ثم إنه تعالى لما وصف شعراء الكفار بهذه الأوصاف استثنى شعراء المسلمين الذين كانوا يجيبون شعراء الجاهلية، ويهجون الكفار ويكافحون عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه منهم حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، فقال :
إِلاَّ الذين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالحات ١.
روي عن كعب بن مالك أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - «إِنَّ اللَّهَ قد أنزل في الشعراء ما أنزل، فقال : النبي - صلى الله عليه وسلم - :«إِنَّ المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل » وفي رواية قال له :«اهْجُهُمْ فوالذي نفسي بيده هو أشد عليهم من النبل »٢.
وكان يقول لحسان :«قُلْ فإنَّ روح القدس معك »٣.
واعلم أن الله تعالى وصفهم بأمور :
الأول : الإيمان، وهو قوله : إِلاَّ الذين آمَنُوا .
وثانيها : العمل الصالح، وهو قوله :«وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ».
وثالثها : أن يكون شعرهم في التوحيد والنبوة، ودعوة الحق، وهو قوله :[ وذكروا الله كثيراً ].
ورابعها : أنْ لا يذكروا هجواً إلا على سبيل الانتصار ممن يهجوهم وهو ]٤ وانتصروا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ٥ قال الله تعالى : لاَ يُحِبُّ الله الجهر بالسوء مِنَ القول إِلاَّ مَن ظُلِمَ [ النساء : ١٤٨ ]. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :«إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً »٦ وقالت عائشة٧ : الشعر كلام فمنه حسن ومنه قبيح فخذ الحسن ودع القبيح. وقال الشعبي : كان أبو بكر يقول الشعر، [ وكان عمر يقول الشعر ]٨، وكان عليٌّ أشعر الثلاثة. وروي عن ابن عباس أنه كان ينشد الشعر في المسجد ويستنشده٩.
وقوله : وَذَكَرُوا الله كَثِيراً أي١٠ : لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله، وانتصروا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا أي : انتصروا من المشركين، لأنهم بدأوا بالهجاء، ثم أوعد شعراء المشركين فقال : وَسَيَعْلَمُ الذين ظلموا أشركوا وهجوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ أيّ مرجع يرجعون بعد الموت.
قال ابن عباس : إلى جهنم والسعير١١.
قوله :«أَيَّ مُنْقَلَبٍ » منصوب على المصدر، والناصب له «يَنْقَلِبُونَ » وقُدِّم، لتضمنه معنى الاستفهام، وهو معلق ل «سَيَعْلَمُ » سادّاً مسدّ مفعوليها١٢.
وقال أبو البقاء :«أيَّ مُنْقَلَبٍ » صفة لمصدر محذوف، أي : ينقلبون انقلاباً أي منقلب، ولا يعمل فيه «سَيَعْلَمُ » لأنَّ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله١٣.
وهذا مردود بأن أيّاً الواقعة صفة لا تكون استفهامية، وكذلك الاستفهامية لا تكون صفة لشيء بل كل منهما قسم برأسه.
و «أي » تنقسم إلى أقسام كثيرة، وهي : الشرطية١٤، والاستفهامية١٥. والموصولة١٦، والصفة١٧، والموصوفة عند الأخفش خاصة١٨، والمناداة نحو : يا أيهذا١٩ والمُوصّلة لنداء ما فيه ( أل ) نحو : يا أيُّهَا الرجلُ. عند غير الأخفش٢٠، والأخفش يجعلها في النداء موصولة٢١.
وقرأ ابن عباس والحسن أَيَّ مُنْفَلَتٍ يَنْفَلِتُونَ بالفاء والتاء من فوق من الانفلات٢٢.
٢ أخرجه أحمد ٣/٤٥٦، ٤٦، ٦/٣٨٧..
٣ أخرجه أحمد ٤/٢٩٨، ٣٠١..
٤ ما بين القوسين سقط من الأصل، والانتصار في ب: الاقتصار. وما ذكرته أصوب..
٥ انظر الفخر الرازي ٢٤/١٧٦..
٦ أخرجه البخاري (أدب) ٤/٧٣، أبو داود (أدب) ٥/٢٧٧، الترمذي (أدب) ٤/٢١٦، ابن ماجه (أدب) ٢/١٢٣٥، والدارمي (استئذان) ٢/٢٩٧، أحمد ٣/٤٥٦، ٥/١٢٥..
٧ من هنا نقله ابن عادل عن البغوي ٦/٢٥٦-٢٥٧..
٨ ما بين القوسين سقط من الأصل..
٩ آخر ما نقله هنا عن البغوي ٦/٢٥٦-٢٥٧..
١٠ من هنا نقله ابن عادل عن البغوي ٦/٢٥٧-٢٥٨..
١١ آخر ما نقله هنا عن البغوي ٦/٢٤٧-٢٥٨..
١٢ انظر البيان ٢/٢١٧، البحر المحيط ٧/٤٩-٥٠..
١٣ التبيان ٢/١٠٠٢..
١٤ قال سيبويه: ( فما يجازى به من الأسماء غير الظروف: من، وما، وأيهم) الكتاب ٣/٥٦. وانظر المغني ١/٧٧..
١٥ قال سيبويه: ( وسألته - يعني أبا الخطاب الأخفش- عن أيِّهم، لم لم يقولوا: أَيَّهم مررتَ به؟ وإنما تُرِكت الألف استغناء فصارت بمنزلة الابتداء، ألا ترى أن حد الكلام أن تؤخِّر الفعل فتقول: أيَّهم رأيت، كما تفعل ذلك بالألف، فهي نفسها منزلة الابتداء) الكتاب ١/١٢٦. وانظر المغني ١/٧٧..
١٦ قال سيبويه: ( وتقول: أيُّهَا تشاء لك، فـ (تشاءُ) صلةٌ لـ (أيُّهَا) حتى كمل اسماً، ثم بنيت (لك) على (أيها)، كأنك قلت: الذي تشاء لك) الكتاب ٢/٣٩٨..
١٧ قال سيبويه: (ومن النعت أيضاً: مررت برجل أيِّما رجل، فأيِّما نعت للرجل في كماله وَبذِّه غيره، كأنه قال: مررت برجل كامل) الكتاب ١/٤٢٢ وقال ابن هشام: (أن تكون دالة على معنى الكمال، فتقع صفة للنكرة نحو: زيد رجل أيّ رجل. أي: كامل في صفات الرجال، وحالاً للمعرفة كمررت بعبد الله أيَّ رجل) المغني ١/٧٨، ولا يوصف بـ (أي) إلا أن تكون مضافة، قال سيبويه: (... وكذلك أي، لا تقول: هذا رجل أي) الكتاب ٣/٢٥..
١٨ قال أبو حيان: (... فأي تكون شرطية واستفهامية وموصولة ووصفاً على مذهب الأخفش موصوفة بنكرة نحو: مررت بأي معجب لك) البحر المحيط ٧/٥٠. وقال ابن هشام بعد أن ذكر أن الأخفش زعم أن أيًّا في (يا أيّها الرجل) لا تكون وصلَة إلى نداء ما فيه (ال) وإنما هي موصول: (.... وزاد قسماً، وهو: أن تكون نكرة موصوفة نحو: مررت بأي معجب لك، كما يقال: بمن معجب لك، وهذا غير مسموع) المغني ١/٧٩..
١٩ في ب: يا هذا..
٢٠ ظاهر عبارة ابن عادل أن (أي) في النداء قسمان: مناداة وتوصف اسم الإشارة، ووصلة لنداء ما فيه (ال) وهما عند النحاة قسم واحد، قال سيبويه: (وأما قولك: يا أيها ذا الرجل، فإن (ذا) وصف لـ (أي) كما الألف واللام وصف، لأنه مبهم مثله، فصار صفةً له كما صار الألف واللام وما أضيف إليها صفة للألف واللام) الكتاب ٢/١٩٣..
٢١ وعبارة الأخفش صريحة في أنَّ (أيّ) في النداء موصوفة لا موصولة، قال في معرض حديثه عن قوله تعالى: إنّ الله نِعمّاً يَعظُكُمْ به [النساء: ٥٨]: (فإن قيل: كيف تكون (ما) اسماً وحدها وهي لا يتكلم بها وحدها؟ قلت: هي بمنزلة (يا أيها الرجل)، لأن (أيا) ههنا اسم ولا يتكلم به وحده حتى يوصف فصار (ما) مثل الموصوف ههنا، لأنك إذا قلت: غَسلتُهُ غَسْلاً نعما. فإنك تريد المبالغة والجودة) معاني القرآن ١/١٩٢..
٢٢ المختصر (١٠٨)، البحر المحيط ٧/٤٩..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود