وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ
تفسير المفردات :
والتعريض في الكلام أن تفهم المخاطب ما تريد بضرب من الإشارة والتلويح بدون تصريح، والخطبة بكسر الخاء هي طلب الرجل المرأة للزواج بالوسائل المعروفة بين الناس، والإكنان في النفس هو ما يضمره مريد الزواج في نفسه ويعزم عليه من التزوج بالمرأة بعد انقضاء العدة، والقول المعروف ما لا يستحيا منه في المهاجرة كذكر حسن المعاشرة وسعة الصدر للزوجات إلى نحو ذلك.
وعزم الشيء وعزم عليه واعتزمه : إذا صمم على تنفيذه، والكتاب بمعنى المكتوب أي المفروض، وأجله : أي نهايته.
سورة البقرة
مدنية إلا آية إحدى وثمانين ومائتين، فقد نزلت بمنى في حجة الوداع، وهي آخر القرآن نزولا على ما قيل : وغالب السورة نزل أول الهجرة، وهي أطول سور القرآن، كما أن أقصرها سورة الكوثر، وأطول آية في القرآن هي آية الدين يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين الخ، وأقصرها قوله والضحى، وقوله والفجر.
الإيضاح :
أي ولا إثم ولا حرج على الرجل أن يعرض للمرأة ويلوح لها في أثناء عدة الزوج، أو عدة الطلاق البائن بأمر الزواج، لا في أثناء عدة الطلاق الرجعي، لأنها لا تزال في عصمة زوجها.
وللناس في كل عصر كنايات يستعملونها في مثل هذا، كأن يقول : إني أحب امرأة من صفتها كيت وكيت، أو يقول وددت لو أن الله وفقني لامرأة صالحة مثلك أو يقول : إني حسن الخلق، كثير الإنفاق، جميل العشرة، محسن إلى النساء، إلى نحو ذلك.
كذلك لا حرج عليه فيما يكتمه في نفسه ويعزم عليه من الزواج بها بعد انتهاء أجل العدة، لأن مثل هذا ما يتعسر الاحتراز منه، ومن ثم ذكره الله تعالى على وجه الترخيص بقوله :
عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ في أنفسكم ويشق عليكم أن تكتموا رغبتكم وتصبروا عن أن تبوحوا لهن بما انطوت عليه جوانحكم، ومن ثم رخص لكم في التعريض دون التصريح، فعليكم أن تقفوا عند حد الرخصة ولا تتجاوزوها.
وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا أي ولكن لا تواعدوهن على الزواج في السر فإن المواعدة على هذه الحال مدرجة للفتنة، ومظنة للقيل والقال، بخلاف التعريض فإنه يكون على ملأ من الناس، فلا عار فيه ولا عيب، ولا يكون وسيلة إلى ما لا تحمد عقباه.
وذهب جمهرة العلماء إلى أن السر هنا يراد به النكاح، أي لا تتعدوا معهن وعدا صريحا على التزوج بهن.
إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا أي لا تواعدوهن بالمستهجن، ولكن واعدوهن بقول معروف لا يستحيا منه في الجهر، كذكر حسن العشرة وسعة الصدر للزوجات إلى نحو ذلك.
والخلاصة – إنه لا يجوز أن يتحدثوا مع النساء المعتدات عدة الوفاة في أمر الزواج سرا، أو يتواعدوا معهن عليه، ولكن رخص لهم في التعريض الذي لا ينكر الناس مثله على مسمع منهن، ولا يعدونه خارجا من الاحتشام معهن.
وفائدة ذلك – أن يكون تمهيدا لهن، حتى إذا أتمت إحداهن العدة كانت عالمة بمن يرغب فيها، فإذا سبق المفضول ردته إلى أن يأتي الأفضل.
وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ أي ولا تصمموا تصميما جازما على الارتباط الشرعي مع معتدة الوفاة حتى تنتهي عدتها.
والخلاصة – إن التزوج بالمرأة في العدة محرم قطعا، بل الخطبة فيها محرمة، والعقد فيها باطل بإجماع المسلمين.
وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ أي واعلموا أن الله يعلم ما تضمرونه في قلوبكم من العزم على ما لا يجوز، فاحذروا أن تعزموا على ما حظر عليكم من قول أو فعل.
وقد جاء هذا التحذير عقب ذكر الأحكام المتقدمة على سنن القرآن من قرن الأحكام بالموعظة ترغيبا وترهيبا، ليكون آكدا في المحافظة عليها والعناية بها.
وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ أي واعلموا أن الإنسان إذا تعدى حدود الله وأراد الرجوع إليه بالتوبة يغفر له، وهو الحليم الذي لا يعجل بالعقوبة، بل يمهل عباده ليصلحوا بصالح أعمالهم ما أفسدوا بما سبق من زلاتهم، فعليكم أن تجتنبوا أسباب العقوبة، وتعملوا بما أمرتم به، وتغتنموا زمان الحياة القصيرة حتى لا تأسوا على ما فاتكم.
تفسير المراغي
المراغي