وقيل: هم شعراء قريش: عبد الله بن الزبعرى، وهبيرة بن أبى وهب المخزومي، ومسافع بن عبد مناف، وأبو عزة الجمحىّ. ومن ثقيف: أمية ابن أبى الصلت. قالوا: نحن نقول مثل قول محمد- وكانوا يهجونه، ويجتمع إليهم الأعراب من قومهم يستمعون أشعارهم وأهاجيهم- وقرأ عيسى بن عمر: والشعراء، بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر. قال أبو عبيد: كان الغالب عليه حبّ النصب. قرأ: حَمَّالَةَ الْحَطَبِ، وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ وسُورَةٌ أَنْزَلْناها «١» وقرئ: يتبعهم، على التخفيف. ويتبعهم، بسكون العين تشبيها «لبعه بعضد».
ذكر الوادي والهيوم: فيه تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول واعتسافهم وقلة مبالاتهم بالغلق في المنطق ومجاوزة حدّ القصد فيه، حتى يفضلوا أجبن الناس على عنترة، وأشحهم على حاتم، وأن يبهتوا البرىّ «٢»، ويفسقوا التقى. وعن الفرزدق: أن سليمان بن عبد الملك سمع قوله:
فبتن بجانبىّ مصرّعات... وبت أفض أغلاق الختام «٣»
فقال: قد وجب عليك الحدّ، فقال: يا أمير المؤمنين قد درأ الله عنى الحدّ بقوله: وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ.
[سورة الشعراء (٢٦) : آية ٢٢٧]
إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)
استثنى الشعراء المؤمنين الصالحين الذين يكثرون ذكر الله وتلاوة القرآن، وكان ذلك أغلب عليهم من الشعر، وإذا قالوا شعرا قالوه في توحيد الله والثناء عليه، والحكمة والموعظة، والزهد والآداب الحسنة، ومدح رسول الله ﷺ والصحابة وصلحاء الأمة،
(٢). قوله «وأن يبهتوا البرى» أى يتهموا. (ع)
(٣).
خرجن إلى لم يطمئن قبلي... وهن أصح من بيض النعام
فبتن بجانبي مصرعات... وبت أفض أغلاق الختام
للفرزدق، يقول: خرج النسوة إلى من خدورهن حال كونهن لم يطمئن، أى لم يزل بكارتهن أحد قبلي، وأكد ذلك بقوله: وهن أصح من بيض النعام الذي يصان عادة عن الكسر، لئلا تذهب زينته، فبتن مطروحات عن يمينى وشمالي، وبت أفض: أفتح وأزيل بكارتهن الشبيهة بأغلاق الختام لسدها الفروج، والأغلاق جمع غلق كسبب، بمعنى الأقفال. والختام: ما يسد به فم الزجاجة ونحوها، فاضافتها إليه بيانية. أو من إضافة المسميات إلى الاسم كأعواد السواك. ويجوز أن الختام بمعنى المختوم وهو الفرج، ويمكن أن يراد بالأغلاق: جوانب البكارة المشتبكة بالفرج وشبه البكارات أو جوانبها بالأغلاق على طريق التصريح، ولما سمع سليمان بن عبد الملك ذلك، قال: قد وجب عليك الحمد، فقال: قد درأه الله عنى بقوله: وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ فخلى سبيله.
وما لا بأس به من المعاني التي لا يتلطخون فيها بذنب ولا يتلبسون بشائنة ولا منقصة، وكان هجاؤهم على سبيل الانتصار ممن يهجوهم. قال الله تعالى لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وذلك من غير اعتداء ولا زيادة على ما هو جواب لقوله تعالى فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وعن عمرو بن عبيد: أن رجلا من العلوية قال له: إن صدري ليجيش بالشعر، فقال: فما يمنعك منه فيما لا بأس به؟ والقول فيه: أن الشعر باب من الكلام، فحسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام. وقيل: المراد بالمستثنين: عبد الله بن رواحة، وحسان ابن ثابت، والكعبان: كعب بن مالك، وكعب بن زهير، والذين كانوا ينافحون عن رسول الله ﷺ ويكافحون هجاة قريش. وعن كعب بن مالك أنّ النبي ﷺ قال له: «اهجهم، فو الذي نفسي بيده لهو أشدّ عليهم من النبل» «١» وكان يقول لحسان: «قل وروح القدس معك» «٢». ختم السورة بآية ناطقة بما لا شيء أهيب منه وأهول، ولا أنكى لقلوب المتأمّلين ولا أصدع لأكباد المتدبرين، وذلك قوله وَسَيَعْلَمُ وما فيه من الوعيد البليغ، وقوله الَّذِينَ ظَلَمُوا وإطلاقه. وقوله أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ وإبهامه، وقد تلاها أبو بكر لعمر رضى الله عنهما حين عهد إليه «٣» : وكان السلف الصالح يتواعظون بها ويتناذرون شدّتها.
وتفسير الظلم بالكفر تعليل «٤»، ولأن تخاف فتبلغ الأمن: خير من أن تأمن فتبلغ الخوف.
وقرأ ابن عباس: أى منفلت ينفلتون. ومعناها: إن الذين ظلموا يطمعون أن ينفلتوا من عذاب
إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه. والذي نفس محمد بيده لكأنما تنضحونهم بالنبل» قلت: وأخرجه من هذا الوجه وقال ابن سعد في الطبقات: أخبرنا عبد الوهاب أخبرنا ابن عوف عن ابن سيرين «أن النبي ﷺ قال لكعب بن مالك: هيه: فأنشده. فقال: «لهو أشد عليهم من وقع النبل» ولمسلم عن عائشة مرفوعا «اهجوا قريشا فانه أشد عليها من رشق النبل» وللترمذي والنسائي من حديث ثابت عن أنس في أثناء حديث: فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «خل عنهم يا عمر، فلهو أسرع فيهم من نضح النبل».
(٢). متفق عليه من حديث البزار. ولفظ النسائي: قال لحسان: اهج المشركين، فان روح القدس معك» وللحاكم وابن مردويه من طريق مجالد عن الشعبي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم. قال يوم الأحزاب: «من يحمى أعراض المسلمين؟ فقال حسان: أنا. قال: فقم اهجهم، فان روح القدس سيعينك».
(٣). أخرجه ابن أبى حاتم من طريق محمد بن عبد الرحمن بن المحسر عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت «كتب أبى وصية فذكرها وفي آخرها: وإن تجر وتظلم فانى لا أعلم الغيب. وسيعلم الذين ظلموا- الآية» ورواه ابن سعد في الطبقات في ترجمة أبى بكر عن الواقدي بأسانيد متعددة مطولا.
(٤). قوله «وتفسير الظلم بالكفر تعليل» لعله من علله بالشيء، أى: لهاء به، كما يعلل الصبى بشيء من الطعام يجتزأ به عن اللبن، كما في الصحاح. (ع)
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشريّ، جار الله، أبو القاسم