أخرج ابن أبي حاتم عن عروة قال لما نزلت والشعراء يتبعهم الغاوون على قوله ما لا يفعلون قال عبد الله بن رواحة قد علم الله إني منهم فأنزل إلا الذين آمنوا إلى آخر السورة وأخرج هو وابن جرير والحاكم عن أبي الحسن البراد قال لما نزلت والشعراء يتبعون الغاوون الآية جاء عبد الله بن رواحة وكعب بن مالك وحسان بن ثابت فقالوا يا رسول الله لقد أنزل الله هذه الآية وهو يعلم أنا شعراء هلكنا فأنزل الله إلا الذين آمنوا الآية فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلا عليهم إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا أي لم يشغلهم الشعر عن الإكثار في الذكر ويكون أكثر أشعارهم في الذكر والتوحيد والثناء على الله والحث على طاعته قال أبو يزيد الذكر الكثير ليس بالعدد لكنه الحضور وانتصروا من بعد ما ظلموا ولو كان في كلامهم هجو لأحد أرادوا به الانتصار مما هجاهم ومكافحة هجاء المسلمين روى البغوي في شرح السنة والمعالم عن كعب بن مالك انه قال للنبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى قد أنزل في الشعر ما أنزل قال النبي صلى الله عليه وسلم " إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه والذي نفسي بيده لكأنما ترمونهم به نضح النبل " وفي الاستيعاب لابن عبد البر أنه قال يا رسول الله ماذا ترى في الشعر ؟ قال " إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه ".
وروى البغوي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء وابن رواحة يمشي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حرم الله يقول الشعر فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" خل عنه يا عمر فهي أسرع فيهم من نضح النبل " وفي الصحيحين عن البراء بن عازب قال قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة لحسان بن ثابت " اهج المشركين فإن جبرئيل معك " وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقول لحسان :" أجب عني اللهم أيده بروح القدس " ١ وروى مسلم عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" اهجوا قريشا فإنه أشد عليهم من رشق النبل " وروى عنها أيضا قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان :" إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله وقالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع لحسان منبرا في المسجد يقوم عليه قائما يفاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ينافح ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح أو فاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " ٢ وروى البغوي عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" أهجوا قريشا فإنها أشد عليهم من رشق النبل " فأرسل إلى ابن رواحة فقال اهجهم وهاجهم فلم يرض فأرسل إلى كعب ثم أرسل إلى حسان بن ثابت فلما دخل عليه حسان قال قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه ثم أدلع لسانه يحركه فقال والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فري الأديم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تعجل فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها وإن لي فيهم نسبا حتى يخلص لك فيهم نسبي فأتاه حسان ثم رجع فقال يا رسول الله قد خلص لي نسبك فالذي بعثك بالحق لأسلنك كما يسل الشعر من العجين قال حسان شعر :
هجوت محمدا فأجبت عنه *** وعند الله في ذاك الجزاء
هجوت محمد برا حنيفا *** رسول الله شيمته الوفاء
فإن أبي ووالده وعرضي *** لعرض محمد منكم وفاء
أمن يهجو رسول الله منكم *** ويمدحه وينصره سواء
وجبريل رسول الله فينا *** وروح القدس ليس له كفاء
وعن ابن سيرين مرسلا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكعب بن مالك هيه فأنشده فقال لهو أشد عليهم من وقع النبل.
فائدة :
ثبت من هذه الأحاديث أن الشعر لا بأس به ما اجتنب الكذب وأشباهه من المحرمات روى الدارقطني عن عائشة قالت : ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الشعر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" هو كلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح " ورواه الشافعي عن عروة مرسلا وذكر البغوي أنه قالت عائشة الشعر كلام فمنه حسن ومنه قبيح فخذ الحسن ودع القبيح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد ألا كل شيء ما خلا الله باطلا " ٣ متفق عليه وعن عمرو بن الشريد عن أبيه قال : ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال هل معك من شعر أمية بن الصلت شيء ؟ قال نعم قال هيه فأنشدته بيتا فقال هيه ثم أنشدته بيتا فقال هيه حتى أنشدته مائة بيت " ٤رواه مسلم وعن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بعض المشاهد وقد دميت أصبعه فقال :" هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت " ٥ متفق عليه وعن الشعبي قال كان أبو بكر يقول الشعر وكان عمر يقول الشعر وكان علي أشعر الثلاثة وروي عن ابن عباس أنه كان ينشد الشعر في المسجد ويستنشد فروى أنه دعا عمرو بن ربيعة فاستنشده القصيدة أولها شعر :
أمن آل نعمى أنت غاد ومبكر *** غداة غد أم رائح فمهجر
فأنشد ابن ربيعة القصيدة على آخرها وهي قريب من سبعين بيتا ثم أن ابن عباس أعاد القصيدة جميعا وكان يحفظها بمرة واحدة
فائدة :
الشعر طاعة إن كان فيه ذكر الله أو علما من علوم الدين أو نصحا ووعظا للمسلمين عن أبي بن كعب قال قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن من الشعر حكمة " ٦ رواه البخاري وعن الصخر بن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله صلى الله عليه سلم يقول :" إن من البيان سحرا وإن من العلم جهلا وإن من الشعر حكما وإن من القول عيالا " ٧ رواه أبو داود وعن ابن عباس " إن من البيان سحرا وإن من الشعر حكما " رواه أبو داود وأحمد وقد مر فيما سبق " إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه " وروى أبو داود والنسائي والدارمي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم " ٨
وبعدما ذكر الله سبحانه شعراء المشركين والمسلمين أوعد شعراء المشركين " فقال وسيعلم الذين ظلموا أي أشركوا وهجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أي منقلب مصدر أو ظرف منصوب بما بعده قدمه لاقتضاء الاستفهام صدر الكلام والجملة الاستفهامية قائمة المفعولين ليعلم والاستفهام للتهديد.
ينقلبون يعني أي رجوع أي مرجع يرجعون بعد الموت قال ابن عباس إلى جهنم والسعير قال البيضاوي تهديد شديد لما في " سيعلم " من الوعيد البليغ وفي " الذين ظلموا " من الإطلاق والتعميم وفي " أي منقلب " من الإيهام والتهويل والمعنى أن الظالمين يطمعون أن ينقلبوا من عذاب وسيعلمون أن ليس لهم وجه من وجوه الإنقلاب أخرج ابن أبي حاتم عن عائشة رضي الله عنها قالت كتب أبي في وصية سطرين بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى أبو بكر بن أبي قحافة عند خروجه من الدنيا حين يؤمن الكافر ويتقي الفاجر ويصدق الكاذب إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب فإن يعدل فذاك ظني به ورجائي فيه وإن يجر ويبدل فلا أعلم الغيب وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .
الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على خير خلقه محمد وآله وأصحابه أجمعين قد وقع الفراغ من تفسير سورة الشعراء من التفسير المظهري يوم الخميس رابع رجب من السنة الخامسة بعد الألف ومائتين من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام والتحية ويتلوه سورة النمل إن شاء الله تعالى.
٢ ذكر البخاري تعليقا وأما روايته متصلا أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب باب: ما جاء في الشعر (٥٠٠٧) وأخرجه الترمذي في كتاب: والآداب باب: ما جاء في إنشاد الشعر (٢٨٤٦)..
٣ أخرجه البخاري في كتاب: الأدب باب: ما يجوز من الشعر والرجز والحداء وما يكره منه (٦١٤٧) وأخرجه مسلم في كتاب الشعر (٢٢٥٦)..
٤ أخرجه مسلم في كتاب: الشعر (٢٢٥٥)..
٥ أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد والسير باب: من ينكب في سبيل الله (٢٨٠٢) وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير باب: ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين (١٧٩٦)..
٦ أخرجه البخاري في كتاب: الأدب باب: ما يجوز من الشعر والرجز والحداء وما يكره منه (٦١٤٥)..
٧ أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب باب: ما جاء في الشعر (٥٠٠٤)..
٨ أخرجه أبو داود في كتاب: الجهاد باب: كراهية ترك الغزو (٢٥٠٢) وأخرجه النسائي في كتاب: الجهاد باب: وجوب الجهاد (٣٠٨٧)..
التفسير المظهري
المظهري