ولا جناح عليكم أيها الخطاب فيما عرضتهم به من خطبة النساء الخطبة الاستنكاح والتعريض من الكلام ما يفهم به السامع مراد المتكلم من غير أن يكون اللفظ موضوعا لمراده حقيقة ولا مجازا، والكناية هي الدلالة على الشيء بذكر لوازمه كقولك طويل النجاد لطول القامة وكثير الرماد للضياف، ومن التعريض ما روي أن سكينة بنت خنظلة تأيمت من زوجها فدخل عليها أبو جعفر محمد بن علي الباقر في عدتها وقال يابنت حنظلة أنا من قد علمت قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحق جدي علي وقدمه في الإسلام، فقالت سكينة : أتخطبني وأنا في العدة وأنت يؤخذ عنك، فقال إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ع لى أم سلمة وهي في عدة زوجها أبي سلمة فذكر لها منزلته من الله عز وجل وهو متحامل على يده حصيرا حتى أثر الحصير في يده من شدة تحامله على يده أو كننتم في أنفسكم أي أضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه صريحا أو تعريضا علم الله أنكم ستذكرونهن بالقلوب ولا تصبرون على السكوت عنهن فأباح لكم التعريض ولا بمؤاخذة على الإضمار، فيه نوع توبيخ على الخطبة ولكن لا تواعدوهن سرا استدراك عن محذوف دل عليه ستذكرونهن فاذكروهن في القلوب وعرضوا بالخطبة ولكن لا تواعدوهن سرا نكاحا صريحا أو جماعا يعبر بالسر عن الوطء لأنه يسر ثم عن العقد لأنه سبب فيه إلا أن تقولوا قولا معروفا وهو أن يعرضوا ولا يصرحوا، والمستثنى منه محذوف أي لا تواعدوهن مواعدة إلا مواعدة معروفة أو إلا مواعدة بقول معروف. اعلم أن المعتدة من فرقة الرضاع ونحوه والبائنة باللعان والمطلقة ثلاثا ممن لا يحل لزوجها الأول تزويجها فيجوز أيضا تعريضها للأجنبي بالخطبة وإن كانت بائنة فمن يحل لزوجها الأول تزويجها لزوجها خطبتها تعريضا وتصريحا، وهل يجوز للغير تعريضا أم لا ؟ قيل يجوز كالمطلقة ثلاثا لانقطاع حق زوجها الأول، وقيل لا يجوز لأن المعاودة جائزة له وأثر النكاح باق، والأول أظهر ولا تعزموا عقدة النكاح كناية عن النهي عن عقد النكاح في العدة فإن العزم لازم للعقد وهذا أبلغ في النهي من قوله لا تعقدوا النكاح. وليس فيه دلالة على حرمة العزم فإنه لا مؤاخذة على عزم القلب إجماعا وقد سبق إباحته بقوله تعالى : علم الله أنكم ستذكرونهن الآية، وهذا كمن قال زيد طويل النجاد وكثير الرماد فإنه غير كاذب إن كان زيد طويلا مضيفا وإن لم يكن له نجاد ورماد أصلا، ويمكن أن يكون على الحقيقة ويكون نهيا عن العزم على عقد النكاح في العدة وحينئذ يكون النهي للتنزيه نهي عن العزم بناء على أنه من يحوم حول الحمى يوشك أن يقع فيه حتى يبلغ الكتاب العدة، سماها كتابا لكونها فرضا كقوله تعالى : كتب عليكم أي فرض عليكم أجله منتهاه واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم من العزم هذا يدل على كراهة العزم فاحذروه ف خافوه ولا تعزموا واعلموا أن الله غفور لمن عزم ولم يفعل خشية من الله حليم .
التفسير المظهري
المظهري