ﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟ

وقال الخطابي: قوله وَعَشْراً يريد- والله أعلم- الأيام بلياليها.
وذهب أئمة المذاهب الأربعة إلى أن المراد بها الأيام والليالي. قال ابن المنذر: فلو عقد عاقد عليها النكاح على هذا القول، وقد مضت أربعة أشهر وعشر ليال، كان باطلا، حتى يمضي اليوم العاشر.
وإنما ورد لفظ العشر مذكرا، فلأن المراد به المدة، في رأي المبرد، المعنى:
وعشر مدد، كل مدة من يوم وليلة. والمراد به الليالي في رأي الزمخشري، كما تقدم، فلم يقل «عشرة» تغليبا لحكم الليالي، إذ الليلة أسبق من اليوم، والأيام في ضمنها. ثم إن قوله عَشْراً أخف في اللفظ.
وفي آية فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ.. دليل على أن للأولياء والحكام منع النساء من التبرج والتشوف للزوج في زمان العدة، بل إن الأولياء من آباء وإخوة وغيرهم ممن له شأن مؤاخذون ومعاقبون على خروج النساء وتهتكهن وفعلهن غير المعروف شرعا، فإن ذلك مما يضعف الأمة، ويهدم الأخلاق.
خطبة المتوفى عنها زوجها تعريضا ووقت العقد
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٣٥]
وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)

صفحة رقم 375

الإعراب:
عُقْدَةَ النِّكاحِ منصوب على تقدير حذف حرف الجر، وتقديره: ولا تعزموا على عقدة النكاح، فحذف حرف الجر، فاتصل الفعل به، فنصبه، كقولهم: ضرب زيد البطن والظهر، أيّ على البطن والظهر. ويجوز نصبه على المصدر بمعنى: تعقدوا عقدة النكاح، والوجه الأول أولى وأوجه.
البلاغة:
وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ عبر بالعزم للمبالغة في تحريم مباشرة الزواج، فإذا نهي عن العزم، كان النهي عن فعل الزواج من باب أولى أو أشد نهيا. وقيل: لا تقطعوا عقد عقدة النكاح، لأن العزم: القطع، فيكون الكلام صريحا في النهي عن اليأس من الزواج وتحطيم الآمال، وتدمير الثقة بالنفس وتفويت عقد الزواج.
المفردات اللغوية:
عَرَّضْتُمْ لوّحتم، والتعريض في الكلام: أن تفهم المخاطب المقصود الذي تريد بلفظ لم يوضع له صراحة، وإنما بالإشارة والتلويح، ويحتاج فهمه إلى قرينة، لبعده عن ذهن السامع، وبعبارة موجزة: هو القول المفهم للمقصود، وليس بنص فيه.
خِطْبَةِ النِّساءِ المتوفى عنهن أزواجهن، والخطبة: طلب الرجل المرأة للزواج بالوسائل المعروفة بين الناس. والتعريض بخطبة معتدة الوفاة في أثناء العدة: أن يقول الإنسان مثلا: إنك لجميلة، ومن يجد مثلك، ورب راغب فيك. أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ أضمرتم في النفس قصد النكاح أو العزم عليه بعد انقضاء العدة.
عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ بالخطبة ولا تصبرون عنهن، فأباح لكم التعريض وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا أي زواجا قَوْلًا مَعْرُوفاً أي ما عرف شرعا من التعريض، فالقول المعروف:
ما لا يستحيا منه في المجاهرة كذكر حسن المعاشرة ورحابة الصدر للزوجات ونحو ذلك.
وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ أي عقده، والعزم: التصميم على تنفيذه الْكِتابُ أي المكتوب المفروض من العدة أَجَلَهُ أي نهايته.
ما فِي أَنْفُسِكُمْ من العزم وغيره فَاحْذَرُوهُ أن يعاقبكم إذا عزمتم غَفُورٌ لمن يحذره حَلِيمٌ بتأخير العقوبة عن مستحقها.

صفحة رقم 376

التفسير والبيان:
لا يزال الكلام في أحكام النساء، ففي الآيات السابقة بيان أحكام الطلاق والرجعة والإرضاع وحقوق الزوجات والأولاد، وواجبات الأب من نفقة وسكنى وكسوة، ووجوب العدة والحداد على المرأة المتوفى عنها زوجها، وفي هذه الآية توضيح جواز خطبة معتدة الوفاة في العدة تلميحا لا تصريحا، وصحة إبرام العقد عليها بعد انقضاء العدة. فأبان الله تعالى أنه لا إثم ولا حرج على الرجل أن يعرّض بالخطبة للمرأة المتوفى عنها زوجها أو لوليها، ومثلها المطلقة طلاقا بائنا، في أثناء العدة، أو يضمر في نفسه قصد زواجه بها، لأن التعريض لا يمس حق الزوج السابق، وربما كان فيه نوع من الإيحاء بالثقة والطمأنينة على أوضاع المستقبل، حيث تصبح المرأة لا عائل لها، ولأن إضمار شيء في النفس أمر طبيعي يشق الاحتراز عنه، لذا قال الله تعالى: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ في أنفسكم، ويشق عليكم أن تكتموا رغبتكم، ولا ضرر ولا خطر في قصد شيء بالنفس. ولكن يحرم المواعدة على الزواج في السر، لأن في المواعدة مدرجة للفتنة، ومظنة للقيل والقال، ولا تحرم المواعدة بقول معروف لا يستحيا منه في الجهر، كذكر حسن العشرة وسعة الصدر للزوجات ونحو ذلك، فيكون المراد بالقول المعروف: هو التعريض لا التصريح، أي لا تواعدوهن إلا بالتعريض.
والمراد بالسر في الأصل: هو الوطء، ويقصد به هنا عقد الزواج في العدة سرا، فأطلق على العقد الذي هو سبب الوطء، وقيل كما اختار الطبري: المراد به هنا هو الزنى، أو القول لها: إني عاشق وعاهديني أن لا تتزوجي غيري. قال ابن كثير: وقد يحتمل أن تكون الآية عامة في جميع ذلك.
والتعريض بالخطبة للمعتدة بسبب الوفاة أو لوليها في العدة: كأن يقول:
إنك لجميلة، أو عسى أن ييسر الله لي امرأة صالحة بنت حلال مثلك، حتى تدخر

صفحة رقم 377

نفسها له، أو يمتدح نفسه أمامها فيقول: إني حسن الخلق، كريم الأصل، سخي النفس، جميل العشرة، محسن إلى الزوجة، ونحو ذلك من الكنايات التي يستعملها الناس، ويتفننون فيها بأنواع من الذكاء وحسن الدهاء في كل عصر.
وفائدة ذلك ظاهرة: هي أن تختار من الخطّاب من هو الأفضل والأكرم.
أما خطبة المعتدة من طلاق رجعي تلميحا أو تصريحا فحرام، لأنها لا تزال في عصمة زوجها، ما دامت في العدة.
وأما التصريح بخطبة المعتدة من وفاة أو طلاق بائن فحرام أيضا. ودليل جواز التعريض: ما
أخرج الطبري عن سكينة بنت حنظلة بن عبد الله بن حنظلة قالت: دخل علي أبو جعفر: محمد بن علي الباقر، وأنا في عدتي، فقال:
يا ابنة حنظلة، أنا من علمت قرابتي من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وحق جدي علي، وقدمي في الإسلام، فقلت: غفر الله لك يا أبا جعفر، أتخطبني في عدتي، وأنت يؤخذ عنك؟ فقال: أو قد فعلت؟ إنما أخبرتك بقرابتي برسول الله صلّى الله عليه وسلّم وموضعي، قد دخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على أم سلمة، وكانت عند ابن عمها أبي سلمة، فتوفي عنها، فلم يزل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يذكر لها منزلته من الله، وهو متحامل على يده، حتى أثر الحصير في يده من شدة تحامله على يده، فما كانت تلك خطبة.
فالقول المعروف غير المنكر شرعا: وهو القول العفّ والإشارة الخفيفة والكلام اللطيف غير الجارح الذي يدخل في التعريض هو الجائز، كما فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم مع أم سلمة بعد وفاة زوجها، حيث ذكر لها منزلته عند الله تعالى.
ثم ذكر سبحانه وقت إباحة عقد الزواج على المعتدة: وهو ما بعد انقضاء العدة، ونهى نهيا شديدا عنه قبل ذلك، فقال: ولا تصمموا على إبرام الزواج

صفحة رقم 378

الشرعي مع معتدة الوفاة حتى تنتهي عدتها من زوجها السابق: وهي أربعة أشهر وعشرة أيام.
وحذر الله تعالى من تجاوز هذا الحد، فقال: اعلموا أن الله يعلم ما تضمرونه في قلوبكم من العزم على ما لا يجوز، فاحذروا التجاوز من قول أو فعل على ما منع الله، وفي هذا التحذير قرن الأحكام بالموعظة ترغيبا وترهيبا، لتأكيد المحافظة عليها.
ومع هذا اعلموا أن الله غفور لمن تعدى حدود الله وفرط بارتكاب الذنب ثم تاب وأصلح، وهو الحليم الذي لا يعجل بالعقوبة، بل يمهل عباده ليصلحوا أعمالهم، فلا تغتروا بإمهاله.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على ما يأتي:
١- يحرم التصريح بالخطبة للمعتدة أيا كانت عدتها، فلا يجوز بالإجماع «١» الكلام مع المعتدة في أمر الزواج سرا، أو التواعد معهن عليه، لكن يجوز التعريض بالخطبة لمعتدة الوفاة والمطلقة طلاقا بائنا، تمهيدا للمشاورة والتفكير بالموافقة على مبدأ الزواج الجديد في المستقبل. ولا يجوز إجماعا التعريض لخطبة الرجعية، لأنها كالزوجة.
قال سحنون وكثير من العلماء: والهدية إلى المعتدة جائزة، وهي من التعريض.
٢- يحرم شرعا إبرام عقد الزواج على أية معتدة في العدة، لقوله تعالى:

(١) الإجماع على أنه لا يجوز التصريح بالتزويج ولا التنبيه عليه ولا الرفث وذكر الجماع والتحريض عليه (البحر المحيط: ٢/ ٢٢٥).

صفحة رقم 379

وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وهذا من المحكم المجمع على تأويله: أن بلوغ أجله: انقضاء العدة، مراعاة لحقوق الزوجية والتعرف على براءة الرحم من الحمل لئلا تختلط الأنساب.
٣- استدل الشافعية بهذه الآية على أن التعريض بالقذف لا يوجب الحد، وقالوا: لما رفع الله تعالى الحرج في التعريض في النكاح، دل على أن التعريض بالقذف لا يوجب الحد، لأن الله سبحانه لم يجعل التعريض في النكاح قائما مقام التصريح. ورد عليهم بأن الله سبحانه وتعالى لم يأذن في التصريح بالنكاح في الخطبة، وأذن في التعريض الذي يفهم منه النكاح، فهذا دليل على أن التعريض يفهم منه القذف، والأعراض يجب صيانتها، وذلك يوجب حد المعرّض، لئلا يتطرق الفسقة إلى أخذ الأعراض بالتعريض الذي يفهم منه ما يفهم بالتصريح، ويلزم على قول الشافعية: أن التعريض بالقذف جائز مباح، كما أبيح التعريض بالخطبة بالنكاح «١».
٤- اختلف العلماء في الرجل يخطب امرأة في عدتها جاهلا، أو يواعدها ويعقد بعد العدة: فقال مالك في رواية أشهب وابن القاسم: إنه يفرّق بينهما إيجابا. وقال الشافعي: إن صرّح بالخطبة وصرحت له بالإجابة ولم يعقد النكاح، حتى تنقضي العدة، فالنكاح ثابت، والتصريح لهما مكروه، لأن النكاح حادث بعد الخطبة.
٥- إذا عقد على المعتدة في العدة، وبنى بها، فسخ الحاكم النكاح، لنهي الله عنه، وتأبد تحريمها عليه، فلا يحل نكاحها أبدا عند مالك والشعبي، وبه قضى عمر رضي الله عنه قائلا: «ثم لا يجتمعان أبدا»، لأنه استحل ما لا يحل، فعوقب بحرمانه، كالقاتل يعاقب بحرمانه ميراث من قتله.

(١) تفسير القرطبي: ٣/ ١٩٠، أحكام القرآن للجصاص الرازي: ١/ ٤٢٢

صفحة رقم 380

وقال الجمهور: يفسخ النكاح، فإذا انتهت عدتها، كان خاطبا من الخطاب، ولم يتأبد التحريم، لأن الأصل أنها لا تحرم إلا أن يقوم دليل على الحرمة: من كتاب أو سنة أو إجماع، وليس في المسألة شيء من هذا، ورأي الصحابي ليس حجة، وأنكر علي هذا القضاء من عمر، وقال المحدثون: هذا الأثر عن عمر منقطع، وقد روي عن مسروق: أن عمر رجع عن ذلك، وجعل لها مهرها، وجعلهما يجتمعان، ولذا جعل القرطبي رأي عمر مع الجمهور الذين احتجوا بإجماع العلماء على أنه لو زنى بها، لم يحرم عليه تزوجها، فكذلك وطؤه إياها في العدة. وهو قول علي وابن مسعود والحسن البصري.
٦- لا خلاف بين الفقهاء أن من عقد على امرأة زواجا، وهي في العدة من غيره أن النكاح فاسد، واتفق عمر وعلي أن النكاح الفاسد لا يوجب الحد، وذلك أمر متفق عليه مع الجهل بالتحريم، ومختلف فيه مع العلم بالتحريم.
واختلفوا هل تعتد منهما جميعا؟ وهذه مسألة العدتين.
قال مالك في رواية المدنيين عنه والشافعي وأحمد والليث وإسحاق: إنها تتم بقية عدتها من الأول، وتستأنف عدة أخرى من الآخر، وهو رأي عمر وعلي رضي الله عنهما، أي فعليها عدتان.
وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: إن عدتها من الثاني تكفيها من يوم فرّق بينه وبينها، سواء كانت بالحمل أو بالأقراء أو بالشهور. وحجتهم الإجماع على أن الأول لا ينكحها في بقية العدة منه، فدل على أنها في عدّة من الثاني، ولولا ذلك لنكحها في عدتها منه.
أجاب الأولون فقالوا: هذا غير لازم، لأن منع الأول من أن ينكحها في بقية عدتها إنما وجب لما يتلوها من عدة الثاني، وهما حقان قد وجبا عليها لزوجين، كسائر حقوق الآدميين، لا يدخل أحدهما في صاحبه.

صفحة رقم 381

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية