ﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽ

إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثير وانتصروا من بعد ما ظلموا استثنت هذه الآية من الشعراء المبطلين، وأتباعهم المقبوحين، وشعرهم المموه المزور الذي قد يبهتون به البريء النقي، ويفسقون به البر التقي- استثنت الشعراء المؤمنين الصالحين، الذاكرين الله تعالى كثيرا، والمنافحين عن الحق والدين، والمجاهدين بألسنتهم وشعرهم أهل الكفر والفاجرين، يقول صاحب الجامع لأحكام القرآن : استثنى شعر المؤمنين : حسان بن ثابت، وعبد الله ابن رواحة، وكعب بن مالك، وكعب بن زهير، ومن كان على طريقهم من القول الحق. اه
روى مسلم من حديث عمرو بن الشريد عن أبيه قال : ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال :" هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء " ! قلت : نعم، قال :" هيه " فأنشدته بيتا، فقال :" هيه " ثم أنشدته بيتا : فقال :" هيه " حتى أنشدته مائة بيت، وفي هذا دليل على حفظ الأشعار والاعتناء بها إذا تضمنت الحكم والمعاني المستحسنة شرعا وطبعا، وإنما استكثر النبي صلى الله عليه وسلم من شعر أمية، لأنه كان حكيما، ... وفي الصحيح أيضا عن أبي سعيد الخدري قال : بينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عرض شاعر ينشد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" خذوا الشيطان- أو أمسكوا الشيطان- لأن يمتلئ جوف رجل قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا " قال علماؤنا : وإنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا مع هذا الشاعر لما علم من حاله، فلعل هذا الشاعر كان ممن قد عرف من حاله أنه قد اتخذ الشعر طريقا للتكسب، فيفرط في المدح إذا أعطي، وفي الهجو والذم إذ منع، فيؤذي الناس في أموالهم وأعراضهم، ولا خلاف في أن من كان على مثل هذه الحالة فكل ما يكتسبه بالشعر حرام، وكل ما يقوله من ذلك حرام عليه، ولا يحل الإصغاء إليه، بل يجب الإنكار عليه، فإن لم يمكن ذلك لمن خاف من لسانه-قطعا- تعين عليه أن يداريه بما استطاع، ويدافعه بما أمكن، ولا يحل له أن يعطي شيئا ابتداء، لأن ذلك عون على المعصية، فإن لم يجد من ذلك بدا أعطاه بنية وقاية العرض، فما وقي به المرء عرضه كتب له به صدقة.
قال الشافعي : الشعر نوع من الكلام، حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام... وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الشعر الذي يرد به حسان على المشركين :" إنه لأسرع فيهم من رشق النبل " أخرجه مسلم، وروى الترمذي وصححه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء وعبد الله بن رواحة يمشي بين يديه ويقول :
خلوا بني الكفار عن سبيله *** اليوم نضربكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مقيله *** ويذهل الخليل عن خليله
فقال عمر : يابن رواحة ! في حرم الله وبين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى عليه وسلم :" خل عنه يا عمر فلهو أسرع فيهم من نضح النبل "..
مما قال ابن العربي... وقد أنشد كعب بن زهير النبي صلى الله عليه وسلم :
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول *** متيم إثرها لم يفد مكبول
فجاء في هذه القصيدة من الاستعارات والتشبيهات بكل بديع، والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع ولا ينكر في تشبيهه ريقها بالراح، وأنشد أبو بكر رضي الله عنه :
فقدنا الوحي إذ وليت عنا *** وودعنا من الله الكلام
سوى ما قد تركت لنا رهينا *** توارثه القراطيس الكرام
فقد أورثتنا ميراث صدق *** عليك به التحية والسلام
فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمعه، وأبو بكر ينشده، فهل للتقليد والاقتداء موضع أرفع من هذا، قال أبو عمر : ولا ينكر الحسن من الشعر أحد من أهل العلم ولا من أولي النهي، وليس أحد من كبار الصحابة وأهل العلم وموضع القدوة إلا وقد قال الشعر، أو تمثل به، أو سمعه فرضيه ما كان حكمة أو مباحا، ولم يكن فيه فحش ولا خنا، ولا لمسلم أذى، فإذا كان كذلك فهو والمنثور من القول سواء، لا يحل سماعه ولا قوله، .. وأما الشعر المذموم الذي لا يحل سماعه وصاحبه ملوم، فهو المتكلم بالباطل، حتى يفضلوا أجبن الناس على عنترة، وأشحهم على حاتم... روى عن الفرزدق أن سليمان بن عبد الملك سمع قوله :
فبتن بجانبي مصرعات *** وبت أفض أغلاق الختام
فقال : قد وجب عليك الحد، فقال يا أمير المؤمنين قد درأ الله عني الحد بقوله : وأنهم يقولون ما لا يفعلون ]١.
وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون تحذير من بطش ربنا الشديد، ووعيد لكل جبار عنيد، أن عقبى الكافرين النار، ومصيرهم الخسار والبوار، في هذه الحياة الدنيا، وفي دار القرار، [ والفرق بين المنقلب والمرجع أن المنقلب الانتقال إلى ضد ما هو فيه، والمرجع : العود من حال هو فيها إلى حال كان عليها.. ]٢ فإن كان المفسد يطمع في أنه سيفلت من عذاب الله، فسيعلم أنه ليس له قبل بوجه من وجوه الانفلات ولا النجاة، وآخر دعوانا أن الحمد لله.

١ ما بين العلامتين[ ] مما أورد القرطبي، بتصرف..
٢ ما بين العلامتين[ ] مما أورد القرطبي، بتصرف.

فتح الرحمن في تفسير القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

تعيلب

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير