تمهيد :
كانت للكهان منزلة عالية في الجاهلية، ولهم سجع وتنبؤ بأخبار المستقبل، ولما أرسل الله محمدا صلى الله عليه وسلم، وشاهدوا القرآن وبلاغته وسحره وأسره، واستبعدوا أن يكون هذا القرآن من كلام بشر، فادعوا أن الشياطين تتنزل على محمد فتلقي عليه هذا الكلام، كما تلقي على الكهان، وهنا يوضح القرآن أن الشياطين مردة، منهجهم الإغراء بالشر، والنزول على الكهان الكذابين، فكلاهما من فصيلة واحدة، أما القرآن فمنهجه الدعوة إلى الحق والعدل والإيمان، ومحمد صلى الله عليه وسلم معروف أنه صادق أمين.
المفردات :
المنقلب : المرجع.
التفسير :
٢٢٧- إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .
كان من الشعراء مؤمنون صادقون، دافعوا عن الإسلام، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم واتصفوا بصفات أربع :
١-الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
٢- عملوا أعمالا صالحة كالجهاد والصلاة والصدقة، وقول الشعر الذي يرسم المثل الأعلى، ويمدح الإسلام ورسوله، ويهجو الشرك وأهله.
٣-ذكر الله ذكرا كثيرا وتمجيده وتحميده والثناء عليه.
٤-الانتصار للحق والدين والإسلام، بعد هجاء المشركين، ونيلهم من الإسلام وأهله.
فهذه الآية ردّت لشعراء المؤمنين اعتبارهم، وشجعتهم على المضي في طريق القول الجيد المفيد، وقد روى التاريخ لنا مآثر من شعر الخلفاء الراشدين، وفي تفسير القرطبي نماذج طيبة من ذلك.
وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون
وهذه الآية وعيد عام لكل شاعر ظلم الحق والحقيقة، أو لكل كفار مكة، واختار بعض اختار بعض المفسرين أن الآية وعيد لكل ظالم، بأنه سيلقى جزاءه في الدنيا والآخرة، وسيعلم أي مرجع يرجع إليه، وأي مصير يصير إليه.
فإن مرجعهم إلى العقاب وهو شر مرجع، ومصيرهم إلى النار وهي أقبح مصير.
وهكذا تختم سورة الشعراء، التي واست النبي صلى الله عليه وسلم، وذكرت قصص سبع من الأمم السابقة، أهلك العذاب منهم المكذبين، ونجى الله المؤمنين، ثم تختم في آخرها بهذه الفقرة تهديدا للظالمين، ووعيدا للكافرين.
من كتب التفسير
١-قال الطبري :
في قوله تعالى : ألم تر أنهم في كل واد يهيمون
هذا مثل ضربه الله لهم في افتنانهم في الوجوه التي يفتنون فيها بغير حق، فيمدحون بالباطل قوما، ويهجون آخرين.
٢-وقال أبو حيان في البحر المحيط :
أخبر تعالى عن الشعراء بالأحوال التي تخالف حال النبوة، إذ أمرهم كما ذكر من اتباع الغواة لهم، وسلوكهم أفانين الكلام من مدح الشيء وذمّه، ونسبة ما لا يقع منهم إليهم، وهذا مخالف لحال النبوة فإنها طريقة واحدة لا يتبعها إلا الراشدون.
٣-وجاء في تفسير ابن كثير :
قال ابن عباس : وعكرمة، ومجاهد، وغير واحد : إن الآية الأخيرة في سورة الشعراء : إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا... استثناء من عموم قوله تعالى : والشعراء يتبعهم الغاوون وهي تخص شعراء الإسلام كحسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، وكل من سلك مسلكهم.
وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحسان :( اهجهم وجبريل معك )xxiv.
وقال الإمام أحمد، عن عبد الرحمان بن كعب بن مالك، عن أبيه، أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم :( إن الله عز وجل قد أنزل في الشعراء ما أنزل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل )xxv أخرجه الإمام أحمد في المسند.
٤-وجاء في تفسير الكشاف للزمخشري ما يأتي :
ذكر أن الفرزدق أنشد أبياتا عند سليمان بن عبد الملك، وكان في ضمنها قوله للنساء العذارى :
فبتن كأنهن مصرعات *** وبت أفض أغلاق الختام
فقال له سليمان : قد وجب عليك الحد، فقال : يا أمير المؤمنين، إن الله قد درأ عني الحد بقوله : ألم تر أنهم في كل واد يهيمون*وأنهم يقولون ما لا يفعلون فعفا عنه.
٥-نقل القرطبي جانبا كبيرا من شعر الذين آمنوا، ومنه قصيدة " بانت سعاد " لكعب بن زهير، وأبيات لحسان بن ثابت، وهي أبيات ذكرها الإمام مسلم في صحيحهxxvi، وهي في السير أتم، ومنها قوله لأبي سفيان :
هجوت محمدا فأجبت عنه *** وعند الله في ذاك الجزاء
وإن أبي ووالده وعرضي *** لعرض محمد منكم وفاء
أتشتمه ولست له بكفء *** فشركما لخيركما الفداء
لساني صارم لا عيب فيه *** وبحري لا تكدّره الدّلاء
وقال كعب بن مالك :
جاءت سخينة كي تغالب ربّها *** وليغلبنّ مُغالبُ الغَلاّب
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة