قلت :" أيَّ منقلب " : مفعول مطلق لينقلبون، والأصل : ينقلبون أيّ انقلاب، وليست " أيا " : مفعول " يعلم " لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. وجملة :" ينقلبون " : مُعَلَّقٌ عنها العامِلُ، فهي محل نصب ؛ على قاعدة التعليق، فإنه في اللفظ دون المحل.
ثم استثنى الشعراء المؤمنين، فقال : إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ ؛ كعبد الله بن رواحة، وحسّان، وكعب بن زهير، وكعب بن مالك. وذكروا الله كثيراً أي : كان ذكر الله وتلاوة القرآن أغلب عليهم من الشعر، وإذا قالوا الشعر قالوا في توحيد الله والثناء عليه، والحكمة والموعظة، والزهد والأدب، ومدح الرسول صلى الله عليه وسلم والأولياء.
وأحق الخلق بالهجاء من كَذَّبَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهجاه. وعن كعب بن مالك : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" أهْجُهُمْ، فَوَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُو أشدُّ عَلَيْهِمْ مِن رَشْقِ النَّبْلِ١ "، وكان يقول لحسّان :" قل، وروح القدس معك٢ ".
وانتصروا من بعد ما ظُلِمُوا أي : ردوا على المشركين، الذين هجوا النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. وروي أنه لما نزلت الآية : جاء حسان، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، يبكون، فقالوا يا رسول الله : أنزل الله تعالى هذه الآية، وهو يعلم أنا شعراء ؟ فقال :" اقرؤوا ما بعدها : إلا الذين آمنوا. . . هم أنتم وانتصروا، هم أنتم ".
ومرَّ عمر رضي الله عنه وحسان رضي الله عنه ينشد الشعر في المسجد، فَلَحَظَ إليه، فقال : كنتُ أُنْشِدُ فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال : أَنْشُدُكَ بالله، أسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول :" أجبْ عني، اللهم أيِّدْه بروح القدس " قال : اللهم نعم٣.
وَسَيَعْلَمُ الَّذِين ظَلَمُوا أيَّ مُنَقلَبٍ يَنقَلِبُونَ ؛ أيَّ مرجع يرجعون إليه، وهو تهديد شديد، ووعيد أكيد ؛ لما في سيعلم من تهويل متعلقة، وفي الذين ظلموا من الإطلاق والتعميم. وفي أي منقلب ينقلبون من الإبهام والتهويل. وتلاها أبو بكر لعمر رضي الله عنه حين عهد إليه، وكان السلف يتواعظون بها. و المعنى : سيعلم أهل الظلم ما تكون عاقبتهم، حين يقدمون عليَّ، وأيَّ منقلب ينقلبون، حين يفدون إليّ. اللهم ثبت أقدامنا على المنهاج القويم، حين نلقاك يا أرحم الراحمين.
وقوله تعالى : وانتصروا من بعدما ظلموا ، أي : جاروا على نفوسهم بعدما جارت عليهم، وقهروها بعد ما قَهَرَتْهُمْ. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون قال ابن عطاء : سيعلم المعرض عنا ما فاته منا. هـ. وفي الحكم :" ماذا فقد مَنْ وَجَدَكَ، وما الذي وجد مَنْ فَقَدَكَ ؟ لقد خاب من رضي دونك بدلاً، ولقد خسر من بغى عنك مُتَحَولاً، كيف يُرْجَى سِوَاك وأنت ما قَطَعْتَ الإحسانَ، أم كيف يطلب من غيرك وأنت ما بدلت عادة الامتنان ؟ " وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
٢ أخرجه البخاري في المغازي حديث ٤١٢٣، ٤١٢٤..
٣ أخرجه البخاري في الصلاة حديث ٤٥٣، ومسلم في فضائل الصحابة حديث ١٥١..
الإشارة : هل أنبئكم على قَلْبِ مَنْ تَنَزَّلَتْ الشياطينُ، وسكنت فيه، تنزل على قلب كل أفاك أثيم، خارب من النور، محشو بالوسواس والخواطر، يلقون السمع إلى هرج الدنيا وأخبارها، وهو سبب فتنتها ؛ فإن القلب إذا غاب عن أخبار الدنيا وأهلها، سكن فيه النور وتأنس بالله، وإذا سكن إلى أخبار الدنيا وأهلها سكنت فيه الظلمة، وتأنس بالخلق، وغاب عن الحق. ولذلك قيل : ينبغي للمؤمن أن يكون كالفكرون ؛ إذا كان وحده انبسط، وإذا رأى أحداً أدخل رأسه معه. وأكثر ما يسمع من هرج الدنيا كذب وإليه الإشارة بقوله : وأكثرهم كاذبون ، ومن جملة ما يفسد القلب : تولهه بالشعر، وفي الحديث :" لأنْ يمتلئ جوفُ أحدِكُم قَيْحَاً خيرٌ له من أن يَمْتَلِئ شِعْراً٤ ". أو كما قال صلى الله عليه وسلم، إلا من كان شعره في توحيد الله، أو في الطريق، كالزهد في الدنيا، والترهيب من الركون إليها، والزجر عن الاغترار بزخارفها الغرارة، والافتتان بملاذها الفانية، وغير ذلك، أو في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، والمشايخ الموصلين إليه تعالى، بشرط أن يكون الغالب عليه ذكر الله.
وقوله تعالى : وانتصروا من بعدما ظلموا ، أي : جاروا على نفوسهم بعدما جارت عليهم، وقهروها بعد ما قَهَرَتْهُمْ. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون قال ابن عطاء : سيعلم المعرض عنا ما فاته منا. هـ. وفي الحكم :" ماذا فقد مَنْ وَجَدَكَ، وما الذي وجد مَنْ فَقَدَكَ ؟ لقد خاب من رضي دونك بدلاً، ولقد خسر من بغى عنك مُتَحَولاً، كيف يُرْجَى سِوَاك وأنت ما قَطَعْتَ الإحسانَ، أم كيف يطلب من غيرك وأنت ما بدلت عادة الامتنان ؟ " وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي