بعد انقضاء عدة، وقيل: المعروف هو وضعهن أنفسهن، أي في الأكفاء بمهر مثلهن. قد ذكرنا هذا فيما تقدم.
وقوله: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ (٢٣٥) قيل: (التعريض) هو أن يرى من نفسه الرغبة فيما يكنى به من الكلام، على ما ذكر في الخبر: أن فاطمة بنت قيس لما استشارت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فقال لها: " إذا انقضت عدتك فآذنيني، فاستأذنته في رجلين كانا خطباها، فقال لها: أما فلان فإنه لا يرفع العصا عن عاتقه، وأما فلان فإنه صعلوك لا شيء له؛ فعليك بأسامة بن زيد ". فكان قوله عليه
السلام: " فآذنيني " كناية خطاب إلى أن أشار على أسامة، دون ما ذكره أهل التأويل: " إنك لجميلة "، و " إنك لتعجبينني "، و " ما أجاوز إلى غيرك "، أو " إنك لنافعة "، ومثل هذا لا يحل أن يشافه لامرأة أجنبية لا يحل له نكاحها.
وفي الآية دلالة أن لا بأس للمتوفى عنها زوجها الخروج بالنهار لما ذكر من التعريض، لأن الرجل لا يأتيها منزلها فيعرض لها، ولكن المرأة قد تخرج من منزلها فتصير في مكان احتمال التعريض، فعند ذلك يقول لها ما ذكرنا. وعلى ذلك جاءت الآثار؛ رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " أن امرأة مات زوجها، فأتته، فاستأذنته للاكتحال، لم يأت أنه نهاها عن الخروج ". وما رُويَ عن عمر، وابن مسعود، رضيَ اللَّهُ تعالى عنهما، بالإذن لهن بالخروج بالنهار، والنهي عن البيتوتة في غير منزلهن. ولأن المتوفى عنها زوجها مؤنتها على نفسها، فلا بد لها من الخروج. وأما المطلقة فإن مؤنتها على زوجها، والزوج هو الذي يكفي مؤنتها ويزيح علتها؛ لذلك افترقا. واللَّه أعلم.
ثم (التعريض) لا يجوز في المطلقة لوجهين:
أحدهما: ما ذكرنا ألا يباح لها الخروج من منزلها ليلًا ولا نهارًا، والمتوفى عنها زوجها
يباح لها الخروج. وإنما ذكر اللَّه سبحانه وتعالى التعريض في المتوفى عنها زوجها، لم يذكره في المطلقة.
والثانى: أن في تعريض المطلقة اكتساب عداوة وبغض فيما بينه وبين زوجها؛ إذ العدة من حقه. دليله: أنه إذا لم يدخل بها لم تلزمها العدة، وأما المتوفى عنها زوجها لزمتها العدة وإن لم يدخل بها؛ لذلك يجوز التعريض في المتوفى عنها زوجها، ولا يجوز في المطلقة.
قال الشيخ: - رحمه اللَّه تعالى -: " ولأن زوجها في الطلاق حي، يعلم ما يحدث بينهما الضغن والمكروه في الحال، وليس ذلك في الوفاة ".
وقوله تعالى: (أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ)، يعني أخفيتم تزويجها في السر.
وقوله: (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ)
سرا وعلانية. وقيل: يعني الخطبة في العدة.
وقوله: (وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا)
قيل فيه بأوجه:
قيل: لا تأخذوا منهن عهدًا ألا يتزوجن غيركم.
وقيل: (لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا)، يعني الزنى. و (السر) الزنا في اللغة.
وقيل: (السر) الجماع؛ تقول: آتيك الأربعة والخمسة ونحوه.
ثم قال اللَّه تعالى: (إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا)
يقول لها قولا لينًا حسنًا، ولا يقول لها قولا يحملها على الزنى، أو على ما يظهر من نفسها الرغبة فيه، على ما ذكر في الآية: (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا)، وأن يعد لها عدة حسنة، أو أن يبر ويحسن إليها لترغيب فيه، ولا يقول لها ما لا يحل ولا يجوز. واللَّه أعلم.
وقوله: (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ)
قيل: هو على الإضمار، كأنه قال: " لاتعزموا على عقدة النكاح ".
وقيل: (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ)، لا تعقدوا (النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ)، يعني
بالكتاب: ما كتب عليها من العدة حتى تنقضي تلك.
وفيه دليل حرمتها على الأزواج لبقية الملك، فالخطاب للأجنبيين، لا للأزواج؛ إذ للأزواج الإقدام على النكاح وإن كن في عدة منهم.
قال الشيخ، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، في قوله: (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ): حمل على التحريم، وإن احتمل الذي هو بهذا المخرج غير التحريم؛ لاتفاق الأمة على صرف المراد إليه، ولقوله: (حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ)، أي: ما كتب عليها من التربص، ولما كان النهي عن ذلك بما لزمها العدة للزوج الأول فهي باقية بها على ما سبق من النكاح المحرِّم لها على غيره؛ فلذلك بقيت الحرمة، ولهذا جاز لمن له العدة النكاح فيها؛ إذ لا يجوز أن يمنع حقه. واللَّه أعلم.
وقوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ).
وهو حرف وعيد، أي يعلم ما تضمرون في القلوب وتظهرون باللسان من التعريض، (فَاحْذَرُوهُ) ولا تخالفوا أمره ونهيه.
وقوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ).
فيه إطماع المغفرة وإمهال العقوبة من ارتكب النهي وخالف أمره. واللَّه أعلم.
(وَاعْلَمُوا...) الآية، حذره علمه بما في أنفسهم، ليكونوا مراقبين له فيما أسروا وأعلنوا، وليعلموا أنهم مؤاخذون بما أضمروا من المعاصي والخلاف له، وأن الذي لا يؤاخذ به العبد هو الخطر بالبال، لا بالعزم عليه والاعتقاد.
ثم أخبر أنه (غَفُورٌ)؛ ليعلموا أن استتار ذلك مما غفره وأنهم قد استوجبوا بفعلهم الخزي، لكن اللَّه بفضله ستره عليهم ليشكروا عظيم نعمه، أو لئلا ييأسوا من رحمته فيستغفروه.
وذكر (حَلِيمٌ)؛ لئلا يغتروا بما لم يؤاخذوا بجزاء ما أضمروا في ذلك الوقت، فيظنون الغفلة عنه، كقوله عَزَّ وَجَلَّ: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢).
* * *
قوله تعالى: (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦) وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم