن كتمان ذلك أزواجهنً إنْ كن لا يؤمنَّ بالله ولا باليوم الآخر حتى خصّ النهيُ عن ذلك المؤمنات بالله واليوم الآخر؟
قيل: معنى ذلك على غير ما ذهبت إليه، وإنما معناه: أن كتمان المرأة المطلَّقة زوجَها المطلَّقَها ما خلق الله تعالى في رحمها من حيض وولد في أيام عدتها من طلاقه ضرارًا له، (١) ليس من فعل من يؤمن بالله واليوم الآخر ولا من أخلاقه، وإنما ذلك من فعل من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر وأخلاقِهنَّ من النساء الكوافر= فلا تتخلَّقن أيتها المؤمنات بأخلاقهنّ، فإنّ ذلك لا يحل لكنّ إن كنتن تؤمنّ بالله واليوم الآخر وكنتن من المسلمات= (٢) لا أنّ المؤمنات هن المخصوصات بتحريم ذلك عليهن دون الكوافر، بل الواجب على كل من لزمته فرائضُ الله من النساء اللواتي لهن أقراء- إذا طلِّقت بعد الدخول بها في عدتها- أن لا تكتم زوجها ما خلق الله في رحمها من الحيض والحبَل.
* * *
(٢) قوله: "لا أن المؤمنات... " من سياق الجملة الأولى: "... وإنما معناه أن كتمان المرأة المطلقة... لا ان المؤمنات".
القول في تأويل قوله تعالى: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا "
قال أبو جعفر:"والبعولة" جمع"بعل"، وهو الزوج للمرأة، ومنه قول جرير:
| أَعِدُّوا مَعَ الحَلْيِ المَلابَ فَإنَّمَا | جَرِيرٌ لَكُمْ بَعْلٌ وَأَنْتُمْ حَلائِلُهْ (١) |
* ثُمَّ دَفَنْتَ الْفَرْثَ وَالعِظَامهْ * (٤)
| لَبِسْتُ سِلاَحِي والفَرَزْدَقُ لُعْبِةً | عَلَيْهِ وِشَاحًا كُرَّجٍ وَجَلاَجِلُهْ |
| أَعِدُّوا مَعَ الحَلْيِ... | ................... |
(٢) انظر سيبويه ٢: ١٧٧.
(٣) لم أعرف قائله.
(٤) الجمهرة ٣: ١٢١ واللسان (عظم) و (هذم) والرجز يخالف رواية الطبري وهو:
| وَيْلٌ لِبُعْرَانِ أبِي نَعَامَةْ | مِنْكَ وَمِنْ شَفْرَتكَ الهُذَامَةْ |
| إِذَا ابْتَرَكْتَ فَحَفَرْتَ قَامَهْ | ثُمَّ نَثَرْتَ الفَرْثَ وَالعِظَامَهْ |
وقد قيل:"الحجارة والحِجار" و"المِهارة والمِهار" و"الذِكّارة والذِكّار"، للذكور.
* * *
وأما تأويل الكلام، فإنه: وأزواج المطلقات = اللاتي فرضنا عليهن أن يتربَّصن بأنفسهن ثلاثة قروء، وحرَّمنا عليهنَّ أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن= أحق وأولى بردهن إلى أنفسهم (١) في حال تربصهن إلى الأقراء الثلاثة، وأيام الحيل، وارتجاعهن إلى حبالهم (٢) = منهم بأنفسهن أن يمنعهن من أنفسهن ذلك (٣) كما:-
٤٧٥٤ - حدثي المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:" وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحًا"، يقول: إذ طلق الرجل امرأته تطليقة أو ثنتين، وهي حامل فهو أحق برجعتها ما لم تضع.
٤٧٥٥ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم:" وبعولتهن أحق بردهن" قال: في العدة
٤٧٥٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة والحسن البصري، قالا قال الله تعالى
(٢) في المخطوطة: "إلى حبالهن" وهو خطأ أيضًا في المعنى. والحبال جمع حبل: وهو المواصلة وهو العهد أيضًا. يعني بذلك إمساكهن: وهو من الحبل الذي هو الرباط.
(٣) في المخطوطة والمطبوعة: "أن يمنعهن" وهو خطأ ثالث في المعنى. والصواب ما أثبت وقوله: "منهن بأنفسهن.. " سياقه: "أحق وأولى بردهن... منهن بأنفسهن... ".
ذكره:" والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كنّ يؤمنَّ بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهنّ في ذلك إن أرادوا إصلاحًا"، وذلك أنّ الرجل كان إذا طلَّق امرأته كان أحقَّ برجعتها وإن طلاقها ثلاثًا، فنسخ ذلك فقال: (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ) الآية.
٤٧٥٧ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:" وبعولتهن أحق بردهن في ذلك" في عدتهن. (١)
٤٧٥٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
٤٧٥٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد قال، في العدة
٤٧٦٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:" وبعولتهنّ أحق بردهن في ذلك"، أي في القروء في الثلاث حيض، (٢) أو ثلاثة أشهر، أو كانت حاملا فإذا طلَّقها زوجها واحدة أو اثنتين رَاجعها إن شاء ما كانت في عدتها
٤٧٦١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:" وبعولتهن أحق بردهنّ في ذلك" قال: كانت المرأة تكتم حملها حتى تجعله لرجل آخر، (٣) فنهاهنّ الله عن ذلك وقال:" وبعولتهنّ أحق بردهن في ذلك"، قال قتادة: أحق برجعتهن في العدة.
(٢) في المطبوعة: "في القروء الثلاث حيض" بحذف"في" الثانية.
(٣) يعني في الجاهلية كما مضى في الآثار السالفة قبل.
٤٧٦٢ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله:" وبعولتهن أحقُّ بردهن في ذلك"، يقول: في العدة ما لم يطلقها ثلاثًا.
٤٧٦٣ - حدثني موسى قال، حدثني عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:" وبعولتهن أحق بردهن في ذلك"، يقول: أحق برجعتها صاغرة عقوبة لما كتمت زوجها من الحمل (١)
٤٧٦٤ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:" وبعولتهن أحق بردهن"، أحقّ برجعتهنّ، ما لم تنقض العِدّة.
٤٧٦٥ - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك:" وبعولتهنّ أحق بردهنّ في ذلك"، قال: ما كانت في العدة إذا أراد المراجعة
* * *
قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: (٢) فما لزوج- طلق واحدة أو اثنتين بعد الإفضاء إليها- عليها رجعة في أقرائها الثلاثة، إلا أن يكون مريدًا بالرجعة إصلاح أمرها وأمره؟
قيل: أما فيما بينه وبين الله تعالى فغير جائز = إذا أراد ضرارها بالرجعة، لا إصلاح أمرها وأمره = مراجعتُها. (٣)
وأما في الحكم فإنه مقضيٌّ له عليها بالرجعة، نظيرُ ما حكمنا عليه ببطول رَجعته عليها لو كتمته حملها الذي خلقه الله في رحمها أو حيضها حتى انقضت عدتها ضرارًا منها له، وقد نهى الله عن كتمانه ذلك، (٤) فكان سواءً في الحكم = في بطول
(٢) في المخطوطة: "فما لزوج واحدة" سقط من الناسخ"طلق" بين الكلمتين.
(٣) في المطبوعة: "بمراجعتها" وهو فاسد فسادا عظيما. والسياق: "... فغير جائز... مراجعتها" وما بينهما فصل، كعادة أبي جعفر.
(٤) قوله: "كتمانه" الضمير راجع إلى الزوج أي: نهى الله ان تكتم المرأة زوجها ذلك.
رَجعة زوجها عليها، وقد أثمت في كتمانها إياه ما كتمته من ذلك حتى انقضت عدتها= (١) هي والتي أطاعت الله بتركها كتمانَ ذلك منه، وإن اختلفا في طاعة الله في ذلك ومعصيته، فكذلك المراجع زوجتَه المطلقة واحدة أو ثنتين بعد الإفضاء إليها وهما حُرَّان= (٢) وإن أراد ضرار المُراجعة برجعته- فمحكوم له بالرجعة، وإن كان آثمًا بريائه في فعله، (٣) ومقدِمًا على ما لم يُبحه الله له، والله وليّ مجازاته فيما أتى من ذلك. فأما العباد فإنهم غيرُ جائز لهم الحوْلُ بينه وبين امرأته التي راجعها بحكم الله تعالى ذكره له بأنها حينئذ زوجتُه، فإن حاول ضرارها بعد المراجعة بغير الحقّ الذي جعله الله له، أخِذ لها الحقوق التي ألزم الله تعالى ذكره الأزواج للزوجات (٤) حتى يعود ضررُ ما أراد من ذلك عليه دونها.
* * *
قال أبو جعفر: وفي قوله:" وبعولتهن أحق بردهن في ذلك"، أبين الدلالة على صحة قول من قال: إنّ المولي إذا عزم الطلاق فطلق امرأته التي آلى منها، أنّ له عليها الرّجعة في طلاقه ذلك= (٥) وعلى فساد قول من قال: إن مضي الأشهر الأربعة عزُم الطلاق، وأنه تطليقه بائنة، لأن الله تعالى ذكره إنما أعلم عباده ما يلزمُهم إذا آلوا من نسائهم، وما يلزم النساء من الأحكام في هذه الآية بإيلاء الرجال وطلاقهم، إذا عزموا ذلك وتركوا الفيء.
* * *
(٢) قوله: "وهما حران" لأن طلاق العبد ثنتين ثم تحرم عليه، ليس كالحر ثلاثًا.
(٣) في المخطوطة"آثما بربه" غير منقوطة كأنها"بربه" ولكن لم أجد في كتب اللغة"أثم بربه" وإن كنت أخشى أن تكون صوابًا له وجه لم أتحققه. وفي المطبوعة"برأيه" كأنهم استنكروا ما استنكرناه، فظنوا فيه تصحيفًا أو تحريفًا فقرأوه كذلك. ولكن أجود قراءاته أن تكون ما أثبت لأن فعل المراجع وهو يضمر الضرار رياء لا شك فيه.
(٤) في المطبوعة: "أخذ لها الحقوق" والصواب من المخطوطة وقوله: "أخذ" مبني للمجهول ومعناها: طولب وأمسك حتى يعطيها حقوقها.
(٥) السياق: "وفي قوله... أبين الدلالة على صحة قول من قال.. وعلى فساد قول من قال.. "
القول في تأويل قوله تعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: تأويله: ولهنّ من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن مثل الذي عليهنّ لهم من الطاعة فيما أوجب الله تعالى ذكره له عليها.
* ذكر من قال ذلك:
٤٧٦٦ - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو عاصم، عن جويبر، عن الضحاك في قوله:" ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف"، قال: إذا أطعن الله وأطعن أزواجهن، فعليه أن يُحسن صحبتها، ويكف عنها أذاه، ويُنفق عليها من سَعَته.
٤٧٦٧ - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:" ولهنّ مثل الذي عليهن بالمعروف"، قال: يتقون الله فيهن، كما عليهن أن يتقين الله فيهم.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: ولهنّ على أزواجهن من التَّصنُّع والمواتاة، مثل الذي عليهن لهم في ذلك. (١)
* ذكر من قال ذلك:
| إنِّي لأَمْنَحُ مَنْ يُوَاصِلُنيِ | مِنِّي صَفَاءً لَيْسَ بالمَذْقِ |
| وَإذَا أَخٌ لي حَالَ عَنْ خُلُقٍ | دَاوَيْتُ مِنْهُ ذَاكَ بالرِّفْقِ |
| وَالمَرْءُ يَصْنَعُ نَفْسَهُ وَمَتَى | مَا تَبْلُهُ يَنزِعْ إلى العِرْقَ |
٤٧٦٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن بشير بن سلمان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: إني أحبُّ أن أتزين للمرأة، كما أحب أن تتزين لي; لأن الله تعالى ذكره يقول:" ولهن مثلُ الذي عليهن بالمعروف" (١)
* * *
قال أبو جعفر: والذي هو أولى بتأويل الآية عندي: وللمطلقات واحدة أو ثنتين -بعد الإفضاء إليهن- على بعولتهن أن لا يراجعوهنّ في أقرائهن الثلاثة (٢) إذا أرادوا رجْعتهن فيهن، إلا أن يريدوا إصلاح أمرهن وأمرهم، وأن لا يراجعوهن ضرارًا (٣) = كما عليهن لهم إذا أرادوا رجعتهنّ فيهنّ، أن لا يكتمنَ ما خلق
(٢) في المطبوعة: "أن لا يراجعوهن ضرارا" زاد"ضرارا" هنا وهي مفسدة للكلام وليست في المخطوطة.
(٣) في المطبوعة: "فلا يراجعوهن ضرارا" وهو تبديل ألجأهم إليه الفساد السابق في الجملة السالفة. والصواب من المخطوطة.
الله في أرحامهنّ من الولد ودم الحيض ضرارًا منهن لهم لِيَفُتْنهم بأنفسهنّ، (١)
ذلك أن الله تعالى ذكره نهى المطلقات عن كتمان أزواجهنّ في أقرائهنَّ ما خلق الله في أرحامهنّ، إن كن يؤمنَّ بالله واليوم الآخر، وجعل أزواجهن أحق بردّهن في ذلك إن أرادوا إصلاحًا، فحرَّم الله على كل واحد منهما مضارَّة صاحبه، وعرّف كلّ واحد منهما ما له وما عليه من ذلك، ثم عقب ذلك بقوله:" ولهن مثلُ الذي عليهن بالمعروف" فبيِّنٌ أن الذي على كل واحد منهما لصاحبه من ترك مضارته، مثل الذي له على صاحبه من ذلك.
فهذا التأويل هو أشبه بدلالة ظاهر التنزيل من غيره.
وقد يحتمل أن يكون كل ما على كل واحد منهما لصاحبه داخلا في ذلك، وإن كانت الآية نزلت فيما وصفنا، لأن الله تعالى ذكره قد جعل لكل واحد منهما على الآخر حقًا، فلكل واحد منهما على الآخر من أداء حقه إليه مثل الذي عليه له، فيدخل حينئذ في الآية ما قاله الضحاك وابن عباس وغير ذلك.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: معنى"الدرجة" التي جعل الله للرجال على النساء، الفضلُ الذي فضّلهم الله عليهن في الميراث والجهاد وما أشبه ذلك.
* ذكر من قال ذلك:
٤٧٦٩ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:" وللرجال عليهن درجة" قال: فَضْل ما فضله الله به عليها من الجهاد، وفَضْل ميراثه، على ميراثه، وكل ما فضِّل به عليها.
ومعنى: "فاته بنفسه" سبقه إلى حيث لا يبلغه ولم يقدر عليه وفات يده، ولو كانت"ليسبقنهم بأنفسهن" لكانت صوابًا وهي مثلها في المعنى.
٤٧٧٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
٤٧٧١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر: عن قتادة:" وللرجال عليهن درجة"، قال: للرجال درجةٌ في الفضل على النساء
* * *
وقال آخرون: بل تلك الدرجة: الإمْرة والطاعة.
* ذكر من قال ذلك:
٤٧٧٢ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن زيد بن أسلم في قوله:" وللرجال عليهن درجة"، قال: إمارةٌ.
٤٧٧٣ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:" وللرجال عليهن درجة"، قال: طاعةٌ. قال: يطعن الأزواجَ الرجال، وليس الرجال يطيعونهن
٤٧٧٤ - حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال، حدثنا أزهر، عن ابن عون، عن محمد في قوله:" وللرجال عليهن درجة"، قال: لا أعلم إلا أن لهن مثل الذي عليهن، إذا عرفن تلك الدرجة (١)
* * *
وقال آخرون: تلك الدرجة له عليها بما ساق إليها من الصداق، وإنها إذا قذفته حُدَّت، وإذا قذفها لاعنَ.
* ذكر من قال ذلك:
٤٧٧٥ - حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا جرير، عن عبيدة، عن الشعبي في قوله:" وللرجال عليهن درجة"، قال: بما أعطاها من صَداقها، وأنه إذا قذفها
لاعَنها، وإذا قذفته جُلدت وأُقِرَّتْ عنده.
* * *
وقال آخرون: تلك الدرجة التي له عليها، إفضاله عليها، وأداء حقها إليها، وصفحه عن الواجب لهُ عليها أو عن بعضه.
* ذكر من قال ذلك:
٤٧٧٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن بشير بن سلمان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ما أحب أن استنظف جميع حقي عليها، لأن الله تعالى ذكره يقول:" وللرجال عليهن درجة" (١)
* * *
وقال آخرون: بل تلك الدرجة التي له عليها أن جعل له لحية وحرمها ذلك.
* ذكر من قال ذلك:
٤٧٧٧ - حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال، حدثنا عبيد بن الصباح قال، حدثنا حميد قال،" وللرجال عليهن درجة" قال: لحية. (٢)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قاله ابن عباس، وهو أن"الدرجة" التي ذكر الله تعالى ذكره في هذا الموضع، الصفحُ من الرجل لامرأته عن بعض الواجب عليها، وإغضاؤه لها عنه، وأداء كل الواجب لها عليه.
وذلك أن الله تعالى ذكره قال:" وللرجال عليهن درجة" عَقيب قوله:" ولهن
استنظف الشيء: إذا استوفاه واستوعبه وأخذه كله. وفي الحديث: "وتكون فتنة تستنظف العرب" أي تستوعبهم هلاكًا. اللهم قنا عذابك ونجنا من كل فتنة مهلكة.
(٢) الأثر: ٤٧٧٧-"عبيد بن الصباح الخراز" روى عن عيسى بن طهمان وموسى بن علي بن رباح وفضيل بن مرزوق وعمرو بن أبي المقدام وعبد الله بن الممل. روى عنه موسى بن عبد الرحمن المسروقي وأحمد بن يحيى الصوفي. قال أبو حاتم. ضعيف الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات. مترجم في الجرح والتعديل ٢/٢/٤٠٨، ولسان الميزان ٤: ١١٩.
أما"حميد" فلم أعرف من هو، حميد كثير لم أجد فيمن يسمى"حميدًا" روية عبيد بن الصباح عنه. وربما كان"فضيل بن مرزوق" فإن"حميد" في المخطوطة مضطربة الكتبة كأن الناسخ لم يكن يحسن يقرأ من الأصل الذي نقل عنه، ولكني أستبعد ذلك. هذا وقد نقل هذا الأثر القرطبي في تفسيره ٣: ١٢٥: "وهذا إن صح عنه، فهو ضعيف لا يقتضيه لفظ الآية ولا معناها" ثم قال: "طُوبَى لعبدٍ أمْسَك عمّا لا يعلمُ وخُصوصًا في كِتَاب الله تعالى"
ونعم ما قال ابن العربي ولعله يعظ بعض أهل زماننا.
مثلُ الذي عليهن بالمعروف"، فأخبر تعالى ذكره أن على الرجل من ترك ضرارها في مراجعته إياها في أقرائها الثلاثة وفي غير ذلك من أمورها وحُقوقها، مثل الذي له عليها من ترك ضراره في كتمانها إياه ما خلق الله في أرحامهنّ وغير ذلك من حقوقه.
ثم ندب الرجال إلى الأخذ عليهن بالفضل إذا تركن أداءَ بعض ما أوجب الله لهم عليهن، فقال تعالى ذكره:" وللرجال عليهن درجة"بتفضّلهم عليهن، وصفحهم لهن عن بعض الواجب لهم عليهن، وهذا هو المعنى الذي قصده ابن عباس بقوله:"ما أحب أن أستنظف جميع حقي عليها" لأن الله تعالى ذكره يقول:" وللرجال عليهن درجة".
* * *
ومعنى"الدرجة"، الرتبة والمنزلة.
* * *
وهذا القول من الله تعالى ذكره، وإن كان ظاهرُه ظاهر الخبر، فمعناه معنى ندب الرجال إلى الأخذ على النساء بالفضل، ليكون لهم عليهن فضل درَجة. (١)
* * *
ومن أجل هذا الربط الدقيق بين معاني هذا الكتاب البليغ جعل أبو بكر هذه الجملة حثًا وندبًا للرجال على السمو إلى الفضل، لا خبرًا عن فضل قد جعله الله مكتوبا لهم، أحسنوا فيما أمرهم به أم أساءوا.
وأبو جعفر رضي الله عنه لم يغفل قط عن هذا الترابط الدقيق بين معاني الكتاب، سواء كان ذلك في آيات الأحكام أو آيات القصص أو غيرها من نصوص هذا الكتاب. فهو يأخذ المعنى في أول الآية من الآيات ثم يسير معه كلمة كلمة وحرفًا حرفا ثم جملة جملة غير تارك لشيء منه أو متجاوز عن معنى يدل عليه سياقها. وليس هذا فحسب بل هو لا ينسى أبدًا أن هذا الكتاب قد جاء ليعلم الناس ويخرجهم من الظلمات إلى النور وأنه جاء ليؤدبهم بأدب رب العالمين فيربط بين هذا الأدب الذي دل عليه التنزيل وبينته سنة رسول الله ويخرج من ذلك بمثل هذا الفهم الدقيق لمعاني كتاب الله مؤيدًا بالحجة والبرهان.
وأحب أن أقول إن التخلق بآداب كتاب الله يهدي إلى التفسير الصحيح كما تهدي إليه المعرفة بلغة العرب وبناسخ القرآن ومنسوخه وبسنة رسول الله ﷺ فالأخلاق أداة من أدوات العلم كسائر الأدوات. ولولا ما كان عليه هذا الإمام من عظيم الخلق ونبيل الأدب لما وقف وحده بين سائر المفسرين عند هذه الآية، يستخرج منها هذا المعنى النبيل العظيم الذي أدب الله به المطلقين وحثهم عليه وعرفهم به فضل ما بين اقتضاء الحقوق الواجبة والعفو عن هذه الحقوق، لمن وضعها الله تحت يده، فملكه طلاقها وفراقها، ولم يملكها من ذلك مثل الذي ملكه. فاللهم اغفر لنا واهدنا وفقهنا في ديننا وعلمنا من ذلك ما لم نكن نعلم، إنك أنت السميع العليم.
القول في تأويل قوله تعالى: وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك:"والله عزيز" في انتقامه ممن خالف أمره، وتعدَّى حدوده، فأتى النساء في المحيض، وجعل الله عُرضة لأيمانه أن يبرَّ ويتقي، ويصلح بين الناس، وعضَل امرأته بإيلائه، وضَارَّها في مراجعته بعد طلاقه، ولمن كتم من النساء ما خلق الله في أرحامهن أزواجهن، ونكحن في عددهن، وتركنَ التربُّص بأنفسهن إلى الوقت الذي حده الله لهن، وركبن غير ذلك من
جامع البيان في تأويل آي القرآن
أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري
أحمد شاكر