ولما وصف الشعراء بهذه الأوصاف الذميمة استثنى منهم من اتصف بأمور أربعة : الإيمان والعمل الصالح وكثرة قول الشعر في توحيد الله والنبوة ودعوة الخلق إلى الحق وألا يهجو أحدا إلا انتصارا ممن يهجوه اتباعا لقوله : لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ( النساء : ١٤٨ ) كما كان يفعل عبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن مالك وكعب بن زهير حين كانوا يهجون المشركين منافحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن مالك :" اهجهم، فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من رشق النبل " وكان يقول لحسان بن ثابت :" قل وروح القدس معك "، وفي رواية :" اهجهم وجبريل معك ".
وإلى هذا أشار بقوله : إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا .
تفسير المفردات : المنقلب : المرجع.
المعنى الجملي : بعد أن أبان سبحانه امتناع تنزل الشياطين بالقرآن، وأثبت أنه تنزيل من رب العالمين - أعقب هذا ببيان استحالة تنزلهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنها لا تنزل إلا على كل كذاب فاجر، ورسول الله صادق أمين. ثم ذكر أن الكذابين يلقون السمع إلى الشياطين، فيتلقون وحيهم وهو تخيلات لا تطابق الحق والواقع. وبعدئذ ذكر أن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس بشاعر، لأن الشعراء يهيمون في كل واد من أودية القول من مدح وهجو وتشبيب ومجون بحسب الهوى والمنفعة، فأقوالهم لا تترجم عن حقيقة، وليس بينها وبين الصدق نسب، ومحمد صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا الصدق، فأنّى له أن يكون شاعرا ؟
الإيضاح : إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا . وروى ابن جرير عن محمد بن إسحاق : أنه لما نزلت هذه الآية جاء حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يبكون، قالوا : قد علم الله حين أنزل هذه الآية أنّا شعراء فتلا النبي صلى الله عليه وسلم : إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات قال أنتم : وذكروا الله كثيرا قال : أنتم وانتصروا من بعد ما ظلموا قال : أنتم " أي بالرد على المشركين " ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم :" انتصروا ولا تقولوا إلا حقا، ولا تذكروا الآباء والأمهات "، فقال حسان لأبي سفيان :
| هجوت محمدا فأجبت عنه | وعند الله في ذاك الجزاء |
| وإن أبي ووالده وعرضي | لعرض محمد منكم وقاء |
| أتشتمه ولست له بكفء | فشركما لخيركما الفداء |
| لساني صارم لا عيب فيه | وبحري لا تكدره الدلاء |
| جاءت سخينة كي تغالب ربها | وليغلبن مغالب الغلاب |
وبعد أن ذكر سبحانه من الدلائل العقلية وأخبار الأنبياء المتقدمين ما يزيل الحزن عن قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بين الدلائل على صدق نبوته، ثم أرشد إلى الفارق بينه وبين الكهنة وبينه وبين الشعراء - ختم السورة بالتهديد العظيم، والوعيد الشديد للكافرين فقال :
وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون أي وسيعلم الذين ظلموا أنفسهم، وأعرضوا عن تدبر هذه الآيات كفرا بها وعنادا - أي مرجع يرجعون إلى الله بعد الموت، وأي معاد يعودون إليه ؟ إنهم ليصيرن إلى نار لا يطفأ سعيرها، ولا يسكن لهيبها.
اللهم أبعدنا عن تلك النار وأدخلنا جنتك برحمتك يا أرحم الراحمين.
تفسير المراغي
المراغي