ﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽ

(إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) أي دخلوا في حزب المؤمنين، وعملوا بأعمالهم الصالحات (وذكروا الله كثيراً) في أشعارهم ولم يشغلهم الشعر عن ذكر الله كابن رواحة، وحسان بن ثابت، وكعب بن مالك وكعب ابن زهير رضي الله تعالى عنهم. وعن عروة، قال: لما نزلت والشعراء إلى قوله ما لا يفعلون، قال عبد الله بن رواحة يا رسول الله قد علم الله أني منهم

صفحة رقم 429

فأنزل الله إلا الذين آمنوا إلى قوله ينقلبون وروي نحو هذا من طرق.
(وانتصروا من بعد ما ظلموا) كمن يهجو منهم من هجاه أو ينتصر لعالم أو فاضل، كما كان يقع من شعراء النبي - ﷺ - فإنهم كانوا يهجون من يهجوه، ويحمون عنه ويذبون عن عرضه، ويكافحون شعراء المشركين وينافحونهم.
ويدخل في هذا من انتصر بشعره لأهل السنة، وكافح أهل البدعة وزيف ما يقول شعراؤهم من مدح بدعتهم، وهجو السنة المطهرة كما يقع ذلك كثيراً من شعراء الرافضة ونحوهم، فإن الانتصار للحق بالشعر وتزييف الباطل به من أعظم المجاهدة، وفاعله من المجاهدين في سبيل الله المنتصرين لدين الله القائمين بما أمر الله بالقيام به.
واعلم أن الشعر في نفسه ينقسم إلى أقسام فقد يبلغ ما لا خير فيه منه إلى قسم الحرام. وقد يبلغ ما فيه خير منه إلى قسم الواجب، وقد وردت أحاديث في ذمه وذم الاستكثار منه، ووردت أحاديث أخر في إباحته وتجويزه، والكلام في تحقيق ذلك يطول.
وأخرج أحمد والبخاري في تاريخه، وأبو يعلى وابن مردويه عن كعب بن مالك أنه قال للنبي - ﷺ -: " إن الله قد أنزل في الشعراء ما أنزل فكيف ترى فيه؟ فقال: إن المؤمن يجاهد نفسه بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأن ما ترموهم به نضح النبل ".
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن أبي سعيد قال: بينما نحن نسير مع رسول الله - ﷺ - إذ عرض شاعر ينشد فقال النبي - ﷺ -: " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً ".
وأخرج الديلمي مرفوعاً عن ابن مسعود: الشعراء الذين يموتون في الإسلام يأمرهم الله أن يقولوا شعراً يتغنى به الحور العين لأزواجهن في الجنة، والذين ماتوا في الشرك يدعون بالويل والثبور في النار.

صفحة رقم 430

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إن من الشعر لحكمة ".
قال: وأتاه قريظة بن كعب وعبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت، فقالوا: إنا نقول الشعر وقد نزلت هذه الآية فقال رسول الله - ﷺ -: " اقرأوا " فقرأوا والشعراء إلى قوله: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) فقال: أنتم هم وذكروا الله كثيراً، فقال " أنتم هم "، وانتصروا من بعد ما ظلموا فقال: " أنتم هم ".
وأخرج ابن سعد، وابن أبي شيبة عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله - ﷺ - لحسان بن ثابت: أهج المشركين فإن جبريل معك.
وأخرج أحمد وابن سعد عن أبي هريرة قال: مر عمر بحسان وهو ينشد في المسجد فلحظ إليه فنظر إليه فقال قد كنت أنشد فيه وفيه من هو خير منك فسكت ثم التفت حسان إلى أبي هريرة فقال: أنشدك بالله هل سمعت رسول الله - ﷺ - يقول أجب عني اللهم أيده بروح القدس؟ قال: نعم.
وأخرج ابن أبي شيبة عن بريدة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إن من الشعر حكماً ".
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود عن النبي - ﷺ -: " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً يريه خير من أن يمتلئ شعراً ".
وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً يريه خير من أن يمتلئ شعراً ".
وفي الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً: " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً ".
قال في الصحاح ورى القيح جوفه يريه ورياً إذا أكله.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " حسن الشعر كحسن الكلام وقبيح الشعر كقبيح الكلام ". قال القرطبي: رواه إسماعيل عن

صفحة رقم 431

عبد الله بن عوف الشامي؛ وحديثه عن أهل الشام صحيح فيما قال يحيى بن معين وغيره.
وأخرج مسلم من حديث عمرو بن الشريد عن أبيه قال: ردفت رسول الله - ﷺ - فقال: " هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت؟ " قلت نعم، قال: " هيه "، فأنشدته بيتاً فقال: " هيه ". ثم أنشدته بيتاً، فقال: " هيه "، حتى أنشدته مائة بيت.
وقال الشعبي: كان أبو بكر يقول الشعر، وكان عمر يقول الشعر، وكان عثمان يقول الشعر، وكان عليّ أشعر من الثلاثة. وعن ابن عباس أنه كان ينشد الشعر ويستنشده في المسجد فروى أنه دعا عمر بن أبي ربيعة المخزومي فاستنشده قصيدة فأنشده إياها؛ وهي قريب من تسعين بيتاً، ثم إن ابن عباس أعاد القصيدة جميعها وكان حفظها من مرة واحدة.
وروى البخاري عن أُبي بن كعب أن رسول الله - ﷺ - قال: " إن من الشعر حكمة " وقالت عائشة: الشعر كلام فمنه حسن ومنه قبيح، فخذ الحسن ودع القبيح ولآزاد البلجرامي رحمه الله في بيان حكم الشعر كلام لطيف في كتابه تسلية الفؤاد، إن شئت فارجع إليه، ثم ختم سبحانه هذه السورة بآية جامعة للوعيد كله فقال:
(وسيعلم) وفيه تهديد شديد؛ وتهويل عظيم؛ وكذا في إطلاق (الذين ظلموا) وإبهام (أي منقلب ينقلبون)؟ بعد الموت، وخص بعضهم هذه الآية بالشعراء؛ ولا وجه لذلك، فإن الاعتبار بعموم اللفظ، وقد تلاها أبو بكر لعمر حين عهد إليه، وكان السلف يتواعظون بها. قال ابن عطاء سيعلم المعرض عنا ما الذي فاته منا. والمعنى ينقلبون منقلباً أي منقلب، والمراد جهنم. وقدم (أي) لتضمنه معنى الاستفهام.
قال أبو البقاء: ولا يعمل فيه (سيعلم) لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، بل هو معلق عن العمل فيه وهذا الذي قاله مردود بأن أيا الواقعة صفة لا

صفحة رقم 432

تكون استفهامية، وكذلك الاستفهامية لا تكون صفة، بل هما قسمان كل منهما قسم برأسه و (أي) تنقسم إلى أقسام كثيرة. قال النحاس وحقيقة القول في ذلك الاستفهام معنى، وما قبله معنى آخر، فلو عمل فيه ما قبلها لدخل بعض المعاني في بعض، والله أعلم.
وقال القرطبي: معناه أي مصير يصيرون؟ وأي مرجع يرجعون؟ لأن مصيرهم إلى النار وهو أقبح مصير، ومرجعهم إلى العذاب، وهو شر مرجع. والفرق بين المنقلب والمرجع أن المنقلب الانتقال إلى ضد ما هو فيه؛ والمرجع العود من حال هو فيها إلى حال كان عليها، فصار كل مرجع منقلباً، وليس كل منقلب مرجعاً ذكره الماوردي.
والمعنى عند الحسن وابن عباس أنّ الظالمين يطمعون في الانقلاب من عذاب الله، والانفكاك منه، ولا يقدرون على ذلك. وعن فضالة بن عبيد في الآية قال هؤلاء الذين يخربون البيت. والْحَمدُ لله رَب العَالَمِينَ

صفحة رقم 433

خاتمة الجزء التاسع
تم بعون الله الجزء التاسع من فتح البيان في مقاصد القرآن ويليه الجزء العاشر وأوله تفسير سورة النمل.

صفحة رقم 435

فتحُ البيان في مقاصد القرآن
تفسِير سَلفي أثري خالٍ منَ الإِسرَائيليّاتِ والجَدليَّاتِ المذهبية والكلامية يغني عَن جميع التفاسِير وَلا تغني جميعُهَا عَنه
تأليف: السيد الإمام العلامة الملك المؤيد من الله الباري آبي الطيب صديق بن حسن بن علي الحسين القنوجي النجاري ١٢٤٨ - ١٣٠٧ هـ
عني بطبعهِ وقدّم له وراجعه: خادم العلم عَبد الله بن إبراهيم الأنصَاري
الجزء العاشر
المَكتبة العصريَّة
صَيدَا - بَيروت

صفحة رقم 1

جَمِيع الحُقُوق محفُوظَة
١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م
شركة أبناء شريف الأنصاري للطباعة والنشر والتوزيع
المَكتبة العصريَّة للطبَاعة والنّشْر
الدار النموذجية ــ المكتبة العصرية
بَيروت - صَ. ب ٨٣٥٥ - تلكس LE ٢٠٤٣٧ SCS
صَيدَا - صَ. ب ٢٢١ - تلكس LE ٢٩١٩٨

صفحة رقم 2

فتح البيان في مقاصد القرآن

صفحة رقم 3

الجزء العاشر

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

ويشتمل على:
- سورة النمل
- سورة القصص
- سورة العنكبوت
- سورة الروم
- سورة لقمان

صفحة رقم 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سورة النمل
(هي ثلاث أو أربع أو خمس وتسعون آية)
قال القرطبي: وهي مكية كلها في قول الجميع، وبه قال ابن عباس، وعن ابن الزبير مثله.

صفحة رقم 7

بسم الله الرحمن الرحيم

طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)

صفحة رقم 9

فتح البيان في مقاصد القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي

راجعه

عبد الله بن إبراهيم الأنصاري

الناشر المَكتبة العصريَّة للطبَاعة والنّشْر
سنة النشر 1412
عدد الأجزاء 15
التصنيف التفسير
اللغة العربية