تفسير سورة سورة النجم
الشعراوي
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
أحكام القرآن
البيهقي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
نيل المرام من تفسير آيات الأحكام
صديق حسن خان
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني
أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
مكي بن أبي طالب
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
ابن عثيمين
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
ﰡ
آية رقم ١
ﭑﭒﭓ
ﭔ
الحق سبحانه وتعالى يقسم بما يشاء من مخلوقاته وهنا يقسم بالنجم، فالواو واو القسم (النجم) مُقسَم به، والنجم يُطلق في اللغة على معنيين: النجم الذي في السماء كالشمس والقمر.
وقد قال الله فيه وَعَلامَاتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل: ١٦] أي: في سيرهم ليلاً، والنجم هو العُشْب الذي لا ساقَ له وترعاه الإبل في الصحراء.
وقد جمع الحق سبحانه المعنيين في قوله تعالى: ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ [الرحمن: ٥-٦].
وجمعهما الشاعر فقال:
أرَاعِي النجْمَ فِي سَيْري إليْهَا وَيَرْعَاهُ مِنَ البيدا جَوَادِيَ
وتأمل هنا دقة الأداء القرآني، فالشمس والقمر دلَّتْ على نجم السماء، والشجر دَلَّ بالمصاحبة على نجم الأرض، والجميع يسجد لله ويخضع له أعظم شيء وأدنى شيء، الكل في الانقياد سواء.
وفي موضع آخر قال سبحانه: فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ [الواقعة: ٧٥-٧٦] فالقسم بالنجم قسَم بآية عظيمة من آيات الله، والقسَم بالنجم هنا يخصُّ حالة من حالاته.
وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ [النجم: ١] أي: سقط، فالنجم علامة في السماء تهدي السائر وتدلُّه، فإذا سقط امتنعتْ الهداية، وامتنعت الفائدة، لكن محمداً صلى الله عليه وسلم ما ضَلَّ وما غوى.
مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ [النجم: ٢] وهذا هو جواب القسم، وكأنه سبحانه يقول: وإنْ سقط النجم الذي يهدي السائرين، فنجم محمد لا يسقط أبداً، نجم السماء يهدي للماديات وهي موقوتة، ونجم محمد يهدي للقيم وللمعنويات وهي باقية دائمة.
ومعنى مَا ضَلَّ.. [النجم: ٢] أي: ما حاد عن الحق ولا مال عنه، ولا عدل عن سبيل الهدى صَاحِبُكُمْ.. [النجم: ٢] هو محمد صلى الله عليه وسلم، وصاحب القوم واحد منهم مُحبَّب إليهم ذو مكانة بينهم وَمَا غَوَىٰ [النجم: ٢] الغواية هي الاعتقاد الباطل، فما اعتقد محمد اعتقاداً باطلاً أبداً حتى قبل بعثته.
وقد قال الله فيه وَعَلامَاتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل: ١٦] أي: في سيرهم ليلاً، والنجم هو العُشْب الذي لا ساقَ له وترعاه الإبل في الصحراء.
وقد جمع الحق سبحانه المعنيين في قوله تعالى: ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ [الرحمن: ٥-٦].
وجمعهما الشاعر فقال:
أرَاعِي النجْمَ فِي سَيْري إليْهَا وَيَرْعَاهُ مِنَ البيدا جَوَادِيَ
وتأمل هنا دقة الأداء القرآني، فالشمس والقمر دلَّتْ على نجم السماء، والشجر دَلَّ بالمصاحبة على نجم الأرض، والجميع يسجد لله ويخضع له أعظم شيء وأدنى شيء، الكل في الانقياد سواء.
وفي موضع آخر قال سبحانه: فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ [الواقعة: ٧٥-٧٦] فالقسم بالنجم قسَم بآية عظيمة من آيات الله، والقسَم بالنجم هنا يخصُّ حالة من حالاته.
وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ [النجم: ١] أي: سقط، فالنجم علامة في السماء تهدي السائر وتدلُّه، فإذا سقط امتنعتْ الهداية، وامتنعت الفائدة، لكن محمداً صلى الله عليه وسلم ما ضَلَّ وما غوى.
مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ [النجم: ٢] وهذا هو جواب القسم، وكأنه سبحانه يقول: وإنْ سقط النجم الذي يهدي السائرين، فنجم محمد لا يسقط أبداً، نجم السماء يهدي للماديات وهي موقوتة، ونجم محمد يهدي للقيم وللمعنويات وهي باقية دائمة.
ومعنى مَا ضَلَّ.. [النجم: ٢] أي: ما حاد عن الحق ولا مال عنه، ولا عدل عن سبيل الهدى صَاحِبُكُمْ.. [النجم: ٢] هو محمد صلى الله عليه وسلم، وصاحب القوم واحد منهم مُحبَّب إليهم ذو مكانة بينهم وَمَا غَوَىٰ [النجم: ٢] الغواية هي الاعتقاد الباطل، فما اعتقد محمد اعتقاداً باطلاً أبداً حتى قبل بعثته.
آية رقم ٢
ﭕﭖﭗﭘﭙ
ﭚ
مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ... كأنه سبحانه يقول: وإنْ سقط النجم الذي يهدي السائرين، فنجم محمد لا يسقط أبداً، نجم السماء يهدي للماديات وهي موقوتة، ونجم محمد يهدي للقيم وللمعنويات وهي باقية دائمة.
ومعنى مَا ضَلَّ.. أي: ما حاد عن الحق ولا مال عنه، ولا عدل عن سبيل الهدى صَاحِبُكُمْ.. هو محمد صلى الله عليه وسلم، وصاحب القوم واحد منهم مُحبَّب إليهم ذو مكانة بينهم وَمَا غَوَىٰ الغواية هي الاعتقاد الباطل، فما اعتقد محمد اعتقاداً باطلاً أبداً حتى قبل بعثته.
ومعنى مَا ضَلَّ.. أي: ما حاد عن الحق ولا مال عنه، ولا عدل عن سبيل الهدى صَاحِبُكُمْ.. هو محمد صلى الله عليه وسلم، وصاحب القوم واحد منهم مُحبَّب إليهم ذو مكانة بينهم وَمَا غَوَىٰ الغواية هي الاعتقاد الباطل، فما اعتقد محمد اعتقاداً باطلاً أبداً حتى قبل بعثته.
آية رقم ٣
ﭛﭜﭝﭞ
ﭟ
هذه الآيات امتداد لجواب القسم مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ [النجم: ٢] وهنا يقسم الحق على صفة أخرى لسيدنا رسول الله وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ [النجم: ٣] النطق هو القول، أي ما يقول عن هواه، ولا يأتي بشيء من عنده ولا باجتهاده.
إِنْ هُوَ.. [النجم: ٤] أي: ما هو والمراد القرآن الكريم الذي نطق به محمد إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ [النجم: ٤] أي: من عند الله، وهذا أسلوب قصر: ما القرآن إلا وحي وليس شيئاً آخر.
عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ [النجم: ٥] الذي علّمه محمداً وأوحاه إليه شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ [النجم: ٥] وهو أمين الوحي جبريل عليه السلام. والقُوَى جمع قوة، فله قُوى متعددة تناسب مهمته، له قوة ذكاء في الاستقبال، وقوة في الحفظ. وقوة في الإرسال والإلقاء، وليس لديه هوى يغير ما جاءه ولا خيانة ولا كذب. وهذه الصفات هي التي حمتْ القرآن من التغيير كما غُيِّرتْ الكتب السابقة.
وقد حكى الله تعالى عن أهل الكتاب: يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً.. [البقرة: ٧٩].
وكلمة شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ [النجم: ٥] فسَّرها في آيات أخرى فقال، حتى قبل نزول القرآن: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ [الواقعة: ٧٧-٧٩].
وقال: نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ [الشعراء: ١٩٣]، وقال: ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ * مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير: ٢٠-٢١] هذه كلُّها صفات جُمعَتْ لجبريل عليه السلام.
وهنا قال: ذُو مِرَّةٍ فَٱسْتَوَىٰ [النجم: ٦] أي صاحب (مِرَّة) وهي القوة في كل ما يتناوله، وهي الدقة التي لا تخطئ، والمرَّة صفة تقوى الشيء، تروْنَ الحبل مثلاً عندما يُفتل يكون فَتْله مناسباً لمهمته، فحبل الغسيل مثلاً غير الحبل الذي يُشدُّ به شراع المراكب.
كذلك مهمة سيدنا جبريل مع سيدنا محمد، أنْ يؤدي هذه المهمة بقوة ودقة وذكاء بحيث يأتي رسول الله بصورة مقبولة لا تُرد، صورة فيها تشويق لتلقِّي الوحي ولا تردها طبيعة محمد البشرية، كذلك كان للكلام حلاوة لأنه كلام الله ليس كلام البشر، وله ظواهر تدل عليه وعلى مصدره الإلهي.
وأول ما جاء الوحيُ رسولَ الله أجهده، لأنها المرة الأولى التي تلتقي فيها الطبيعة البشرية بالطبيعة الملائكية، لذلك تصبَّب عرقاً وبرد وقال: زملوني دثروني، إذن: أثّر في جسده ونفسه، حتى أنه خاف أنْ يكون ما حدث له شيئاً من مسِّ الشيطان.
ولما أخبر السيدة خديجة بالأمر وكان لها فطنة في هذه المسألة فقالت له: عندما يأتيك أخبرني، فلما جاءه الوحي أخبرها فجلستْ على ركبته وقالت: أتراه؟ قال: نعم، فكشفتْ عن صدرها وقالت: أتراه؟ قال: لا، قالت: إذن هو مَلَك وليس شيطاناً.
وتأمل هنا حصافة السيدة خديجة وما تتمتع به من فقه قبل نزول الإسلام، وكأنَّ الحق سبحانه أعدَّ للإسلام أناساً من الرجال والنساء يستقبلون خبره الأول ويؤيدونه ويُصدِّقونه دون أنْ ينتظروا معجزة يرونها ليصدِّقوه، لأن معجزة رسول الله عندهم كائنة في شخصه وفي سيرته بينهم، معجزته بالنسبة لهم في صدقه وأمانته وكرمه ومروءته.
ويكفي أنْ نذكر في هذا المقام موقف الصِّديق لما قالوا له: إن صاحبك يدَّعي أنه نبيٌّ ويُوحى إليه، فقال الصِّدِّيق وكان عائداً من سفر: إنْ كان قال فقد صدق، إذن: دليل صدقه في نظر الصديق أن يقول، مجرد أن يقول يكفي قوله ليصدق.
وهذا المعنى واضح في قوله سبحانه: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ.. [الفتح: ٢٩] يعني: يكفي في تعريفه أنه (محمد) الذي تعرفونه هو رسول الله، فمنزلة رسول الله بين قومه لا تحتاج إلى وصف ولا إلى تعريف فوق ذلك.
وكان المنتظر منهم أنْ يقولوا: ومن أوْلَى بالرسالة منه، لكنهم قالوا كما حكى القرآن لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١].
ومن معاني ذُو مِرَّةٍ.. [النجم: ٦] أي: صاحب الخُلق الحسن والمنظر الحسن الجميل، فكان يأتي رسول الله بالمنظر الحسن الذي يحبه، وكان صلى الله عليه وسلم يحب النظر إلى دحية الكلبي فكان يأتي على صورته.
إذن: معنى ذُو مِرَّةٍ.. [النجم: ٦] أي: فيه كل الصفات الطيبة التي تجعله مقبولاً غير مردود، وهو موصوف مع ذلك بالقوة، فلما ظهر لرسول الله بصورته الحقيقية ظهر في صورة طائر جميل له أجنحة.
كما قال تعالى: أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ.. [فاطر: ١] ويكفي في بيان قوته أنه ضرب قرى لوط بريشة واحدة من جناحه فدكها وجعل عاليها سافلها.
وما أدراك بمَنْ عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ [النجم: ٥] فالتعلّم يشرُف بشرف المعلم، كما نرى مثلاً خطيباً مُفوَّهاً لا يلحن في خطبته لحناً واحداً، فنقول: نعم فالذي درس له فلان.
كذلك الذي علَّم رسول الله هو جبريل بكلِّ ما عنده من صفات القوة والذكاء والأمانة والصدق.. ذُو مِرَّةٍ.. [النجم: ٦].
ومعنى فَٱسْتَوَىٰ [النجم: ٦] علَّمه جبريل حتى استوى رسول الله ونضج في عملية التحصيل الكافي لهداية العالم، فحمَّله هذه المهمة ليهدي الناس، ومنه قوله تعالى في سيدنا (موسى): وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ [القصص: ١٤].
لكن كان الوحي في أوله يثقل على رسول الله كما قال سبحانه: سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً [المزمل: ٥] فأراد الحق سبحانه أنْ يريح رسوله من هذا التعب ليعطيه الفرصة ليتذوق حلاوة ما ألقى إليه ويشتاق إليه من جديد، فيكون الوحي أخفَّ على قلبه وتهون عليه معاناته.
ومعلوم أن الإنسان عادة يتحمل المشاق في سبيل ما يحب، لذلك لما فتر الوحي عن رسول الله ستة أشهر، فأخذها أعداء الدعوة فرصة وقالوا: إن رب محمد قلاه، سبحان الله، الآن وفي المصيبة يعترفون برب محمد.
لذلك ردّ الله عليهم وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ [الضحى: ١-٥].
أي: ما ودعك ربك يا محمد وما قلاك، إنما أراد لك أنْ ترتاح.
ثم أعطاه مثالاً من واقع حركة الكون، فما أنت بالنسبة للوحي إلا مثل الضحى والليل، فالضحى للعمل، والليل للراحة، ثم يعاود من جديد لتقبل عليه في نشاط وقوة، كذلك الوحي سيعاودك وسيكون أحبّ إليك وأيسر عليك، وستكون الآخرة خيراً لك من الأولى.
ثم إن كلمة الوداع مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ [الضحى: ٣] تدل في ذاتها على المحبة، فلم يقُل هجرك مثلاً إنما ودَّعك، والوداع يكون على أمل اللقاء كما يودع الحبيب حبيبه عند سفره.
إِنْ هُوَ.. [النجم: ٤] أي: ما هو والمراد القرآن الكريم الذي نطق به محمد إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ [النجم: ٤] أي: من عند الله، وهذا أسلوب قصر: ما القرآن إلا وحي وليس شيئاً آخر.
عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ [النجم: ٥] الذي علّمه محمداً وأوحاه إليه شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ [النجم: ٥] وهو أمين الوحي جبريل عليه السلام. والقُوَى جمع قوة، فله قُوى متعددة تناسب مهمته، له قوة ذكاء في الاستقبال، وقوة في الحفظ. وقوة في الإرسال والإلقاء، وليس لديه هوى يغير ما جاءه ولا خيانة ولا كذب. وهذه الصفات هي التي حمتْ القرآن من التغيير كما غُيِّرتْ الكتب السابقة.
وقد حكى الله تعالى عن أهل الكتاب: يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً.. [البقرة: ٧٩].
وكلمة شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ [النجم: ٥] فسَّرها في آيات أخرى فقال، حتى قبل نزول القرآن: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ [الواقعة: ٧٧-٧٩].
وقال: نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ [الشعراء: ١٩٣]، وقال: ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ * مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير: ٢٠-٢١] هذه كلُّها صفات جُمعَتْ لجبريل عليه السلام.
وهنا قال: ذُو مِرَّةٍ فَٱسْتَوَىٰ [النجم: ٦] أي صاحب (مِرَّة) وهي القوة في كل ما يتناوله، وهي الدقة التي لا تخطئ، والمرَّة صفة تقوى الشيء، تروْنَ الحبل مثلاً عندما يُفتل يكون فَتْله مناسباً لمهمته، فحبل الغسيل مثلاً غير الحبل الذي يُشدُّ به شراع المراكب.
كذلك مهمة سيدنا جبريل مع سيدنا محمد، أنْ يؤدي هذه المهمة بقوة ودقة وذكاء بحيث يأتي رسول الله بصورة مقبولة لا تُرد، صورة فيها تشويق لتلقِّي الوحي ولا تردها طبيعة محمد البشرية، كذلك كان للكلام حلاوة لأنه كلام الله ليس كلام البشر، وله ظواهر تدل عليه وعلى مصدره الإلهي.
وأول ما جاء الوحيُ رسولَ الله أجهده، لأنها المرة الأولى التي تلتقي فيها الطبيعة البشرية بالطبيعة الملائكية، لذلك تصبَّب عرقاً وبرد وقال: زملوني دثروني، إذن: أثّر في جسده ونفسه، حتى أنه خاف أنْ يكون ما حدث له شيئاً من مسِّ الشيطان.
ولما أخبر السيدة خديجة بالأمر وكان لها فطنة في هذه المسألة فقالت له: عندما يأتيك أخبرني، فلما جاءه الوحي أخبرها فجلستْ على ركبته وقالت: أتراه؟ قال: نعم، فكشفتْ عن صدرها وقالت: أتراه؟ قال: لا، قالت: إذن هو مَلَك وليس شيطاناً.
وتأمل هنا حصافة السيدة خديجة وما تتمتع به من فقه قبل نزول الإسلام، وكأنَّ الحق سبحانه أعدَّ للإسلام أناساً من الرجال والنساء يستقبلون خبره الأول ويؤيدونه ويُصدِّقونه دون أنْ ينتظروا معجزة يرونها ليصدِّقوه، لأن معجزة رسول الله عندهم كائنة في شخصه وفي سيرته بينهم، معجزته بالنسبة لهم في صدقه وأمانته وكرمه ومروءته.
ويكفي أنْ نذكر في هذا المقام موقف الصِّديق لما قالوا له: إن صاحبك يدَّعي أنه نبيٌّ ويُوحى إليه، فقال الصِّدِّيق وكان عائداً من سفر: إنْ كان قال فقد صدق، إذن: دليل صدقه في نظر الصديق أن يقول، مجرد أن يقول يكفي قوله ليصدق.
وهذا المعنى واضح في قوله سبحانه: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ.. [الفتح: ٢٩] يعني: يكفي في تعريفه أنه (محمد) الذي تعرفونه هو رسول الله، فمنزلة رسول الله بين قومه لا تحتاج إلى وصف ولا إلى تعريف فوق ذلك.
وكان المنتظر منهم أنْ يقولوا: ومن أوْلَى بالرسالة منه، لكنهم قالوا كما حكى القرآن لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١].
ومن معاني ذُو مِرَّةٍ.. [النجم: ٦] أي: صاحب الخُلق الحسن والمنظر الحسن الجميل، فكان يأتي رسول الله بالمنظر الحسن الذي يحبه، وكان صلى الله عليه وسلم يحب النظر إلى دحية الكلبي فكان يأتي على صورته.
إذن: معنى ذُو مِرَّةٍ.. [النجم: ٦] أي: فيه كل الصفات الطيبة التي تجعله مقبولاً غير مردود، وهو موصوف مع ذلك بالقوة، فلما ظهر لرسول الله بصورته الحقيقية ظهر في صورة طائر جميل له أجنحة.
كما قال تعالى: أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ.. [فاطر: ١] ويكفي في بيان قوته أنه ضرب قرى لوط بريشة واحدة من جناحه فدكها وجعل عاليها سافلها.
وما أدراك بمَنْ عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ [النجم: ٥] فالتعلّم يشرُف بشرف المعلم، كما نرى مثلاً خطيباً مُفوَّهاً لا يلحن في خطبته لحناً واحداً، فنقول: نعم فالذي درس له فلان.
كذلك الذي علَّم رسول الله هو جبريل بكلِّ ما عنده من صفات القوة والذكاء والأمانة والصدق.. ذُو مِرَّةٍ.. [النجم: ٦].
ومعنى فَٱسْتَوَىٰ [النجم: ٦] علَّمه جبريل حتى استوى رسول الله ونضج في عملية التحصيل الكافي لهداية العالم، فحمَّله هذه المهمة ليهدي الناس، ومنه قوله تعالى في سيدنا (موسى): وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ [القصص: ١٤].
لكن كان الوحي في أوله يثقل على رسول الله كما قال سبحانه: سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً [المزمل: ٥] فأراد الحق سبحانه أنْ يريح رسوله من هذا التعب ليعطيه الفرصة ليتذوق حلاوة ما ألقى إليه ويشتاق إليه من جديد، فيكون الوحي أخفَّ على قلبه وتهون عليه معاناته.
ومعلوم أن الإنسان عادة يتحمل المشاق في سبيل ما يحب، لذلك لما فتر الوحي عن رسول الله ستة أشهر، فأخذها أعداء الدعوة فرصة وقالوا: إن رب محمد قلاه، سبحان الله، الآن وفي المصيبة يعترفون برب محمد.
لذلك ردّ الله عليهم وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ [الضحى: ١-٥].
أي: ما ودعك ربك يا محمد وما قلاك، إنما أراد لك أنْ ترتاح.
ثم أعطاه مثالاً من واقع حركة الكون، فما أنت بالنسبة للوحي إلا مثل الضحى والليل، فالضحى للعمل، والليل للراحة، ثم يعاود من جديد لتقبل عليه في نشاط وقوة، كذلك الوحي سيعاودك وسيكون أحبّ إليك وأيسر عليك، وستكون الآخرة خيراً لك من الأولى.
ثم إن كلمة الوداع مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ [الضحى: ٣] تدل في ذاتها على المحبة، فلم يقُل هجرك مثلاً إنما ودَّعك، والوداع يكون على أمل اللقاء كما يودع الحبيب حبيبه عند سفره.
آية رقم ٤
ﭠﭡﭢﭣﭤ
ﭥ
إِنْ هُوَ.. [النجم: ٤] أي: ما هو والمراد القرآن الكريم الذي نطق به محمد إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ [النجم: ٤] أي: من عند الله، وهذا أسلوب قصر: ما القرآن إلا وحي وليس شيئاً آخر.
آية رقم ٥
ﭦﭧﭨ
ﭩ
هذه الآيات امتداد لجواب القسم مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ [النجم: ٢] وهنا يقسم الحق على صفة أخرى لسيدنا رسول الله وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ [النجم: ٣] النطق هو القول، أي ما يقول عن هواه، ولا يأتي بشيء من عنده ولا باجتهاده.
إِنْ هُوَ.. [النجم: ٤] أي: ما هو والمراد القرآن الكريم الذي نطق به محمد إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ [النجم: ٤] أي: من عند الله، وهذا أسلوب قصر: ما القرآن إلا وحي وليس شيئاً آخر.
عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ [النجم: ٥] الذي علّمه محمداً وأوحاه إليه شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ [النجم: ٥] وهو أمين الوحي جبريل عليه السلام. والقُوَى جمع قوة، فله قُوى متعددة تناسب مهمته، له قوة ذكاء في الاستقبال، وقوة في الحفظ. وقوة في الإرسال والإلقاء، وليس لديه هوى يغير ما جاءه ولا خيانة ولا كذب. وهذه الصفات هي التي حمتْ القرآن من التغيير كما غُيِّرتْ الكتب السابقة.
وقد حكى الله تعالى عن أهل الكتاب: يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً.. [البقرة: ٧٩].
وكلمة شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ [النجم: ٥] فسَّرها في آيات أخرى فقال، حتى قبل نزول القرآن: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ [الواقعة: ٧٧-٧٩].
وقال: نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ [الشعراء: ١٩٣]، وقال: ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ * مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير: ٢٠-٢١] هذه كلُّها صفات جُمعَتْ لجبريل عليه السلام.
وهنا قال: ذُو مِرَّةٍ فَٱسْتَوَىٰ [النجم: ٦] أي صاحب (مِرَّة) وهي القوة في كل ما يتناوله، وهي الدقة التي لا تخطئ، والمرَّة صفة تقوى الشيء، تروْنَ الحبل مثلاً عندما يُفتل يكون فَتْله مناسباً لمهمته، فحبل الغسيل مثلاً غير الحبل الذي يُشدُّ به شراع المراكب.
كذلك مهمة سيدنا جبريل مع سيدنا محمد، أنْ يؤدي هذه المهمة بقوة ودقة وذكاء بحيث يأتي رسول الله بصورة مقبولة لا تُرد، صورة فيها تشويق لتلقِّي الوحي ولا تردها طبيعة محمد البشرية، كذلك كان للكلام حلاوة لأنه كلام الله ليس كلام البشر، وله ظواهر تدل عليه وعلى مصدره الإلهي.
وأول ما جاء الوحيُ رسولَ الله أجهده، لأنها المرة الأولى التي تلتقي فيها الطبيعة البشرية بالطبيعة الملائكية، لذلك تصبَّب عرقاً وبرد وقال: زملوني دثروني، إذن: أثّر في جسده ونفسه، حتى أنه خاف أنْ يكون ما حدث له شيئاً من مسِّ الشيطان.
ولما أخبر السيدة خديجة بالأمر وكان لها فطنة في هذه المسألة فقالت له: عندما يأتيك أخبرني، فلما جاءه الوحي أخبرها فجلستْ على ركبته وقالت: أتراه؟ قال: نعم، فكشفتْ عن صدرها وقالت: أتراه؟ قال: لا، قالت: إذن هو مَلَك وليس شيطاناً.
وتأمل هنا حصافة السيدة خديجة وما تتمتع به من فقه قبل نزول الإسلام، وكأنَّ الحق سبحانه أعدَّ للإسلام أناساً من الرجال والنساء يستقبلون خبره الأول ويؤيدونه ويُصدِّقونه دون أنْ ينتظروا معجزة يرونها ليصدِّقوه، لأن معجزة رسول الله عندهم كائنة في شخصه وفي سيرته بينهم، معجزته بالنسبة لهم في صدقه وأمانته وكرمه ومروءته.
ويكفي أنْ نذكر في هذا المقام موقف الصِّديق لما قالوا له: إن صاحبك يدَّعي أنه نبيٌّ ويُوحى إليه، فقال الصِّدِّيق وكان عائداً من سفر: إنْ كان قال فقد صدق، إذن: دليل صدقه في نظر الصديق أن يقول، مجرد أن يقول يكفي قوله ليصدق.
وهذا المعنى واضح في قوله سبحانه: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ.. [الفتح: ٢٩] يعني: يكفي في تعريفه أنه (محمد) الذي تعرفونه هو رسول الله، فمنزلة رسول الله بين قومه لا تحتاج إلى وصف ولا إلى تعريف فوق ذلك.
وكان المنتظر منهم أنْ يقولوا: ومن أوْلَى بالرسالة منه، لكنهم قالوا كما حكى القرآن لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١].
ومن معاني ذُو مِرَّةٍ.. [النجم: ٦] أي: صاحب الخُلق الحسن والمنظر الحسن الجميل، فكان يأتي رسول الله بالمنظر الحسن الذي يحبه، وكان صلى الله عليه وسلم يحب النظر إلى دحية الكلبي فكان يأتي على صورته.
إذن: معنى ذُو مِرَّةٍ.. [النجم: ٦] أي: فيه كل الصفات الطيبة التي تجعله مقبولاً غير مردود، وهو موصوف مع ذلك بالقوة، فلما ظهر لرسول الله بصورته الحقيقية ظهر في صورة طائر جميل له أجنحة.
كما قال تعالى: أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ.. [فاطر: ١] ويكفي في بيان قوته أنه ضرب قرى لوط بريشة واحدة من جناحه فدكها وجعل عاليها سافلها.
وما أدراك بمَنْ عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ [النجم: ٥] فالتعلّم يشرُف بشرف المعلم، كما نرى مثلاً خطيباً مُفوَّهاً لا يلحن في خطبته لحناً واحداً، فنقول: نعم فالذي درس له فلان.
كذلك الذي علَّم رسول الله هو جبريل بكلِّ ما عنده من صفات القوة والذكاء والأمانة والصدق.. ذُو مِرَّةٍ.. [النجم: ٦].
ومعنى فَٱسْتَوَىٰ [النجم: ٦] علَّمه جبريل حتى استوى رسول الله ونضج في عملية التحصيل الكافي لهداية العالم، فحمَّله هذه المهمة ليهدي الناس، ومنه قوله تعالى في سيدنا (موسى): وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ [القصص: ١٤].
لكن كان الوحي في أوله يثقل على رسول الله كما قال سبحانه: سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً [المزمل: ٥] فأراد الحق سبحانه أنْ يريح رسوله من هذا التعب ليعطيه الفرصة ليتذوق حلاوة ما ألقى إليه ويشتاق إليه من جديد، فيكون الوحي أخفَّ على قلبه وتهون عليه معاناته.
ومعلوم أن الإنسان عادة يتحمل المشاق في سبيل ما يحب، لذلك لما فتر الوحي عن رسول الله ستة أشهر، فأخذها أعداء الدعوة فرصة وقالوا: إن رب محمد قلاه، سبحان الله، الآن وفي المصيبة يعترفون برب محمد.
لذلك ردّ الله عليهم وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ [الضحى: ١-٥].
أي: ما ودعك ربك يا محمد وما قلاك، إنما أراد لك أنْ ترتاح.
ثم أعطاه مثالاً من واقع حركة الكون، فما أنت بالنسبة للوحي إلا مثل الضحى والليل، فالضحى للعمل، والليل للراحة، ثم يعاود من جديد لتقبل عليه في نشاط وقوة، كذلك الوحي سيعاودك وسيكون أحبّ إليك وأيسر عليك، وستكون الآخرة خيراً لك من الأولى.
ثم إن كلمة الوداع مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ [الضحى: ٣] تدل في ذاتها على المحبة، فلم يقُل هجرك مثلاً إنما ودَّعك، والوداع يكون على أمل اللقاء كما يودع الحبيب حبيبه عند سفره.
إِنْ هُوَ.. [النجم: ٤] أي: ما هو والمراد القرآن الكريم الذي نطق به محمد إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ [النجم: ٤] أي: من عند الله، وهذا أسلوب قصر: ما القرآن إلا وحي وليس شيئاً آخر.
عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ [النجم: ٥] الذي علّمه محمداً وأوحاه إليه شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ [النجم: ٥] وهو أمين الوحي جبريل عليه السلام. والقُوَى جمع قوة، فله قُوى متعددة تناسب مهمته، له قوة ذكاء في الاستقبال، وقوة في الحفظ. وقوة في الإرسال والإلقاء، وليس لديه هوى يغير ما جاءه ولا خيانة ولا كذب. وهذه الصفات هي التي حمتْ القرآن من التغيير كما غُيِّرتْ الكتب السابقة.
وقد حكى الله تعالى عن أهل الكتاب: يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً.. [البقرة: ٧٩].
وكلمة شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ [النجم: ٥] فسَّرها في آيات أخرى فقال، حتى قبل نزول القرآن: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ [الواقعة: ٧٧-٧٩].
وقال: نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ [الشعراء: ١٩٣]، وقال: ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ * مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير: ٢٠-٢١] هذه كلُّها صفات جُمعَتْ لجبريل عليه السلام.
وهنا قال: ذُو مِرَّةٍ فَٱسْتَوَىٰ [النجم: ٦] أي صاحب (مِرَّة) وهي القوة في كل ما يتناوله، وهي الدقة التي لا تخطئ، والمرَّة صفة تقوى الشيء، تروْنَ الحبل مثلاً عندما يُفتل يكون فَتْله مناسباً لمهمته، فحبل الغسيل مثلاً غير الحبل الذي يُشدُّ به شراع المراكب.
كذلك مهمة سيدنا جبريل مع سيدنا محمد، أنْ يؤدي هذه المهمة بقوة ودقة وذكاء بحيث يأتي رسول الله بصورة مقبولة لا تُرد، صورة فيها تشويق لتلقِّي الوحي ولا تردها طبيعة محمد البشرية، كذلك كان للكلام حلاوة لأنه كلام الله ليس كلام البشر، وله ظواهر تدل عليه وعلى مصدره الإلهي.
وأول ما جاء الوحيُ رسولَ الله أجهده، لأنها المرة الأولى التي تلتقي فيها الطبيعة البشرية بالطبيعة الملائكية، لذلك تصبَّب عرقاً وبرد وقال: زملوني دثروني، إذن: أثّر في جسده ونفسه، حتى أنه خاف أنْ يكون ما حدث له شيئاً من مسِّ الشيطان.
ولما أخبر السيدة خديجة بالأمر وكان لها فطنة في هذه المسألة فقالت له: عندما يأتيك أخبرني، فلما جاءه الوحي أخبرها فجلستْ على ركبته وقالت: أتراه؟ قال: نعم، فكشفتْ عن صدرها وقالت: أتراه؟ قال: لا، قالت: إذن هو مَلَك وليس شيطاناً.
وتأمل هنا حصافة السيدة خديجة وما تتمتع به من فقه قبل نزول الإسلام، وكأنَّ الحق سبحانه أعدَّ للإسلام أناساً من الرجال والنساء يستقبلون خبره الأول ويؤيدونه ويُصدِّقونه دون أنْ ينتظروا معجزة يرونها ليصدِّقوه، لأن معجزة رسول الله عندهم كائنة في شخصه وفي سيرته بينهم، معجزته بالنسبة لهم في صدقه وأمانته وكرمه ومروءته.
ويكفي أنْ نذكر في هذا المقام موقف الصِّديق لما قالوا له: إن صاحبك يدَّعي أنه نبيٌّ ويُوحى إليه، فقال الصِّدِّيق وكان عائداً من سفر: إنْ كان قال فقد صدق، إذن: دليل صدقه في نظر الصديق أن يقول، مجرد أن يقول يكفي قوله ليصدق.
وهذا المعنى واضح في قوله سبحانه: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ.. [الفتح: ٢٩] يعني: يكفي في تعريفه أنه (محمد) الذي تعرفونه هو رسول الله، فمنزلة رسول الله بين قومه لا تحتاج إلى وصف ولا إلى تعريف فوق ذلك.
وكان المنتظر منهم أنْ يقولوا: ومن أوْلَى بالرسالة منه، لكنهم قالوا كما حكى القرآن لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١].
ومن معاني ذُو مِرَّةٍ.. [النجم: ٦] أي: صاحب الخُلق الحسن والمنظر الحسن الجميل، فكان يأتي رسول الله بالمنظر الحسن الذي يحبه، وكان صلى الله عليه وسلم يحب النظر إلى دحية الكلبي فكان يأتي على صورته.
إذن: معنى ذُو مِرَّةٍ.. [النجم: ٦] أي: فيه كل الصفات الطيبة التي تجعله مقبولاً غير مردود، وهو موصوف مع ذلك بالقوة، فلما ظهر لرسول الله بصورته الحقيقية ظهر في صورة طائر جميل له أجنحة.
كما قال تعالى: أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ.. [فاطر: ١] ويكفي في بيان قوته أنه ضرب قرى لوط بريشة واحدة من جناحه فدكها وجعل عاليها سافلها.
وما أدراك بمَنْ عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ [النجم: ٥] فالتعلّم يشرُف بشرف المعلم، كما نرى مثلاً خطيباً مُفوَّهاً لا يلحن في خطبته لحناً واحداً، فنقول: نعم فالذي درس له فلان.
كذلك الذي علَّم رسول الله هو جبريل بكلِّ ما عنده من صفات القوة والذكاء والأمانة والصدق.. ذُو مِرَّةٍ.. [النجم: ٦].
ومعنى فَٱسْتَوَىٰ [النجم: ٦] علَّمه جبريل حتى استوى رسول الله ونضج في عملية التحصيل الكافي لهداية العالم، فحمَّله هذه المهمة ليهدي الناس، ومنه قوله تعالى في سيدنا (موسى): وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ [القصص: ١٤].
لكن كان الوحي في أوله يثقل على رسول الله كما قال سبحانه: سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً [المزمل: ٥] فأراد الحق سبحانه أنْ يريح رسوله من هذا التعب ليعطيه الفرصة ليتذوق حلاوة ما ألقى إليه ويشتاق إليه من جديد، فيكون الوحي أخفَّ على قلبه وتهون عليه معاناته.
ومعلوم أن الإنسان عادة يتحمل المشاق في سبيل ما يحب، لذلك لما فتر الوحي عن رسول الله ستة أشهر، فأخذها أعداء الدعوة فرصة وقالوا: إن رب محمد قلاه، سبحان الله، الآن وفي المصيبة يعترفون برب محمد.
لذلك ردّ الله عليهم وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ [الضحى: ١-٥].
أي: ما ودعك ربك يا محمد وما قلاك، إنما أراد لك أنْ ترتاح.
ثم أعطاه مثالاً من واقع حركة الكون، فما أنت بالنسبة للوحي إلا مثل الضحى والليل، فالضحى للعمل، والليل للراحة، ثم يعاود من جديد لتقبل عليه في نشاط وقوة، كذلك الوحي سيعاودك وسيكون أحبّ إليك وأيسر عليك، وستكون الآخرة خيراً لك من الأولى.
ثم إن كلمة الوداع مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ [الضحى: ٣] تدل في ذاتها على المحبة، فلم يقُل هجرك مثلاً إنما ودَّعك، والوداع يكون على أمل اللقاء كما يودع الحبيب حبيبه عند سفره.
آية رقم ٦
ﭪﭫﭬ
ﭭ
وهنا قال: ذُو مِرَّةٍ فَٱسْتَوَىٰ أي صاحب (مِرَّة) وهي القوة في كل ما يتناوله...
ومعنى فَٱسْتَوَىٰ علَّمه جبريل حتى استوى رسول الله ونضج في عملية التحصيل الكافي لهداية العالم، فحمَّله هذه المهمة ليهدي الناس...
ومعنى فَٱسْتَوَىٰ علَّمه جبريل حتى استوى رسول الله ونضج في عملية التحصيل الكافي لهداية العالم، فحمَّله هذه المهمة ليهدي الناس...
آية رقم ٧
ﭮﭯﭰ
ﭱ
قالوا: الكلام هنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كان بالأفق الأعلى في رحلة الإسراء والمعراج، قال تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ [النجم: ١٤-١٥].
يعني: رآه مرة في الأرض ومرة في السماء ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ [النجم: ٨-٩] أي: أنه صلى الله عليه وسلم بعد أن استوى وبلغ الغاية التي تؤهله لأداء رسالته في البلاغ عن ربه تعرَّض لكثير من المتاعب والأذى من قومه بالقول وبالفعل في مكة حتى لجأ إلى الطائف فأغروا به سفهاءهم، ورموه بالحجارة حتى أدْمَوا قدميه.
وفي نفس العام ماتت زوجه خديجة التي كانت تُخفف عنه عناءَ ما يلاقي من قومه، ومات عمه أبو طالب الذي كان يحميه ويدفع عنه عداوة قريش.
لذلك سُمِّي هذا العام بعام الحزن كما تعلمون، حتى أنه صلى الله عليه وسلم لما عاد من الطائف عاد مكسور الخاطر، ولم يجد في مكة مَنْ ينزله في داره، وكما عزَّ عليه النصير في الطائف عَزَّ عليه الجوار في مكة، إلى أن استقبله المطعم بن عدي وكان كافراً، فأنزله في جواره، مما يدلنا على أن الله تعالى قد يؤيد رسوله ودعوته حتى بالكفار.
لذلك أراد الحق سبحانه وتعالى أنْ يجبر خاطر نبيه، وأنْ يُعوِّضه عن أذى أهل الأرض له، فقال له: إنْ كانت هذه حفاوة أهل الأرض بك فسأريك حفاوة أهل السماء فأخذه في رحلة الإسراء والمعراج لتكون تخفيفاً عنه صلى الله عليه وسلم.
وهناك رأى الأفق الأعلى، وكان قاب قوسين أو أدنى من مقام ربه عز وجل، وهذه هي المراد من قوله: وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ [الضحى: ٤].
وبعد ذلك نصر الله دينه وأيَّد نبيه، وتساقط أهل الكفر وصناديد قريش، واحداً بعد الآخر، حتى أن خالد بن الوليد يقول لعمرو بن العاص: يا عمرو لقد استقام الميسم لصاحبك. يعني: استتبَّ الأمر لمحمد وعَلاَ نجمه ولم يَعُدْ له منازع، فليس هناك فائدة إلا أنْ نذهب إليه ونؤمن به، بعدها فُتحتْ مكة ودخل الناس في دين الله أفواجاً.
إذن: الكلام هنا ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ [النجم: ٨] أي: رسول الله دنا من مقام ربه ومن سدرة المنتهى. ومعنى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ [النجم: ٩] أي: مقدار قوسين. والقوس هو أداة الرمي المعروفة أَوْ أَدْنَىٰ [النجم: ٩] أو أقرب من ذلك، فأو هنا تأكيد لمقدار قاب قوسين.
كما قال تعالى: وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: ١٤٧] فالزيادة هنا تؤكد وجود العدد مائة ألف، بحيث لا ينقص عن ذلك بل يزيد. كذلك قاب قوسين أو أقرب من القوسين.
ومن المفسرين مَنْ يرى أن الكلام هنا عن جبريل، فيقولون فَٱسْتَوَىٰ [النجم: ٦] أي: ظهر جبريل لمحمد على صورته الحقيقة وبأجنحته التي تسدّ الأفق، وقوله: ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ [النجم: ٨] دنا جبريل من محمد فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ [النجم: ٩] أي: قرب من رسول الله وصار منه على هذه المسافة.
يعني: رآه مرة في الأرض ومرة في السماء ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ [النجم: ٨-٩] أي: أنه صلى الله عليه وسلم بعد أن استوى وبلغ الغاية التي تؤهله لأداء رسالته في البلاغ عن ربه تعرَّض لكثير من المتاعب والأذى من قومه بالقول وبالفعل في مكة حتى لجأ إلى الطائف فأغروا به سفهاءهم، ورموه بالحجارة حتى أدْمَوا قدميه.
وفي نفس العام ماتت زوجه خديجة التي كانت تُخفف عنه عناءَ ما يلاقي من قومه، ومات عمه أبو طالب الذي كان يحميه ويدفع عنه عداوة قريش.
لذلك سُمِّي هذا العام بعام الحزن كما تعلمون، حتى أنه صلى الله عليه وسلم لما عاد من الطائف عاد مكسور الخاطر، ولم يجد في مكة مَنْ ينزله في داره، وكما عزَّ عليه النصير في الطائف عَزَّ عليه الجوار في مكة، إلى أن استقبله المطعم بن عدي وكان كافراً، فأنزله في جواره، مما يدلنا على أن الله تعالى قد يؤيد رسوله ودعوته حتى بالكفار.
لذلك أراد الحق سبحانه وتعالى أنْ يجبر خاطر نبيه، وأنْ يُعوِّضه عن أذى أهل الأرض له، فقال له: إنْ كانت هذه حفاوة أهل الأرض بك فسأريك حفاوة أهل السماء فأخذه في رحلة الإسراء والمعراج لتكون تخفيفاً عنه صلى الله عليه وسلم.
وهناك رأى الأفق الأعلى، وكان قاب قوسين أو أدنى من مقام ربه عز وجل، وهذه هي المراد من قوله: وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ [الضحى: ٤].
وبعد ذلك نصر الله دينه وأيَّد نبيه، وتساقط أهل الكفر وصناديد قريش، واحداً بعد الآخر، حتى أن خالد بن الوليد يقول لعمرو بن العاص: يا عمرو لقد استقام الميسم لصاحبك. يعني: استتبَّ الأمر لمحمد وعَلاَ نجمه ولم يَعُدْ له منازع، فليس هناك فائدة إلا أنْ نذهب إليه ونؤمن به، بعدها فُتحتْ مكة ودخل الناس في دين الله أفواجاً.
إذن: الكلام هنا ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ [النجم: ٨] أي: رسول الله دنا من مقام ربه ومن سدرة المنتهى. ومعنى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ [النجم: ٩] أي: مقدار قوسين. والقوس هو أداة الرمي المعروفة أَوْ أَدْنَىٰ [النجم: ٩] أو أقرب من ذلك، فأو هنا تأكيد لمقدار قاب قوسين.
كما قال تعالى: وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: ١٤٧] فالزيادة هنا تؤكد وجود العدد مائة ألف، بحيث لا ينقص عن ذلك بل يزيد. كذلك قاب قوسين أو أقرب من القوسين.
ومن المفسرين مَنْ يرى أن الكلام هنا عن جبريل، فيقولون فَٱسْتَوَىٰ [النجم: ٦] أي: ظهر جبريل لمحمد على صورته الحقيقة وبأجنحته التي تسدّ الأفق، وقوله: ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ [النجم: ٨] دنا جبريل من محمد فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ [النجم: ٩] أي: قرب من رسول الله وصار منه على هذه المسافة.
آية رقم ٨
ﭲﭳﭴ
ﭵ
قالوا: الكلام هنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كان بالأفق الأعلى في رحلة الإسراء والمعراج، قال تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ [النجم: ١٤-١٥].
يعني: رآه مرة في الأرض ومرة في السماء ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ [النجم: ٨-٩] أي: أنه صلى الله عليه وسلم بعد أن استوى وبلغ الغاية التي تؤهله لأداء رسالته في البلاغ عن ربه تعرَّض لكثير من المتاعب والأذى من قومه بالقول وبالفعل في مكة حتى لجأ إلى الطائف فأغروا به سفهاءهم، ورموه بالحجارة حتى أدْمَوا قدميه.
وفي نفس العام ماتت زوجه خديجة التي كانت تُخفف عنه عناءَ ما يلاقي من قومه، ومات عمه أبو طالب الذي كان يحميه ويدفع عنه عداوة قريش.
لذلك سُمِّي هذا العام بعام الحزن كما تعلمون، حتى أنه صلى الله عليه وسلم لما عاد من الطائف عاد مكسور الخاطر، ولم يجد في مكة مَنْ ينزله في داره، وكما عزَّ عليه النصير في الطائف عَزَّ عليه الجوار في مكة، إلى أن استقبله المطعم بن عدي وكان كافراً، فأنزله في جواره، مما يدلنا على أن الله تعالى قد يؤيد رسوله ودعوته حتى بالكفار.
لذلك أراد الحق سبحانه وتعالى أنْ يجبر خاطر نبيه، وأنْ يُعوِّضه عن أذى أهل الأرض له، فقال له: إنْ كانت هذه حفاوة أهل الأرض بك فسأريك حفاوة أهل السماء فأخذه في رحلة الإسراء والمعراج لتكون تخفيفاً عنه صلى الله عليه وسلم.
وهناك رأى الأفق الأعلى، وكان قاب قوسين أو أدنى من مقام ربه عز وجل، وهذه هي المراد من قوله: وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ [الضحى: ٤].
وبعد ذلك نصر الله دينه وأيَّد نبيه، وتساقط أهل الكفر وصناديد قريش، واحداً بعد الآخر، حتى أن خالد بن الوليد يقول لعمرو بن العاص: يا عمرو لقد استقام الميسم لصاحبك. يعني: استتبَّ الأمر لمحمد وعَلاَ نجمه ولم يَعُدْ له منازع، فليس هناك فائدة إلا أنْ نذهب إليه ونؤمن به، بعدها فُتحتْ مكة ودخل الناس في دين الله أفواجاً.
إذن: الكلام هنا ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ [النجم: ٨] أي: رسول الله دنا من مقام ربه ومن سدرة المنتهى. ومعنى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ [النجم: ٩] أي: مقدار قوسين. والقوس هو أداة الرمي المعروفة أَوْ أَدْنَىٰ [النجم: ٩] أو أقرب من ذلك، فأو هنا تأكيد لمقدار قاب قوسين.
كما قال تعالى: وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: ١٤٧] فالزيادة هنا تؤكد وجود العدد مائة ألف، بحيث لا ينقص عن ذلك بل يزيد. كذلك قاب قوسين أو أقرب من القوسين.
ومن المفسرين مَنْ يرى أن الكلام هنا عن جبريل، فيقولون فَٱسْتَوَىٰ [النجم: ٦] أي: ظهر جبريل لمحمد على صورته الحقيقة وبأجنحته التي تسدّ الأفق، وقوله: ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ [النجم: ٨] دنا جبريل من محمد فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ [النجم: ٩] أي: قرب من رسول الله وصار منه على هذه المسافة.
يعني: رآه مرة في الأرض ومرة في السماء ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ [النجم: ٨-٩] أي: أنه صلى الله عليه وسلم بعد أن استوى وبلغ الغاية التي تؤهله لأداء رسالته في البلاغ عن ربه تعرَّض لكثير من المتاعب والأذى من قومه بالقول وبالفعل في مكة حتى لجأ إلى الطائف فأغروا به سفهاءهم، ورموه بالحجارة حتى أدْمَوا قدميه.
وفي نفس العام ماتت زوجه خديجة التي كانت تُخفف عنه عناءَ ما يلاقي من قومه، ومات عمه أبو طالب الذي كان يحميه ويدفع عنه عداوة قريش.
لذلك سُمِّي هذا العام بعام الحزن كما تعلمون، حتى أنه صلى الله عليه وسلم لما عاد من الطائف عاد مكسور الخاطر، ولم يجد في مكة مَنْ ينزله في داره، وكما عزَّ عليه النصير في الطائف عَزَّ عليه الجوار في مكة، إلى أن استقبله المطعم بن عدي وكان كافراً، فأنزله في جواره، مما يدلنا على أن الله تعالى قد يؤيد رسوله ودعوته حتى بالكفار.
لذلك أراد الحق سبحانه وتعالى أنْ يجبر خاطر نبيه، وأنْ يُعوِّضه عن أذى أهل الأرض له، فقال له: إنْ كانت هذه حفاوة أهل الأرض بك فسأريك حفاوة أهل السماء فأخذه في رحلة الإسراء والمعراج لتكون تخفيفاً عنه صلى الله عليه وسلم.
وهناك رأى الأفق الأعلى، وكان قاب قوسين أو أدنى من مقام ربه عز وجل، وهذه هي المراد من قوله: وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ [الضحى: ٤].
وبعد ذلك نصر الله دينه وأيَّد نبيه، وتساقط أهل الكفر وصناديد قريش، واحداً بعد الآخر، حتى أن خالد بن الوليد يقول لعمرو بن العاص: يا عمرو لقد استقام الميسم لصاحبك. يعني: استتبَّ الأمر لمحمد وعَلاَ نجمه ولم يَعُدْ له منازع، فليس هناك فائدة إلا أنْ نذهب إليه ونؤمن به، بعدها فُتحتْ مكة ودخل الناس في دين الله أفواجاً.
إذن: الكلام هنا ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ [النجم: ٨] أي: رسول الله دنا من مقام ربه ومن سدرة المنتهى. ومعنى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ [النجم: ٩] أي: مقدار قوسين. والقوس هو أداة الرمي المعروفة أَوْ أَدْنَىٰ [النجم: ٩] أو أقرب من ذلك، فأو هنا تأكيد لمقدار قاب قوسين.
كما قال تعالى: وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: ١٤٧] فالزيادة هنا تؤكد وجود العدد مائة ألف، بحيث لا ينقص عن ذلك بل يزيد. كذلك قاب قوسين أو أقرب من القوسين.
ومن المفسرين مَنْ يرى أن الكلام هنا عن جبريل، فيقولون فَٱسْتَوَىٰ [النجم: ٦] أي: ظهر جبريل لمحمد على صورته الحقيقة وبأجنحته التي تسدّ الأفق، وقوله: ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ [النجم: ٨] دنا جبريل من محمد فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ [النجم: ٩] أي: قرب من رسول الله وصار منه على هذه المسافة.
آية رقم ٩
ﭶﭷﭸﭹﭺ
ﭻ
قالوا: الكلام هنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كان بالأفق الأعلى في رحلة الإسراء والمعراج، قال تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ [النجم: ١٤-١٥].
يعني: رآه مرة في الأرض ومرة في السماء ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ [النجم: ٨-٩] أي: أنه صلى الله عليه وسلم بعد أن استوى وبلغ الغاية التي تؤهله لأداء رسالته في البلاغ عن ربه تعرَّض لكثير من المتاعب والأذى من قومه بالقول وبالفعل في مكة حتى لجأ إلى الطائف فأغروا به سفهاءهم، ورموه بالحجارة حتى أدْمَوا قدميه.
وفي نفس العام ماتت زوجه خديجة التي كانت تُخفف عنه عناءَ ما يلاقي من قومه، ومات عمه أبو طالب الذي كان يحميه ويدفع عنه عداوة قريش.
لذلك سُمِّي هذا العام بعام الحزن كما تعلمون، حتى أنه صلى الله عليه وسلم لما عاد من الطائف عاد مكسور الخاطر، ولم يجد في مكة مَنْ ينزله في داره، وكما عزَّ عليه النصير في الطائف عَزَّ عليه الجوار في مكة، إلى أن استقبله المطعم بن عدي وكان كافراً، فأنزله في جواره، مما يدلنا على أن الله تعالى قد يؤيد رسوله ودعوته حتى بالكفار.
لذلك أراد الحق سبحانه وتعالى أنْ يجبر خاطر نبيه، وأنْ يُعوِّضه عن أذى أهل الأرض له، فقال له: إنْ كانت هذه حفاوة أهل الأرض بك فسأريك حفاوة أهل السماء فأخذه في رحلة الإسراء والمعراج لتكون تخفيفاً عنه صلى الله عليه وسلم.
وهناك رأى الأفق الأعلى، وكان قاب قوسين أو أدنى من مقام ربه عز وجل، وهذه هي المراد من قوله: وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ [الضحى: ٤].
وبعد ذلك نصر الله دينه وأيَّد نبيه، وتساقط أهل الكفر وصناديد قريش، واحداً بعد الآخر، حتى أن خالد بن الوليد يقول لعمرو بن العاص: يا عمرو لقد استقام الميسم لصاحبك. يعني: استتبَّ الأمر لمحمد وعَلاَ نجمه ولم يَعُدْ له منازع، فليس هناك فائدة إلا أنْ نذهب إليه ونؤمن به، بعدها فُتحتْ مكة ودخل الناس في دين الله أفواجاً.
إذن: الكلام هنا ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ [النجم: ٨] أي: رسول الله دنا من مقام ربه ومن سدرة المنتهى. ومعنى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ [النجم: ٩] أي: مقدار قوسين. والقوس هو أداة الرمي المعروفة أَوْ أَدْنَىٰ [النجم: ٩] أو أقرب من ذلك، فأو هنا تأكيد لمقدار قاب قوسين.
كما قال تعالى: وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: ١٤٧] فالزيادة هنا تؤكد وجود العدد مائة ألف، بحيث لا ينقص عن ذلك بل يزيد. كذلك قاب قوسين أو أقرب من القوسين.
ومن المفسرين مَنْ يرى أن الكلام هنا عن جبريل، فيقولون فَٱسْتَوَىٰ [النجم: ٦] أي: ظهر جبريل لمحمد على صورته الحقيقة وبأجنحته التي تسدّ الأفق، وقوله: ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ [النجم: ٨] دنا جبريل من محمد فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ [النجم: ٩] أي: قرب من رسول الله وصار منه على هذه المسافة.
يعني: رآه مرة في الأرض ومرة في السماء ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ [النجم: ٨-٩] أي: أنه صلى الله عليه وسلم بعد أن استوى وبلغ الغاية التي تؤهله لأداء رسالته في البلاغ عن ربه تعرَّض لكثير من المتاعب والأذى من قومه بالقول وبالفعل في مكة حتى لجأ إلى الطائف فأغروا به سفهاءهم، ورموه بالحجارة حتى أدْمَوا قدميه.
وفي نفس العام ماتت زوجه خديجة التي كانت تُخفف عنه عناءَ ما يلاقي من قومه، ومات عمه أبو طالب الذي كان يحميه ويدفع عنه عداوة قريش.
لذلك سُمِّي هذا العام بعام الحزن كما تعلمون، حتى أنه صلى الله عليه وسلم لما عاد من الطائف عاد مكسور الخاطر، ولم يجد في مكة مَنْ ينزله في داره، وكما عزَّ عليه النصير في الطائف عَزَّ عليه الجوار في مكة، إلى أن استقبله المطعم بن عدي وكان كافراً، فأنزله في جواره، مما يدلنا على أن الله تعالى قد يؤيد رسوله ودعوته حتى بالكفار.
لذلك أراد الحق سبحانه وتعالى أنْ يجبر خاطر نبيه، وأنْ يُعوِّضه عن أذى أهل الأرض له، فقال له: إنْ كانت هذه حفاوة أهل الأرض بك فسأريك حفاوة أهل السماء فأخذه في رحلة الإسراء والمعراج لتكون تخفيفاً عنه صلى الله عليه وسلم.
وهناك رأى الأفق الأعلى، وكان قاب قوسين أو أدنى من مقام ربه عز وجل، وهذه هي المراد من قوله: وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ [الضحى: ٤].
وبعد ذلك نصر الله دينه وأيَّد نبيه، وتساقط أهل الكفر وصناديد قريش، واحداً بعد الآخر، حتى أن خالد بن الوليد يقول لعمرو بن العاص: يا عمرو لقد استقام الميسم لصاحبك. يعني: استتبَّ الأمر لمحمد وعَلاَ نجمه ولم يَعُدْ له منازع، فليس هناك فائدة إلا أنْ نذهب إليه ونؤمن به، بعدها فُتحتْ مكة ودخل الناس في دين الله أفواجاً.
إذن: الكلام هنا ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ [النجم: ٨] أي: رسول الله دنا من مقام ربه ومن سدرة المنتهى. ومعنى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ [النجم: ٩] أي: مقدار قوسين. والقوس هو أداة الرمي المعروفة أَوْ أَدْنَىٰ [النجم: ٩] أو أقرب من ذلك، فأو هنا تأكيد لمقدار قاب قوسين.
كما قال تعالى: وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: ١٤٧] فالزيادة هنا تؤكد وجود العدد مائة ألف، بحيث لا ينقص عن ذلك بل يزيد. كذلك قاب قوسين أو أقرب من القوسين.
ومن المفسرين مَنْ يرى أن الكلام هنا عن جبريل، فيقولون فَٱسْتَوَىٰ [النجم: ٦] أي: ظهر جبريل لمحمد على صورته الحقيقة وبأجنحته التي تسدّ الأفق، وقوله: ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ [النجم: ٨] دنا جبريل من محمد فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ [النجم: ٩] أي: قرب من رسول الله وصار منه على هذه المسافة.
آية رقم ١٠
ﭼﭽﭾﭿﮀ
ﮁ
أي: أوحى الله تعالى إلى عَبْدِهِ.. [النجم: ١٠] محمد صلى الله عليه وسلم مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ [النجم: ١١] هذا يعني أن رسول الله لم يَرَ الله تعالى بعينه، بل رآه بفؤاده وقلبه، فموسى سمع الكلام في الأرض، ومحمد رأى ببصيرة قلبه في السماء.
ومعنى مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ.. [النجم: ١١] تحذير للذين يُشكِّكون في هذه المسألة أو ينكرونها، لذلك يأتي بعدها بهذا الاستفهام الإنكارى:
أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ... .
ومعنى مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ.. [النجم: ١١] تحذير للذين يُشكِّكون في هذه المسألة أو ينكرونها، لذلك يأتي بعدها بهذا الاستفهام الإنكارى:
أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ... .
آية رقم ١١
ﮂﮃﮄﮅﮆ
ﮇ
أي: أوحى الله تعالى إلى عَبْدِهِ.. [النجم: ١٠] محمد صلى الله عليه وسلم مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ [النجم: ١١] هذا يعني أن رسول الله لم يَرَ الله تعالى بعينه، بل رآه بفؤاده وقلبه، فموسى سمع الكلام في الأرض، ومحمد رأى ببصيرة قلبه في السماء.
ومعنى مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ.. [النجم: ١١] تحذير للذين يُشكِّكون في هذه المسألة أو ينكرونها، لذلك يأتي بعدها بهذا الاستفهام الإنكارى:
أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ... .
ومعنى مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ.. [النجم: ١١] تحذير للذين يُشكِّكون في هذه المسألة أو ينكرونها، لذلك يأتي بعدها بهذا الاستفهام الإنكارى:
أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ... .
آية رقم ١٢
ﮈﮉﮊﮋ
ﮌ
الهمزة هنا للاستفهام الذي يُفهم منه الإنكار والتعجُّب من تكذيبهم لرسول الله فيما أخبرهم به بعد رحلة الإسراء والمعراج من صعوده للسماء ورؤيته لربه عز وجل.
والفعل أَفَتُمَارُونَهُ.. [النجم: ١٢] من المراء وهو الجدل، لكن جدل بالباطل يُراد منه التكذيب والتشكيك، ولا يُراد منه الوصول للحق.
وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ [النجم: ١٣] أي: رأى رسولُ الله جبريلَ مرة أخرى عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ [النجم: ١٤] السدرة: هي شجرة السدر التي عن يمين العرش.
ٱلْمُنتَهَىٰ [النجم: ١٤] أي: عندها ينتهي علم الخلائق، ولا يتجاوزها أحد من الملائكة فضلاً عن البشر، وعند هذه السدرة رأى جبريل للمرة الثانية.
وفي هذا المكان من القرب فُرِضت الصلاة على سيدنا رسول الله، والصلاة هي الفريضة الوحيدة التي فرضت مشافهة، وهذا يعني أن رسول الله سمع كلام الله في هذه المشافهة.
لكن لما سُئِلَ عن رؤيته لربه عز وجل قال: أي: كيف أراه، تعبير دقيق من رسول الله، فلما نظر لم يجد إلا نوراً، والنور لا يُرى، وإنما يُرى به الأشياء، فإذا كان الحق سبحانه نوراً فلا سبيلَ إلى رؤيته سبحانه.
أما الرؤية في مثل قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٢-٢٣] فالكلام هنا عن يوم القيامة، حيث يُعاد الخَلْق على هيئة أخرى غير هيئتهم في الدنيا.
وبهذه الهيئة سوف يتمكّنون من رؤية ربهم سبحانه وتعالى، بدليل أننا بهذه الطبيعة الجديدة في الآخرة نأكل ولا نتغوّط، ونشرب ولا نتبوّل ولا نعرق، لماذا؟ لأن الله أعدّنا إعداداً آخر يناسب نعيم الآخرة.
ثم إننا نأكل في الدنيا من طهينا وإعدادنا، وأما فى الآخرة فنأكل من طهي الله، طهي بحساب دقيق بحيث لا يبقى منه في الجسم أي فضلات.
كذلك من الإعجاز في رحلة الإسراء والمعراج أن رسول الله أعدَّه الله إعداداً خاصاً ليتمكن من الصعود، فمن المعلوم أن (الأكسجين) ينعدم في طبقات الجو العليا.
وهذه الحقيقة قررها القرآن في قوله تعالى: فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَٰمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ [الأنعام: ١٢٥].
ومسألة رؤية الله تعالى مسألة خلافية كَثُر فيها الكلام دون دَاعٍ، فرسول الله رأى نوراً، والرؤية الحقيقية تكون في الآخرة، ويجب أنْ نقصر الكلام في هذه المسألة على ما ورد فيها، ثم هو علم لا ينفع وجهل لا يضر.
المهم المنهج الذي جاء به ومدى التزامنا بتطبيقه في حياتنا العملية، وقمة هذا المنهج الصلاة التي فُرضتْ عليه مباشرة لأهميتها في حركة الحياة وتقويم المعوج منها.
وسبق أنْ أوضحنا مثالاً وقلنا: إن الرئيس يبعث للموظف تأشيرة افعل كذا وكذا، فإنْ كان الأمر أهَمّ من ذلك اتصل به تليفونياً، وإنْ كان أهم استدعاه إلى مكتبه وأخبره بما يريد مباشرة، هكذا كانت الصلاة.
لذلك نراها واجبة على كُلِّ مسلم ومسلمة لا تسقط أبداً على أية حال خلافاً لباقي العبادات التي تسقط بالأعذار.
والحديث: يوضح هذه المكانة، فالصلاة من عمد الدين وقوائمه التي يقوم عليها، ويُوضح أيضاً أن هذه الخمس ليست هي كل الإسلام، بل الإسلام أوسع مجالاً منها، الإسلام يشمل حركة الحياة كلها، بداية من قمة لا إله إلا الله محد رسول الله إلى إماطة الأذى عن الطريق.
لذلك نتعجب من الذين ينادون بفصل دين الله عن سياسية الدنيا، ويقولون: لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة. فهذا قول باطل لا يصح، وهل يجوز أنْ نترك القاتل والزاني والسارق وغيرهم من أصحاب الجرائم يعربدون في خَلْق الله دون عقاب أو رادع؟
ولأهمية الصلاة في حركة الحياة جعلها الله كتاباً موقوتاً، ففرضيتها مقرونة بوقتها، وهذا الوقت موزَّع على مدى اليوم والليلة، ليظل المؤمن على صلة دائمة بربه، وعلى ذكر دائم للمنهج، ولا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها إلا لعذر مقبول عند الشارع الحكيم.
فمَنْ نام عن صلاة فوقتها حين يستيقظ، ومَنْ كان ناسياً فوقته حين يتذكر، وفي هاتين الحالتين لا تُقضى الصلاة إنما تصلى حاضراً، أما إذا فاتته الصلاة تكاسلاً وبدون عذر فلا تُقضَى صلاته لأن لها وقتاً مخصوصاً وقد فوَّته على نفسه بدون عذر شرعي.
والحكمة من توقيت الصلوات بوقت محدد أن الإنسان لا يدري متى يُفاجئه أجله، فليبادر أولاً بآداء صلاته في موعدها، والصلاة فيها دوام واستمرار على مدى الساعات، على خلاف الحج مثلاً، فهو مرة واحدة في العمر كله.
نقول: إذن لا داعيَ لأنْ نختلف حول رؤية الروسل لربه عز وجل في رحلة الإسراء والمعراج، المهم أنه انتقل إلى مكان أعلى في التكليف، كان يُكلف وهو في الأرض والآن يُكلف وهو في السماء، ويكفي أن الله تعالى كلمه دون وحي، ويكفي أن يقول صلى الله عليه وسلم عن رؤيته لربه تعالى: ولقائل أنْ يقول: لماذا جاءت الرؤية في السماء بالذات والله قادر أنْ يتجلى على رسوله ويظهر له وهو في الأرض؟ نقول: المكان لا للمرئي ولكن اللرائي، فالرائي لا يرى إلا في هذا المكان.
كما لو قلت لكم مثلاً ونحن في المسجد: ظهر القمر، فقال أحدكم: لكني لا أراه. أقول له: يراه الذي بالخارج أو فوق السطح.
وقوله تعالى: أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ [النجم: ١٢] تأكيداً للرؤية وترجيح لها وتحذير من التشكيك فيها، ولم التشكيك إذا كان الأمر كله في هذه المسألة لله، ومحمد لم يدّع لنفسه قوة، بل قال: أُسْري بي؟
تذكرون لما تكلمنا عن قوله تعالى: يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ [الرحمن: ٣٣] قال بعض العلماء: المراد سلطان العلم.
قلنا: لا بل سلطان من الله القادر على ذلك، ولو أن المراد سلطان العلم لما قال تعالى بعدها: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ [الرحمن: ٣٥].
ولولا هذه الآية لكانت السماءُ مفتوحة يسهل للجن اختراقها.
ورؤية رسول الله لجبريل في قوله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ [النجم: ١٣-١٤] تعد تشريفاً لجبريل وتشريفاً لرسول الله. والسدرة كما قلنا شجرة النبق، وهو حب يُؤكل في حجم الزيتون.
وإذا كان النبق في الدنيا له شوك فسدرة المنتهى لا شوكَ لها، فهي كما قال تعالى: فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ [الواقعة: ٢٨] يعني لا شوكَ فيه. وقال في وصف ثمارها أنها كقلال هجر أي: (كالبلاص) الكبير.
ثم لا تعجب من كون هذه الشجرة في السماء السابعة، فهذا من طلاقة القدرة، ألم يجعل شجرة في جهنم والعياذ بالله، فقال سبحانه إِنَّهَا شَجَرَةٌ.. [الصافات: ٦٤] أي: شجرة الزقوم تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ [الصافات: ٦٤-٦٥].
وقوله تعالى: عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ [النجم: ١٥] أي: التي يأوي إليها وينتهي إليها الشهداء الذين قُتِلوا في سبيل الله، فكأنها جنة خاصة بهم غير جنة الآخرة التي تكون بعد الحساب.
فالذي مات شهيداً وضحَّى بروحه في سبيل الله يقول الله له: لا تموت عندي فيُبرئه من الموت مرة أخرى، كأنه يقول: أنا واهب الحياة وأنا الذي آخذها فإذا أخذها غيري أكيده بأنْ أجعل الشهيد حياً عندي، موصولة حياته الدنيا بحياته في البرزخ.
تذكرون لما تكلمنا عن سيدنا يحيى عليه السلام. قلنا: إن الله تعالى هو الذي سماه (يحيى) ونحن حينما نسمي أولادنا نختار الاسم الحسن تفاؤلاً به، فنسمي ذكي أملاً في أن يكون كذلك، ونُسمي سعيداً عسى أنْ يكون سعيداً في حياته.
لكن قد يأتي الواقع على خلاف ما نتمنى، نُسميه (ذكي) فيكون غياً، أو (سعيد) فنراه في الواقع شقياً، ذلك لأننا لا نملك تحقيق ما نتمناه.
فإنْ كان المسمِّى هو الله تعالى فلا شكَّ أن تسميته تطابق الواقع، لأن الله تعالى لا رادّ لقضائه ولا مُعقِّب لحكمه، ولا أحد يستطيع الاعتراض على أمره.
فكانت تسمية (يحيى) إشارة إلى أنه سيحيا حياة دائمة موصولة، والعلماء أصحاب الفهم عن الله فهموا من ذلك أنه سيموت شهيداً، لأن الشهادة هي التي تضمن له استمرار الحياة، حيث تصل حياته الدنيا بحياة الشهادة عند الله.
والفعل أَفَتُمَارُونَهُ.. [النجم: ١٢] من المراء وهو الجدل، لكن جدل بالباطل يُراد منه التكذيب والتشكيك، ولا يُراد منه الوصول للحق.
وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ [النجم: ١٣] أي: رأى رسولُ الله جبريلَ مرة أخرى عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ [النجم: ١٤] السدرة: هي شجرة السدر التي عن يمين العرش.
ٱلْمُنتَهَىٰ [النجم: ١٤] أي: عندها ينتهي علم الخلائق، ولا يتجاوزها أحد من الملائكة فضلاً عن البشر، وعند هذه السدرة رأى جبريل للمرة الثانية.
وفي هذا المكان من القرب فُرِضت الصلاة على سيدنا رسول الله، والصلاة هي الفريضة الوحيدة التي فرضت مشافهة، وهذا يعني أن رسول الله سمع كلام الله في هذه المشافهة.
لكن لما سُئِلَ عن رؤيته لربه عز وجل قال: أي: كيف أراه، تعبير دقيق من رسول الله، فلما نظر لم يجد إلا نوراً، والنور لا يُرى، وإنما يُرى به الأشياء، فإذا كان الحق سبحانه نوراً فلا سبيلَ إلى رؤيته سبحانه.
أما الرؤية في مثل قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٢-٢٣] فالكلام هنا عن يوم القيامة، حيث يُعاد الخَلْق على هيئة أخرى غير هيئتهم في الدنيا.
وبهذه الهيئة سوف يتمكّنون من رؤية ربهم سبحانه وتعالى، بدليل أننا بهذه الطبيعة الجديدة في الآخرة نأكل ولا نتغوّط، ونشرب ولا نتبوّل ولا نعرق، لماذا؟ لأن الله أعدّنا إعداداً آخر يناسب نعيم الآخرة.
ثم إننا نأكل في الدنيا من طهينا وإعدادنا، وأما فى الآخرة فنأكل من طهي الله، طهي بحساب دقيق بحيث لا يبقى منه في الجسم أي فضلات.
كذلك من الإعجاز في رحلة الإسراء والمعراج أن رسول الله أعدَّه الله إعداداً خاصاً ليتمكن من الصعود، فمن المعلوم أن (الأكسجين) ينعدم في طبقات الجو العليا.
وهذه الحقيقة قررها القرآن في قوله تعالى: فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَٰمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ [الأنعام: ١٢٥].
ومسألة رؤية الله تعالى مسألة خلافية كَثُر فيها الكلام دون دَاعٍ، فرسول الله رأى نوراً، والرؤية الحقيقية تكون في الآخرة، ويجب أنْ نقصر الكلام في هذه المسألة على ما ورد فيها، ثم هو علم لا ينفع وجهل لا يضر.
المهم المنهج الذي جاء به ومدى التزامنا بتطبيقه في حياتنا العملية، وقمة هذا المنهج الصلاة التي فُرضتْ عليه مباشرة لأهميتها في حركة الحياة وتقويم المعوج منها.
وسبق أنْ أوضحنا مثالاً وقلنا: إن الرئيس يبعث للموظف تأشيرة افعل كذا وكذا، فإنْ كان الأمر أهَمّ من ذلك اتصل به تليفونياً، وإنْ كان أهم استدعاه إلى مكتبه وأخبره بما يريد مباشرة، هكذا كانت الصلاة.
لذلك نراها واجبة على كُلِّ مسلم ومسلمة لا تسقط أبداً على أية حال خلافاً لباقي العبادات التي تسقط بالأعذار.
والحديث: يوضح هذه المكانة، فالصلاة من عمد الدين وقوائمه التي يقوم عليها، ويُوضح أيضاً أن هذه الخمس ليست هي كل الإسلام، بل الإسلام أوسع مجالاً منها، الإسلام يشمل حركة الحياة كلها، بداية من قمة لا إله إلا الله محد رسول الله إلى إماطة الأذى عن الطريق.
لذلك نتعجب من الذين ينادون بفصل دين الله عن سياسية الدنيا، ويقولون: لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة. فهذا قول باطل لا يصح، وهل يجوز أنْ نترك القاتل والزاني والسارق وغيرهم من أصحاب الجرائم يعربدون في خَلْق الله دون عقاب أو رادع؟
ولأهمية الصلاة في حركة الحياة جعلها الله كتاباً موقوتاً، ففرضيتها مقرونة بوقتها، وهذا الوقت موزَّع على مدى اليوم والليلة، ليظل المؤمن على صلة دائمة بربه، وعلى ذكر دائم للمنهج، ولا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها إلا لعذر مقبول عند الشارع الحكيم.
فمَنْ نام عن صلاة فوقتها حين يستيقظ، ومَنْ كان ناسياً فوقته حين يتذكر، وفي هاتين الحالتين لا تُقضى الصلاة إنما تصلى حاضراً، أما إذا فاتته الصلاة تكاسلاً وبدون عذر فلا تُقضَى صلاته لأن لها وقتاً مخصوصاً وقد فوَّته على نفسه بدون عذر شرعي.
والحكمة من توقيت الصلوات بوقت محدد أن الإنسان لا يدري متى يُفاجئه أجله، فليبادر أولاً بآداء صلاته في موعدها، والصلاة فيها دوام واستمرار على مدى الساعات، على خلاف الحج مثلاً، فهو مرة واحدة في العمر كله.
نقول: إذن لا داعيَ لأنْ نختلف حول رؤية الروسل لربه عز وجل في رحلة الإسراء والمعراج، المهم أنه انتقل إلى مكان أعلى في التكليف، كان يُكلف وهو في الأرض والآن يُكلف وهو في السماء، ويكفي أن الله تعالى كلمه دون وحي، ويكفي أن يقول صلى الله عليه وسلم عن رؤيته لربه تعالى: ولقائل أنْ يقول: لماذا جاءت الرؤية في السماء بالذات والله قادر أنْ يتجلى على رسوله ويظهر له وهو في الأرض؟ نقول: المكان لا للمرئي ولكن اللرائي، فالرائي لا يرى إلا في هذا المكان.
كما لو قلت لكم مثلاً ونحن في المسجد: ظهر القمر، فقال أحدكم: لكني لا أراه. أقول له: يراه الذي بالخارج أو فوق السطح.
وقوله تعالى: أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ [النجم: ١٢] تأكيداً للرؤية وترجيح لها وتحذير من التشكيك فيها، ولم التشكيك إذا كان الأمر كله في هذه المسألة لله، ومحمد لم يدّع لنفسه قوة، بل قال: أُسْري بي؟
تذكرون لما تكلمنا عن قوله تعالى: يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ [الرحمن: ٣٣] قال بعض العلماء: المراد سلطان العلم.
قلنا: لا بل سلطان من الله القادر على ذلك، ولو أن المراد سلطان العلم لما قال تعالى بعدها: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ [الرحمن: ٣٥].
ولولا هذه الآية لكانت السماءُ مفتوحة يسهل للجن اختراقها.
ورؤية رسول الله لجبريل في قوله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ [النجم: ١٣-١٤] تعد تشريفاً لجبريل وتشريفاً لرسول الله. والسدرة كما قلنا شجرة النبق، وهو حب يُؤكل في حجم الزيتون.
وإذا كان النبق في الدنيا له شوك فسدرة المنتهى لا شوكَ لها، فهي كما قال تعالى: فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ [الواقعة: ٢٨] يعني لا شوكَ فيه. وقال في وصف ثمارها أنها كقلال هجر أي: (كالبلاص) الكبير.
ثم لا تعجب من كون هذه الشجرة في السماء السابعة، فهذا من طلاقة القدرة، ألم يجعل شجرة في جهنم والعياذ بالله، فقال سبحانه إِنَّهَا شَجَرَةٌ.. [الصافات: ٦٤] أي: شجرة الزقوم تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ [الصافات: ٦٤-٦٥].
وقوله تعالى: عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ [النجم: ١٥] أي: التي يأوي إليها وينتهي إليها الشهداء الذين قُتِلوا في سبيل الله، فكأنها جنة خاصة بهم غير جنة الآخرة التي تكون بعد الحساب.
فالذي مات شهيداً وضحَّى بروحه في سبيل الله يقول الله له: لا تموت عندي فيُبرئه من الموت مرة أخرى، كأنه يقول: أنا واهب الحياة وأنا الذي آخذها فإذا أخذها غيري أكيده بأنْ أجعل الشهيد حياً عندي، موصولة حياته الدنيا بحياته في البرزخ.
تذكرون لما تكلمنا عن سيدنا يحيى عليه السلام. قلنا: إن الله تعالى هو الذي سماه (يحيى) ونحن حينما نسمي أولادنا نختار الاسم الحسن تفاؤلاً به، فنسمي ذكي أملاً في أن يكون كذلك، ونُسمي سعيداً عسى أنْ يكون سعيداً في حياته.
لكن قد يأتي الواقع على خلاف ما نتمنى، نُسميه (ذكي) فيكون غياً، أو (سعيد) فنراه في الواقع شقياً، ذلك لأننا لا نملك تحقيق ما نتمناه.
فإنْ كان المسمِّى هو الله تعالى فلا شكَّ أن تسميته تطابق الواقع، لأن الله تعالى لا رادّ لقضائه ولا مُعقِّب لحكمه، ولا أحد يستطيع الاعتراض على أمره.
فكانت تسمية (يحيى) إشارة إلى أنه سيحيا حياة دائمة موصولة، والعلماء أصحاب الفهم عن الله فهموا من ذلك أنه سيموت شهيداً، لأن الشهادة هي التي تضمن له استمرار الحياة، حيث تصل حياته الدنيا بحياة الشهادة عند الله.
آية رقم ١٣
ﮍﮎﮏﮐ
ﮑ
الهمزة هنا للاستفهام الذي يُفهم منه الإنكار والتعجُّب من تكذيبهم لرسول الله فيما أخبرهم به بعد رحلة الإسراء والمعراج من صعوده للسماء ورؤيته لربه عز وجل.
والفعل أَفَتُمَارُونَهُ.. [النجم: ١٢] من المراء وهو الجدل، لكن جدل بالباطل يُراد منه التكذيب والتشكيك، ولا يُراد منه الوصول للحق.
وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ [النجم: ١٣] أي: رأى رسولُ الله جبريلَ مرة أخرى عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ [النجم: ١٤] السدرة: هي شجرة السدر التي عن يمين العرش.
ٱلْمُنتَهَىٰ [النجم: ١٤] أي: عندها ينتهي علم الخلائق، ولا يتجاوزها أحد من الملائكة فضلاً عن البشر، وعند هذه السدرة رأى جبريل للمرة الثانية.
وفي هذا المكان من القرب فُرِضت الصلاة على سيدنا رسول الله، والصلاة هي الفريضة الوحيدة التي فرضت مشافهة، وهذا يعني أن رسول الله سمع كلام الله في هذه المشافهة.
لكن لما سُئِلَ عن رؤيته لربه عز وجل قال: أي: كيف أراه، تعبير دقيق من رسول الله، فلما نظر لم يجد إلا نوراً، والنور لا يُرى، وإنما يُرى به الأشياء، فإذا كان الحق سبحانه نوراً فلا سبيلَ إلى رؤيته سبحانه.
أما الرؤية في مثل قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٢-٢٣] فالكلام هنا عن يوم القيامة، حيث يُعاد الخَلْق على هيئة أخرى غير هيئتهم في الدنيا.
وبهذه الهيئة سوف يتمكّنون من رؤية ربهم سبحانه وتعالى، بدليل أننا بهذه الطبيعة الجديدة في الآخرة نأكل ولا نتغوّط، ونشرب ولا نتبوّل ولا نعرق، لماذا؟ لأن الله أعدّنا إعداداً آخر يناسب نعيم الآخرة.
ثم إننا نأكل في الدنيا من طهينا وإعدادنا، وأما فى الآخرة فنأكل من طهي الله، طهي بحساب دقيق بحيث لا يبقى منه في الجسم أي فضلات.
كذلك من الإعجاز في رحلة الإسراء والمعراج أن رسول الله أعدَّه الله إعداداً خاصاً ليتمكن من الصعود، فمن المعلوم أن (الأكسجين) ينعدم في طبقات الجو العليا.
وهذه الحقيقة قررها القرآن في قوله تعالى: فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَٰمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ [الأنعام: ١٢٥].
ومسألة رؤية الله تعالى مسألة خلافية كَثُر فيها الكلام دون دَاعٍ، فرسول الله رأى نوراً، والرؤية الحقيقية تكون في الآخرة، ويجب أنْ نقصر الكلام في هذه المسألة على ما ورد فيها، ثم هو علم لا ينفع وجهل لا يضر.
المهم المنهج الذي جاء به ومدى التزامنا بتطبيقه في حياتنا العملية، وقمة هذا المنهج الصلاة التي فُرضتْ عليه مباشرة لأهميتها في حركة الحياة وتقويم المعوج منها.
وسبق أنْ أوضحنا مثالاً وقلنا: إن الرئيس يبعث للموظف تأشيرة افعل كذا وكذا، فإنْ كان الأمر أهَمّ من ذلك اتصل به تليفونياً، وإنْ كان أهم استدعاه إلى مكتبه وأخبره بما يريد مباشرة، هكذا كانت الصلاة.
لذلك نراها واجبة على كُلِّ مسلم ومسلمة لا تسقط أبداً على أية حال خلافاً لباقي العبادات التي تسقط بالأعذار.
والحديث: يوضح هذه المكانة، فالصلاة من عمد الدين وقوائمه التي يقوم عليها، ويُوضح أيضاً أن هذه الخمس ليست هي كل الإسلام، بل الإسلام أوسع مجالاً منها، الإسلام يشمل حركة الحياة كلها، بداية من قمة لا إله إلا الله محد رسول الله إلى إماطة الأذى عن الطريق.
لذلك نتعجب من الذين ينادون بفصل دين الله عن سياسية الدنيا، ويقولون: لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة. فهذا قول باطل لا يصح، وهل يجوز أنْ نترك القاتل والزاني والسارق وغيرهم من أصحاب الجرائم يعربدون في خَلْق الله دون عقاب أو رادع؟
ولأهمية الصلاة في حركة الحياة جعلها الله كتاباً موقوتاً، ففرضيتها مقرونة بوقتها، وهذا الوقت موزَّع على مدى اليوم والليلة، ليظل المؤمن على صلة دائمة بربه، وعلى ذكر دائم للمنهج، ولا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها إلا لعذر مقبول عند الشارع الحكيم.
فمَنْ نام عن صلاة فوقتها حين يستيقظ، ومَنْ كان ناسياً فوقته حين يتذكر، وفي هاتين الحالتين لا تُقضى الصلاة إنما تصلى حاضراً، أما إذا فاتته الصلاة تكاسلاً وبدون عذر فلا تُقضَى صلاته لأن لها وقتاً مخصوصاً وقد فوَّته على نفسه بدون عذر شرعي.
والحكمة من توقيت الصلوات بوقت محدد أن الإنسان لا يدري متى يُفاجئه أجله، فليبادر أولاً بآداء صلاته في موعدها، والصلاة فيها دوام واستمرار على مدى الساعات، على خلاف الحج مثلاً، فهو مرة واحدة في العمر كله.
نقول: إذن لا داعيَ لأنْ نختلف حول رؤية الروسل لربه عز وجل في رحلة الإسراء والمعراج، المهم أنه انتقل إلى مكان أعلى في التكليف، كان يُكلف وهو في الأرض والآن يُكلف وهو في السماء، ويكفي أن الله تعالى كلمه دون وحي، ويكفي أن يقول صلى الله عليه وسلم عن رؤيته لربه تعالى: ولقائل أنْ يقول: لماذا جاءت الرؤية في السماء بالذات والله قادر أنْ يتجلى على رسوله ويظهر له وهو في الأرض؟ نقول: المكان لا للمرئي ولكن اللرائي، فالرائي لا يرى إلا في هذا المكان.
كما لو قلت لكم مثلاً ونحن في المسجد: ظهر القمر، فقال أحدكم: لكني لا أراه. أقول له: يراه الذي بالخارج أو فوق السطح.
وقوله تعالى: أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ [النجم: ١٢] تأكيداً للرؤية وترجيح لها وتحذير من التشكيك فيها، ولم التشكيك إذا كان الأمر كله في هذه المسألة لله، ومحمد لم يدّع لنفسه قوة، بل قال: أُسْري بي؟
تذكرون لما تكلمنا عن قوله تعالى: يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ [الرحمن: ٣٣] قال بعض العلماء: المراد سلطان العلم.
قلنا: لا بل سلطان من الله القادر على ذلك، ولو أن المراد سلطان العلم لما قال تعالى بعدها: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ [الرحمن: ٣٥].
ولولا هذه الآية لكانت السماءُ مفتوحة يسهل للجن اختراقها.
ورؤية رسول الله لجبريل في قوله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ [النجم: ١٣-١٤] تعد تشريفاً لجبريل وتشريفاً لرسول الله. والسدرة كما قلنا شجرة النبق، وهو حب يُؤكل في حجم الزيتون.
وإذا كان النبق في الدنيا له شوك فسدرة المنتهى لا شوكَ لها، فهي كما قال تعالى: فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ [الواقعة: ٢٨] يعني لا شوكَ فيه. وقال في وصف ثمارها أنها كقلال هجر أي: (كالبلاص) الكبير.
ثم لا تعجب من كون هذه الشجرة في السماء السابعة، فهذا من طلاقة القدرة، ألم يجعل شجرة في جهنم والعياذ بالله، فقال سبحانه إِنَّهَا شَجَرَةٌ.. [الصافات: ٦٤] أي: شجرة الزقوم تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ [الصافات: ٦٤-٦٥].
وقوله تعالى: عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ [النجم: ١٥] أي: التي يأوي إليها وينتهي إليها الشهداء الذين قُتِلوا في سبيل الله، فكأنها جنة خاصة بهم غير جنة الآخرة التي تكون بعد الحساب.
فالذي مات شهيداً وضحَّى بروحه في سبيل الله يقول الله له: لا تموت عندي فيُبرئه من الموت مرة أخرى، كأنه يقول: أنا واهب الحياة وأنا الذي آخذها فإذا أخذها غيري أكيده بأنْ أجعل الشهيد حياً عندي، موصولة حياته الدنيا بحياته في البرزخ.
تذكرون لما تكلمنا عن سيدنا يحيى عليه السلام. قلنا: إن الله تعالى هو الذي سماه (يحيى) ونحن حينما نسمي أولادنا نختار الاسم الحسن تفاؤلاً به، فنسمي ذكي أملاً في أن يكون كذلك، ونُسمي سعيداً عسى أنْ يكون سعيداً في حياته.
لكن قد يأتي الواقع على خلاف ما نتمنى، نُسميه (ذكي) فيكون غياً، أو (سعيد) فنراه في الواقع شقياً، ذلك لأننا لا نملك تحقيق ما نتمناه.
فإنْ كان المسمِّى هو الله تعالى فلا شكَّ أن تسميته تطابق الواقع، لأن الله تعالى لا رادّ لقضائه ولا مُعقِّب لحكمه، ولا أحد يستطيع الاعتراض على أمره.
فكانت تسمية (يحيى) إشارة إلى أنه سيحيا حياة دائمة موصولة، والعلماء أصحاب الفهم عن الله فهموا من ذلك أنه سيموت شهيداً، لأن الشهادة هي التي تضمن له استمرار الحياة، حيث تصل حياته الدنيا بحياة الشهادة عند الله.
والفعل أَفَتُمَارُونَهُ.. [النجم: ١٢] من المراء وهو الجدل، لكن جدل بالباطل يُراد منه التكذيب والتشكيك، ولا يُراد منه الوصول للحق.
وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ [النجم: ١٣] أي: رأى رسولُ الله جبريلَ مرة أخرى عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ [النجم: ١٤] السدرة: هي شجرة السدر التي عن يمين العرش.
ٱلْمُنتَهَىٰ [النجم: ١٤] أي: عندها ينتهي علم الخلائق، ولا يتجاوزها أحد من الملائكة فضلاً عن البشر، وعند هذه السدرة رأى جبريل للمرة الثانية.
وفي هذا المكان من القرب فُرِضت الصلاة على سيدنا رسول الله، والصلاة هي الفريضة الوحيدة التي فرضت مشافهة، وهذا يعني أن رسول الله سمع كلام الله في هذه المشافهة.
لكن لما سُئِلَ عن رؤيته لربه عز وجل قال: أي: كيف أراه، تعبير دقيق من رسول الله، فلما نظر لم يجد إلا نوراً، والنور لا يُرى، وإنما يُرى به الأشياء، فإذا كان الحق سبحانه نوراً فلا سبيلَ إلى رؤيته سبحانه.
أما الرؤية في مثل قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٢-٢٣] فالكلام هنا عن يوم القيامة، حيث يُعاد الخَلْق على هيئة أخرى غير هيئتهم في الدنيا.
وبهذه الهيئة سوف يتمكّنون من رؤية ربهم سبحانه وتعالى، بدليل أننا بهذه الطبيعة الجديدة في الآخرة نأكل ولا نتغوّط، ونشرب ولا نتبوّل ولا نعرق، لماذا؟ لأن الله أعدّنا إعداداً آخر يناسب نعيم الآخرة.
ثم إننا نأكل في الدنيا من طهينا وإعدادنا، وأما فى الآخرة فنأكل من طهي الله، طهي بحساب دقيق بحيث لا يبقى منه في الجسم أي فضلات.
كذلك من الإعجاز في رحلة الإسراء والمعراج أن رسول الله أعدَّه الله إعداداً خاصاً ليتمكن من الصعود، فمن المعلوم أن (الأكسجين) ينعدم في طبقات الجو العليا.
وهذه الحقيقة قررها القرآن في قوله تعالى: فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَٰمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ [الأنعام: ١٢٥].
ومسألة رؤية الله تعالى مسألة خلافية كَثُر فيها الكلام دون دَاعٍ، فرسول الله رأى نوراً، والرؤية الحقيقية تكون في الآخرة، ويجب أنْ نقصر الكلام في هذه المسألة على ما ورد فيها، ثم هو علم لا ينفع وجهل لا يضر.
المهم المنهج الذي جاء به ومدى التزامنا بتطبيقه في حياتنا العملية، وقمة هذا المنهج الصلاة التي فُرضتْ عليه مباشرة لأهميتها في حركة الحياة وتقويم المعوج منها.
وسبق أنْ أوضحنا مثالاً وقلنا: إن الرئيس يبعث للموظف تأشيرة افعل كذا وكذا، فإنْ كان الأمر أهَمّ من ذلك اتصل به تليفونياً، وإنْ كان أهم استدعاه إلى مكتبه وأخبره بما يريد مباشرة، هكذا كانت الصلاة.
لذلك نراها واجبة على كُلِّ مسلم ومسلمة لا تسقط أبداً على أية حال خلافاً لباقي العبادات التي تسقط بالأعذار.
والحديث: يوضح هذه المكانة، فالصلاة من عمد الدين وقوائمه التي يقوم عليها، ويُوضح أيضاً أن هذه الخمس ليست هي كل الإسلام، بل الإسلام أوسع مجالاً منها، الإسلام يشمل حركة الحياة كلها، بداية من قمة لا إله إلا الله محد رسول الله إلى إماطة الأذى عن الطريق.
لذلك نتعجب من الذين ينادون بفصل دين الله عن سياسية الدنيا، ويقولون: لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة. فهذا قول باطل لا يصح، وهل يجوز أنْ نترك القاتل والزاني والسارق وغيرهم من أصحاب الجرائم يعربدون في خَلْق الله دون عقاب أو رادع؟
ولأهمية الصلاة في حركة الحياة جعلها الله كتاباً موقوتاً، ففرضيتها مقرونة بوقتها، وهذا الوقت موزَّع على مدى اليوم والليلة، ليظل المؤمن على صلة دائمة بربه، وعلى ذكر دائم للمنهج، ولا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها إلا لعذر مقبول عند الشارع الحكيم.
فمَنْ نام عن صلاة فوقتها حين يستيقظ، ومَنْ كان ناسياً فوقته حين يتذكر، وفي هاتين الحالتين لا تُقضى الصلاة إنما تصلى حاضراً، أما إذا فاتته الصلاة تكاسلاً وبدون عذر فلا تُقضَى صلاته لأن لها وقتاً مخصوصاً وقد فوَّته على نفسه بدون عذر شرعي.
والحكمة من توقيت الصلوات بوقت محدد أن الإنسان لا يدري متى يُفاجئه أجله، فليبادر أولاً بآداء صلاته في موعدها، والصلاة فيها دوام واستمرار على مدى الساعات، على خلاف الحج مثلاً، فهو مرة واحدة في العمر كله.
نقول: إذن لا داعيَ لأنْ نختلف حول رؤية الروسل لربه عز وجل في رحلة الإسراء والمعراج، المهم أنه انتقل إلى مكان أعلى في التكليف، كان يُكلف وهو في الأرض والآن يُكلف وهو في السماء، ويكفي أن الله تعالى كلمه دون وحي، ويكفي أن يقول صلى الله عليه وسلم عن رؤيته لربه تعالى: ولقائل أنْ يقول: لماذا جاءت الرؤية في السماء بالذات والله قادر أنْ يتجلى على رسوله ويظهر له وهو في الأرض؟ نقول: المكان لا للمرئي ولكن اللرائي، فالرائي لا يرى إلا في هذا المكان.
كما لو قلت لكم مثلاً ونحن في المسجد: ظهر القمر، فقال أحدكم: لكني لا أراه. أقول له: يراه الذي بالخارج أو فوق السطح.
وقوله تعالى: أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ [النجم: ١٢] تأكيداً للرؤية وترجيح لها وتحذير من التشكيك فيها، ولم التشكيك إذا كان الأمر كله في هذه المسألة لله، ومحمد لم يدّع لنفسه قوة، بل قال: أُسْري بي؟
تذكرون لما تكلمنا عن قوله تعالى: يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ [الرحمن: ٣٣] قال بعض العلماء: المراد سلطان العلم.
قلنا: لا بل سلطان من الله القادر على ذلك، ولو أن المراد سلطان العلم لما قال تعالى بعدها: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ [الرحمن: ٣٥].
ولولا هذه الآية لكانت السماءُ مفتوحة يسهل للجن اختراقها.
ورؤية رسول الله لجبريل في قوله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ [النجم: ١٣-١٤] تعد تشريفاً لجبريل وتشريفاً لرسول الله. والسدرة كما قلنا شجرة النبق، وهو حب يُؤكل في حجم الزيتون.
وإذا كان النبق في الدنيا له شوك فسدرة المنتهى لا شوكَ لها، فهي كما قال تعالى: فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ [الواقعة: ٢٨] يعني لا شوكَ فيه. وقال في وصف ثمارها أنها كقلال هجر أي: (كالبلاص) الكبير.
ثم لا تعجب من كون هذه الشجرة في السماء السابعة، فهذا من طلاقة القدرة، ألم يجعل شجرة في جهنم والعياذ بالله، فقال سبحانه إِنَّهَا شَجَرَةٌ.. [الصافات: ٦٤] أي: شجرة الزقوم تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ [الصافات: ٦٤-٦٥].
وقوله تعالى: عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ [النجم: ١٥] أي: التي يأوي إليها وينتهي إليها الشهداء الذين قُتِلوا في سبيل الله، فكأنها جنة خاصة بهم غير جنة الآخرة التي تكون بعد الحساب.
فالذي مات شهيداً وضحَّى بروحه في سبيل الله يقول الله له: لا تموت عندي فيُبرئه من الموت مرة أخرى، كأنه يقول: أنا واهب الحياة وأنا الذي آخذها فإذا أخذها غيري أكيده بأنْ أجعل الشهيد حياً عندي، موصولة حياته الدنيا بحياته في البرزخ.
تذكرون لما تكلمنا عن سيدنا يحيى عليه السلام. قلنا: إن الله تعالى هو الذي سماه (يحيى) ونحن حينما نسمي أولادنا نختار الاسم الحسن تفاؤلاً به، فنسمي ذكي أملاً في أن يكون كذلك، ونُسمي سعيداً عسى أنْ يكون سعيداً في حياته.
لكن قد يأتي الواقع على خلاف ما نتمنى، نُسميه (ذكي) فيكون غياً، أو (سعيد) فنراه في الواقع شقياً، ذلك لأننا لا نملك تحقيق ما نتمناه.
فإنْ كان المسمِّى هو الله تعالى فلا شكَّ أن تسميته تطابق الواقع، لأن الله تعالى لا رادّ لقضائه ولا مُعقِّب لحكمه، ولا أحد يستطيع الاعتراض على أمره.
فكانت تسمية (يحيى) إشارة إلى أنه سيحيا حياة دائمة موصولة، والعلماء أصحاب الفهم عن الله فهموا من ذلك أنه سيموت شهيداً، لأن الشهادة هي التي تضمن له استمرار الحياة، حيث تصل حياته الدنيا بحياة الشهادة عند الله.
آية رقم ١٤
ﮒﮓﮔ
ﮕ
الهمزة هنا للاستفهام الذي يُفهم منه الإنكار والتعجُّب من تكذيبهم لرسول الله فيما أخبرهم به بعد رحلة الإسراء والمعراج من صعوده للسماء ورؤيته لربه عز وجل.
والفعل أَفَتُمَارُونَهُ.. [النجم: ١٢] من المراء وهو الجدل، لكن جدل بالباطل يُراد منه التكذيب والتشكيك، ولا يُراد منه الوصول للحق.
وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ [النجم: ١٣] أي: رأى رسولُ الله جبريلَ مرة أخرى عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ [النجم: ١٤] السدرة: هي شجرة السدر التي عن يمين العرش.
ٱلْمُنتَهَىٰ [النجم: ١٤] أي: عندها ينتهي علم الخلائق، ولا يتجاوزها أحد من الملائكة فضلاً عن البشر، وعند هذه السدرة رأى جبريل للمرة الثانية.
وفي هذا المكان من القرب فُرِضت الصلاة على سيدنا رسول الله، والصلاة هي الفريضة الوحيدة التي فرضت مشافهة، وهذا يعني أن رسول الله سمع كلام الله في هذه المشافهة.
لكن لما سُئِلَ عن رؤيته لربه عز وجل قال: أي: كيف أراه، تعبير دقيق من رسول الله، فلما نظر لم يجد إلا نوراً، والنور لا يُرى، وإنما يُرى به الأشياء، فإذا كان الحق سبحانه نوراً فلا سبيلَ إلى رؤيته سبحانه.
أما الرؤية في مثل قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٢-٢٣] فالكلام هنا عن يوم القيامة، حيث يُعاد الخَلْق على هيئة أخرى غير هيئتهم في الدنيا.
وبهذه الهيئة سوف يتمكّنون من رؤية ربهم سبحانه وتعالى، بدليل أننا بهذه الطبيعة الجديدة في الآخرة نأكل ولا نتغوّط، ونشرب ولا نتبوّل ولا نعرق، لماذا؟ لأن الله أعدّنا إعداداً آخر يناسب نعيم الآخرة.
ثم إننا نأكل في الدنيا من طهينا وإعدادنا، وأما فى الآخرة فنأكل من طهي الله، طهي بحساب دقيق بحيث لا يبقى منه في الجسم أي فضلات.
كذلك من الإعجاز في رحلة الإسراء والمعراج أن رسول الله أعدَّه الله إعداداً خاصاً ليتمكن من الصعود، فمن المعلوم أن (الأكسجين) ينعدم في طبقات الجو العليا.
وهذه الحقيقة قررها القرآن في قوله تعالى: فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَٰمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ [الأنعام: ١٢٥].
ومسألة رؤية الله تعالى مسألة خلافية كَثُر فيها الكلام دون دَاعٍ، فرسول الله رأى نوراً، والرؤية الحقيقية تكون في الآخرة، ويجب أنْ نقصر الكلام في هذه المسألة على ما ورد فيها، ثم هو علم لا ينفع وجهل لا يضر.
المهم المنهج الذي جاء به ومدى التزامنا بتطبيقه في حياتنا العملية، وقمة هذا المنهج الصلاة التي فُرضتْ عليه مباشرة لأهميتها في حركة الحياة وتقويم المعوج منها.
وسبق أنْ أوضحنا مثالاً وقلنا: إن الرئيس يبعث للموظف تأشيرة افعل كذا وكذا، فإنْ كان الأمر أهَمّ من ذلك اتصل به تليفونياً، وإنْ كان أهم استدعاه إلى مكتبه وأخبره بما يريد مباشرة، هكذا كانت الصلاة.
لذلك نراها واجبة على كُلِّ مسلم ومسلمة لا تسقط أبداً على أية حال خلافاً لباقي العبادات التي تسقط بالأعذار.
والحديث: يوضح هذه المكانة، فالصلاة من عمد الدين وقوائمه التي يقوم عليها، ويُوضح أيضاً أن هذه الخمس ليست هي كل الإسلام، بل الإسلام أوسع مجالاً منها، الإسلام يشمل حركة الحياة كلها، بداية من قمة لا إله إلا الله محد رسول الله إلى إماطة الأذى عن الطريق.
لذلك نتعجب من الذين ينادون بفصل دين الله عن سياسية الدنيا، ويقولون: لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة. فهذا قول باطل لا يصح، وهل يجوز أنْ نترك القاتل والزاني والسارق وغيرهم من أصحاب الجرائم يعربدون في خَلْق الله دون عقاب أو رادع؟
ولأهمية الصلاة في حركة الحياة جعلها الله كتاباً موقوتاً، ففرضيتها مقرونة بوقتها، وهذا الوقت موزَّع على مدى اليوم والليلة، ليظل المؤمن على صلة دائمة بربه، وعلى ذكر دائم للمنهج، ولا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها إلا لعذر مقبول عند الشارع الحكيم.
فمَنْ نام عن صلاة فوقتها حين يستيقظ، ومَنْ كان ناسياً فوقته حين يتذكر، وفي هاتين الحالتين لا تُقضى الصلاة إنما تصلى حاضراً، أما إذا فاتته الصلاة تكاسلاً وبدون عذر فلا تُقضَى صلاته لأن لها وقتاً مخصوصاً وقد فوَّته على نفسه بدون عذر شرعي.
والحكمة من توقيت الصلوات بوقت محدد أن الإنسان لا يدري متى يُفاجئه أجله، فليبادر أولاً بآداء صلاته في موعدها، والصلاة فيها دوام واستمرار على مدى الساعات، على خلاف الحج مثلاً، فهو مرة واحدة في العمر كله.
نقول: إذن لا داعيَ لأنْ نختلف حول رؤية الروسل لربه عز وجل في رحلة الإسراء والمعراج، المهم أنه انتقل إلى مكان أعلى في التكليف، كان يُكلف وهو في الأرض والآن يُكلف وهو في السماء، ويكفي أن الله تعالى كلمه دون وحي، ويكفي أن يقول صلى الله عليه وسلم عن رؤيته لربه تعالى: ولقائل أنْ يقول: لماذا جاءت الرؤية في السماء بالذات والله قادر أنْ يتجلى على رسوله ويظهر له وهو في الأرض؟ نقول: المكان لا للمرئي ولكن اللرائي، فالرائي لا يرى إلا في هذا المكان.
كما لو قلت لكم مثلاً ونحن في المسجد: ظهر القمر، فقال أحدكم: لكني لا أراه. أقول له: يراه الذي بالخارج أو فوق السطح.
وقوله تعالى: أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ [النجم: ١٢] تأكيداً للرؤية وترجيح لها وتحذير من التشكيك فيها، ولم التشكيك إذا كان الأمر كله في هذه المسألة لله، ومحمد لم يدّع لنفسه قوة، بل قال: أُسْري بي؟
تذكرون لما تكلمنا عن قوله تعالى: يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ [الرحمن: ٣٣] قال بعض العلماء: المراد سلطان العلم.
قلنا: لا بل سلطان من الله القادر على ذلك، ولو أن المراد سلطان العلم لما قال تعالى بعدها: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ [الرحمن: ٣٥].
ولولا هذه الآية لكانت السماءُ مفتوحة يسهل للجن اختراقها.
ورؤية رسول الله لجبريل في قوله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ [النجم: ١٣-١٤] تعد تشريفاً لجبريل وتشريفاً لرسول الله. والسدرة كما قلنا شجرة النبق، وهو حب يُؤكل في حجم الزيتون.
وإذا كان النبق في الدنيا له شوك فسدرة المنتهى لا شوكَ لها، فهي كما قال تعالى: فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ [الواقعة: ٢٨] يعني لا شوكَ فيه. وقال في وصف ثمارها أنها كقلال هجر أي: (كالبلاص) الكبير.
ثم لا تعجب من كون هذه الشجرة في السماء السابعة، فهذا من طلاقة القدرة، ألم يجعل شجرة في جهنم والعياذ بالله، فقال سبحانه إِنَّهَا شَجَرَةٌ.. [الصافات: ٦٤] أي: شجرة الزقوم تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ [الصافات: ٦٤-٦٥].
وقوله تعالى: عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ [النجم: ١٥] أي: التي يأوي إليها وينتهي إليها الشهداء الذين قُتِلوا في سبيل الله، فكأنها جنة خاصة بهم غير جنة الآخرة التي تكون بعد الحساب.
فالذي مات شهيداً وضحَّى بروحه في سبيل الله يقول الله له: لا تموت عندي فيُبرئه من الموت مرة أخرى، كأنه يقول: أنا واهب الحياة وأنا الذي آخذها فإذا أخذها غيري أكيده بأنْ أجعل الشهيد حياً عندي، موصولة حياته الدنيا بحياته في البرزخ.
تذكرون لما تكلمنا عن سيدنا يحيى عليه السلام. قلنا: إن الله تعالى هو الذي سماه (يحيى) ونحن حينما نسمي أولادنا نختار الاسم الحسن تفاؤلاً به، فنسمي ذكي أملاً في أن يكون كذلك، ونُسمي سعيداً عسى أنْ يكون سعيداً في حياته.
لكن قد يأتي الواقع على خلاف ما نتمنى، نُسميه (ذكي) فيكون غياً، أو (سعيد) فنراه في الواقع شقياً، ذلك لأننا لا نملك تحقيق ما نتمناه.
فإنْ كان المسمِّى هو الله تعالى فلا شكَّ أن تسميته تطابق الواقع، لأن الله تعالى لا رادّ لقضائه ولا مُعقِّب لحكمه، ولا أحد يستطيع الاعتراض على أمره.
فكانت تسمية (يحيى) إشارة إلى أنه سيحيا حياة دائمة موصولة، والعلماء أصحاب الفهم عن الله فهموا من ذلك أنه سيموت شهيداً، لأن الشهادة هي التي تضمن له استمرار الحياة، حيث تصل حياته الدنيا بحياة الشهادة عند الله.
والفعل أَفَتُمَارُونَهُ.. [النجم: ١٢] من المراء وهو الجدل، لكن جدل بالباطل يُراد منه التكذيب والتشكيك، ولا يُراد منه الوصول للحق.
وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ [النجم: ١٣] أي: رأى رسولُ الله جبريلَ مرة أخرى عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ [النجم: ١٤] السدرة: هي شجرة السدر التي عن يمين العرش.
ٱلْمُنتَهَىٰ [النجم: ١٤] أي: عندها ينتهي علم الخلائق، ولا يتجاوزها أحد من الملائكة فضلاً عن البشر، وعند هذه السدرة رأى جبريل للمرة الثانية.
وفي هذا المكان من القرب فُرِضت الصلاة على سيدنا رسول الله، والصلاة هي الفريضة الوحيدة التي فرضت مشافهة، وهذا يعني أن رسول الله سمع كلام الله في هذه المشافهة.
لكن لما سُئِلَ عن رؤيته لربه عز وجل قال: أي: كيف أراه، تعبير دقيق من رسول الله، فلما نظر لم يجد إلا نوراً، والنور لا يُرى، وإنما يُرى به الأشياء، فإذا كان الحق سبحانه نوراً فلا سبيلَ إلى رؤيته سبحانه.
أما الرؤية في مثل قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٢-٢٣] فالكلام هنا عن يوم القيامة، حيث يُعاد الخَلْق على هيئة أخرى غير هيئتهم في الدنيا.
وبهذه الهيئة سوف يتمكّنون من رؤية ربهم سبحانه وتعالى، بدليل أننا بهذه الطبيعة الجديدة في الآخرة نأكل ولا نتغوّط، ونشرب ولا نتبوّل ولا نعرق، لماذا؟ لأن الله أعدّنا إعداداً آخر يناسب نعيم الآخرة.
ثم إننا نأكل في الدنيا من طهينا وإعدادنا، وأما فى الآخرة فنأكل من طهي الله، طهي بحساب دقيق بحيث لا يبقى منه في الجسم أي فضلات.
كذلك من الإعجاز في رحلة الإسراء والمعراج أن رسول الله أعدَّه الله إعداداً خاصاً ليتمكن من الصعود، فمن المعلوم أن (الأكسجين) ينعدم في طبقات الجو العليا.
وهذه الحقيقة قررها القرآن في قوله تعالى: فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَٰمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ [الأنعام: ١٢٥].
ومسألة رؤية الله تعالى مسألة خلافية كَثُر فيها الكلام دون دَاعٍ، فرسول الله رأى نوراً، والرؤية الحقيقية تكون في الآخرة، ويجب أنْ نقصر الكلام في هذه المسألة على ما ورد فيها، ثم هو علم لا ينفع وجهل لا يضر.
المهم المنهج الذي جاء به ومدى التزامنا بتطبيقه في حياتنا العملية، وقمة هذا المنهج الصلاة التي فُرضتْ عليه مباشرة لأهميتها في حركة الحياة وتقويم المعوج منها.
وسبق أنْ أوضحنا مثالاً وقلنا: إن الرئيس يبعث للموظف تأشيرة افعل كذا وكذا، فإنْ كان الأمر أهَمّ من ذلك اتصل به تليفونياً، وإنْ كان أهم استدعاه إلى مكتبه وأخبره بما يريد مباشرة، هكذا كانت الصلاة.
لذلك نراها واجبة على كُلِّ مسلم ومسلمة لا تسقط أبداً على أية حال خلافاً لباقي العبادات التي تسقط بالأعذار.
والحديث: يوضح هذه المكانة، فالصلاة من عمد الدين وقوائمه التي يقوم عليها، ويُوضح أيضاً أن هذه الخمس ليست هي كل الإسلام، بل الإسلام أوسع مجالاً منها، الإسلام يشمل حركة الحياة كلها، بداية من قمة لا إله إلا الله محد رسول الله إلى إماطة الأذى عن الطريق.
لذلك نتعجب من الذين ينادون بفصل دين الله عن سياسية الدنيا، ويقولون: لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة. فهذا قول باطل لا يصح، وهل يجوز أنْ نترك القاتل والزاني والسارق وغيرهم من أصحاب الجرائم يعربدون في خَلْق الله دون عقاب أو رادع؟
ولأهمية الصلاة في حركة الحياة جعلها الله كتاباً موقوتاً، ففرضيتها مقرونة بوقتها، وهذا الوقت موزَّع على مدى اليوم والليلة، ليظل المؤمن على صلة دائمة بربه، وعلى ذكر دائم للمنهج، ولا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها إلا لعذر مقبول عند الشارع الحكيم.
فمَنْ نام عن صلاة فوقتها حين يستيقظ، ومَنْ كان ناسياً فوقته حين يتذكر، وفي هاتين الحالتين لا تُقضى الصلاة إنما تصلى حاضراً، أما إذا فاتته الصلاة تكاسلاً وبدون عذر فلا تُقضَى صلاته لأن لها وقتاً مخصوصاً وقد فوَّته على نفسه بدون عذر شرعي.
والحكمة من توقيت الصلوات بوقت محدد أن الإنسان لا يدري متى يُفاجئه أجله، فليبادر أولاً بآداء صلاته في موعدها، والصلاة فيها دوام واستمرار على مدى الساعات، على خلاف الحج مثلاً، فهو مرة واحدة في العمر كله.
نقول: إذن لا داعيَ لأنْ نختلف حول رؤية الروسل لربه عز وجل في رحلة الإسراء والمعراج، المهم أنه انتقل إلى مكان أعلى في التكليف، كان يُكلف وهو في الأرض والآن يُكلف وهو في السماء، ويكفي أن الله تعالى كلمه دون وحي، ويكفي أن يقول صلى الله عليه وسلم عن رؤيته لربه تعالى: ولقائل أنْ يقول: لماذا جاءت الرؤية في السماء بالذات والله قادر أنْ يتجلى على رسوله ويظهر له وهو في الأرض؟ نقول: المكان لا للمرئي ولكن اللرائي، فالرائي لا يرى إلا في هذا المكان.
كما لو قلت لكم مثلاً ونحن في المسجد: ظهر القمر، فقال أحدكم: لكني لا أراه. أقول له: يراه الذي بالخارج أو فوق السطح.
وقوله تعالى: أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ [النجم: ١٢] تأكيداً للرؤية وترجيح لها وتحذير من التشكيك فيها، ولم التشكيك إذا كان الأمر كله في هذه المسألة لله، ومحمد لم يدّع لنفسه قوة، بل قال: أُسْري بي؟
تذكرون لما تكلمنا عن قوله تعالى: يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ [الرحمن: ٣٣] قال بعض العلماء: المراد سلطان العلم.
قلنا: لا بل سلطان من الله القادر على ذلك، ولو أن المراد سلطان العلم لما قال تعالى بعدها: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ [الرحمن: ٣٥].
ولولا هذه الآية لكانت السماءُ مفتوحة يسهل للجن اختراقها.
ورؤية رسول الله لجبريل في قوله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ [النجم: ١٣-١٤] تعد تشريفاً لجبريل وتشريفاً لرسول الله. والسدرة كما قلنا شجرة النبق، وهو حب يُؤكل في حجم الزيتون.
وإذا كان النبق في الدنيا له شوك فسدرة المنتهى لا شوكَ لها، فهي كما قال تعالى: فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ [الواقعة: ٢٨] يعني لا شوكَ فيه. وقال في وصف ثمارها أنها كقلال هجر أي: (كالبلاص) الكبير.
ثم لا تعجب من كون هذه الشجرة في السماء السابعة، فهذا من طلاقة القدرة، ألم يجعل شجرة في جهنم والعياذ بالله، فقال سبحانه إِنَّهَا شَجَرَةٌ.. [الصافات: ٦٤] أي: شجرة الزقوم تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ [الصافات: ٦٤-٦٥].
وقوله تعالى: عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ [النجم: ١٥] أي: التي يأوي إليها وينتهي إليها الشهداء الذين قُتِلوا في سبيل الله، فكأنها جنة خاصة بهم غير جنة الآخرة التي تكون بعد الحساب.
فالذي مات شهيداً وضحَّى بروحه في سبيل الله يقول الله له: لا تموت عندي فيُبرئه من الموت مرة أخرى، كأنه يقول: أنا واهب الحياة وأنا الذي آخذها فإذا أخذها غيري أكيده بأنْ أجعل الشهيد حياً عندي، موصولة حياته الدنيا بحياته في البرزخ.
تذكرون لما تكلمنا عن سيدنا يحيى عليه السلام. قلنا: إن الله تعالى هو الذي سماه (يحيى) ونحن حينما نسمي أولادنا نختار الاسم الحسن تفاؤلاً به، فنسمي ذكي أملاً في أن يكون كذلك، ونُسمي سعيداً عسى أنْ يكون سعيداً في حياته.
لكن قد يأتي الواقع على خلاف ما نتمنى، نُسميه (ذكي) فيكون غياً، أو (سعيد) فنراه في الواقع شقياً، ذلك لأننا لا نملك تحقيق ما نتمناه.
فإنْ كان المسمِّى هو الله تعالى فلا شكَّ أن تسميته تطابق الواقع، لأن الله تعالى لا رادّ لقضائه ولا مُعقِّب لحكمه، ولا أحد يستطيع الاعتراض على أمره.
فكانت تسمية (يحيى) إشارة إلى أنه سيحيا حياة دائمة موصولة، والعلماء أصحاب الفهم عن الله فهموا من ذلك أنه سيموت شهيداً، لأن الشهادة هي التي تضمن له استمرار الحياة، حيث تصل حياته الدنيا بحياة الشهادة عند الله.
آية رقم ١٥
ﮖﮗﮘ
ﮙ
الهمزة هنا للاستفهام الذي يُفهم منه الإنكار والتعجُّب من تكذيبهم لرسول الله فيما أخبرهم به بعد رحلة الإسراء والمعراج من صعوده للسماء ورؤيته لربه عز وجل.
والفعل أَفَتُمَارُونَهُ.. [النجم: ١٢] من المراء وهو الجدل، لكن جدل بالباطل يُراد منه التكذيب والتشكيك، ولا يُراد منه الوصول للحق.
وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ [النجم: ١٣] أي: رأى رسولُ الله جبريلَ مرة أخرى عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ [النجم: ١٤] السدرة: هي شجرة السدر التي عن يمين العرش.
ٱلْمُنتَهَىٰ [النجم: ١٤] أي: عندها ينتهي علم الخلائق، ولا يتجاوزها أحد من الملائكة فضلاً عن البشر، وعند هذه السدرة رأى جبريل للمرة الثانية.
وفي هذا المكان من القرب فُرِضت الصلاة على سيدنا رسول الله، والصلاة هي الفريضة الوحيدة التي فرضت مشافهة، وهذا يعني أن رسول الله سمع كلام الله في هذه المشافهة.
لكن لما سُئِلَ عن رؤيته لربه عز وجل قال: أي: كيف أراه، تعبير دقيق من رسول الله، فلما نظر لم يجد إلا نوراً، والنور لا يُرى، وإنما يُرى به الأشياء، فإذا كان الحق سبحانه نوراً فلا سبيلَ إلى رؤيته سبحانه.
أما الرؤية في مثل قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٢-٢٣] فالكلام هنا عن يوم القيامة، حيث يُعاد الخَلْق على هيئة أخرى غير هيئتهم في الدنيا.
وبهذه الهيئة سوف يتمكّنون من رؤية ربهم سبحانه وتعالى، بدليل أننا بهذه الطبيعة الجديدة في الآخرة نأكل ولا نتغوّط، ونشرب ولا نتبوّل ولا نعرق، لماذا؟ لأن الله أعدّنا إعداداً آخر يناسب نعيم الآخرة.
ثم إننا نأكل في الدنيا من طهينا وإعدادنا، وأما فى الآخرة فنأكل من طهي الله، طهي بحساب دقيق بحيث لا يبقى منه في الجسم أي فضلات.
كذلك من الإعجاز في رحلة الإسراء والمعراج أن رسول الله أعدَّه الله إعداداً خاصاً ليتمكن من الصعود، فمن المعلوم أن (الأكسجين) ينعدم في طبقات الجو العليا.
وهذه الحقيقة قررها القرآن في قوله تعالى: فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَٰمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ [الأنعام: ١٢٥].
ومسألة رؤية الله تعالى مسألة خلافية كَثُر فيها الكلام دون دَاعٍ، فرسول الله رأى نوراً، والرؤية الحقيقية تكون في الآخرة، ويجب أنْ نقصر الكلام في هذه المسألة على ما ورد فيها، ثم هو علم لا ينفع وجهل لا يضر.
المهم المنهج الذي جاء به ومدى التزامنا بتطبيقه في حياتنا العملية، وقمة هذا المنهج الصلاة التي فُرضتْ عليه مباشرة لأهميتها في حركة الحياة وتقويم المعوج منها.
وسبق أنْ أوضحنا مثالاً وقلنا: إن الرئيس يبعث للموظف تأشيرة افعل كذا وكذا، فإنْ كان الأمر أهَمّ من ذلك اتصل به تليفونياً، وإنْ كان أهم استدعاه إلى مكتبه وأخبره بما يريد مباشرة، هكذا كانت الصلاة.
لذلك نراها واجبة على كُلِّ مسلم ومسلمة لا تسقط أبداً على أية حال خلافاً لباقي العبادات التي تسقط بالأعذار.
والحديث: يوضح هذه المكانة، فالصلاة من عمد الدين وقوائمه التي يقوم عليها، ويُوضح أيضاً أن هذه الخمس ليست هي كل الإسلام، بل الإسلام أوسع مجالاً منها، الإسلام يشمل حركة الحياة كلها، بداية من قمة لا إله إلا الله محد رسول الله إلى إماطة الأذى عن الطريق.
لذلك نتعجب من الذين ينادون بفصل دين الله عن سياسية الدنيا، ويقولون: لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة. فهذا قول باطل لا يصح، وهل يجوز أنْ نترك القاتل والزاني والسارق وغيرهم من أصحاب الجرائم يعربدون في خَلْق الله دون عقاب أو رادع؟
ولأهمية الصلاة في حركة الحياة جعلها الله كتاباً موقوتاً، ففرضيتها مقرونة بوقتها، وهذا الوقت موزَّع على مدى اليوم والليلة، ليظل المؤمن على صلة دائمة بربه، وعلى ذكر دائم للمنهج، ولا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها إلا لعذر مقبول عند الشارع الحكيم.
فمَنْ نام عن صلاة فوقتها حين يستيقظ، ومَنْ كان ناسياً فوقته حين يتذكر، وفي هاتين الحالتين لا تُقضى الصلاة إنما تصلى حاضراً، أما إذا فاتته الصلاة تكاسلاً وبدون عذر فلا تُقضَى صلاته لأن لها وقتاً مخصوصاً وقد فوَّته على نفسه بدون عذر شرعي.
والحكمة من توقيت الصلوات بوقت محدد أن الإنسان لا يدري متى يُفاجئه أجله، فليبادر أولاً بآداء صلاته في موعدها، والصلاة فيها دوام واستمرار على مدى الساعات، على خلاف الحج مثلاً، فهو مرة واحدة في العمر كله.
نقول: إذن لا داعيَ لأنْ نختلف حول رؤية الروسل لربه عز وجل في رحلة الإسراء والمعراج، المهم أنه انتقل إلى مكان أعلى في التكليف، كان يُكلف وهو في الأرض والآن يُكلف وهو في السماء، ويكفي أن الله تعالى كلمه دون وحي، ويكفي أن يقول صلى الله عليه وسلم عن رؤيته لربه تعالى: ولقائل أنْ يقول: لماذا جاءت الرؤية في السماء بالذات والله قادر أنْ يتجلى على رسوله ويظهر له وهو في الأرض؟ نقول: المكان لا للمرئي ولكن اللرائي، فالرائي لا يرى إلا في هذا المكان.
كما لو قلت لكم مثلاً ونحن في المسجد: ظهر القمر، فقال أحدكم: لكني لا أراه. أقول له: يراه الذي بالخارج أو فوق السطح.
وقوله تعالى: أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ [النجم: ١٢] تأكيداً للرؤية وترجيح لها وتحذير من التشكيك فيها، ولم التشكيك إذا كان الأمر كله في هذه المسألة لله، ومحمد لم يدّع لنفسه قوة، بل قال: أُسْري بي؟
تذكرون لما تكلمنا عن قوله تعالى: يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ [الرحمن: ٣٣] قال بعض العلماء: المراد سلطان العلم.
قلنا: لا بل سلطان من الله القادر على ذلك، ولو أن المراد سلطان العلم لما قال تعالى بعدها: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ [الرحمن: ٣٥].
ولولا هذه الآية لكانت السماءُ مفتوحة يسهل للجن اختراقها.
ورؤية رسول الله لجبريل في قوله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ [النجم: ١٣-١٤] تعد تشريفاً لجبريل وتشريفاً لرسول الله. والسدرة كما قلنا شجرة النبق، وهو حب يُؤكل في حجم الزيتون.
وإذا كان النبق في الدنيا له شوك فسدرة المنتهى لا شوكَ لها، فهي كما قال تعالى: فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ [الواقعة: ٢٨] يعني لا شوكَ فيه. وقال في وصف ثمارها أنها كقلال هجر أي: (كالبلاص) الكبير.
ثم لا تعجب من كون هذه الشجرة في السماء السابعة، فهذا من طلاقة القدرة، ألم يجعل شجرة في جهنم والعياذ بالله، فقال سبحانه إِنَّهَا شَجَرَةٌ.. [الصافات: ٦٤] أي: شجرة الزقوم تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ [الصافات: ٦٤-٦٥].
وقوله تعالى: عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ [النجم: ١٥] أي: التي يأوي إليها وينتهي إليها الشهداء الذين قُتِلوا في سبيل الله، فكأنها جنة خاصة بهم غير جنة الآخرة التي تكون بعد الحساب.
فالذي مات شهيداً وضحَّى بروحه في سبيل الله يقول الله له: لا تموت عندي فيُبرئه من الموت مرة أخرى، كأنه يقول: أنا واهب الحياة وأنا الذي آخذها فإذا أخذها غيري أكيده بأنْ أجعل الشهيد حياً عندي، موصولة حياته الدنيا بحياته في البرزخ.
تذكرون لما تكلمنا عن سيدنا يحيى عليه السلام. قلنا: إن الله تعالى هو الذي سماه (يحيى) ونحن حينما نسمي أولادنا نختار الاسم الحسن تفاؤلاً به، فنسمي ذكي أملاً في أن يكون كذلك، ونُسمي سعيداً عسى أنْ يكون سعيداً في حياته.
لكن قد يأتي الواقع على خلاف ما نتمنى، نُسميه (ذكي) فيكون غياً، أو (سعيد) فنراه في الواقع شقياً، ذلك لأننا لا نملك تحقيق ما نتمناه.
فإنْ كان المسمِّى هو الله تعالى فلا شكَّ أن تسميته تطابق الواقع، لأن الله تعالى لا رادّ لقضائه ولا مُعقِّب لحكمه، ولا أحد يستطيع الاعتراض على أمره.
فكانت تسمية (يحيى) إشارة إلى أنه سيحيا حياة دائمة موصولة، والعلماء أصحاب الفهم عن الله فهموا من ذلك أنه سيموت شهيداً، لأن الشهادة هي التي تضمن له استمرار الحياة، حيث تصل حياته الدنيا بحياة الشهادة عند الله.
والفعل أَفَتُمَارُونَهُ.. [النجم: ١٢] من المراء وهو الجدل، لكن جدل بالباطل يُراد منه التكذيب والتشكيك، ولا يُراد منه الوصول للحق.
وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ [النجم: ١٣] أي: رأى رسولُ الله جبريلَ مرة أخرى عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ [النجم: ١٤] السدرة: هي شجرة السدر التي عن يمين العرش.
ٱلْمُنتَهَىٰ [النجم: ١٤] أي: عندها ينتهي علم الخلائق، ولا يتجاوزها أحد من الملائكة فضلاً عن البشر، وعند هذه السدرة رأى جبريل للمرة الثانية.
وفي هذا المكان من القرب فُرِضت الصلاة على سيدنا رسول الله، والصلاة هي الفريضة الوحيدة التي فرضت مشافهة، وهذا يعني أن رسول الله سمع كلام الله في هذه المشافهة.
لكن لما سُئِلَ عن رؤيته لربه عز وجل قال: أي: كيف أراه، تعبير دقيق من رسول الله، فلما نظر لم يجد إلا نوراً، والنور لا يُرى، وإنما يُرى به الأشياء، فإذا كان الحق سبحانه نوراً فلا سبيلَ إلى رؤيته سبحانه.
أما الرؤية في مثل قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٢-٢٣] فالكلام هنا عن يوم القيامة، حيث يُعاد الخَلْق على هيئة أخرى غير هيئتهم في الدنيا.
وبهذه الهيئة سوف يتمكّنون من رؤية ربهم سبحانه وتعالى، بدليل أننا بهذه الطبيعة الجديدة في الآخرة نأكل ولا نتغوّط، ونشرب ولا نتبوّل ولا نعرق، لماذا؟ لأن الله أعدّنا إعداداً آخر يناسب نعيم الآخرة.
ثم إننا نأكل في الدنيا من طهينا وإعدادنا، وأما فى الآخرة فنأكل من طهي الله، طهي بحساب دقيق بحيث لا يبقى منه في الجسم أي فضلات.
كذلك من الإعجاز في رحلة الإسراء والمعراج أن رسول الله أعدَّه الله إعداداً خاصاً ليتمكن من الصعود، فمن المعلوم أن (الأكسجين) ينعدم في طبقات الجو العليا.
وهذه الحقيقة قررها القرآن في قوله تعالى: فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَٰمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ [الأنعام: ١٢٥].
ومسألة رؤية الله تعالى مسألة خلافية كَثُر فيها الكلام دون دَاعٍ، فرسول الله رأى نوراً، والرؤية الحقيقية تكون في الآخرة، ويجب أنْ نقصر الكلام في هذه المسألة على ما ورد فيها، ثم هو علم لا ينفع وجهل لا يضر.
المهم المنهج الذي جاء به ومدى التزامنا بتطبيقه في حياتنا العملية، وقمة هذا المنهج الصلاة التي فُرضتْ عليه مباشرة لأهميتها في حركة الحياة وتقويم المعوج منها.
وسبق أنْ أوضحنا مثالاً وقلنا: إن الرئيس يبعث للموظف تأشيرة افعل كذا وكذا، فإنْ كان الأمر أهَمّ من ذلك اتصل به تليفونياً، وإنْ كان أهم استدعاه إلى مكتبه وأخبره بما يريد مباشرة، هكذا كانت الصلاة.
لذلك نراها واجبة على كُلِّ مسلم ومسلمة لا تسقط أبداً على أية حال خلافاً لباقي العبادات التي تسقط بالأعذار.
والحديث: يوضح هذه المكانة، فالصلاة من عمد الدين وقوائمه التي يقوم عليها، ويُوضح أيضاً أن هذه الخمس ليست هي كل الإسلام، بل الإسلام أوسع مجالاً منها، الإسلام يشمل حركة الحياة كلها، بداية من قمة لا إله إلا الله محد رسول الله إلى إماطة الأذى عن الطريق.
لذلك نتعجب من الذين ينادون بفصل دين الله عن سياسية الدنيا، ويقولون: لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة. فهذا قول باطل لا يصح، وهل يجوز أنْ نترك القاتل والزاني والسارق وغيرهم من أصحاب الجرائم يعربدون في خَلْق الله دون عقاب أو رادع؟
ولأهمية الصلاة في حركة الحياة جعلها الله كتاباً موقوتاً، ففرضيتها مقرونة بوقتها، وهذا الوقت موزَّع على مدى اليوم والليلة، ليظل المؤمن على صلة دائمة بربه، وعلى ذكر دائم للمنهج، ولا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها إلا لعذر مقبول عند الشارع الحكيم.
فمَنْ نام عن صلاة فوقتها حين يستيقظ، ومَنْ كان ناسياً فوقته حين يتذكر، وفي هاتين الحالتين لا تُقضى الصلاة إنما تصلى حاضراً، أما إذا فاتته الصلاة تكاسلاً وبدون عذر فلا تُقضَى صلاته لأن لها وقتاً مخصوصاً وقد فوَّته على نفسه بدون عذر شرعي.
والحكمة من توقيت الصلوات بوقت محدد أن الإنسان لا يدري متى يُفاجئه أجله، فليبادر أولاً بآداء صلاته في موعدها، والصلاة فيها دوام واستمرار على مدى الساعات، على خلاف الحج مثلاً، فهو مرة واحدة في العمر كله.
نقول: إذن لا داعيَ لأنْ نختلف حول رؤية الروسل لربه عز وجل في رحلة الإسراء والمعراج، المهم أنه انتقل إلى مكان أعلى في التكليف، كان يُكلف وهو في الأرض والآن يُكلف وهو في السماء، ويكفي أن الله تعالى كلمه دون وحي، ويكفي أن يقول صلى الله عليه وسلم عن رؤيته لربه تعالى: ولقائل أنْ يقول: لماذا جاءت الرؤية في السماء بالذات والله قادر أنْ يتجلى على رسوله ويظهر له وهو في الأرض؟ نقول: المكان لا للمرئي ولكن اللرائي، فالرائي لا يرى إلا في هذا المكان.
كما لو قلت لكم مثلاً ونحن في المسجد: ظهر القمر، فقال أحدكم: لكني لا أراه. أقول له: يراه الذي بالخارج أو فوق السطح.
وقوله تعالى: أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ [النجم: ١٢] تأكيداً للرؤية وترجيح لها وتحذير من التشكيك فيها، ولم التشكيك إذا كان الأمر كله في هذه المسألة لله، ومحمد لم يدّع لنفسه قوة، بل قال: أُسْري بي؟
تذكرون لما تكلمنا عن قوله تعالى: يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ [الرحمن: ٣٣] قال بعض العلماء: المراد سلطان العلم.
قلنا: لا بل سلطان من الله القادر على ذلك، ولو أن المراد سلطان العلم لما قال تعالى بعدها: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ [الرحمن: ٣٥].
ولولا هذه الآية لكانت السماءُ مفتوحة يسهل للجن اختراقها.
ورؤية رسول الله لجبريل في قوله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ [النجم: ١٣-١٤] تعد تشريفاً لجبريل وتشريفاً لرسول الله. والسدرة كما قلنا شجرة النبق، وهو حب يُؤكل في حجم الزيتون.
وإذا كان النبق في الدنيا له شوك فسدرة المنتهى لا شوكَ لها، فهي كما قال تعالى: فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ [الواقعة: ٢٨] يعني لا شوكَ فيه. وقال في وصف ثمارها أنها كقلال هجر أي: (كالبلاص) الكبير.
ثم لا تعجب من كون هذه الشجرة في السماء السابعة، فهذا من طلاقة القدرة، ألم يجعل شجرة في جهنم والعياذ بالله، فقال سبحانه إِنَّهَا شَجَرَةٌ.. [الصافات: ٦٤] أي: شجرة الزقوم تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ [الصافات: ٦٤-٦٥].
وقوله تعالى: عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ [النجم: ١٥] أي: التي يأوي إليها وينتهي إليها الشهداء الذين قُتِلوا في سبيل الله، فكأنها جنة خاصة بهم غير جنة الآخرة التي تكون بعد الحساب.
فالذي مات شهيداً وضحَّى بروحه في سبيل الله يقول الله له: لا تموت عندي فيُبرئه من الموت مرة أخرى، كأنه يقول: أنا واهب الحياة وأنا الذي آخذها فإذا أخذها غيري أكيده بأنْ أجعل الشهيد حياً عندي، موصولة حياته الدنيا بحياته في البرزخ.
تذكرون لما تكلمنا عن سيدنا يحيى عليه السلام. قلنا: إن الله تعالى هو الذي سماه (يحيى) ونحن حينما نسمي أولادنا نختار الاسم الحسن تفاؤلاً به، فنسمي ذكي أملاً في أن يكون كذلك، ونُسمي سعيداً عسى أنْ يكون سعيداً في حياته.
لكن قد يأتي الواقع على خلاف ما نتمنى، نُسميه (ذكي) فيكون غياً، أو (سعيد) فنراه في الواقع شقياً، ذلك لأننا لا نملك تحقيق ما نتمناه.
فإنْ كان المسمِّى هو الله تعالى فلا شكَّ أن تسميته تطابق الواقع، لأن الله تعالى لا رادّ لقضائه ولا مُعقِّب لحكمه، ولا أحد يستطيع الاعتراض على أمره.
فكانت تسمية (يحيى) إشارة إلى أنه سيحيا حياة دائمة موصولة، والعلماء أصحاب الفهم عن الله فهموا من ذلك أنه سيموت شهيداً، لأن الشهادة هي التي تضمن له استمرار الحياة، حيث تصل حياته الدنيا بحياة الشهادة عند الله.
آية رقم ١٦
ﮚﮛﮜﮝﮞ
ﮟ
معنى يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ.. [النجم: ١٦] يغطيها أو يحيط بها ويسترها، و(ما) تفيد الكثرة والشيء العظيم المستحق للتعجب، فسدرة المنتهى يغشاها الكثير من المخلوقات العجيبة التي لا يعلمها إلا الله.
فهي كما في قوله تعالى قبلها فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ [النجم: ١٠] أي: أوحى إليه بأمور كثيرة عظيمة وعجيبة، وكما تقول أكرمته ما أكرمته.
وقد ورد من هذه المخلوقات العجيبة حول سدرة المنتهى أشكالٌ وألوانٌ عجيبة من الطيور، وإذا كنا نرى الكثير من عجائب الخَلْق في الطيور في الأرض وما لها من أشكال جميلة نضعها للزينة في أقفاص في البيوت وما لها من أصوات، فما بالك بطيور جعلها الله حول هذه السدرة في السماء؟
وذكر أيضاً جراد من ذهب، ولجراد الذهب هذا قصة مع سيدنا داود عليه السلام. وقوله سبحانه: مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ [النجم: ١٧] أي: ما زاغ بصر سيدنا رسول الله في هذه الرحلة، و(زَاغ) فِعْل بمعنى مال عن القصد، وزاغ تعطي معنى (راغ) التي وردت في قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام: فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ [الذاريات: ٢٦] أي: مال إلى أهله مَيْلاً خفياً لا يدركه الحاضرون.
والفرق بينهما النقطة على الزاي، لكن المعنى واحد وقريب منه، قولنا: فلان زوغ. أي: خرج خُفْية بحيث لا يشعر أحد به، وقريبٌ من هذا المعنى أيضاً قوله تعالى: ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً.. [النور: ٦٣] أي: يتسللون خُفْية.
وقوله بعدها: وَمَا طَغَىٰ [النجم: ١٧] ما طغى بصره ولا تجاوز الحدَّ في الرؤية وما مدَّه لغير غايته، وهنا نتعلم الأدب في النظرة، وكيف تكون في حدود المسموح به، كالضيف يدخل بيتك في وجود أهلك وبناتك فلا تمتد عينه ليرى ما لا يجوز له رؤيته.
فهي كما في قوله تعالى قبلها فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ [النجم: ١٠] أي: أوحى إليه بأمور كثيرة عظيمة وعجيبة، وكما تقول أكرمته ما أكرمته.
وقد ورد من هذه المخلوقات العجيبة حول سدرة المنتهى أشكالٌ وألوانٌ عجيبة من الطيور، وإذا كنا نرى الكثير من عجائب الخَلْق في الطيور في الأرض وما لها من أشكال جميلة نضعها للزينة في أقفاص في البيوت وما لها من أصوات، فما بالك بطيور جعلها الله حول هذه السدرة في السماء؟
وذكر أيضاً جراد من ذهب، ولجراد الذهب هذا قصة مع سيدنا داود عليه السلام. وقوله سبحانه: مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ [النجم: ١٧] أي: ما زاغ بصر سيدنا رسول الله في هذه الرحلة، و(زَاغ) فِعْل بمعنى مال عن القصد، وزاغ تعطي معنى (راغ) التي وردت في قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام: فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ [الذاريات: ٢٦] أي: مال إلى أهله مَيْلاً خفياً لا يدركه الحاضرون.
والفرق بينهما النقطة على الزاي، لكن المعنى واحد وقريب منه، قولنا: فلان زوغ. أي: خرج خُفْية بحيث لا يشعر أحد به، وقريبٌ من هذا المعنى أيضاً قوله تعالى: ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً.. [النور: ٦٣] أي: يتسللون خُفْية.
وقوله بعدها: وَمَا طَغَىٰ [النجم: ١٧] ما طغى بصره ولا تجاوز الحدَّ في الرؤية وما مدَّه لغير غايته، وهنا نتعلم الأدب في النظرة، وكيف تكون في حدود المسموح به، كالضيف يدخل بيتك في وجود أهلك وبناتك فلا تمتد عينه ليرى ما لا يجوز له رؤيته.
آية رقم ١٧
ﮠﮡﮢﮣﮤ
ﮥ
معنى يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ.. [النجم: ١٦] يغطيها أو يحيط بها ويسترها، و(ما) تفيد الكثرة والشيء العظيم المستحق للتعجب، فسدرة المنتهى يغشاها الكثير من المخلوقات العجيبة التي لا يعلمها إلا الله.
فهي كما في قوله تعالى قبلها فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ [النجم: ١٠] أي: أوحى إليه بأمور كثيرة عظيمة وعجيبة، وكما تقول أكرمته ما أكرمته.
وقد ورد من هذه المخلوقات العجيبة حول سدرة المنتهى أشكالٌ وألوانٌ عجيبة من الطيور، وإذا كنا نرى الكثير من عجائب الخَلْق في الطيور في الأرض وما لها من أشكال جميلة نضعها للزينة في أقفاص في البيوت وما لها من أصوات، فما بالك بطيور جعلها الله حول هذه السدرة في السماء؟
وذكر أيضاً جراد من ذهب، ولجراد الذهب هذا قصة مع سيدنا داود عليه السلام. وقوله سبحانه: مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ [النجم: ١٧] أي: ما زاغ بصر سيدنا رسول الله في هذه الرحلة، و(زَاغ) فِعْل بمعنى مال عن القصد، وزاغ تعطي معنى (راغ) التي وردت في قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام: فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ [الذاريات: ٢٦] أي: مال إلى أهله مَيْلاً خفياً لا يدركه الحاضرون.
والفرق بينهما النقطة على الزاي، لكن المعنى واحد وقريب منه، قولنا: فلان زوغ. أي: خرج خُفْية بحيث لا يشعر أحد به، وقريبٌ من هذا المعنى أيضاً قوله تعالى: ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً.. [النور: ٦٣] أي: يتسللون خُفْية.
وقوله بعدها: وَمَا طَغَىٰ [النجم: ١٧] ما طغى بصره ولا تجاوز الحدَّ في الرؤية وما مدَّه لغير غايته، وهنا نتعلم الأدب في النظرة، وكيف تكون في حدود المسموح به، كالضيف يدخل بيتك في وجود أهلك وبناتك فلا تمتد عينه ليرى ما لا يجوز له رؤيته.
فهي كما في قوله تعالى قبلها فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ [النجم: ١٠] أي: أوحى إليه بأمور كثيرة عظيمة وعجيبة، وكما تقول أكرمته ما أكرمته.
وقد ورد من هذه المخلوقات العجيبة حول سدرة المنتهى أشكالٌ وألوانٌ عجيبة من الطيور، وإذا كنا نرى الكثير من عجائب الخَلْق في الطيور في الأرض وما لها من أشكال جميلة نضعها للزينة في أقفاص في البيوت وما لها من أصوات، فما بالك بطيور جعلها الله حول هذه السدرة في السماء؟
وذكر أيضاً جراد من ذهب، ولجراد الذهب هذا قصة مع سيدنا داود عليه السلام. وقوله سبحانه: مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ [النجم: ١٧] أي: ما زاغ بصر سيدنا رسول الله في هذه الرحلة، و(زَاغ) فِعْل بمعنى مال عن القصد، وزاغ تعطي معنى (راغ) التي وردت في قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام: فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ [الذاريات: ٢٦] أي: مال إلى أهله مَيْلاً خفياً لا يدركه الحاضرون.
والفرق بينهما النقطة على الزاي، لكن المعنى واحد وقريب منه، قولنا: فلان زوغ. أي: خرج خُفْية بحيث لا يشعر أحد به، وقريبٌ من هذا المعنى أيضاً قوله تعالى: ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً.. [النور: ٦٣] أي: يتسللون خُفْية.
وقوله بعدها: وَمَا طَغَىٰ [النجم: ١٧] ما طغى بصره ولا تجاوز الحدَّ في الرؤية وما مدَّه لغير غايته، وهنا نتعلم الأدب في النظرة، وكيف تكون في حدود المسموح به، كالضيف يدخل بيتك في وجود أهلك وبناتك فلا تمتد عينه ليرى ما لا يجوز له رؤيته.
آية رقم ١٨
ﮦﮧﮨﮩﮪﮫ
ﮬ
أي: رأى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم كثيراً من آيات الله في رحلة الإسراء والمعراج، آيات في الأرض وآيات في السماء، وكلمة ٱلْكُبْرَىٰ [النجم: ١٨] مؤنث جمع كبيرة، وللمذكر كبير وأكبر. والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم رأى كثيراً من آيات ربه التي تُوصَف بأنها آيات كبرى، أو رأى الكبرى من الآيات كلها.
وبعد أنْ حدَّثتنا الآيات وأقسمتْ على صِدْق سيدنا رسول الله في البلاغ عن ربه، وذكرت لنا بعض الآيات الكونية والمعجزات تنتقل بنا إلى المقابل، إلى الحديث عن الأصنام وعُبَّاد الأصنام.
وبعد أنْ حدَّثتنا الآيات وأقسمتْ على صِدْق سيدنا رسول الله في البلاغ عن ربه، وذكرت لنا بعض الآيات الكونية والمعجزات تنتقل بنا إلى المقابل، إلى الحديث عن الأصنام وعُبَّاد الأصنام.
آية رقم ١٩
ﮭﮮﮯ
ﮰ
الاستفهام في أَفَرَأَيْتُمُ.. [النجم: ١٩] بمعنى أخبروني عن شأن هذه الأصنام التي اتخذتموها آلهة من دون الله، وقد كانوا يتخذون الآلهة على أشكال شتى، إنسان أو حيوان أو شجرة، وربما يتخذون صنماً لا شكلَ له.
و ٱللاَّتَ.. [النجم: ١٩] صنم على شكل رجل كان عندهم يلتُّ العجين ليريح النساء من هذا العمل الشاق، ومات ولم يترك خَلفاً بعده يقوم بهذا العمل، فحزنوا لموته، وصنعوا له تمثالاً تكريماً لذكراه ثم بعد ذلك عبدوه.
و وَٱلْعُزَّىٰ [النجم: ١٩] اسم شجرة كانوا يعبدونها، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم خالداً أن يذهب ويقطعها، وكان يقول:
يا عُزَّى كفرانك لا غفرانك إني رأيت الله قد أهانك
وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ [النجم: ٢٠] مناة أيضاً اسم صنم لهم، وقال: ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ [النجم: ٢٠] فهي ثالثتهم ولم تكُنْ على شكل إنسان أو حيوان، فقال: ٱلأُخْرَىٰ [النجم: ٢٠] على سبيل تحقيرهم والاستهزاء بهم وبمَنْ عبدوهم.
الحق سبحانه وتعالى جعلهم حكاماً على ما يفعلون وعلى عبادتهم للأصنام، فقال لهم: أخبروني عن هذه الأصنام هل تستحق أنْ تُعبد، هل لها قدرة أو إرادة، وهي أحجار جئتم بها بأيديكم وصوَّرتموها على صورة تريدونها؟
ثم إذا سقط الصنم وأطاحت به الريح أقمتموه، وإذا كسر ذراعه أصلحتموه، فكيف تعبدونها؟ وأين عقولكم؟
لكنها طبيعة التديُّن في الفطرة البشرية، فقد جبل الخالق سبحانه الإنسان على التدين، وقبل أنْ يُخلق آدم وهو ما يزال في عالم الذر وأخذ علينا العهد ونحن في عالم الذر في ظهر آدم عليه السلام.
فقال سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ [الأعراف: ١٧٢-١٧٣].
إذن: عبدوا الأصنام لما عندهم من إيمان الفطرة في النفس، لكن الإيمان له تبعات ومطلوبات قد تشقُّ على النفس وتقيد حركتها نحو الشهوات، فيميل الإنسانُ إلى عبادة إله بدون تكليف ليُرضيَ غريزة التدين في نفسه، ومن هنا عبدوا الأصنام لأنها آلهة في زعمهم، لكن ليس لها مطلوبات وليس لها منهج، وما عبدوها إلا لراحة مواجيدهم الإيمانية.
ونلاحظ هنا دقة الأداء القرآني في قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ [النجم: ١٩-٢٠] لأنهم عبدوا أيضاً الملائكة من دون الله، لكن لم يذكرها مع اللات والعزى ومناة، لأن الملائكة لا تُرى.
فلا يصح أنْ يقول: أفرأيتم الملائكة لأنهم لم يروا الملائكة، إنما سمعوا عنها وآمنوا بها غيباً، وقالوا على كل هؤلاء: شعفاؤنا عند الله، وقالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ.. [الزمر: ٣] إذن: حتى في كفرهم بالله يتمحّكون في الله.
وقوله تعالى: أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ [النجم: ٢١] استفهام للتعجُّب والإنكار عليهم، حيث نسبوا لله تعالى الملائكة وجعلوها إناثاً لوجود تاء التأنيث بها.
والملائكة مخلوقات لله تعالى نورانية لا تأكل ولا تشرب ولا تتناسل، ولا تُوصف بذكورة ولا بأنوثة.
فهذا تعدٍّ في الحكم وقسمة سماها القرآن تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ [النجم: ٢٢] جائرة ظالمة، لأنكم نسبتُم لأنفسكم الجنس الأعلى ولله الجنس الأدنى، فالخطأ الأول أنهم جعلوا الملائكة إناثاً، والثاني أنهم عبدوها.
والحق سبحانه يرد عليهم: وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [الزخرف: ١٩]. وقال: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ.. [الأنبياء: ٩٨] أي: وقودها الذي تتأجج به والعياذ بالله.
فالمأزق الذي وقع فيه عُبَّاد الأصنام أنهم قالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ.. [الزمر: ٣] ولو قالوا: ما نتقربُّ إليهم إلا ليقربونا إلى الله لكانت مقبولة، لكن قالوا: (نعبدهم) وهو قول باطل، فردَّ الله عليهم: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ.. [الأنبياء: ٩٨].
فإنْ قلتَ: فما ذنب عيسى والعُزير؟ وما ذنب الملائكة وقد عبدوها من دون الله؟ والجواب في نفس الآية، تأمل وَمَا تَعْبُدُونَ.. [الأنبياء: ٩٨] فـ(ما) هنا لغير العاقل ولم يقُلْ: ومَنْ تعبدون، فسيدنا عيسى والعزير والملائكة لا يشملهم هذا الحكم.
وتأمل كلمة ضِيزَىٰ [النجم: ٢٢] تجدها كلمة غريبة في تركيبها وفي نقطها ولم تتكرر في مفردات القرآن، جاءت هكذا عجيبة لتدل على أن فعلهم غريب وعجيب، وأن قسمتهم هذه جائزة ظالمة، لأنهم نسبوا لله تعالى وهو الخالق الجنس الأدنى. أي: في نظرهم هم.
فالعقائد لا تُفضّل الذكر على الأنثى، فهما سواء في ميزان الشرع، ولبيان هذه المسألة اقرأ مثلاً في قصة السيدة مريم: إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً.. [آل عمران: ٣٥] أي: محرراً وموقوفاً على خدمة البيت، والخدمة في أماكن العبادة خاصة بالذكور ولا تصح لها الإناث. فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ.. [آل عمران: ٣٦] أي: ليس كلأنثى في آداء هذه المهمة، فبيَّن الله لها أن الأنثى التي أريدها ستأخذ منزلة لم تأخذها أنثى غيرها.
فالذكر الذي طلبْتِه ليس كالأنثى التي وهبتُها لك، لأن هذه الأنثى سيكون لها منزلة في تاريخ العقائد، موقف يرفعها على جميع النساء.
لذلك لما تكلم عن نماذج من النساء قال (امرأة) ولم يُسمِّ إلا مريم، فقال: ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ.. [التحريم: ١٠] وقال: وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ.. [التحريم: ١١] ولم يُسمِّها إلا رسول الله، فقال: هي آسية بنت مزاحم.
فالحق سبحانه لم يُسمّ هؤلاء، فهُنَّ نماذج لحالات مختلفة هدفها واحد وهو حرية العقيدة للمرأة، ولا أحدَ يستطيع أنْ يُرغم أحداً على عقيدة بعينها.
أما مريم فسمَّاها باسمها واسم أبيها وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَانَ.. [التحريم: ١٢] لأنها نموذج فريد وحالة خاصة لن تتكرر بعدها. إذن: إبهام الشخصيات له موضعه، وتعيُّنها له موضعه، وكُلّ له حكمته.
ففي قصة أهل الكهف ذكر قصة الفتية إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [الكهف: ١٣] ولم يُعيِّن القرآن أسماءهم ولا عددهم، ولم يذكر عنهم إلا وصف الإيمان بالله، وهذا هو القدر المراد في قصتهم ولا يُهم بعد ذلك عددهم أو أسمائهم، فهو عِلْم لا ينفع، وجهل لا يضر كما يقولون.
فهم نموذج للفتية المؤمنين المتمسكين بعقيدتهم المجابهة للظلم في أيِّ زمان وفي أيِّ مكان، بأيِّ عدد وبأيِّ صورة، ولو عيّنهم وسمّاهم لكانوا حالة خاصة ليس بالضرورة أن تتكرر.
وأحبُّ أنْ أستدرك الحديث عن مسألة رؤية سيدنا رسول الله لربه، لأنها مسألة كَثُر فيها الكلام بين المفسرين، وتباينت فيها الآراء بين مؤيد ومعارض.
وأقول: أولاً إنها مسألة لا تضر أصل العقيدة، لأنها لا تأتي بشيء جديد إلا أنْ نعرف منزلة محمد من ربه، فالذين يحبون رسول الله يريدون أنْ يصلوا به إلى مرتبة أنه رأى ربه فيُثبتون له ذلك.
وآخرون مُحبُّون أيضاً لرسول الله لكنهم يريدون أنْ يُجنِّبوا الناس متاهات الشك، فيحاولون تخفيف هذه المسألة بأنها رؤية على غير الحقيقة.
ونحن بدورنا نريد أنْ نُبسِّط المسألة تبسيطاً يُيسِّرها على الجميع، ومن الطبيعي أنْ تختلف آراء العلماء، وهو اختلاف يُعزِّز الدين في ذاته ولا يقدح فيه.
والمتتبع لآيات سورة النجم من أولها يجدها تحدثتْ عن الوحي في موضعين: الأول: إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ * عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ [النجم: ٤-٥] والمراد: الوحي الذي نزل به جبريل على محمد وهو في الأرض.
إذن: فقوله تعالى بعدها: فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ [النجم: ١٠] ليست بالمعنى الأول، بل تضيف جديداً، فالوحي فيها يُقصد به الوحي المباشر من الله تعالى لنبيه محمد.
بدليل أن الآية هنا لم تذكر جبريل واسطة الوحي، ثم أبهمتْ الوحي فقالت: مَآ أَوْحَىٰ [النجم: ١٠] والوحي الذي نزل به جبريل معلوم وغير مُبْهم.
كما أن إبهام الوحي هنا يدل على عِظمه، وأنه شيء كثير فوق الحصر، أو أنه شيء غريب وعجيب كما جاء في قوله تعالى: فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ [طه: ٧٨].
إذن: نحن أمام نوعين من الوحي، وإذا كانا بمعنى واحد فما ضرورة أنْ يذهب رسول الله في هذه الرحلة من الأرض إلى السماء ما دام جبريل ينزل عليه. ويُوحي إليه؟
نفهم من ذلك أن فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ [النجم: ١٠] عطاء جديد لرسول الله، لكنه عطاء مُغلّف بالغيب، فليست كل العقول مهيئة لتقبُّله، وعلى قدر صفاء النفس يكون الاقتناع بمثل هذه المواقف، والناس يختلفون كثيراً في هذه المسألة.
ومن هنا رأينا المؤيد والمعارض، والحمد لله فهذا خلاف لا يقدح في العقيدة، والحق سبحانه وتعالى خاطب الجميع مَنْ اكتفى بالفرائض، ومَنْ زاد عليها وأوغل في النوافل، جعل لكلٍّ عطاءً يناسبه.
والوحي المباشر من الله تعالى لنبيه محمد يقتضي القُرْب، ويقتضي السماع، وقد أوضح سيدنا رسول الله الرؤية فقال: ، فقد رأى صلى الله عليه وسلم النور، وهل بعد ذلك غاية تُدرك؟
وقد ورد في أثر ما يؤكد هذا أن رسول الله ضرب على صدر أحد الصحابة حتى أحسَّ برد أنامله. وقال: أعطاني ربي ثلاثة أوعية: وعاء أمرني بتبليغه وهو الصلاة، ووعاء خيَّرني فيه (يعني: أبلغه لأصحاب الصفاء الذين يحسنون الاستقبال عني وأكتمه عن الذين لا يُحسنون الاستقبال)، ووعاءً نهاني الله عنه (وفي هذا الوعاء أمور فوق مدارك البشر جميعاً ولا تتحمله عقولهم فأُمِر رسول الله بأنْ يكتمه).
والصحابة أنفسهم كانوا يتفاوتون في فَهْم مثل هذه الأمور، فسيدنا عمر لما طاف بالكعبة ووقف أمام الحجر الأسود قال: والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنِّي رأيتُ رسول الله يُقبِّلك ما قبَّلتك.
يريد عمر أنْ يلفتنا إلى أن العمل العبادي لا يُؤدّى لذاته، إنما ثقة في الآمر به. أما سيدنا علي فعنده لَوْن آخر من الفيض ومن الفهم، فيأتي سيدنا عمر ويقول له بينه وبينه: يا أمير المؤمنين، ولكني أعرف أنه يضر وينفع، ألا يشهد لصاحبه يوم القيامة.
إذن: ليس بالضرورة أنْ نعلم كلَّ شيء، والله يقول: وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً [الإسراء: ٨٥] مهما كنت، وعندنا في حياتنا اليومية نغلف الشيء النفيس في أكثر من غلاف، فنضعه في ظرف، والظرف في خزينة مُحكمة، والخزينة في مكان خاص، فما بالك إذا كان الأمرُ خاصّاً برؤية الله جَلَّ وعلا، فلا بأس أنْ تغلف في هذه الأساليب ولكل عقل أنْ يتقبَّل منها ما يريد.
ثم في قوله سبحانه: أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ [النجم: ١٢] الوحي يُرَى أم يُسمع؟ الوحي يُسمع، فلماذا قال عَلَىٰ مَا يَرَىٰ [النجم: ١٢] إذن: لابد أن يكون هناك رؤية. والذين لا يقبلون الرؤية يستشهدون بقوله تعالى: لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ.. [الأنعام: ١٠٣].
نعم لا تدركه الأبصار، فقد حدد آلة الإدراك وهي (الأبصار)، وهذا يعني أنه لا مانعَ أنْ يدرك بغير الأبصار، فالمنع هنا للأبصار فقط، فحين يرد خبر معناه: انعكس بصري على بصيرتي، فرأيت مَنْ لا كمثله شيء لابد أن نفهم أن المسألة فيها تغليف وسَتْر لأمر نفيس وعجيب.
بل إن المتدبر للآيات يجدها تذهب إلى أبعد مما تتكلَّمون فيه، اقرأ: أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ [النجم: ١٢] وبعدها لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ [النجم: ١٨] يعني: رأى أكثر من الذي تتكلمون فيه، فما حالكم لو أخبرناكم بكلِّ ما رأى؟
وفي قصة سيدنا موسى عليه السلام لما قال لربه: رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً.. [الأعراف: ١٤٣].
تأمل أولاً لَن تَرَانِي.. [الأعراف: ١٤٣] ولم يقُلْ: لن أرى، يعني: لن تراني يا موسى وأنت على هذه الهيئة لأنها لا تُمكنك من الرؤية، لكن تجلى للجبل والتجلِّي يقتضي الرؤية. إذن: الأمر هنا في الرائي ومدى استعداده للرؤية.
ومحمد مثل موسى في هذه المسألة، لكنه لما صعد إلى السماء أخذ شيئاً من الملائكية تُمكنه من الصعود والاختراق، ملائكية غطَّتْ على بشريته وتغلَّبتْ عليها.
و ٱللاَّتَ.. [النجم: ١٩] صنم على شكل رجل كان عندهم يلتُّ العجين ليريح النساء من هذا العمل الشاق، ومات ولم يترك خَلفاً بعده يقوم بهذا العمل، فحزنوا لموته، وصنعوا له تمثالاً تكريماً لذكراه ثم بعد ذلك عبدوه.
و وَٱلْعُزَّىٰ [النجم: ١٩] اسم شجرة كانوا يعبدونها، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم خالداً أن يذهب ويقطعها، وكان يقول:
يا عُزَّى كفرانك لا غفرانك إني رأيت الله قد أهانك
وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ [النجم: ٢٠] مناة أيضاً اسم صنم لهم، وقال: ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ [النجم: ٢٠] فهي ثالثتهم ولم تكُنْ على شكل إنسان أو حيوان، فقال: ٱلأُخْرَىٰ [النجم: ٢٠] على سبيل تحقيرهم والاستهزاء بهم وبمَنْ عبدوهم.
الحق سبحانه وتعالى جعلهم حكاماً على ما يفعلون وعلى عبادتهم للأصنام، فقال لهم: أخبروني عن هذه الأصنام هل تستحق أنْ تُعبد، هل لها قدرة أو إرادة، وهي أحجار جئتم بها بأيديكم وصوَّرتموها على صورة تريدونها؟
ثم إذا سقط الصنم وأطاحت به الريح أقمتموه، وإذا كسر ذراعه أصلحتموه، فكيف تعبدونها؟ وأين عقولكم؟
لكنها طبيعة التديُّن في الفطرة البشرية، فقد جبل الخالق سبحانه الإنسان على التدين، وقبل أنْ يُخلق آدم وهو ما يزال في عالم الذر وأخذ علينا العهد ونحن في عالم الذر في ظهر آدم عليه السلام.
فقال سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ [الأعراف: ١٧٢-١٧٣].
إذن: عبدوا الأصنام لما عندهم من إيمان الفطرة في النفس، لكن الإيمان له تبعات ومطلوبات قد تشقُّ على النفس وتقيد حركتها نحو الشهوات، فيميل الإنسانُ إلى عبادة إله بدون تكليف ليُرضيَ غريزة التدين في نفسه، ومن هنا عبدوا الأصنام لأنها آلهة في زعمهم، لكن ليس لها مطلوبات وليس لها منهج، وما عبدوها إلا لراحة مواجيدهم الإيمانية.
ونلاحظ هنا دقة الأداء القرآني في قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ [النجم: ١٩-٢٠] لأنهم عبدوا أيضاً الملائكة من دون الله، لكن لم يذكرها مع اللات والعزى ومناة، لأن الملائكة لا تُرى.
فلا يصح أنْ يقول: أفرأيتم الملائكة لأنهم لم يروا الملائكة، إنما سمعوا عنها وآمنوا بها غيباً، وقالوا على كل هؤلاء: شعفاؤنا عند الله، وقالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ.. [الزمر: ٣] إذن: حتى في كفرهم بالله يتمحّكون في الله.
وقوله تعالى: أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ [النجم: ٢١] استفهام للتعجُّب والإنكار عليهم، حيث نسبوا لله تعالى الملائكة وجعلوها إناثاً لوجود تاء التأنيث بها.
والملائكة مخلوقات لله تعالى نورانية لا تأكل ولا تشرب ولا تتناسل، ولا تُوصف بذكورة ولا بأنوثة.
فهذا تعدٍّ في الحكم وقسمة سماها القرآن تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ [النجم: ٢٢] جائرة ظالمة، لأنكم نسبتُم لأنفسكم الجنس الأعلى ولله الجنس الأدنى، فالخطأ الأول أنهم جعلوا الملائكة إناثاً، والثاني أنهم عبدوها.
والحق سبحانه يرد عليهم: وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [الزخرف: ١٩]. وقال: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ.. [الأنبياء: ٩٨] أي: وقودها الذي تتأجج به والعياذ بالله.
فالمأزق الذي وقع فيه عُبَّاد الأصنام أنهم قالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ.. [الزمر: ٣] ولو قالوا: ما نتقربُّ إليهم إلا ليقربونا إلى الله لكانت مقبولة، لكن قالوا: (نعبدهم) وهو قول باطل، فردَّ الله عليهم: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ.. [الأنبياء: ٩٨].
فإنْ قلتَ: فما ذنب عيسى والعُزير؟ وما ذنب الملائكة وقد عبدوها من دون الله؟ والجواب في نفس الآية، تأمل وَمَا تَعْبُدُونَ.. [الأنبياء: ٩٨] فـ(ما) هنا لغير العاقل ولم يقُلْ: ومَنْ تعبدون، فسيدنا عيسى والعزير والملائكة لا يشملهم هذا الحكم.
وتأمل كلمة ضِيزَىٰ [النجم: ٢٢] تجدها كلمة غريبة في تركيبها وفي نقطها ولم تتكرر في مفردات القرآن، جاءت هكذا عجيبة لتدل على أن فعلهم غريب وعجيب، وأن قسمتهم هذه جائزة ظالمة، لأنهم نسبوا لله تعالى وهو الخالق الجنس الأدنى. أي: في نظرهم هم.
فالعقائد لا تُفضّل الذكر على الأنثى، فهما سواء في ميزان الشرع، ولبيان هذه المسألة اقرأ مثلاً في قصة السيدة مريم: إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً.. [آل عمران: ٣٥] أي: محرراً وموقوفاً على خدمة البيت، والخدمة في أماكن العبادة خاصة بالذكور ولا تصح لها الإناث. فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ.. [آل عمران: ٣٦] أي: ليس كلأنثى في آداء هذه المهمة، فبيَّن الله لها أن الأنثى التي أريدها ستأخذ منزلة لم تأخذها أنثى غيرها.
فالذكر الذي طلبْتِه ليس كالأنثى التي وهبتُها لك، لأن هذه الأنثى سيكون لها منزلة في تاريخ العقائد، موقف يرفعها على جميع النساء.
لذلك لما تكلم عن نماذج من النساء قال (امرأة) ولم يُسمِّ إلا مريم، فقال: ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ.. [التحريم: ١٠] وقال: وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ.. [التحريم: ١١] ولم يُسمِّها إلا رسول الله، فقال: هي آسية بنت مزاحم.
فالحق سبحانه لم يُسمّ هؤلاء، فهُنَّ نماذج لحالات مختلفة هدفها واحد وهو حرية العقيدة للمرأة، ولا أحدَ يستطيع أنْ يُرغم أحداً على عقيدة بعينها.
أما مريم فسمَّاها باسمها واسم أبيها وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَانَ.. [التحريم: ١٢] لأنها نموذج فريد وحالة خاصة لن تتكرر بعدها. إذن: إبهام الشخصيات له موضعه، وتعيُّنها له موضعه، وكُلّ له حكمته.
ففي قصة أهل الكهف ذكر قصة الفتية إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [الكهف: ١٣] ولم يُعيِّن القرآن أسماءهم ولا عددهم، ولم يذكر عنهم إلا وصف الإيمان بالله، وهذا هو القدر المراد في قصتهم ولا يُهم بعد ذلك عددهم أو أسمائهم، فهو عِلْم لا ينفع، وجهل لا يضر كما يقولون.
فهم نموذج للفتية المؤمنين المتمسكين بعقيدتهم المجابهة للظلم في أيِّ زمان وفي أيِّ مكان، بأيِّ عدد وبأيِّ صورة، ولو عيّنهم وسمّاهم لكانوا حالة خاصة ليس بالضرورة أن تتكرر.
وأحبُّ أنْ أستدرك الحديث عن مسألة رؤية سيدنا رسول الله لربه، لأنها مسألة كَثُر فيها الكلام بين المفسرين، وتباينت فيها الآراء بين مؤيد ومعارض.
وأقول: أولاً إنها مسألة لا تضر أصل العقيدة، لأنها لا تأتي بشيء جديد إلا أنْ نعرف منزلة محمد من ربه، فالذين يحبون رسول الله يريدون أنْ يصلوا به إلى مرتبة أنه رأى ربه فيُثبتون له ذلك.
وآخرون مُحبُّون أيضاً لرسول الله لكنهم يريدون أنْ يُجنِّبوا الناس متاهات الشك، فيحاولون تخفيف هذه المسألة بأنها رؤية على غير الحقيقة.
ونحن بدورنا نريد أنْ نُبسِّط المسألة تبسيطاً يُيسِّرها على الجميع، ومن الطبيعي أنْ تختلف آراء العلماء، وهو اختلاف يُعزِّز الدين في ذاته ولا يقدح فيه.
والمتتبع لآيات سورة النجم من أولها يجدها تحدثتْ عن الوحي في موضعين: الأول: إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ * عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ [النجم: ٤-٥] والمراد: الوحي الذي نزل به جبريل على محمد وهو في الأرض.
إذن: فقوله تعالى بعدها: فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ [النجم: ١٠] ليست بالمعنى الأول، بل تضيف جديداً، فالوحي فيها يُقصد به الوحي المباشر من الله تعالى لنبيه محمد.
بدليل أن الآية هنا لم تذكر جبريل واسطة الوحي، ثم أبهمتْ الوحي فقالت: مَآ أَوْحَىٰ [النجم: ١٠] والوحي الذي نزل به جبريل معلوم وغير مُبْهم.
كما أن إبهام الوحي هنا يدل على عِظمه، وأنه شيء كثير فوق الحصر، أو أنه شيء غريب وعجيب كما جاء في قوله تعالى: فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ [طه: ٧٨].
إذن: نحن أمام نوعين من الوحي، وإذا كانا بمعنى واحد فما ضرورة أنْ يذهب رسول الله في هذه الرحلة من الأرض إلى السماء ما دام جبريل ينزل عليه. ويُوحي إليه؟
نفهم من ذلك أن فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ [النجم: ١٠] عطاء جديد لرسول الله، لكنه عطاء مُغلّف بالغيب، فليست كل العقول مهيئة لتقبُّله، وعلى قدر صفاء النفس يكون الاقتناع بمثل هذه المواقف، والناس يختلفون كثيراً في هذه المسألة.
ومن هنا رأينا المؤيد والمعارض، والحمد لله فهذا خلاف لا يقدح في العقيدة، والحق سبحانه وتعالى خاطب الجميع مَنْ اكتفى بالفرائض، ومَنْ زاد عليها وأوغل في النوافل، جعل لكلٍّ عطاءً يناسبه.
والوحي المباشر من الله تعالى لنبيه محمد يقتضي القُرْب، ويقتضي السماع، وقد أوضح سيدنا رسول الله الرؤية فقال: ، فقد رأى صلى الله عليه وسلم النور، وهل بعد ذلك غاية تُدرك؟
وقد ورد في أثر ما يؤكد هذا أن رسول الله ضرب على صدر أحد الصحابة حتى أحسَّ برد أنامله. وقال: أعطاني ربي ثلاثة أوعية: وعاء أمرني بتبليغه وهو الصلاة، ووعاء خيَّرني فيه (يعني: أبلغه لأصحاب الصفاء الذين يحسنون الاستقبال عني وأكتمه عن الذين لا يُحسنون الاستقبال)، ووعاءً نهاني الله عنه (وفي هذا الوعاء أمور فوق مدارك البشر جميعاً ولا تتحمله عقولهم فأُمِر رسول الله بأنْ يكتمه).
والصحابة أنفسهم كانوا يتفاوتون في فَهْم مثل هذه الأمور، فسيدنا عمر لما طاف بالكعبة ووقف أمام الحجر الأسود قال: والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنِّي رأيتُ رسول الله يُقبِّلك ما قبَّلتك.
يريد عمر أنْ يلفتنا إلى أن العمل العبادي لا يُؤدّى لذاته، إنما ثقة في الآمر به. أما سيدنا علي فعنده لَوْن آخر من الفيض ومن الفهم، فيأتي سيدنا عمر ويقول له بينه وبينه: يا أمير المؤمنين، ولكني أعرف أنه يضر وينفع، ألا يشهد لصاحبه يوم القيامة.
إذن: ليس بالضرورة أنْ نعلم كلَّ شيء، والله يقول: وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً [الإسراء: ٨٥] مهما كنت، وعندنا في حياتنا اليومية نغلف الشيء النفيس في أكثر من غلاف، فنضعه في ظرف، والظرف في خزينة مُحكمة، والخزينة في مكان خاص، فما بالك إذا كان الأمرُ خاصّاً برؤية الله جَلَّ وعلا، فلا بأس أنْ تغلف في هذه الأساليب ولكل عقل أنْ يتقبَّل منها ما يريد.
ثم في قوله سبحانه: أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ [النجم: ١٢] الوحي يُرَى أم يُسمع؟ الوحي يُسمع، فلماذا قال عَلَىٰ مَا يَرَىٰ [النجم: ١٢] إذن: لابد أن يكون هناك رؤية. والذين لا يقبلون الرؤية يستشهدون بقوله تعالى: لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ.. [الأنعام: ١٠٣].
نعم لا تدركه الأبصار، فقد حدد آلة الإدراك وهي (الأبصار)، وهذا يعني أنه لا مانعَ أنْ يدرك بغير الأبصار، فالمنع هنا للأبصار فقط، فحين يرد خبر معناه: انعكس بصري على بصيرتي، فرأيت مَنْ لا كمثله شيء لابد أن نفهم أن المسألة فيها تغليف وسَتْر لأمر نفيس وعجيب.
بل إن المتدبر للآيات يجدها تذهب إلى أبعد مما تتكلَّمون فيه، اقرأ: أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ [النجم: ١٢] وبعدها لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ [النجم: ١٨] يعني: رأى أكثر من الذي تتكلمون فيه، فما حالكم لو أخبرناكم بكلِّ ما رأى؟
وفي قصة سيدنا موسى عليه السلام لما قال لربه: رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً.. [الأعراف: ١٤٣].
تأمل أولاً لَن تَرَانِي.. [الأعراف: ١٤٣] ولم يقُلْ: لن أرى، يعني: لن تراني يا موسى وأنت على هذه الهيئة لأنها لا تُمكنك من الرؤية، لكن تجلى للجبل والتجلِّي يقتضي الرؤية. إذن: الأمر هنا في الرائي ومدى استعداده للرؤية.
ومحمد مثل موسى في هذه المسألة، لكنه لما صعد إلى السماء أخذ شيئاً من الملائكية تُمكنه من الصعود والاختراق، ملائكية غطَّتْ على بشريته وتغلَّبتْ عليها.
آية رقم ٢٠
ﮱﯓﯔ
ﯕ
الاستفهام في أَفَرَأَيْتُمُ.. [النجم: ١٩] بمعنى أخبروني عن شأن هذه الأصنام التي اتخذتموها آلهة من دون الله، وقد كانوا يتخذون الآلهة على أشكال شتى، إنسان أو حيوان أو شجرة، وربما يتخذون صنماً لا شكلَ له.
و ٱللاَّتَ.. [النجم: ١٩] صنم على شكل رجل كان عندهم يلتُّ العجين ليريح النساء من هذا العمل الشاق، ومات ولم يترك خَلفاً بعده يقوم بهذا العمل، فحزنوا لموته، وصنعوا له تمثالاً تكريماً لذكراه ثم بعد ذلك عبدوه.
و وَٱلْعُزَّىٰ [النجم: ١٩] اسم شجرة كانوا يعبدونها، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم خالداً أن يذهب ويقطعها، وكان يقول:
يا عُزَّى كفرانك لا غفرانك إني رأيت الله قد أهانك
وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ [النجم: ٢٠] مناة أيضاً اسم صنم لهم، وقال: ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ [النجم: ٢٠] فهي ثالثتهم ولم تكُنْ على شكل إنسان أو حيوان، فقال: ٱلأُخْرَىٰ [النجم: ٢٠] على سبيل تحقيرهم والاستهزاء بهم وبمَنْ عبدوهم.
الحق سبحانه وتعالى جعلهم حكاماً على ما يفعلون وعلى عبادتهم للأصنام، فقال لهم: أخبروني عن هذه الأصنام هل تستحق أنْ تُعبد، هل لها قدرة أو إرادة، وهي أحجار جئتم بها بأيديكم وصوَّرتموها على صورة تريدونها؟
ثم إذا سقط الصنم وأطاحت به الريح أقمتموه، وإذا كسر ذراعه أصلحتموه، فكيف تعبدونها؟ وأين عقولكم؟
لكنها طبيعة التديُّن في الفطرة البشرية، فقد جبل الخالق سبحانه الإنسان على التدين، وقبل أنْ يُخلق آدم وهو ما يزال في عالم الذر وأخذ علينا العهد ونحن في عالم الذر في ظهر آدم عليه السلام.
فقال سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ [الأعراف: ١٧٢-١٧٣].
إذن: عبدوا الأصنام لما عندهم من إيمان الفطرة في النفس، لكن الإيمان له تبعات ومطلوبات قد تشقُّ على النفس وتقيد حركتها نحو الشهوات، فيميل الإنسانُ إلى عبادة إله بدون تكليف ليُرضيَ غريزة التدين في نفسه، ومن هنا عبدوا الأصنام لأنها آلهة في زعمهم، لكن ليس لها مطلوبات وليس لها منهج، وما عبدوها إلا لراحة مواجيدهم الإيمانية.
ونلاحظ هنا دقة الأداء القرآني في قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ [النجم: ١٩-٢٠] لأنهم عبدوا أيضاً الملائكة من دون الله، لكن لم يذكرها مع اللات والعزى ومناة، لأن الملائكة لا تُرى.
فلا يصح أنْ يقول: أفرأيتم الملائكة لأنهم لم يروا الملائكة، إنما سمعوا عنها وآمنوا بها غيباً، وقالوا على كل هؤلاء: شعفاؤنا عند الله، وقالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ.. [الزمر: ٣] إذن: حتى في كفرهم بالله يتمحّكون في الله.
وقوله تعالى: أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ [النجم: ٢١] استفهام للتعجُّب والإنكار عليهم، حيث نسبوا لله تعالى الملائكة وجعلوها إناثاً لوجود تاء التأنيث بها.
والملائكة مخلوقات لله تعالى نورانية لا تأكل ولا تشرب ولا تتناسل، ولا تُوصف بذكورة ولا بأنوثة.
فهذا تعدٍّ في الحكم وقسمة سماها القرآن تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ [النجم: ٢٢] جائرة ظالمة، لأنكم نسبتُم لأنفسكم الجنس الأعلى ولله الجنس الأدنى، فالخطأ الأول أنهم جعلوا الملائكة إناثاً، والثاني أنهم عبدوها.
والحق سبحانه يرد عليهم: وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [الزخرف: ١٩]. وقال: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ.. [الأنبياء: ٩٨] أي: وقودها الذي تتأجج به والعياذ بالله.
فالمأزق الذي وقع فيه عُبَّاد الأصنام أنهم قالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ.. [الزمر: ٣] ولو قالوا: ما نتقربُّ إليهم إلا ليقربونا إلى الله لكانت مقبولة، لكن قالوا: (نعبدهم) وهو قول باطل، فردَّ الله عليهم: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ.. [الأنبياء: ٩٨].
فإنْ قلتَ: فما ذنب عيسى والعُزير؟ وما ذنب الملائكة وقد عبدوها من دون الله؟ والجواب في نفس الآية، تأمل وَمَا تَعْبُدُونَ.. [الأنبياء: ٩٨] فـ(ما) هنا لغير العاقل ولم يقُلْ: ومَنْ تعبدون، فسيدنا عيسى والعزير والملائكة لا يشملهم هذا الحكم.
وتأمل كلمة ضِيزَىٰ [النجم: ٢٢] تجدها كلمة غريبة في تركيبها وفي نقطها ولم تتكرر في مفردات القرآن، جاءت هكذا عجيبة لتدل على أن فعلهم غريب وعجيب، وأن قسمتهم هذه جائزة ظالمة، لأنهم نسبوا لله تعالى وهو الخالق الجنس الأدنى. أي: في نظرهم هم.
فالعقائد لا تُفضّل الذكر على الأنثى، فهما سواء في ميزان الشرع، ولبيان هذه المسألة اقرأ مثلاً في قصة السيدة مريم: إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً.. [آل عمران: ٣٥] أي: محرراً وموقوفاً على خدمة البيت، والخدمة في أماكن العبادة خاصة بالذكور ولا تصح لها الإناث. فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ.. [آل عمران: ٣٦] أي: ليس كلأنثى في آداء هذه المهمة، فبيَّن الله لها أن الأنثى التي أريدها ستأخذ منزلة لم تأخذها أنثى غيرها.
فالذكر الذي طلبْتِه ليس كالأنثى التي وهبتُها لك، لأن هذه الأنثى سيكون لها منزلة في تاريخ العقائد، موقف يرفعها على جميع النساء.
لذلك لما تكلم عن نماذج من النساء قال (امرأة) ولم يُسمِّ إلا مريم، فقال: ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ.. [التحريم: ١٠] وقال: وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ.. [التحريم: ١١] ولم يُسمِّها إلا رسول الله، فقال: هي آسية بنت مزاحم.
فالحق سبحانه لم يُسمّ هؤلاء، فهُنَّ نماذج لحالات مختلفة هدفها واحد وهو حرية العقيدة للمرأة، ولا أحدَ يستطيع أنْ يُرغم أحداً على عقيدة بعينها.
أما مريم فسمَّاها باسمها واسم أبيها وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَانَ.. [التحريم: ١٢] لأنها نموذج فريد وحالة خاصة لن تتكرر بعدها. إذن: إبهام الشخصيات له موضعه، وتعيُّنها له موضعه، وكُلّ له حكمته.
ففي قصة أهل الكهف ذكر قصة الفتية إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [الكهف: ١٣] ولم يُعيِّن القرآن أسماءهم ولا عددهم، ولم يذكر عنهم إلا وصف الإيمان بالله، وهذا هو القدر المراد في قصتهم ولا يُهم بعد ذلك عددهم أو أسمائهم، فهو عِلْم لا ينفع، وجهل لا يضر كما يقولون.
فهم نموذج للفتية المؤمنين المتمسكين بعقيدتهم المجابهة للظلم في أيِّ زمان وفي أيِّ مكان، بأيِّ عدد وبأيِّ صورة، ولو عيّنهم وسمّاهم لكانوا حالة خاصة ليس بالضرورة أن تتكرر.
وأحبُّ أنْ أستدرك الحديث عن مسألة رؤية سيدنا رسول الله لربه، لأنها مسألة كَثُر فيها الكلام بين المفسرين، وتباينت فيها الآراء بين مؤيد ومعارض.
وأقول: أولاً إنها مسألة لا تضر أصل العقيدة، لأنها لا تأتي بشيء جديد إلا أنْ نعرف منزلة محمد من ربه، فالذين يحبون رسول الله يريدون أنْ يصلوا به إلى مرتبة أنه رأى ربه فيُثبتون له ذلك.
وآخرون مُحبُّون أيضاً لرسول الله لكنهم يريدون أنْ يُجنِّبوا الناس متاهات الشك، فيحاولون تخفيف هذه المسألة بأنها رؤية على غير الحقيقة.
ونحن بدورنا نريد أنْ نُبسِّط المسألة تبسيطاً يُيسِّرها على الجميع، ومن الطبيعي أنْ تختلف آراء العلماء، وهو اختلاف يُعزِّز الدين في ذاته ولا يقدح فيه.
والمتتبع لآيات سورة النجم من أولها يجدها تحدثتْ عن الوحي في موضعين: الأول: إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ * عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ [النجم: ٤-٥] والمراد: الوحي الذي نزل به جبريل على محمد وهو في الأرض.
إذن: فقوله تعالى بعدها: فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ [النجم: ١٠] ليست بالمعنى الأول، بل تضيف جديداً، فالوحي فيها يُقصد به الوحي المباشر من الله تعالى لنبيه محمد.
بدليل أن الآية هنا لم تذكر جبريل واسطة الوحي، ثم أبهمتْ الوحي فقالت: مَآ أَوْحَىٰ [النجم: ١٠] والوحي الذي نزل به جبريل معلوم وغير مُبْهم.
كما أن إبهام الوحي هنا يدل على عِظمه، وأنه شيء كثير فوق الحصر، أو أنه شيء غريب وعجيب كما جاء في قوله تعالى: فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ [طه: ٧٨].
إذن: نحن أمام نوعين من الوحي، وإذا كانا بمعنى واحد فما ضرورة أنْ يذهب رسول الله في هذه الرحلة من الأرض إلى السماء ما دام جبريل ينزل عليه. ويُوحي إليه؟
نفهم من ذلك أن فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ [النجم: ١٠] عطاء جديد لرسول الله، لكنه عطاء مُغلّف بالغيب، فليست كل العقول مهيئة لتقبُّله، وعلى قدر صفاء النفس يكون الاقتناع بمثل هذه المواقف، والناس يختلفون كثيراً في هذه المسألة.
ومن هنا رأينا المؤيد والمعارض، والحمد لله فهذا خلاف لا يقدح في العقيدة، والحق سبحانه وتعالى خاطب الجميع مَنْ اكتفى بالفرائض، ومَنْ زاد عليها وأوغل في النوافل، جعل لكلٍّ عطاءً يناسبه.
والوحي المباشر من الله تعالى لنبيه محمد يقتضي القُرْب، ويقتضي السماع، وقد أوضح سيدنا رسول الله الرؤية فقال: ، فقد رأى صلى الله عليه وسلم النور، وهل بعد ذلك غاية تُدرك؟
وقد ورد في أثر ما يؤكد هذا أن رسول الله ضرب على صدر أحد الصحابة حتى أحسَّ برد أنامله. وقال: أعطاني ربي ثلاثة أوعية: وعاء أمرني بتبليغه وهو الصلاة، ووعاء خيَّرني فيه (يعني: أبلغه لأصحاب الصفاء الذين يحسنون الاستقبال عني وأكتمه عن الذين لا يُحسنون الاستقبال)، ووعاءً نهاني الله عنه (وفي هذا الوعاء أمور فوق مدارك البشر جميعاً ولا تتحمله عقولهم فأُمِر رسول الله بأنْ يكتمه).
والصحابة أنفسهم كانوا يتفاوتون في فَهْم مثل هذه الأمور، فسيدنا عمر لما طاف بالكعبة ووقف أمام الحجر الأسود قال: والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنِّي رأيتُ رسول الله يُقبِّلك ما قبَّلتك.
يريد عمر أنْ يلفتنا إلى أن العمل العبادي لا يُؤدّى لذاته، إنما ثقة في الآمر به. أما سيدنا علي فعنده لَوْن آخر من الفيض ومن الفهم، فيأتي سيدنا عمر ويقول له بينه وبينه: يا أمير المؤمنين، ولكني أعرف أنه يضر وينفع، ألا يشهد لصاحبه يوم القيامة.
إذن: ليس بالضرورة أنْ نعلم كلَّ شيء، والله يقول: وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً [الإسراء: ٨٥] مهما كنت، وعندنا في حياتنا اليومية نغلف الشيء النفيس في أكثر من غلاف، فنضعه في ظرف، والظرف في خزينة مُحكمة، والخزينة في مكان خاص، فما بالك إذا كان الأمرُ خاصّاً برؤية الله جَلَّ وعلا، فلا بأس أنْ تغلف في هذه الأساليب ولكل عقل أنْ يتقبَّل منها ما يريد.
ثم في قوله سبحانه: أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ [النجم: ١٢] الوحي يُرَى أم يُسمع؟ الوحي يُسمع، فلماذا قال عَلَىٰ مَا يَرَىٰ [النجم: ١٢] إذن: لابد أن يكون هناك رؤية. والذين لا يقبلون الرؤية يستشهدون بقوله تعالى: لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ.. [الأنعام: ١٠٣].
نعم لا تدركه الأبصار، فقد حدد آلة الإدراك وهي (الأبصار)، وهذا يعني أنه لا مانعَ أنْ يدرك بغير الأبصار، فالمنع هنا للأبصار فقط، فحين يرد خبر معناه: انعكس بصري على بصيرتي، فرأيت مَنْ لا كمثله شيء لابد أن نفهم أن المسألة فيها تغليف وسَتْر لأمر نفيس وعجيب.
بل إن المتدبر للآيات يجدها تذهب إلى أبعد مما تتكلَّمون فيه، اقرأ: أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ [النجم: ١٢] وبعدها لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ [النجم: ١٨] يعني: رأى أكثر من الذي تتكلمون فيه، فما حالكم لو أخبرناكم بكلِّ ما رأى؟
وفي قصة سيدنا موسى عليه السلام لما قال لربه: رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً.. [الأعراف: ١٤٣].
تأمل أولاً لَن تَرَانِي.. [الأعراف: ١٤٣] ولم يقُلْ: لن أرى، يعني: لن تراني يا موسى وأنت على هذه الهيئة لأنها لا تُمكنك من الرؤية، لكن تجلى للجبل والتجلِّي يقتضي الرؤية. إذن: الأمر هنا في الرائي ومدى استعداده للرؤية.
ومحمد مثل موسى في هذه المسألة، لكنه لما صعد إلى السماء أخذ شيئاً من الملائكية تُمكنه من الصعود والاختراق، ملائكية غطَّتْ على بشريته وتغلَّبتْ عليها.
و ٱللاَّتَ.. [النجم: ١٩] صنم على شكل رجل كان عندهم يلتُّ العجين ليريح النساء من هذا العمل الشاق، ومات ولم يترك خَلفاً بعده يقوم بهذا العمل، فحزنوا لموته، وصنعوا له تمثالاً تكريماً لذكراه ثم بعد ذلك عبدوه.
و وَٱلْعُزَّىٰ [النجم: ١٩] اسم شجرة كانوا يعبدونها، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم خالداً أن يذهب ويقطعها، وكان يقول:
يا عُزَّى كفرانك لا غفرانك إني رأيت الله قد أهانك
وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ [النجم: ٢٠] مناة أيضاً اسم صنم لهم، وقال: ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ [النجم: ٢٠] فهي ثالثتهم ولم تكُنْ على شكل إنسان أو حيوان، فقال: ٱلأُخْرَىٰ [النجم: ٢٠] على سبيل تحقيرهم والاستهزاء بهم وبمَنْ عبدوهم.
الحق سبحانه وتعالى جعلهم حكاماً على ما يفعلون وعلى عبادتهم للأصنام، فقال لهم: أخبروني عن هذه الأصنام هل تستحق أنْ تُعبد، هل لها قدرة أو إرادة، وهي أحجار جئتم بها بأيديكم وصوَّرتموها على صورة تريدونها؟
ثم إذا سقط الصنم وأطاحت به الريح أقمتموه، وإذا كسر ذراعه أصلحتموه، فكيف تعبدونها؟ وأين عقولكم؟
لكنها طبيعة التديُّن في الفطرة البشرية، فقد جبل الخالق سبحانه الإنسان على التدين، وقبل أنْ يُخلق آدم وهو ما يزال في عالم الذر وأخذ علينا العهد ونحن في عالم الذر في ظهر آدم عليه السلام.
فقال سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ [الأعراف: ١٧٢-١٧٣].
إذن: عبدوا الأصنام لما عندهم من إيمان الفطرة في النفس، لكن الإيمان له تبعات ومطلوبات قد تشقُّ على النفس وتقيد حركتها نحو الشهوات، فيميل الإنسانُ إلى عبادة إله بدون تكليف ليُرضيَ غريزة التدين في نفسه، ومن هنا عبدوا الأصنام لأنها آلهة في زعمهم، لكن ليس لها مطلوبات وليس لها منهج، وما عبدوها إلا لراحة مواجيدهم الإيمانية.
ونلاحظ هنا دقة الأداء القرآني في قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ [النجم: ١٩-٢٠] لأنهم عبدوا أيضاً الملائكة من دون الله، لكن لم يذكرها مع اللات والعزى ومناة، لأن الملائكة لا تُرى.
فلا يصح أنْ يقول: أفرأيتم الملائكة لأنهم لم يروا الملائكة، إنما سمعوا عنها وآمنوا بها غيباً، وقالوا على كل هؤلاء: شعفاؤنا عند الله، وقالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ.. [الزمر: ٣] إذن: حتى في كفرهم بالله يتمحّكون في الله.
وقوله تعالى: أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ [النجم: ٢١] استفهام للتعجُّب والإنكار عليهم، حيث نسبوا لله تعالى الملائكة وجعلوها إناثاً لوجود تاء التأنيث بها.
والملائكة مخلوقات لله تعالى نورانية لا تأكل ولا تشرب ولا تتناسل، ولا تُوصف بذكورة ولا بأنوثة.
فهذا تعدٍّ في الحكم وقسمة سماها القرآن تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ [النجم: ٢٢] جائرة ظالمة، لأنكم نسبتُم لأنفسكم الجنس الأعلى ولله الجنس الأدنى، فالخطأ الأول أنهم جعلوا الملائكة إناثاً، والثاني أنهم عبدوها.
والحق سبحانه يرد عليهم: وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [الزخرف: ١٩]. وقال: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ.. [الأنبياء: ٩٨] أي: وقودها الذي تتأجج به والعياذ بالله.
فالمأزق الذي وقع فيه عُبَّاد الأصنام أنهم قالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ.. [الزمر: ٣] ولو قالوا: ما نتقربُّ إليهم إلا ليقربونا إلى الله لكانت مقبولة، لكن قالوا: (نعبدهم) وهو قول باطل، فردَّ الله عليهم: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ.. [الأنبياء: ٩٨].
فإنْ قلتَ: فما ذنب عيسى والعُزير؟ وما ذنب الملائكة وقد عبدوها من دون الله؟ والجواب في نفس الآية، تأمل وَمَا تَعْبُدُونَ.. [الأنبياء: ٩٨] فـ(ما) هنا لغير العاقل ولم يقُلْ: ومَنْ تعبدون، فسيدنا عيسى والعزير والملائكة لا يشملهم هذا الحكم.
وتأمل كلمة ضِيزَىٰ [النجم: ٢٢] تجدها كلمة غريبة في تركيبها وفي نقطها ولم تتكرر في مفردات القرآن، جاءت هكذا عجيبة لتدل على أن فعلهم غريب وعجيب، وأن قسمتهم هذه جائزة ظالمة، لأنهم نسبوا لله تعالى وهو الخالق الجنس الأدنى. أي: في نظرهم هم.
فالعقائد لا تُفضّل الذكر على الأنثى، فهما سواء في ميزان الشرع، ولبيان هذه المسألة اقرأ مثلاً في قصة السيدة مريم: إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً.. [آل عمران: ٣٥] أي: محرراً وموقوفاً على خدمة البيت، والخدمة في أماكن العبادة خاصة بالذكور ولا تصح لها الإناث. فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ.. [آل عمران: ٣٦] أي: ليس كلأنثى في آداء هذه المهمة، فبيَّن الله لها أن الأنثى التي أريدها ستأخذ منزلة لم تأخذها أنثى غيرها.
فالذكر الذي طلبْتِه ليس كالأنثى التي وهبتُها لك، لأن هذه الأنثى سيكون لها منزلة في تاريخ العقائد، موقف يرفعها على جميع النساء.
لذلك لما تكلم عن نماذج من النساء قال (امرأة) ولم يُسمِّ إلا مريم، فقال: ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ.. [التحريم: ١٠] وقال: وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ.. [التحريم: ١١] ولم يُسمِّها إلا رسول الله، فقال: هي آسية بنت مزاحم.
فالحق سبحانه لم يُسمّ هؤلاء، فهُنَّ نماذج لحالات مختلفة هدفها واحد وهو حرية العقيدة للمرأة، ولا أحدَ يستطيع أنْ يُرغم أحداً على عقيدة بعينها.
أما مريم فسمَّاها باسمها واسم أبيها وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَانَ.. [التحريم: ١٢] لأنها نموذج فريد وحالة خاصة لن تتكرر بعدها. إذن: إبهام الشخصيات له موضعه، وتعيُّنها له موضعه، وكُلّ له حكمته.
ففي قصة أهل الكهف ذكر قصة الفتية إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [الكهف: ١٣] ولم يُعيِّن القرآن أسماءهم ولا عددهم، ولم يذكر عنهم إلا وصف الإيمان بالله، وهذا هو القدر المراد في قصتهم ولا يُهم بعد ذلك عددهم أو أسمائهم، فهو عِلْم لا ينفع، وجهل لا يضر كما يقولون.
فهم نموذج للفتية المؤمنين المتمسكين بعقيدتهم المجابهة للظلم في أيِّ زمان وفي أيِّ مكان، بأيِّ عدد وبأيِّ صورة، ولو عيّنهم وسمّاهم لكانوا حالة خاصة ليس بالضرورة أن تتكرر.
وأحبُّ أنْ أستدرك الحديث عن مسألة رؤية سيدنا رسول الله لربه، لأنها مسألة كَثُر فيها الكلام بين المفسرين، وتباينت فيها الآراء بين مؤيد ومعارض.
وأقول: أولاً إنها مسألة لا تضر أصل العقيدة، لأنها لا تأتي بشيء جديد إلا أنْ نعرف منزلة محمد من ربه، فالذين يحبون رسول الله يريدون أنْ يصلوا به إلى مرتبة أنه رأى ربه فيُثبتون له ذلك.
وآخرون مُحبُّون أيضاً لرسول الله لكنهم يريدون أنْ يُجنِّبوا الناس متاهات الشك، فيحاولون تخفيف هذه المسألة بأنها رؤية على غير الحقيقة.
ونحن بدورنا نريد أنْ نُبسِّط المسألة تبسيطاً يُيسِّرها على الجميع، ومن الطبيعي أنْ تختلف آراء العلماء، وهو اختلاف يُعزِّز الدين في ذاته ولا يقدح فيه.
والمتتبع لآيات سورة النجم من أولها يجدها تحدثتْ عن الوحي في موضعين: الأول: إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ * عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ [النجم: ٤-٥] والمراد: الوحي الذي نزل به جبريل على محمد وهو في الأرض.
إذن: فقوله تعالى بعدها: فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ [النجم: ١٠] ليست بالمعنى الأول، بل تضيف جديداً، فالوحي فيها يُقصد به الوحي المباشر من الله تعالى لنبيه محمد.
بدليل أن الآية هنا لم تذكر جبريل واسطة الوحي، ثم أبهمتْ الوحي فقالت: مَآ أَوْحَىٰ [النجم: ١٠] والوحي الذي نزل به جبريل معلوم وغير مُبْهم.
كما أن إبهام الوحي هنا يدل على عِظمه، وأنه شيء كثير فوق الحصر، أو أنه شيء غريب وعجيب كما جاء في قوله تعالى: فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ [طه: ٧٨].
إذن: نحن أمام نوعين من الوحي، وإذا كانا بمعنى واحد فما ضرورة أنْ يذهب رسول الله في هذه الرحلة من الأرض إلى السماء ما دام جبريل ينزل عليه. ويُوحي إليه؟
نفهم من ذلك أن فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ [النجم: ١٠] عطاء جديد لرسول الله، لكنه عطاء مُغلّف بالغيب، فليست كل العقول مهيئة لتقبُّله، وعلى قدر صفاء النفس يكون الاقتناع بمثل هذه المواقف، والناس يختلفون كثيراً في هذه المسألة.
ومن هنا رأينا المؤيد والمعارض، والحمد لله فهذا خلاف لا يقدح في العقيدة، والحق سبحانه وتعالى خاطب الجميع مَنْ اكتفى بالفرائض، ومَنْ زاد عليها وأوغل في النوافل، جعل لكلٍّ عطاءً يناسبه.
والوحي المباشر من الله تعالى لنبيه محمد يقتضي القُرْب، ويقتضي السماع، وقد أوضح سيدنا رسول الله الرؤية فقال: ، فقد رأى صلى الله عليه وسلم النور، وهل بعد ذلك غاية تُدرك؟
وقد ورد في أثر ما يؤكد هذا أن رسول الله ضرب على صدر أحد الصحابة حتى أحسَّ برد أنامله. وقال: أعطاني ربي ثلاثة أوعية: وعاء أمرني بتبليغه وهو الصلاة، ووعاء خيَّرني فيه (يعني: أبلغه لأصحاب الصفاء الذين يحسنون الاستقبال عني وأكتمه عن الذين لا يُحسنون الاستقبال)، ووعاءً نهاني الله عنه (وفي هذا الوعاء أمور فوق مدارك البشر جميعاً ولا تتحمله عقولهم فأُمِر رسول الله بأنْ يكتمه).
والصحابة أنفسهم كانوا يتفاوتون في فَهْم مثل هذه الأمور، فسيدنا عمر لما طاف بالكعبة ووقف أمام الحجر الأسود قال: والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنِّي رأيتُ رسول الله يُقبِّلك ما قبَّلتك.
يريد عمر أنْ يلفتنا إلى أن العمل العبادي لا يُؤدّى لذاته، إنما ثقة في الآمر به. أما سيدنا علي فعنده لَوْن آخر من الفيض ومن الفهم، فيأتي سيدنا عمر ويقول له بينه وبينه: يا أمير المؤمنين، ولكني أعرف أنه يضر وينفع، ألا يشهد لصاحبه يوم القيامة.
إذن: ليس بالضرورة أنْ نعلم كلَّ شيء، والله يقول: وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً [الإسراء: ٨٥] مهما كنت، وعندنا في حياتنا اليومية نغلف الشيء النفيس في أكثر من غلاف، فنضعه في ظرف، والظرف في خزينة مُحكمة، والخزينة في مكان خاص، فما بالك إذا كان الأمرُ خاصّاً برؤية الله جَلَّ وعلا، فلا بأس أنْ تغلف في هذه الأساليب ولكل عقل أنْ يتقبَّل منها ما يريد.
ثم في قوله سبحانه: أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ [النجم: ١٢] الوحي يُرَى أم يُسمع؟ الوحي يُسمع، فلماذا قال عَلَىٰ مَا يَرَىٰ [النجم: ١٢] إذن: لابد أن يكون هناك رؤية. والذين لا يقبلون الرؤية يستشهدون بقوله تعالى: لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ.. [الأنعام: ١٠٣].
نعم لا تدركه الأبصار، فقد حدد آلة الإدراك وهي (الأبصار)، وهذا يعني أنه لا مانعَ أنْ يدرك بغير الأبصار، فالمنع هنا للأبصار فقط، فحين يرد خبر معناه: انعكس بصري على بصيرتي، فرأيت مَنْ لا كمثله شيء لابد أن نفهم أن المسألة فيها تغليف وسَتْر لأمر نفيس وعجيب.
بل إن المتدبر للآيات يجدها تذهب إلى أبعد مما تتكلَّمون فيه، اقرأ: أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ [النجم: ١٢] وبعدها لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ [النجم: ١٨] يعني: رأى أكثر من الذي تتكلمون فيه، فما حالكم لو أخبرناكم بكلِّ ما رأى؟
وفي قصة سيدنا موسى عليه السلام لما قال لربه: رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً.. [الأعراف: ١٤٣].
تأمل أولاً لَن تَرَانِي.. [الأعراف: ١٤٣] ولم يقُلْ: لن أرى، يعني: لن تراني يا موسى وأنت على هذه الهيئة لأنها لا تُمكنك من الرؤية، لكن تجلى للجبل والتجلِّي يقتضي الرؤية. إذن: الأمر هنا في الرائي ومدى استعداده للرؤية.
ومحمد مثل موسى في هذه المسألة، لكنه لما صعد إلى السماء أخذ شيئاً من الملائكية تُمكنه من الصعود والاختراق، ملائكية غطَّتْ على بشريته وتغلَّبتْ عليها.
آية رقم ٢١
ﯖﯗﯘﯙ
ﯚ
الاستفهام في أَفَرَأَيْتُمُ.. [النجم: ١٩] بمعنى أخبروني عن شأن هذه الأصنام التي اتخذتموها آلهة من دون الله، وقد كانوا يتخذون الآلهة على أشكال شتى، إنسان أو حيوان أو شجرة، وربما يتخذون صنماً لا شكلَ له.
و ٱللاَّتَ.. [النجم: ١٩] صنم على شكل رجل كان عندهم يلتُّ العجين ليريح النساء من هذا العمل الشاق، ومات ولم يترك خَلفاً بعده يقوم بهذا العمل، فحزنوا لموته، وصنعوا له تمثالاً تكريماً لذكراه ثم بعد ذلك عبدوه.
و وَٱلْعُزَّىٰ [النجم: ١٩] اسم شجرة كانوا يعبدونها، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم خالداً أن يذهب ويقطعها، وكان يقول:
يا عُزَّى كفرانك لا غفرانك إني رأيت الله قد أهانك
وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ [النجم: ٢٠] مناة أيضاً اسم صنم لهم، وقال: ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ [النجم: ٢٠] فهي ثالثتهم ولم تكُنْ على شكل إنسان أو حيوان، فقال: ٱلأُخْرَىٰ [النجم: ٢٠] على سبيل تحقيرهم والاستهزاء بهم وبمَنْ عبدوهم.
الحق سبحانه وتعالى جعلهم حكاماً على ما يفعلون وعلى عبادتهم للأصنام، فقال لهم: أخبروني عن هذه الأصنام هل تستحق أنْ تُعبد، هل لها قدرة أو إرادة، وهي أحجار جئتم بها بأيديكم وصوَّرتموها على صورة تريدونها؟
ثم إذا سقط الصنم وأطاحت به الريح أقمتموه، وإذا كسر ذراعه أصلحتموه، فكيف تعبدونها؟ وأين عقولكم؟
لكنها طبيعة التديُّن في الفطرة البشرية، فقد جبل الخالق سبحانه الإنسان على التدين، وقبل أنْ يُخلق آدم وهو ما يزال في عالم الذر وأخذ علينا العهد ونحن في عالم الذر في ظهر آدم عليه السلام.
فقال سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ [الأعراف: ١٧٢-١٧٣].
إذن: عبدوا الأصنام لما عندهم من إيمان الفطرة في النفس، لكن الإيمان له تبعات ومطلوبات قد تشقُّ على النفس وتقيد حركتها نحو الشهوات، فيميل الإنسانُ إلى عبادة إله بدون تكليف ليُرضيَ غريزة التدين في نفسه، ومن هنا عبدوا الأصنام لأنها آلهة في زعمهم، لكن ليس لها مطلوبات وليس لها منهج، وما عبدوها إلا لراحة مواجيدهم الإيمانية.
ونلاحظ هنا دقة الأداء القرآني في قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ [النجم: ١٩-٢٠] لأنهم عبدوا أيضاً الملائكة من دون الله، لكن لم يذكرها مع اللات والعزى ومناة، لأن الملائكة لا تُرى.
فلا يصح أنْ يقول: أفرأيتم الملائكة لأنهم لم يروا الملائكة، إنما سمعوا عنها وآمنوا بها غيباً، وقالوا على كل هؤلاء: شعفاؤنا عند الله، وقالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ.. [الزمر: ٣] إذن: حتى في كفرهم بالله يتمحّكون في الله.
وقوله تعالى: أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ [النجم: ٢١] استفهام للتعجُّب والإنكار عليهم، حيث نسبوا لله تعالى الملائكة وجعلوها إناثاً لوجود تاء التأنيث بها.
والملائكة مخلوقات لله تعالى نورانية لا تأكل ولا تشرب ولا تتناسل، ولا تُوصف بذكورة ولا بأنوثة.
فهذا تعدٍّ في الحكم وقسمة سماها القرآن تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ [النجم: ٢٢] جائرة ظالمة، لأنكم نسبتُم لأنفسكم الجنس الأعلى ولله الجنس الأدنى، فالخطأ الأول أنهم جعلوا الملائكة إناثاً، والثاني أنهم عبدوها.
والحق سبحانه يرد عليهم: وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [الزخرف: ١٩]. وقال: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ.. [الأنبياء: ٩٨] أي: وقودها الذي تتأجج به والعياذ بالله.
فالمأزق الذي وقع فيه عُبَّاد الأصنام أنهم قالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ.. [الزمر: ٣] ولو قالوا: ما نتقربُّ إليهم إلا ليقربونا إلى الله لكانت مقبولة، لكن قالوا: (نعبدهم) وهو قول باطل، فردَّ الله عليهم: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ.. [الأنبياء: ٩٨].
فإنْ قلتَ: فما ذنب عيسى والعُزير؟ وما ذنب الملائكة وقد عبدوها من دون الله؟ والجواب في نفس الآية، تأمل وَمَا تَعْبُدُونَ.. [الأنبياء: ٩٨] فـ(ما) هنا لغير العاقل ولم يقُلْ: ومَنْ تعبدون، فسيدنا عيسى والعزير والملائكة لا يشملهم هذا الحكم.
وتأمل كلمة ضِيزَىٰ [النجم: ٢٢] تجدها كلمة غريبة في تركيبها وفي نقطها ولم تتكرر في مفردات القرآن، جاءت هكذا عجيبة لتدل على أن فعلهم غريب وعجيب، وأن قسمتهم هذه جائزة ظالمة، لأنهم نسبوا لله تعالى وهو الخالق الجنس الأدنى. أي: في نظرهم هم.
فالعقائد لا تُفضّل الذكر على الأنثى، فهما سواء في ميزان الشرع، ولبيان هذه المسألة اقرأ مثلاً في قصة السيدة مريم: إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً.. [آل عمران: ٣٥] أي: محرراً وموقوفاً على خدمة البيت، والخدمة في أماكن العبادة خاصة بالذكور ولا تصح لها الإناث. فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ.. [آل عمران: ٣٦] أي: ليس كلأنثى في آداء هذه المهمة، فبيَّن الله لها أن الأنثى التي أريدها ستأخذ منزلة لم تأخذها أنثى غيرها.
فالذكر الذي طلبْتِه ليس كالأنثى التي وهبتُها لك، لأن هذه الأنثى سيكون لها منزلة في تاريخ العقائد، موقف يرفعها على جميع النساء.
لذلك لما تكلم عن نماذج من النساء قال (امرأة) ولم يُسمِّ إلا مريم، فقال: ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ.. [التحريم: ١٠] وقال: وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ.. [التحريم: ١١] ولم يُسمِّها إلا رسول الله، فقال: هي آسية بنت مزاحم.
فالحق سبحانه لم يُسمّ هؤلاء، فهُنَّ نماذج لحالات مختلفة هدفها واحد وهو حرية العقيدة للمرأة، ولا أحدَ يستطيع أنْ يُرغم أحداً على عقيدة بعينها.
أما مريم فسمَّاها باسمها واسم أبيها وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَانَ.. [التحريم: ١٢] لأنها نموذج فريد وحالة خاصة لن تتكرر بعدها. إذن: إبهام الشخصيات له موضعه، وتعيُّنها له موضعه، وكُلّ له حكمته.
ففي قصة أهل الكهف ذكر قصة الفتية إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [الكهف: ١٣] ولم يُعيِّن القرآن أسماءهم ولا عددهم، ولم يذكر عنهم إلا وصف الإيمان بالله، وهذا هو القدر المراد في قصتهم ولا يُهم بعد ذلك عددهم أو أسمائهم، فهو عِلْم لا ينفع، وجهل لا يضر كما يقولون.
فهم نموذج للفتية المؤمنين المتمسكين بعقيدتهم المجابهة للظلم في أيِّ زمان وفي أيِّ مكان، بأيِّ عدد وبأيِّ صورة، ولو عيّنهم وسمّاهم لكانوا حالة خاصة ليس بالضرورة أن تتكرر.
وأحبُّ أنْ أستدرك الحديث عن مسألة رؤية سيدنا رسول الله لربه، لأنها مسألة كَثُر فيها الكلام بين المفسرين، وتباينت فيها الآراء بين مؤيد ومعارض.
وأقول: أولاً إنها مسألة لا تضر أصل العقيدة، لأنها لا تأتي بشيء جديد إلا أنْ نعرف منزلة محمد من ربه، فالذين يحبون رسول الله يريدون أنْ يصلوا به إلى مرتبة أنه رأى ربه فيُثبتون له ذلك.
وآخرون مُحبُّون أيضاً لرسول الله لكنهم يريدون أنْ يُجنِّبوا الناس متاهات الشك، فيحاولون تخفيف هذه المسألة بأنها رؤية على غير الحقيقة.
ونحن بدورنا نريد أنْ نُبسِّط المسألة تبسيطاً يُيسِّرها على الجميع، ومن الطبيعي أنْ تختلف آراء العلماء، وهو اختلاف يُعزِّز الدين في ذاته ولا يقدح فيه.
والمتتبع لآيات سورة النجم من أولها يجدها تحدثتْ عن الوحي في موضعين: الأول: إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ * عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ [النجم: ٤-٥] والمراد: الوحي الذي نزل به جبريل على محمد وهو في الأرض.
إذن: فقوله تعالى بعدها: فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ [النجم: ١٠] ليست بالمعنى الأول، بل تضيف جديداً، فالوحي فيها يُقصد به الوحي المباشر من الله تعالى لنبيه محمد.
بدليل أن الآية هنا لم تذكر جبريل واسطة الوحي، ثم أبهمتْ الوحي فقالت: مَآ أَوْحَىٰ [النجم: ١٠] والوحي الذي نزل به جبريل معلوم وغير مُبْهم.
كما أن إبهام الوحي هنا يدل على عِظمه، وأنه شيء كثير فوق الحصر، أو أنه شيء غريب وعجيب كما جاء في قوله تعالى: فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ [طه: ٧٨].
إذن: نحن أمام نوعين من الوحي، وإذا كانا بمعنى واحد فما ضرورة أنْ يذهب رسول الله في هذه الرحلة من الأرض إلى السماء ما دام جبريل ينزل عليه. ويُوحي إليه؟
نفهم من ذلك أن فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ [النجم: ١٠] عطاء جديد لرسول الله، لكنه عطاء مُغلّف بالغيب، فليست كل العقول مهيئة لتقبُّله، وعلى قدر صفاء النفس يكون الاقتناع بمثل هذه المواقف، والناس يختلفون كثيراً في هذه المسألة.
ومن هنا رأينا المؤيد والمعارض، والحمد لله فهذا خلاف لا يقدح في العقيدة، والحق سبحانه وتعالى خاطب الجميع مَنْ اكتفى بالفرائض، ومَنْ زاد عليها وأوغل في النوافل، جعل لكلٍّ عطاءً يناسبه.
والوحي المباشر من الله تعالى لنبيه محمد يقتضي القُرْب، ويقتضي السماع، وقد أوضح سيدنا رسول الله الرؤية فقال: ، فقد رأى صلى الله عليه وسلم النور، وهل بعد ذلك غاية تُدرك؟
وقد ورد في أثر ما يؤكد هذا أن رسول الله ضرب على صدر أحد الصحابة حتى أحسَّ برد أنامله. وقال: أعطاني ربي ثلاثة أوعية: وعاء أمرني بتبليغه وهو الصلاة، ووعاء خيَّرني فيه (يعني: أبلغه لأصحاب الصفاء الذين يحسنون الاستقبال عني وأكتمه عن الذين لا يُحسنون الاستقبال)، ووعاءً نهاني الله عنه (وفي هذا الوعاء أمور فوق مدارك البشر جميعاً ولا تتحمله عقولهم فأُمِر رسول الله بأنْ يكتمه).
والصحابة أنفسهم كانوا يتفاوتون في فَهْم مثل هذه الأمور، فسيدنا عمر لما طاف بالكعبة ووقف أمام الحجر الأسود قال: والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنِّي رأيتُ رسول الله يُقبِّلك ما قبَّلتك.
يريد عمر أنْ يلفتنا إلى أن العمل العبادي لا يُؤدّى لذاته، إنما ثقة في الآمر به. أما سيدنا علي فعنده لَوْن آخر من الفيض ومن الفهم، فيأتي سيدنا عمر ويقول له بينه وبينه: يا أمير المؤمنين، ولكني أعرف أنه يضر وينفع، ألا يشهد لصاحبه يوم القيامة.
إذن: ليس بالضرورة أنْ نعلم كلَّ شيء، والله يقول: وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً [الإسراء: ٨٥] مهما كنت، وعندنا في حياتنا اليومية نغلف الشيء النفيس في أكثر من غلاف، فنضعه في ظرف، والظرف في خزينة مُحكمة، والخزينة في مكان خاص، فما بالك إذا كان الأمرُ خاصّاً برؤية الله جَلَّ وعلا، فلا بأس أنْ تغلف في هذه الأساليب ولكل عقل أنْ يتقبَّل منها ما يريد.
ثم في قوله سبحانه: أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ [النجم: ١٢] الوحي يُرَى أم يُسمع؟ الوحي يُسمع، فلماذا قال عَلَىٰ مَا يَرَىٰ [النجم: ١٢] إذن: لابد أن يكون هناك رؤية. والذين لا يقبلون الرؤية يستشهدون بقوله تعالى: لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ.. [الأنعام: ١٠٣].
نعم لا تدركه الأبصار، فقد حدد آلة الإدراك وهي (الأبصار)، وهذا يعني أنه لا مانعَ أنْ يدرك بغير الأبصار، فالمنع هنا للأبصار فقط، فحين يرد خبر معناه: انعكس بصري على بصيرتي، فرأيت مَنْ لا كمثله شيء لابد أن نفهم أن المسألة فيها تغليف وسَتْر لأمر نفيس وعجيب.
بل إن المتدبر للآيات يجدها تذهب إلى أبعد مما تتكلَّمون فيه، اقرأ: أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ [النجم: ١٢] وبعدها لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ [النجم: ١٨] يعني: رأى أكثر من الذي تتكلمون فيه، فما حالكم لو أخبرناكم بكلِّ ما رأى؟
وفي قصة سيدنا موسى عليه السلام لما قال لربه: رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً.. [الأعراف: ١٤٣].
تأمل أولاً لَن تَرَانِي.. [الأعراف: ١٤٣] ولم يقُلْ: لن أرى، يعني: لن تراني يا موسى وأنت على هذه الهيئة لأنها لا تُمكنك من الرؤية، لكن تجلى للجبل والتجلِّي يقتضي الرؤية. إذن: الأمر هنا في الرائي ومدى استعداده للرؤية.
ومحمد مثل موسى في هذه المسألة، لكنه لما صعد إلى السماء أخذ شيئاً من الملائكية تُمكنه من الصعود والاختراق، ملائكية غطَّتْ على بشريته وتغلَّبتْ عليها.
و ٱللاَّتَ.. [النجم: ١٩] صنم على شكل رجل كان عندهم يلتُّ العجين ليريح النساء من هذا العمل الشاق، ومات ولم يترك خَلفاً بعده يقوم بهذا العمل، فحزنوا لموته، وصنعوا له تمثالاً تكريماً لذكراه ثم بعد ذلك عبدوه.
و وَٱلْعُزَّىٰ [النجم: ١٩] اسم شجرة كانوا يعبدونها، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم خالداً أن يذهب ويقطعها، وكان يقول:
يا عُزَّى كفرانك لا غفرانك إني رأيت الله قد أهانك
وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ [النجم: ٢٠] مناة أيضاً اسم صنم لهم، وقال: ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ [النجم: ٢٠] فهي ثالثتهم ولم تكُنْ على شكل إنسان أو حيوان، فقال: ٱلأُخْرَىٰ [النجم: ٢٠] على سبيل تحقيرهم والاستهزاء بهم وبمَنْ عبدوهم.
الحق سبحانه وتعالى جعلهم حكاماً على ما يفعلون وعلى عبادتهم للأصنام، فقال لهم: أخبروني عن هذه الأصنام هل تستحق أنْ تُعبد، هل لها قدرة أو إرادة، وهي أحجار جئتم بها بأيديكم وصوَّرتموها على صورة تريدونها؟
ثم إذا سقط الصنم وأطاحت به الريح أقمتموه، وإذا كسر ذراعه أصلحتموه، فكيف تعبدونها؟ وأين عقولكم؟
لكنها طبيعة التديُّن في الفطرة البشرية، فقد جبل الخالق سبحانه الإنسان على التدين، وقبل أنْ يُخلق آدم وهو ما يزال في عالم الذر وأخذ علينا العهد ونحن في عالم الذر في ظهر آدم عليه السلام.
فقال سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ [الأعراف: ١٧٢-١٧٣].
إذن: عبدوا الأصنام لما عندهم من إيمان الفطرة في النفس، لكن الإيمان له تبعات ومطلوبات قد تشقُّ على النفس وتقيد حركتها نحو الشهوات، فيميل الإنسانُ إلى عبادة إله بدون تكليف ليُرضيَ غريزة التدين في نفسه، ومن هنا عبدوا الأصنام لأنها آلهة في زعمهم، لكن ليس لها مطلوبات وليس لها منهج، وما عبدوها إلا لراحة مواجيدهم الإيمانية.
ونلاحظ هنا دقة الأداء القرآني في قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ [النجم: ١٩-٢٠] لأنهم عبدوا أيضاً الملائكة من دون الله، لكن لم يذكرها مع اللات والعزى ومناة، لأن الملائكة لا تُرى.
فلا يصح أنْ يقول: أفرأيتم الملائكة لأنهم لم يروا الملائكة، إنما سمعوا عنها وآمنوا بها غيباً، وقالوا على كل هؤلاء: شعفاؤنا عند الله، وقالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ.. [الزمر: ٣] إذن: حتى في كفرهم بالله يتمحّكون في الله.
وقوله تعالى: أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ [النجم: ٢١] استفهام للتعجُّب والإنكار عليهم، حيث نسبوا لله تعالى الملائكة وجعلوها إناثاً لوجود تاء التأنيث بها.
والملائكة مخلوقات لله تعالى نورانية لا تأكل ولا تشرب ولا تتناسل، ولا تُوصف بذكورة ولا بأنوثة.
فهذا تعدٍّ في الحكم وقسمة سماها القرآن تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ [النجم: ٢٢] جائرة ظالمة، لأنكم نسبتُم لأنفسكم الجنس الأعلى ولله الجنس الأدنى، فالخطأ الأول أنهم جعلوا الملائكة إناثاً، والثاني أنهم عبدوها.
والحق سبحانه يرد عليهم: وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [الزخرف: ١٩]. وقال: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ.. [الأنبياء: ٩٨] أي: وقودها الذي تتأجج به والعياذ بالله.
فالمأزق الذي وقع فيه عُبَّاد الأصنام أنهم قالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ.. [الزمر: ٣] ولو قالوا: ما نتقربُّ إليهم إلا ليقربونا إلى الله لكانت مقبولة، لكن قالوا: (نعبدهم) وهو قول باطل، فردَّ الله عليهم: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ.. [الأنبياء: ٩٨].
فإنْ قلتَ: فما ذنب عيسى والعُزير؟ وما ذنب الملائكة وقد عبدوها من دون الله؟ والجواب في نفس الآية، تأمل وَمَا تَعْبُدُونَ.. [الأنبياء: ٩٨] فـ(ما) هنا لغير العاقل ولم يقُلْ: ومَنْ تعبدون، فسيدنا عيسى والعزير والملائكة لا يشملهم هذا الحكم.
وتأمل كلمة ضِيزَىٰ [النجم: ٢٢] تجدها كلمة غريبة في تركيبها وفي نقطها ولم تتكرر في مفردات القرآن، جاءت هكذا عجيبة لتدل على أن فعلهم غريب وعجيب، وأن قسمتهم هذه جائزة ظالمة، لأنهم نسبوا لله تعالى وهو الخالق الجنس الأدنى. أي: في نظرهم هم.
فالعقائد لا تُفضّل الذكر على الأنثى، فهما سواء في ميزان الشرع، ولبيان هذه المسألة اقرأ مثلاً في قصة السيدة مريم: إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً.. [آل عمران: ٣٥] أي: محرراً وموقوفاً على خدمة البيت، والخدمة في أماكن العبادة خاصة بالذكور ولا تصح لها الإناث. فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ.. [آل عمران: ٣٦] أي: ليس كلأنثى في آداء هذه المهمة، فبيَّن الله لها أن الأنثى التي أريدها ستأخذ منزلة لم تأخذها أنثى غيرها.
فالذكر الذي طلبْتِه ليس كالأنثى التي وهبتُها لك، لأن هذه الأنثى سيكون لها منزلة في تاريخ العقائد، موقف يرفعها على جميع النساء.
لذلك لما تكلم عن نماذج من النساء قال (امرأة) ولم يُسمِّ إلا مريم، فقال: ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ.. [التحريم: ١٠] وقال: وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ.. [التحريم: ١١] ولم يُسمِّها إلا رسول الله، فقال: هي آسية بنت مزاحم.
فالحق سبحانه لم يُسمّ هؤلاء، فهُنَّ نماذج لحالات مختلفة هدفها واحد وهو حرية العقيدة للمرأة، ولا أحدَ يستطيع أنْ يُرغم أحداً على عقيدة بعينها.
أما مريم فسمَّاها باسمها واسم أبيها وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَانَ.. [التحريم: ١٢] لأنها نموذج فريد وحالة خاصة لن تتكرر بعدها. إذن: إبهام الشخصيات له موضعه، وتعيُّنها له موضعه، وكُلّ له حكمته.
ففي قصة أهل الكهف ذكر قصة الفتية إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [الكهف: ١٣] ولم يُعيِّن القرآن أسماءهم ولا عددهم، ولم يذكر عنهم إلا وصف الإيمان بالله، وهذا هو القدر المراد في قصتهم ولا يُهم بعد ذلك عددهم أو أسمائهم، فهو عِلْم لا ينفع، وجهل لا يضر كما يقولون.
فهم نموذج للفتية المؤمنين المتمسكين بعقيدتهم المجابهة للظلم في أيِّ زمان وفي أيِّ مكان، بأيِّ عدد وبأيِّ صورة، ولو عيّنهم وسمّاهم لكانوا حالة خاصة ليس بالضرورة أن تتكرر.
وأحبُّ أنْ أستدرك الحديث عن مسألة رؤية سيدنا رسول الله لربه، لأنها مسألة كَثُر فيها الكلام بين المفسرين، وتباينت فيها الآراء بين مؤيد ومعارض.
وأقول: أولاً إنها مسألة لا تضر أصل العقيدة، لأنها لا تأتي بشيء جديد إلا أنْ نعرف منزلة محمد من ربه، فالذين يحبون رسول الله يريدون أنْ يصلوا به إلى مرتبة أنه رأى ربه فيُثبتون له ذلك.
وآخرون مُحبُّون أيضاً لرسول الله لكنهم يريدون أنْ يُجنِّبوا الناس متاهات الشك، فيحاولون تخفيف هذه المسألة بأنها رؤية على غير الحقيقة.
ونحن بدورنا نريد أنْ نُبسِّط المسألة تبسيطاً يُيسِّرها على الجميع، ومن الطبيعي أنْ تختلف آراء العلماء، وهو اختلاف يُعزِّز الدين في ذاته ولا يقدح فيه.
والمتتبع لآيات سورة النجم من أولها يجدها تحدثتْ عن الوحي في موضعين: الأول: إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ * عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ [النجم: ٤-٥] والمراد: الوحي الذي نزل به جبريل على محمد وهو في الأرض.
إذن: فقوله تعالى بعدها: فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ [النجم: ١٠] ليست بالمعنى الأول، بل تضيف جديداً، فالوحي فيها يُقصد به الوحي المباشر من الله تعالى لنبيه محمد.
بدليل أن الآية هنا لم تذكر جبريل واسطة الوحي، ثم أبهمتْ الوحي فقالت: مَآ أَوْحَىٰ [النجم: ١٠] والوحي الذي نزل به جبريل معلوم وغير مُبْهم.
كما أن إبهام الوحي هنا يدل على عِظمه، وأنه شيء كثير فوق الحصر، أو أنه شيء غريب وعجيب كما جاء في قوله تعالى: فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ [طه: ٧٨].
إذن: نحن أمام نوعين من الوحي، وإذا كانا بمعنى واحد فما ضرورة أنْ يذهب رسول الله في هذه الرحلة من الأرض إلى السماء ما دام جبريل ينزل عليه. ويُوحي إليه؟
نفهم من ذلك أن فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ [النجم: ١٠] عطاء جديد لرسول الله، لكنه عطاء مُغلّف بالغيب، فليست كل العقول مهيئة لتقبُّله، وعلى قدر صفاء النفس يكون الاقتناع بمثل هذه المواقف، والناس يختلفون كثيراً في هذه المسألة.
ومن هنا رأينا المؤيد والمعارض، والحمد لله فهذا خلاف لا يقدح في العقيدة، والحق سبحانه وتعالى خاطب الجميع مَنْ اكتفى بالفرائض، ومَنْ زاد عليها وأوغل في النوافل، جعل لكلٍّ عطاءً يناسبه.
والوحي المباشر من الله تعالى لنبيه محمد يقتضي القُرْب، ويقتضي السماع، وقد أوضح سيدنا رسول الله الرؤية فقال: ، فقد رأى صلى الله عليه وسلم النور، وهل بعد ذلك غاية تُدرك؟
وقد ورد في أثر ما يؤكد هذا أن رسول الله ضرب على صدر أحد الصحابة حتى أحسَّ برد أنامله. وقال: أعطاني ربي ثلاثة أوعية: وعاء أمرني بتبليغه وهو الصلاة، ووعاء خيَّرني فيه (يعني: أبلغه لأصحاب الصفاء الذين يحسنون الاستقبال عني وأكتمه عن الذين لا يُحسنون الاستقبال)، ووعاءً نهاني الله عنه (وفي هذا الوعاء أمور فوق مدارك البشر جميعاً ولا تتحمله عقولهم فأُمِر رسول الله بأنْ يكتمه).
والصحابة أنفسهم كانوا يتفاوتون في فَهْم مثل هذه الأمور، فسيدنا عمر لما طاف بالكعبة ووقف أمام الحجر الأسود قال: والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنِّي رأيتُ رسول الله يُقبِّلك ما قبَّلتك.
يريد عمر أنْ يلفتنا إلى أن العمل العبادي لا يُؤدّى لذاته، إنما ثقة في الآمر به. أما سيدنا علي فعنده لَوْن آخر من الفيض ومن الفهم، فيأتي سيدنا عمر ويقول له بينه وبينه: يا أمير المؤمنين، ولكني أعرف أنه يضر وينفع، ألا يشهد لصاحبه يوم القيامة.
إذن: ليس بالضرورة أنْ نعلم كلَّ شيء، والله يقول: وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً [الإسراء: ٨٥] مهما كنت، وعندنا في حياتنا اليومية نغلف الشيء النفيس في أكثر من غلاف، فنضعه في ظرف، والظرف في خزينة مُحكمة، والخزينة في مكان خاص، فما بالك إذا كان الأمرُ خاصّاً برؤية الله جَلَّ وعلا، فلا بأس أنْ تغلف في هذه الأساليب ولكل عقل أنْ يتقبَّل منها ما يريد.
ثم في قوله سبحانه: أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ [النجم: ١٢] الوحي يُرَى أم يُسمع؟ الوحي يُسمع، فلماذا قال عَلَىٰ مَا يَرَىٰ [النجم: ١٢] إذن: لابد أن يكون هناك رؤية. والذين لا يقبلون الرؤية يستشهدون بقوله تعالى: لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ.. [الأنعام: ١٠٣].
نعم لا تدركه الأبصار، فقد حدد آلة الإدراك وهي (الأبصار)، وهذا يعني أنه لا مانعَ أنْ يدرك بغير الأبصار، فالمنع هنا للأبصار فقط، فحين يرد خبر معناه: انعكس بصري على بصيرتي، فرأيت مَنْ لا كمثله شيء لابد أن نفهم أن المسألة فيها تغليف وسَتْر لأمر نفيس وعجيب.
بل إن المتدبر للآيات يجدها تذهب إلى أبعد مما تتكلَّمون فيه، اقرأ: أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ [النجم: ١٢] وبعدها لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ [النجم: ١٨] يعني: رأى أكثر من الذي تتكلمون فيه، فما حالكم لو أخبرناكم بكلِّ ما رأى؟
وفي قصة سيدنا موسى عليه السلام لما قال لربه: رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً.. [الأعراف: ١٤٣].
تأمل أولاً لَن تَرَانِي.. [الأعراف: ١٤٣] ولم يقُلْ: لن أرى، يعني: لن تراني يا موسى وأنت على هذه الهيئة لأنها لا تُمكنك من الرؤية، لكن تجلى للجبل والتجلِّي يقتضي الرؤية. إذن: الأمر هنا في الرائي ومدى استعداده للرؤية.
ومحمد مثل موسى في هذه المسألة، لكنه لما صعد إلى السماء أخذ شيئاً من الملائكية تُمكنه من الصعود والاختراق، ملائكية غطَّتْ على بشريته وتغلَّبتْ عليها.
آية رقم ٢٢
ﯛﯜﯝﯞ
ﯟ
الاستفهام في أَفَرَأَيْتُمُ.. [النجم: ١٩] بمعنى أخبروني عن شأن هذه الأصنام التي اتخذتموها آلهة من دون الله، وقد كانوا يتخذون الآلهة على أشكال شتى، إنسان أو حيوان أو شجرة، وربما يتخذون صنماً لا شكلَ له.
و ٱللاَّتَ.. [النجم: ١٩] صنم على شكل رجل كان عندهم يلتُّ العجين ليريح النساء من هذا العمل الشاق، ومات ولم يترك خَلفاً بعده يقوم بهذا العمل، فحزنوا لموته، وصنعوا له تمثالاً تكريماً لذكراه ثم بعد ذلك عبدوه.
و وَٱلْعُزَّىٰ [النجم: ١٩] اسم شجرة كانوا يعبدونها، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم خالداً أن يذهب ويقطعها، وكان يقول:
يا عُزَّى كفرانك لا غفرانك إني رأيت الله قد أهانك
وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ [النجم: ٢٠] مناة أيضاً اسم صنم لهم، وقال: ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ [النجم: ٢٠] فهي ثالثتهم ولم تكُنْ على شكل إنسان أو حيوان، فقال: ٱلأُخْرَىٰ [النجم: ٢٠] على سبيل تحقيرهم والاستهزاء بهم وبمَنْ عبدوهم.
الحق سبحانه وتعالى جعلهم حكاماً على ما يفعلون وعلى عبادتهم للأصنام، فقال لهم: أخبروني عن هذه الأصنام هل تستحق أنْ تُعبد، هل لها قدرة أو إرادة، وهي أحجار جئتم بها بأيديكم وصوَّرتموها على صورة تريدونها؟
ثم إذا سقط الصنم وأطاحت به الريح أقمتموه، وإذا كسر ذراعه أصلحتموه، فكيف تعبدونها؟ وأين عقولكم؟
لكنها طبيعة التديُّن في الفطرة البشرية، فقد جبل الخالق سبحانه الإنسان على التدين، وقبل أنْ يُخلق آدم وهو ما يزال في عالم الذر وأخذ علينا العهد ونحن في عالم الذر في ظهر آدم عليه السلام.
فقال سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ [الأعراف: ١٧٢-١٧٣].
إذن: عبدوا الأصنام لما عندهم من إيمان الفطرة في النفس، لكن الإيمان له تبعات ومطلوبات قد تشقُّ على النفس وتقيد حركتها نحو الشهوات، فيميل الإنسانُ إلى عبادة إله بدون تكليف ليُرضيَ غريزة التدين في نفسه، ومن هنا عبدوا الأصنام لأنها آلهة في زعمهم، لكن ليس لها مطلوبات وليس لها منهج، وما عبدوها إلا لراحة مواجيدهم الإيمانية.
ونلاحظ هنا دقة الأداء القرآني في قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ [النجم: ١٩-٢٠] لأنهم عبدوا أيضاً الملائكة من دون الله، لكن لم يذكرها مع اللات والعزى ومناة، لأن الملائكة لا تُرى.
فلا يصح أنْ يقول: أفرأيتم الملائكة لأنهم لم يروا الملائكة، إنما سمعوا عنها وآمنوا بها غيباً، وقالوا على كل هؤلاء: شعفاؤنا عند الله، وقالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ.. [الزمر: ٣] إذن: حتى في كفرهم بالله يتمحّكون في الله.
وقوله تعالى: أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ [النجم: ٢١] استفهام للتعجُّب والإنكار عليهم، حيث نسبوا لله تعالى الملائكة وجعلوها إناثاً لوجود تاء التأنيث بها.
والملائكة مخلوقات لله تعالى نورانية لا تأكل ولا تشرب ولا تتناسل، ولا تُوصف بذكورة ولا بأنوثة.
فهذا تعدٍّ في الحكم وقسمة سماها القرآن تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ [النجم: ٢٢] جائرة ظالمة، لأنكم نسبتُم لأنفسكم الجنس الأعلى ولله الجنس الأدنى، فالخطأ الأول أنهم جعلوا الملائكة إناثاً، والثاني أنهم عبدوها.
والحق سبحانه يرد عليهم: وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [الزخرف: ١٩]. وقال: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ.. [الأنبياء: ٩٨] أي: وقودها الذي تتأجج به والعياذ بالله.
فالمأزق الذي وقع فيه عُبَّاد الأصنام أنهم قالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ.. [الزمر: ٣] ولو قالوا: ما نتقربُّ إليهم إلا ليقربونا إلى الله لكانت مقبولة، لكن قالوا: (نعبدهم) وهو قول باطل، فردَّ الله عليهم: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ.. [الأنبياء: ٩٨].
فإنْ قلتَ: فما ذنب عيسى والعُزير؟ وما ذنب الملائكة وقد عبدوها من دون الله؟ والجواب في نفس الآية، تأمل وَمَا تَعْبُدُونَ.. [الأنبياء: ٩٨] فـ(ما) هنا لغير العاقل ولم يقُلْ: ومَنْ تعبدون، فسيدنا عيسى والعزير والملائكة لا يشملهم هذا الحكم.
وتأمل كلمة ضِيزَىٰ [النجم: ٢٢] تجدها كلمة غريبة في تركيبها وفي نقطها ولم تتكرر في مفردات القرآن، جاءت هكذا عجيبة لتدل على أن فعلهم غريب وعجيب، وأن قسمتهم هذه جائزة ظالمة، لأنهم نسبوا لله تعالى وهو الخالق الجنس الأدنى. أي: في نظرهم هم.
فالعقائد لا تُفضّل الذكر على الأنثى، فهما سواء في ميزان الشرع، ولبيان هذه المسألة اقرأ مثلاً في قصة السيدة مريم: إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً.. [آل عمران: ٣٥] أي: محرراً وموقوفاً على خدمة البيت، والخدمة في أماكن العبادة خاصة بالذكور ولا تصح لها الإناث. فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ.. [آل عمران: ٣٦] أي: ليس كلأنثى في آداء هذه المهمة، فبيَّن الله لها أن الأنثى التي أريدها ستأخذ منزلة لم تأخذها أنثى غيرها.
فالذكر الذي طلبْتِه ليس كالأنثى التي وهبتُها لك، لأن هذه الأنثى سيكون لها منزلة في تاريخ العقائد، موقف يرفعها على جميع النساء.
لذلك لما تكلم عن نماذج من النساء قال (امرأة) ولم يُسمِّ إلا مريم، فقال: ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ.. [التحريم: ١٠] وقال: وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ.. [التحريم: ١١] ولم يُسمِّها إلا رسول الله، فقال: هي آسية بنت مزاحم.
فالحق سبحانه لم يُسمّ هؤلاء، فهُنَّ نماذج لحالات مختلفة هدفها واحد وهو حرية العقيدة للمرأة، ولا أحدَ يستطيع أنْ يُرغم أحداً على عقيدة بعينها.
أما مريم فسمَّاها باسمها واسم أبيها وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَانَ.. [التحريم: ١٢] لأنها نموذج فريد وحالة خاصة لن تتكرر بعدها. إذن: إبهام الشخصيات له موضعه، وتعيُّنها له موضعه، وكُلّ له حكمته.
ففي قصة أهل الكهف ذكر قصة الفتية إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [الكهف: ١٣] ولم يُعيِّن القرآن أسماءهم ولا عددهم، ولم يذكر عنهم إلا وصف الإيمان بالله، وهذا هو القدر المراد في قصتهم ولا يُهم بعد ذلك عددهم أو أسمائهم، فهو عِلْم لا ينفع، وجهل لا يضر كما يقولون.
فهم نموذج للفتية المؤمنين المتمسكين بعقيدتهم المجابهة للظلم في أيِّ زمان وفي أيِّ مكان، بأيِّ عدد وبأيِّ صورة، ولو عيّنهم وسمّاهم لكانوا حالة خاصة ليس بالضرورة أن تتكرر.
وأحبُّ أنْ أستدرك الحديث عن مسألة رؤية سيدنا رسول الله لربه، لأنها مسألة كَثُر فيها الكلام بين المفسرين، وتباينت فيها الآراء بين مؤيد ومعارض.
وأقول: أولاً إنها مسألة لا تضر أصل العقيدة، لأنها لا تأتي بشيء جديد إلا أنْ نعرف منزلة محمد من ربه، فالذين يحبون رسول الله يريدون أنْ يصلوا به إلى مرتبة أنه رأى ربه فيُثبتون له ذلك.
وآخرون مُحبُّون أيضاً لرسول الله لكنهم يريدون أنْ يُجنِّبوا الناس متاهات الشك، فيحاولون تخفيف هذه المسألة بأنها رؤية على غير الحقيقة.
ونحن بدورنا نريد أنْ نُبسِّط المسألة تبسيطاً يُيسِّرها على الجميع، ومن الطبيعي أنْ تختلف آراء العلماء، وهو اختلاف يُعزِّز الدين في ذاته ولا يقدح فيه.
والمتتبع لآيات سورة النجم من أولها يجدها تحدثتْ عن الوحي في موضعين: الأول: إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ * عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ [النجم: ٤-٥] والمراد: الوحي الذي نزل به جبريل على محمد وهو في الأرض.
إذن: فقوله تعالى بعدها: فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ [النجم: ١٠] ليست بالمعنى الأول، بل تضيف جديداً، فالوحي فيها يُقصد به الوحي المباشر من الله تعالى لنبيه محمد.
بدليل أن الآية هنا لم تذكر جبريل واسطة الوحي، ثم أبهمتْ الوحي فقالت: مَآ أَوْحَىٰ [النجم: ١٠] والوحي الذي نزل به جبريل معلوم وغير مُبْهم.
كما أن إبهام الوحي هنا يدل على عِظمه، وأنه شيء كثير فوق الحصر، أو أنه شيء غريب وعجيب كما جاء في قوله تعالى: فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ [طه: ٧٨].
إذن: نحن أمام نوعين من الوحي، وإذا كانا بمعنى واحد فما ضرورة أنْ يذهب رسول الله في هذه الرحلة من الأرض إلى السماء ما دام جبريل ينزل عليه. ويُوحي إليه؟
نفهم من ذلك أن فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ [النجم: ١٠] عطاء جديد لرسول الله، لكنه عطاء مُغلّف بالغيب، فليست كل العقول مهيئة لتقبُّله، وعلى قدر صفاء النفس يكون الاقتناع بمثل هذه المواقف، والناس يختلفون كثيراً في هذه المسألة.
ومن هنا رأينا المؤيد والمعارض، والحمد لله فهذا خلاف لا يقدح في العقيدة، والحق سبحانه وتعالى خاطب الجميع مَنْ اكتفى بالفرائض، ومَنْ زاد عليها وأوغل في النوافل، جعل لكلٍّ عطاءً يناسبه.
والوحي المباشر من الله تعالى لنبيه محمد يقتضي القُرْب، ويقتضي السماع، وقد أوضح سيدنا رسول الله الرؤية فقال: ، فقد رأى صلى الله عليه وسلم النور، وهل بعد ذلك غاية تُدرك؟
وقد ورد في أثر ما يؤكد هذا أن رسول الله ضرب على صدر أحد الصحابة حتى أحسَّ برد أنامله. وقال: أعطاني ربي ثلاثة أوعية: وعاء أمرني بتبليغه وهو الصلاة، ووعاء خيَّرني فيه (يعني: أبلغه لأصحاب الصفاء الذين يحسنون الاستقبال عني وأكتمه عن الذين لا يُحسنون الاستقبال)، ووعاءً نهاني الله عنه (وفي هذا الوعاء أمور فوق مدارك البشر جميعاً ولا تتحمله عقولهم فأُمِر رسول الله بأنْ يكتمه).
والصحابة أنفسهم كانوا يتفاوتون في فَهْم مثل هذه الأمور، فسيدنا عمر لما طاف بالكعبة ووقف أمام الحجر الأسود قال: والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنِّي رأيتُ رسول الله يُقبِّلك ما قبَّلتك.
يريد عمر أنْ يلفتنا إلى أن العمل العبادي لا يُؤدّى لذاته، إنما ثقة في الآمر به. أما سيدنا علي فعنده لَوْن آخر من الفيض ومن الفهم، فيأتي سيدنا عمر ويقول له بينه وبينه: يا أمير المؤمنين، ولكني أعرف أنه يضر وينفع، ألا يشهد لصاحبه يوم القيامة.
إذن: ليس بالضرورة أنْ نعلم كلَّ شيء، والله يقول: وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً [الإسراء: ٨٥] مهما كنت، وعندنا في حياتنا اليومية نغلف الشيء النفيس في أكثر من غلاف، فنضعه في ظرف، والظرف في خزينة مُحكمة، والخزينة في مكان خاص، فما بالك إذا كان الأمرُ خاصّاً برؤية الله جَلَّ وعلا، فلا بأس أنْ تغلف في هذه الأساليب ولكل عقل أنْ يتقبَّل منها ما يريد.
ثم في قوله سبحانه: أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ [النجم: ١٢] الوحي يُرَى أم يُسمع؟ الوحي يُسمع، فلماذا قال عَلَىٰ مَا يَرَىٰ [النجم: ١٢] إذن: لابد أن يكون هناك رؤية. والذين لا يقبلون الرؤية يستشهدون بقوله تعالى: لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ.. [الأنعام: ١٠٣].
نعم لا تدركه الأبصار، فقد حدد آلة الإدراك وهي (الأبصار)، وهذا يعني أنه لا مانعَ أنْ يدرك بغير الأبصار، فالمنع هنا للأبصار فقط، فحين يرد خبر معناه: انعكس بصري على بصيرتي، فرأيت مَنْ لا كمثله شيء لابد أن نفهم أن المسألة فيها تغليف وسَتْر لأمر نفيس وعجيب.
بل إن المتدبر للآيات يجدها تذهب إلى أبعد مما تتكلَّمون فيه، اقرأ: أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ [النجم: ١٢] وبعدها لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ [النجم: ١٨] يعني: رأى أكثر من الذي تتكلمون فيه، فما حالكم لو أخبرناكم بكلِّ ما رأى؟
وفي قصة سيدنا موسى عليه السلام لما قال لربه: رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً.. [الأعراف: ١٤٣].
تأمل أولاً لَن تَرَانِي.. [الأعراف: ١٤٣] ولم يقُلْ: لن أرى، يعني: لن تراني يا موسى وأنت على هذه الهيئة لأنها لا تُمكنك من الرؤية، لكن تجلى للجبل والتجلِّي يقتضي الرؤية. إذن: الأمر هنا في الرائي ومدى استعداده للرؤية.
ومحمد مثل موسى في هذه المسألة، لكنه لما صعد إلى السماء أخذ شيئاً من الملائكية تُمكنه من الصعود والاختراق، ملائكية غطَّتْ على بشريته وتغلَّبتْ عليها.
و ٱللاَّتَ.. [النجم: ١٩] صنم على شكل رجل كان عندهم يلتُّ العجين ليريح النساء من هذا العمل الشاق، ومات ولم يترك خَلفاً بعده يقوم بهذا العمل، فحزنوا لموته، وصنعوا له تمثالاً تكريماً لذكراه ثم بعد ذلك عبدوه.
و وَٱلْعُزَّىٰ [النجم: ١٩] اسم شجرة كانوا يعبدونها، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم خالداً أن يذهب ويقطعها، وكان يقول:
يا عُزَّى كفرانك لا غفرانك إني رأيت الله قد أهانك
وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ [النجم: ٢٠] مناة أيضاً اسم صنم لهم، وقال: ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ [النجم: ٢٠] فهي ثالثتهم ولم تكُنْ على شكل إنسان أو حيوان، فقال: ٱلأُخْرَىٰ [النجم: ٢٠] على سبيل تحقيرهم والاستهزاء بهم وبمَنْ عبدوهم.
الحق سبحانه وتعالى جعلهم حكاماً على ما يفعلون وعلى عبادتهم للأصنام، فقال لهم: أخبروني عن هذه الأصنام هل تستحق أنْ تُعبد، هل لها قدرة أو إرادة، وهي أحجار جئتم بها بأيديكم وصوَّرتموها على صورة تريدونها؟
ثم إذا سقط الصنم وأطاحت به الريح أقمتموه، وإذا كسر ذراعه أصلحتموه، فكيف تعبدونها؟ وأين عقولكم؟
لكنها طبيعة التديُّن في الفطرة البشرية، فقد جبل الخالق سبحانه الإنسان على التدين، وقبل أنْ يُخلق آدم وهو ما يزال في عالم الذر وأخذ علينا العهد ونحن في عالم الذر في ظهر آدم عليه السلام.
فقال سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ [الأعراف: ١٧٢-١٧٣].
إذن: عبدوا الأصنام لما عندهم من إيمان الفطرة في النفس، لكن الإيمان له تبعات ومطلوبات قد تشقُّ على النفس وتقيد حركتها نحو الشهوات، فيميل الإنسانُ إلى عبادة إله بدون تكليف ليُرضيَ غريزة التدين في نفسه، ومن هنا عبدوا الأصنام لأنها آلهة في زعمهم، لكن ليس لها مطلوبات وليس لها منهج، وما عبدوها إلا لراحة مواجيدهم الإيمانية.
ونلاحظ هنا دقة الأداء القرآني في قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ [النجم: ١٩-٢٠] لأنهم عبدوا أيضاً الملائكة من دون الله، لكن لم يذكرها مع اللات والعزى ومناة، لأن الملائكة لا تُرى.
فلا يصح أنْ يقول: أفرأيتم الملائكة لأنهم لم يروا الملائكة، إنما سمعوا عنها وآمنوا بها غيباً، وقالوا على كل هؤلاء: شعفاؤنا عند الله، وقالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ.. [الزمر: ٣] إذن: حتى في كفرهم بالله يتمحّكون في الله.
وقوله تعالى: أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ [النجم: ٢١] استفهام للتعجُّب والإنكار عليهم، حيث نسبوا لله تعالى الملائكة وجعلوها إناثاً لوجود تاء التأنيث بها.
والملائكة مخلوقات لله تعالى نورانية لا تأكل ولا تشرب ولا تتناسل، ولا تُوصف بذكورة ولا بأنوثة.
فهذا تعدٍّ في الحكم وقسمة سماها القرآن تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ [النجم: ٢٢] جائرة ظالمة، لأنكم نسبتُم لأنفسكم الجنس الأعلى ولله الجنس الأدنى، فالخطأ الأول أنهم جعلوا الملائكة إناثاً، والثاني أنهم عبدوها.
والحق سبحانه يرد عليهم: وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [الزخرف: ١٩]. وقال: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ.. [الأنبياء: ٩٨] أي: وقودها الذي تتأجج به والعياذ بالله.
فالمأزق الذي وقع فيه عُبَّاد الأصنام أنهم قالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ.. [الزمر: ٣] ولو قالوا: ما نتقربُّ إليهم إلا ليقربونا إلى الله لكانت مقبولة، لكن قالوا: (نعبدهم) وهو قول باطل، فردَّ الله عليهم: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ.. [الأنبياء: ٩٨].
فإنْ قلتَ: فما ذنب عيسى والعُزير؟ وما ذنب الملائكة وقد عبدوها من دون الله؟ والجواب في نفس الآية، تأمل وَمَا تَعْبُدُونَ.. [الأنبياء: ٩٨] فـ(ما) هنا لغير العاقل ولم يقُلْ: ومَنْ تعبدون، فسيدنا عيسى والعزير والملائكة لا يشملهم هذا الحكم.
وتأمل كلمة ضِيزَىٰ [النجم: ٢٢] تجدها كلمة غريبة في تركيبها وفي نقطها ولم تتكرر في مفردات القرآن، جاءت هكذا عجيبة لتدل على أن فعلهم غريب وعجيب، وأن قسمتهم هذه جائزة ظالمة، لأنهم نسبوا لله تعالى وهو الخالق الجنس الأدنى. أي: في نظرهم هم.
فالعقائد لا تُفضّل الذكر على الأنثى، فهما سواء في ميزان الشرع، ولبيان هذه المسألة اقرأ مثلاً في قصة السيدة مريم: إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً.. [آل عمران: ٣٥] أي: محرراً وموقوفاً على خدمة البيت، والخدمة في أماكن العبادة خاصة بالذكور ولا تصح لها الإناث. فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ.. [آل عمران: ٣٦] أي: ليس كلأنثى في آداء هذه المهمة، فبيَّن الله لها أن الأنثى التي أريدها ستأخذ منزلة لم تأخذها أنثى غيرها.
فالذكر الذي طلبْتِه ليس كالأنثى التي وهبتُها لك، لأن هذه الأنثى سيكون لها منزلة في تاريخ العقائد، موقف يرفعها على جميع النساء.
لذلك لما تكلم عن نماذج من النساء قال (امرأة) ولم يُسمِّ إلا مريم، فقال: ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ.. [التحريم: ١٠] وقال: وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ.. [التحريم: ١١] ولم يُسمِّها إلا رسول الله، فقال: هي آسية بنت مزاحم.
فالحق سبحانه لم يُسمّ هؤلاء، فهُنَّ نماذج لحالات مختلفة هدفها واحد وهو حرية العقيدة للمرأة، ولا أحدَ يستطيع أنْ يُرغم أحداً على عقيدة بعينها.
أما مريم فسمَّاها باسمها واسم أبيها وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَانَ.. [التحريم: ١٢] لأنها نموذج فريد وحالة خاصة لن تتكرر بعدها. إذن: إبهام الشخصيات له موضعه، وتعيُّنها له موضعه، وكُلّ له حكمته.
ففي قصة أهل الكهف ذكر قصة الفتية إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [الكهف: ١٣] ولم يُعيِّن القرآن أسماءهم ولا عددهم، ولم يذكر عنهم إلا وصف الإيمان بالله، وهذا هو القدر المراد في قصتهم ولا يُهم بعد ذلك عددهم أو أسمائهم، فهو عِلْم لا ينفع، وجهل لا يضر كما يقولون.
فهم نموذج للفتية المؤمنين المتمسكين بعقيدتهم المجابهة للظلم في أيِّ زمان وفي أيِّ مكان، بأيِّ عدد وبأيِّ صورة، ولو عيّنهم وسمّاهم لكانوا حالة خاصة ليس بالضرورة أن تتكرر.
وأحبُّ أنْ أستدرك الحديث عن مسألة رؤية سيدنا رسول الله لربه، لأنها مسألة كَثُر فيها الكلام بين المفسرين، وتباينت فيها الآراء بين مؤيد ومعارض.
وأقول: أولاً إنها مسألة لا تضر أصل العقيدة، لأنها لا تأتي بشيء جديد إلا أنْ نعرف منزلة محمد من ربه، فالذين يحبون رسول الله يريدون أنْ يصلوا به إلى مرتبة أنه رأى ربه فيُثبتون له ذلك.
وآخرون مُحبُّون أيضاً لرسول الله لكنهم يريدون أنْ يُجنِّبوا الناس متاهات الشك، فيحاولون تخفيف هذه المسألة بأنها رؤية على غير الحقيقة.
ونحن بدورنا نريد أنْ نُبسِّط المسألة تبسيطاً يُيسِّرها على الجميع، ومن الطبيعي أنْ تختلف آراء العلماء، وهو اختلاف يُعزِّز الدين في ذاته ولا يقدح فيه.
والمتتبع لآيات سورة النجم من أولها يجدها تحدثتْ عن الوحي في موضعين: الأول: إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ * عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ [النجم: ٤-٥] والمراد: الوحي الذي نزل به جبريل على محمد وهو في الأرض.
إذن: فقوله تعالى بعدها: فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ [النجم: ١٠] ليست بالمعنى الأول، بل تضيف جديداً، فالوحي فيها يُقصد به الوحي المباشر من الله تعالى لنبيه محمد.
بدليل أن الآية هنا لم تذكر جبريل واسطة الوحي، ثم أبهمتْ الوحي فقالت: مَآ أَوْحَىٰ [النجم: ١٠] والوحي الذي نزل به جبريل معلوم وغير مُبْهم.
كما أن إبهام الوحي هنا يدل على عِظمه، وأنه شيء كثير فوق الحصر، أو أنه شيء غريب وعجيب كما جاء في قوله تعالى: فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ [طه: ٧٨].
إذن: نحن أمام نوعين من الوحي، وإذا كانا بمعنى واحد فما ضرورة أنْ يذهب رسول الله في هذه الرحلة من الأرض إلى السماء ما دام جبريل ينزل عليه. ويُوحي إليه؟
نفهم من ذلك أن فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ [النجم: ١٠] عطاء جديد لرسول الله، لكنه عطاء مُغلّف بالغيب، فليست كل العقول مهيئة لتقبُّله، وعلى قدر صفاء النفس يكون الاقتناع بمثل هذه المواقف، والناس يختلفون كثيراً في هذه المسألة.
ومن هنا رأينا المؤيد والمعارض، والحمد لله فهذا خلاف لا يقدح في العقيدة، والحق سبحانه وتعالى خاطب الجميع مَنْ اكتفى بالفرائض، ومَنْ زاد عليها وأوغل في النوافل، جعل لكلٍّ عطاءً يناسبه.
والوحي المباشر من الله تعالى لنبيه محمد يقتضي القُرْب، ويقتضي السماع، وقد أوضح سيدنا رسول الله الرؤية فقال: ، فقد رأى صلى الله عليه وسلم النور، وهل بعد ذلك غاية تُدرك؟
وقد ورد في أثر ما يؤكد هذا أن رسول الله ضرب على صدر أحد الصحابة حتى أحسَّ برد أنامله. وقال: أعطاني ربي ثلاثة أوعية: وعاء أمرني بتبليغه وهو الصلاة، ووعاء خيَّرني فيه (يعني: أبلغه لأصحاب الصفاء الذين يحسنون الاستقبال عني وأكتمه عن الذين لا يُحسنون الاستقبال)، ووعاءً نهاني الله عنه (وفي هذا الوعاء أمور فوق مدارك البشر جميعاً ولا تتحمله عقولهم فأُمِر رسول الله بأنْ يكتمه).
والصحابة أنفسهم كانوا يتفاوتون في فَهْم مثل هذه الأمور، فسيدنا عمر لما طاف بالكعبة ووقف أمام الحجر الأسود قال: والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنِّي رأيتُ رسول الله يُقبِّلك ما قبَّلتك.
يريد عمر أنْ يلفتنا إلى أن العمل العبادي لا يُؤدّى لذاته، إنما ثقة في الآمر به. أما سيدنا علي فعنده لَوْن آخر من الفيض ومن الفهم، فيأتي سيدنا عمر ويقول له بينه وبينه: يا أمير المؤمنين، ولكني أعرف أنه يضر وينفع، ألا يشهد لصاحبه يوم القيامة.
إذن: ليس بالضرورة أنْ نعلم كلَّ شيء، والله يقول: وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً [الإسراء: ٨٥] مهما كنت، وعندنا في حياتنا اليومية نغلف الشيء النفيس في أكثر من غلاف، فنضعه في ظرف، والظرف في خزينة مُحكمة، والخزينة في مكان خاص، فما بالك إذا كان الأمرُ خاصّاً برؤية الله جَلَّ وعلا، فلا بأس أنْ تغلف في هذه الأساليب ولكل عقل أنْ يتقبَّل منها ما يريد.
ثم في قوله سبحانه: أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ [النجم: ١٢] الوحي يُرَى أم يُسمع؟ الوحي يُسمع، فلماذا قال عَلَىٰ مَا يَرَىٰ [النجم: ١٢] إذن: لابد أن يكون هناك رؤية. والذين لا يقبلون الرؤية يستشهدون بقوله تعالى: لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ.. [الأنعام: ١٠٣].
نعم لا تدركه الأبصار، فقد حدد آلة الإدراك وهي (الأبصار)، وهذا يعني أنه لا مانعَ أنْ يدرك بغير الأبصار، فالمنع هنا للأبصار فقط، فحين يرد خبر معناه: انعكس بصري على بصيرتي، فرأيت مَنْ لا كمثله شيء لابد أن نفهم أن المسألة فيها تغليف وسَتْر لأمر نفيس وعجيب.
بل إن المتدبر للآيات يجدها تذهب إلى أبعد مما تتكلَّمون فيه، اقرأ: أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ [النجم: ١٢] وبعدها لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ [النجم: ١٨] يعني: رأى أكثر من الذي تتكلمون فيه، فما حالكم لو أخبرناكم بكلِّ ما رأى؟
وفي قصة سيدنا موسى عليه السلام لما قال لربه: رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً.. [الأعراف: ١٤٣].
تأمل أولاً لَن تَرَانِي.. [الأعراف: ١٤٣] ولم يقُلْ: لن أرى، يعني: لن تراني يا موسى وأنت على هذه الهيئة لأنها لا تُمكنك من الرؤية، لكن تجلى للجبل والتجلِّي يقتضي الرؤية. إذن: الأمر هنا في الرائي ومدى استعداده للرؤية.
ومحمد مثل موسى في هذه المسألة، لكنه لما صعد إلى السماء أخذ شيئاً من الملائكية تُمكنه من الصعود والاختراق، ملائكية غطَّتْ على بشريته وتغلَّبتْ عليها.
آية رقم ٢٣
ما زال الكلام موصولاً عن الأصنام: اللات والعزى ومناة، فيخبر عنها الحق سبحانه إِنْ هِيَ.. أي: ما هذه الأصنام إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ.. أسماء من تأليفكم لأصنام من صُنْع أيديكم.
ومعلوم أن الاسم يُوضع ليدل على مُسمّى، أما هذه الأصنام فأسماء دون مُسمّى فهي باطلة، قلتم آلهة وهي حجارة لا تضر ولا تنفع.
سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم.. لأنهم ورثوها عن الآباء والأجداد كما حكى عنهم: إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ إذن: أقرُّوا بخطأ آبائهم، وأنهم سائرون على منهجهم.
ثم يُبيِّن لهم بُطْلان معتقداتهم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ.. أي: هي من عند أنفسكم ليست من عند الله، ولا برهانَ ولا دليلَ على صدقها، وأنتم وآباؤكم لستم مُشرِّعين.
فالتشريع والأمور العقدية لا تُؤخذ عن البشر، إنما تُؤخذ عن الله، وهؤلاء لا يتبعون هدى الله، إنما إِن يَتَّبِعُونَ.. إن نافية بمعنى: ما يتبعون إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَمَا تَهْوَى ٱلأَنفُسُ.. لا يتبعون حقائق ولا واقع.
الظنّ نسبة من النسب الكلامية الست التي سبق أنْ بيَّناها، وهي: العلم والجهل والتقليد والشك والظن والوهم، فالنسبة الكلامية إنْ كان لها واقع مجزوم به ويمكن إقامة الدليل عليها فهي علم، وإنْ كان لها واقع مجزوم به وليس عليها دليل فهي تقليد.
فإنْ كانت النسبة الكلامية ليس لها واقع فهي جهل، هذا في النسبة المجزوم بها، فإنْ كانت النسبة الكلامية غيرَ مجزوم بها يعني تحدث أو لا تحدث، فإذا تساوتْ الكِفّتان فهذا الشك، فإنْ كان الوقوع راجحاً فهو الظن، وإنْ كان الوقوع مرجوحاً فهو الوهم.
والظن يمكن العمل به في الأمور العادية، فلو أردنا مثلاً السفر إلى الإسكندرية فقلت لصاحبي: هذا الطريق سهل وعليه متطلبات السفر، فقال: الطريق الآخر أظن أنه أفضل لأنه حديث وكذا وكذا، فيجوز أنْ أترك اليقين الذي أعلمه عن الطريق وأسلك الطريق الآخر المظنون، لأن الاختيار لو كان خطأ فالضرر الحاصل به قليل.
أما في مسائل الدين والعقيدة فيجب الأخذ باليقين لا بالظن، والحق سبحانه يخبر عن هؤلاء أنهم اتبعوا الظن في أمور العبادة، فقالوا: إن لله تعالى جلالاً وكبرياء، ولا نقدر أنْ نلتحم به ونعبده، ولكن نعبد شيئاً آخر يُوصِّلنا إليه ويشفع لنا عنده.
إذن: قوله تعالى: إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ.. أي: في العقيدة وَمَا تَهْوَى ٱلأَنفُسُ.. في السلوك والعمل يتبعون هوى النفس، والهوى يُطلق على ما يُذم من مطلوبات النفس.
وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰ اللام للتوكيد، و (قد) حرف تحقيق.
يريد سبحانه أنْ يؤكد على هذه الحقيقة، وهي أن هدى الله جاءهم وبلغهم رسول الله منهج الله، ومع ذلك تركوا الحق واليقين، واتبعوا الظن وما تهوى الأنفس، ولو اتبعوا الظن والهوى قبل أنْ يأتيهم منهج الحق لكان لهم عُذر، أما وقد فعلوا ذلك بعد أنْ جاءهم الهدى من الله فلا عذرَ لهم ولا حجة.
ومعلوم أن الاسم يُوضع ليدل على مُسمّى، أما هذه الأصنام فأسماء دون مُسمّى فهي باطلة، قلتم آلهة وهي حجارة لا تضر ولا تنفع.
سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم.. لأنهم ورثوها عن الآباء والأجداد كما حكى عنهم: إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ إذن: أقرُّوا بخطأ آبائهم، وأنهم سائرون على منهجهم.
ثم يُبيِّن لهم بُطْلان معتقداتهم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ.. أي: هي من عند أنفسكم ليست من عند الله، ولا برهانَ ولا دليلَ على صدقها، وأنتم وآباؤكم لستم مُشرِّعين.
فالتشريع والأمور العقدية لا تُؤخذ عن البشر، إنما تُؤخذ عن الله، وهؤلاء لا يتبعون هدى الله، إنما إِن يَتَّبِعُونَ.. إن نافية بمعنى: ما يتبعون إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَمَا تَهْوَى ٱلأَنفُسُ.. لا يتبعون حقائق ولا واقع.
الظنّ نسبة من النسب الكلامية الست التي سبق أنْ بيَّناها، وهي: العلم والجهل والتقليد والشك والظن والوهم، فالنسبة الكلامية إنْ كان لها واقع مجزوم به ويمكن إقامة الدليل عليها فهي علم، وإنْ كان لها واقع مجزوم به وليس عليها دليل فهي تقليد.
فإنْ كانت النسبة الكلامية ليس لها واقع فهي جهل، هذا في النسبة المجزوم بها، فإنْ كانت النسبة الكلامية غيرَ مجزوم بها يعني تحدث أو لا تحدث، فإذا تساوتْ الكِفّتان فهذا الشك، فإنْ كان الوقوع راجحاً فهو الظن، وإنْ كان الوقوع مرجوحاً فهو الوهم.
والظن يمكن العمل به في الأمور العادية، فلو أردنا مثلاً السفر إلى الإسكندرية فقلت لصاحبي: هذا الطريق سهل وعليه متطلبات السفر، فقال: الطريق الآخر أظن أنه أفضل لأنه حديث وكذا وكذا، فيجوز أنْ أترك اليقين الذي أعلمه عن الطريق وأسلك الطريق الآخر المظنون، لأن الاختيار لو كان خطأ فالضرر الحاصل به قليل.
أما في مسائل الدين والعقيدة فيجب الأخذ باليقين لا بالظن، والحق سبحانه يخبر عن هؤلاء أنهم اتبعوا الظن في أمور العبادة، فقالوا: إن لله تعالى جلالاً وكبرياء، ولا نقدر أنْ نلتحم به ونعبده، ولكن نعبد شيئاً آخر يُوصِّلنا إليه ويشفع لنا عنده.
إذن: قوله تعالى: إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ.. أي: في العقيدة وَمَا تَهْوَى ٱلأَنفُسُ.. في السلوك والعمل يتبعون هوى النفس، والهوى يُطلق على ما يُذم من مطلوبات النفس.
وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰ اللام للتوكيد، و (قد) حرف تحقيق.
يريد سبحانه أنْ يؤكد على هذه الحقيقة، وهي أن هدى الله جاءهم وبلغهم رسول الله منهج الله، ومع ذلك تركوا الحق واليقين، واتبعوا الظن وما تهوى الأنفس، ولو اتبعوا الظن والهوى قبل أنْ يأتيهم منهج الحق لكان لهم عُذر، أما وقد فعلوا ذلك بعد أنْ جاءهم الهدى من الله فلا عذرَ لهم ولا حجة.
آية رقم ٢٤
ﯼﯽﯾﯿ
ﰀ
أيظنون وقد فعلوا من الانصراف عن هدى الله إلى ظنون كاذبة، أيظنون أن الإنسان يسير في الدنيا على هواه؟ وأن له ما تمنى حتى لو كانت أمانيه مخالفة لمنهج ربه؟ الواقع أنه ليس له ذلك، لأن الدين والعقيدة لا تُؤخذ بالأماني، والحق سبحانه ليس على هواك.
والتمنِّي طلب شيء لا يمكن الوصول إليه وغير ممكن الحدوث، والتمني لا يعني إلا أنك تحب هذا الشيء الذي تتمناه، نعم تحبه لكنه لن يحدث...
فهم يتمنونَ ذلك، يتمنون أنْ يكون للإنسان ما يريده وما يحبه دون ضوابط، فهذه أمنية، والأمنية شيء يحبه الإنسان، لكنه لا يتحقق، لأن الإنسان لا يملك الظروف المتعلقة به، ولا يملك الأسباب التي تحقق له كلَّ ما يريد، بل له ربٌّ يُقدِّر الأقدار والأفعال والخير والشر.
وفي آيات متعددة يُبيِّن الحق سبحانه أمنية هؤلاء، فمن أمانيهم قولهم: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ.. [الزمر: ٣] ومن أمانيهم ما حكاه القرآن عن صاحب الجنة في سورة الكهف: وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً [الكهف: ٣٦].
وفي موضع آخر قال أحدهم: وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ.. [فصلت: ٥٠] وهكذا تمنِّي الإنسان لنفسه لا يقف عند حَدٍّ، قال تعالى: لاَّ يَسْأَمُ ٱلإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ [فصلت: ٤٩].
ومن أمانيهم ما حكاه القرآن عن الوليد بن المغيرة: أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً * أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً [مريم: ٧٧-٧٨] لا هذا ولا ذاك، لأنه ما اطلع على الغيب، وليس له عند الله عهد بأنْ يعطيه ما يريد.
ثم يردُّ الله عليه: كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدّاً * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً [مريم: ٧٩-٨٠].
إذن: ليس للإنسان ما تمنّى، وكيف يكون له ذلك والأمر كله لله وحده في الأولى وفي الآخرة فَلِلَّهِ ٱلآخِرَةُ وٱلأُولَىٰ [النجم: ٢٥] هنا أسلوب قصر بتقديم الخبر الجار والمجرور على المبتدأ، أي: لله وحده ٱلآخِرَةُ وٱلأُولَىٰ [النجم: ٢٥].
فقدّم الآخرة لأنهم قالوا عن الأصنام: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فأخبر أن الآخرة لله وحده، ولا تنفعكم هذه الشفاعة لأنها باطلة وٱلأُولَىٰ [النجم: ٢٥] أي: ما يتمنونه في الدنيا مما لا قدرةَ لهم على تحقيقه.
وقالوا: قدَّم الآخرة على الأولى مع أن الترتيب الأولى والآخرة، لأن الآخرة هي محلّ النزاع بين مُصدِّق بها ومُنكر لها، ومحلّ شك في وقوعها، لذلك قدَّمها على الأولى للتأكيد على أنها حقّ، وحقّ آكد من الأولى التي عاينتموها.
والتمنِّي طلب شيء لا يمكن الوصول إليه وغير ممكن الحدوث، والتمني لا يعني إلا أنك تحب هذا الشيء الذي تتمناه، نعم تحبه لكنه لن يحدث...
فهم يتمنونَ ذلك، يتمنون أنْ يكون للإنسان ما يريده وما يحبه دون ضوابط، فهذه أمنية، والأمنية شيء يحبه الإنسان، لكنه لا يتحقق، لأن الإنسان لا يملك الظروف المتعلقة به، ولا يملك الأسباب التي تحقق له كلَّ ما يريد، بل له ربٌّ يُقدِّر الأقدار والأفعال والخير والشر.
وفي آيات متعددة يُبيِّن الحق سبحانه أمنية هؤلاء، فمن أمانيهم قولهم: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ.. [الزمر: ٣] ومن أمانيهم ما حكاه القرآن عن صاحب الجنة في سورة الكهف: وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً [الكهف: ٣٦].
وفي موضع آخر قال أحدهم: وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ.. [فصلت: ٥٠] وهكذا تمنِّي الإنسان لنفسه لا يقف عند حَدٍّ، قال تعالى: لاَّ يَسْأَمُ ٱلإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ [فصلت: ٤٩].
ومن أمانيهم ما حكاه القرآن عن الوليد بن المغيرة: أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً * أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً [مريم: ٧٧-٧٨] لا هذا ولا ذاك، لأنه ما اطلع على الغيب، وليس له عند الله عهد بأنْ يعطيه ما يريد.
ثم يردُّ الله عليه: كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدّاً * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً [مريم: ٧٩-٨٠].
إذن: ليس للإنسان ما تمنّى، وكيف يكون له ذلك والأمر كله لله وحده في الأولى وفي الآخرة فَلِلَّهِ ٱلآخِرَةُ وٱلأُولَىٰ [النجم: ٢٥] هنا أسلوب قصر بتقديم الخبر الجار والمجرور على المبتدأ، أي: لله وحده ٱلآخِرَةُ وٱلأُولَىٰ [النجم: ٢٥].
فقدّم الآخرة لأنهم قالوا عن الأصنام: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فأخبر أن الآخرة لله وحده، ولا تنفعكم هذه الشفاعة لأنها باطلة وٱلأُولَىٰ [النجم: ٢٥] أي: ما يتمنونه في الدنيا مما لا قدرةَ لهم على تحقيقه.
وقالوا: قدَّم الآخرة على الأولى مع أن الترتيب الأولى والآخرة، لأن الآخرة هي محلّ النزاع بين مُصدِّق بها ومُنكر لها، ومحلّ شك في وقوعها، لذلك قدَّمها على الأولى للتأكيد على أنها حقّ، وحقّ آكد من الأولى التي عاينتموها.
آية رقم ٢٥
ﰁﰂﰃ
ﰄ
أيظنون وقد فعلوا من الانصراف عن هدى الله إلى ظنون كاذبة، أيظنون أن الإنسان يسير في الدنيا على هواه؟ وأن له ما تمنى حتى لو كانت أمانيه مخالفة لمنهج ربه؟ الواقع أنه ليس له ذلك، لأن الدين والعقيدة لا تُؤخذ بالأماني، والحق سبحانه ليس على هواك.
والتمنِّي طلب شيء لا يمكن الوصول إليه وغير ممكن الحدوث، والتمني لا يعني إلا أنك تحب هذا الشيء الذي تتمناه، نعم تحبه لكنه لن يحدث، كما قال الشاعر:
ألاَ لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْماً فَأُخْبِرُهُ بِمَا فَعَلَ المشِيبُ
فهم يتمنْونَ ذلك، يتمنون أنْ يكون للإنسان ما يريده وما يحبه دون ضوابط، فهذه أمنية، والأمنية شيء يحبه الإنسان، لكنه لا يتحقق، لأن الإنسان لا يملك الظروف المتعلقة به، ولا يملك الأسباب التي تحقق له كلَّ ما يريد، بل له ربٌّ يُقدِّر الأقدار والأفعال والخير والشر.
وفي آيات متعددة يُبيِّن الحق سبحانه أمنية هؤلاء، فمن أمانيهم قولهم: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ.. [الزمر: ٣] ومن أمانيهم ما حكاه القرآن عن صاحب الجنة في سورة الكهف: وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً [الكهف: ٣٦].
وفي موضع آخر قال أحدهم: وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ.. [فصلت: ٥٠] وهكذا تمنِّي الإنسان لنفسه لا يقف عند حَدٍّ، قال تعالى: لاَّ يَسْأَمُ ٱلإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ [فصلت: ٤٩].
ومن أمانيهم ما حكاه القرآن عن الوليد بن المغيرة: أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً * أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً [مريم: ٧٧-٧٨] لا هذا ولا ذاك، لأنه ما اطلع على الغيب، وليس له عند الله عهد بأنْ يعطيه ما يريد.
ثم يردُّ الله عليه: كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدّاً * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً [مريم: ٧٩-٨٠].
إذن: ليس للإنسان ما تمنّى، وكيف يكون له ذلك والأمر كله لله وحده في الأولى وفي الآخرة فَلِلَّهِ ٱلآخِرَةُ وٱلأُولَىٰ [النجم: ٢٥] هنا أسلوب قصر بتقديم الخبر الجار والمجرور على المبتدأ، أي: لله وحده ٱلآخِرَةُ وٱلأُولَىٰ [النجم: ٢٥].
فقدّم الآخرة لأنهم قالوا عن الأصنام: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فأخبر أن الآخرة لله وحده، ولا تنفعكم هذه الشفاعة لأنها باطلة وٱلأُولَىٰ [النجم: ٢٥] أي: ما يتمنونه في الدنيا مما لا قدرةَ لهم على تحقيقه.
وقالوا: قدَّم الآخرة على الأولى مع أن الترتيب الأولى والآخرة، لأن الآخرة هي محلّ النزاع بين مُصدِّق بها ومُنكر لها، ومحلّ شك في وقوعها، لذلك قدَّمها على الأولى للتأكيد على أنها حقّ، وحقّ آكد من الأولى التي عاينتموها.
والتمنِّي طلب شيء لا يمكن الوصول إليه وغير ممكن الحدوث، والتمني لا يعني إلا أنك تحب هذا الشيء الذي تتمناه، نعم تحبه لكنه لن يحدث، كما قال الشاعر:
ألاَ لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْماً فَأُخْبِرُهُ بِمَا فَعَلَ المشِيبُ
فهم يتمنْونَ ذلك، يتمنون أنْ يكون للإنسان ما يريده وما يحبه دون ضوابط، فهذه أمنية، والأمنية شيء يحبه الإنسان، لكنه لا يتحقق، لأن الإنسان لا يملك الظروف المتعلقة به، ولا يملك الأسباب التي تحقق له كلَّ ما يريد، بل له ربٌّ يُقدِّر الأقدار والأفعال والخير والشر.
وفي آيات متعددة يُبيِّن الحق سبحانه أمنية هؤلاء، فمن أمانيهم قولهم: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ.. [الزمر: ٣] ومن أمانيهم ما حكاه القرآن عن صاحب الجنة في سورة الكهف: وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً [الكهف: ٣٦].
وفي موضع آخر قال أحدهم: وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ.. [فصلت: ٥٠] وهكذا تمنِّي الإنسان لنفسه لا يقف عند حَدٍّ، قال تعالى: لاَّ يَسْأَمُ ٱلإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ [فصلت: ٤٩].
ومن أمانيهم ما حكاه القرآن عن الوليد بن المغيرة: أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً * أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً [مريم: ٧٧-٧٨] لا هذا ولا ذاك، لأنه ما اطلع على الغيب، وليس له عند الله عهد بأنْ يعطيه ما يريد.
ثم يردُّ الله عليه: كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدّاً * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً [مريم: ٧٩-٨٠].
إذن: ليس للإنسان ما تمنّى، وكيف يكون له ذلك والأمر كله لله وحده في الأولى وفي الآخرة فَلِلَّهِ ٱلآخِرَةُ وٱلأُولَىٰ [النجم: ٢٥] هنا أسلوب قصر بتقديم الخبر الجار والمجرور على المبتدأ، أي: لله وحده ٱلآخِرَةُ وٱلأُولَىٰ [النجم: ٢٥].
فقدّم الآخرة لأنهم قالوا عن الأصنام: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فأخبر أن الآخرة لله وحده، ولا تنفعكم هذه الشفاعة لأنها باطلة وٱلأُولَىٰ [النجم: ٢٥] أي: ما يتمنونه في الدنيا مما لا قدرةَ لهم على تحقيقه.
وقالوا: قدَّم الآخرة على الأولى مع أن الترتيب الأولى والآخرة، لأن الآخرة هي محلّ النزاع بين مُصدِّق بها ومُنكر لها، ومحلّ شك في وقوعها، لذلك قدَّمها على الأولى للتأكيد على أنها حقّ، وحقّ آكد من الأولى التي عاينتموها.
آية رقم ٢٦
لما اعتقدوا في الأصنام أنها تشفع لهم عند الله، وقال: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ.. [الزمر: ٣] فردّ الله عليهم بما يُبيِّن بطلان اعتقادهم، فكيف تنتظرون شفاعة الأصنام عند الله، والملائكة المقربون والعباد المكرمون عنده سبحانه ليس لهم شفاعة إلا بإذنه سبحانه.
قوله تعالى: وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ.. أي: كثير من الملائكة، فكم هنا خبرية تفيد الكثرة، لأنها تسأل عن عدد لا حصر له لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَىٰ..
إذن: هنا شرطان لقبول شفاعة الملائكة، الشرط الأول: أنْ يأذن الله للملَك أنْ يشفع، الثاني: أنْ يرضى عن المشفوع له، ولا يرضى الله إلا عن أهل التوحيد الخالص، فهذه كرامة للشافع، وكرامة للمشفوع فيه.
يقول تعالى في آية الكرسي مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ.. [البقرة: ٢٥٥].
فإذا كان هذا حال الملائكة في قبول الشفاعة وهم عباد مُكرمون لا يسبقونه بالقول، وهم بأمره يعملون، وقال عنهم لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: ٦] فكيف إذن بشفاعة الأصنام؟
ونلاحظ على الأداء القرآني في هذه الآية أن كلمة مَّلَكٍ.. جاءت بصيغة المفرد، ثم أخبر عن المفرد بصيغة الجمع، فقال لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ.. ولم يقل شفاعته.
قالوا: لأن كم الخبرية تفيد الكثرة، فلما اجتمعت مع المفرد أعطتْه معنى الجمع، فالمعنى وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ.. كثير من الملائكة، والمناسب أن يقول شفاعتهم، بصيغة الجمع.
قوله تعالى: وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ.. أي: كثير من الملائكة، فكم هنا خبرية تفيد الكثرة، لأنها تسأل عن عدد لا حصر له لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَىٰ..
إذن: هنا شرطان لقبول شفاعة الملائكة، الشرط الأول: أنْ يأذن الله للملَك أنْ يشفع، الثاني: أنْ يرضى عن المشفوع له، ولا يرضى الله إلا عن أهل التوحيد الخالص، فهذه كرامة للشافع، وكرامة للمشفوع فيه.
يقول تعالى في آية الكرسي مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ.. [البقرة: ٢٥٥].
فإذا كان هذا حال الملائكة في قبول الشفاعة وهم عباد مُكرمون لا يسبقونه بالقول، وهم بأمره يعملون، وقال عنهم لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: ٦] فكيف إذن بشفاعة الأصنام؟
ونلاحظ على الأداء القرآني في هذه الآية أن كلمة مَّلَكٍ.. جاءت بصيغة المفرد، ثم أخبر عن المفرد بصيغة الجمع، فقال لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ.. ولم يقل شفاعته.
قالوا: لأن كم الخبرية تفيد الكثرة، فلما اجتمعت مع المفرد أعطتْه معنى الجمع، فالمعنى وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ.. كثير من الملائكة، والمناسب أن يقول شفاعتهم، بصيغة الجمع.
آية رقم ٢٧
الحق سبحانه يفضح اعتقادهم الكاذب في قولهم مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ.. [الزمر: ٣] وفي اعتبارهم الملائكة شفعاءَ لهم عند الله، فهذا مجرد كلام وحجج واهية لأنهم في الأصل لا يؤمنون بالآخرة، فكيف يتحدَّثون عن الشفاعة؟
إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ.. [النجم: ٢٧] أي: الكفار لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلأُنْثَىٰ [النجم: ٢٧] أي: يدَّعون أن الملائكة بنات الله وَمَا لَهُم بِهِ.. [النجم: ٢٨] ما لهم بهذا القول مِنْ عِلْمٍ.. [النجم: ٢٨].
وفي موضع آخر قال سبحانه: مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف: ٥١].
إذن: لا علمَ عندهم بخلق الملائكة، فهم في هذا الادعاء كاذبون يقولون ما لا يعلمون، والمسألة أنهم يتبعون في هذه القضية ظنهم الباطل، ظنوا الملائكة إناثاً لوجود تاء التأنيث في الملائكة.
وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً [النجم: ٢٨] أي: أن ظنهم هذا ظنٌّ باطل لا يمتُّ إلى الحقيقة بصلة ولا يغني عنها، والحق في هذه المسألة ما أخبرنا الله به، لأنه خالقهم والأعلم بهم، فالظن لا يحلُّ أبداً محلّ العلم القاطع البَيِّن.
إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ.. [النجم: ٢٧] أي: الكفار لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلأُنْثَىٰ [النجم: ٢٧] أي: يدَّعون أن الملائكة بنات الله وَمَا لَهُم بِهِ.. [النجم: ٢٨] ما لهم بهذا القول مِنْ عِلْمٍ.. [النجم: ٢٨].
وفي موضع آخر قال سبحانه: مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف: ٥١].
إذن: لا علمَ عندهم بخلق الملائكة، فهم في هذا الادعاء كاذبون يقولون ما لا يعلمون، والمسألة أنهم يتبعون في هذه القضية ظنهم الباطل، ظنوا الملائكة إناثاً لوجود تاء التأنيث في الملائكة.
وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً [النجم: ٢٨] أي: أن ظنهم هذا ظنٌّ باطل لا يمتُّ إلى الحقيقة بصلة ولا يغني عنها، والحق في هذه المسألة ما أخبرنا الله به، لأنه خالقهم والأعلم بهم، فالظن لا يحلُّ أبداً محلّ العلم القاطع البَيِّن.
آية رقم ٢٨
وَمَا لَهُم بِهِ.. ما لهم بهذا القول مِنْ عِلْمٍ....
وفي موضع آخر قال سبحانه: مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف: ٥١].
إذن: لا علمَ عندهم بخلق الملائكة، فهم في هذا الادعاء كاذبون يقولون ما لا يعلمون، والمسألة أنهم يتبعون في هذه القضية ظنهم الباطل، ظنوا الملائكة إناثاً لوجود تاء التأنيث في الملائكة.
وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً أي: أن ظنهم هذا ظنٌّ باطل لا يمتُّ إلى الحقيقة بصلة ولا يغني عنها، والحق في هذه المسألة ما أخبرنا الله به، لأنه خالقهم والأعلم بهم، فالظن لا يحلُّ أبداً محلّ العلم القاطع البَيِّن.
وفي موضع آخر قال سبحانه: مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف: ٥١].
إذن: لا علمَ عندهم بخلق الملائكة، فهم في هذا الادعاء كاذبون يقولون ما لا يعلمون، والمسألة أنهم يتبعون في هذه القضية ظنهم الباطل، ظنوا الملائكة إناثاً لوجود تاء التأنيث في الملائكة.
وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً أي: أن ظنهم هذا ظنٌّ باطل لا يمتُّ إلى الحقيقة بصلة ولا يغني عنها، والحق في هذه المسألة ما أخبرنا الله به، لأنه خالقهم والأعلم بهم، فالظن لا يحلُّ أبداً محلّ العلم القاطع البَيِّن.
آية رقم ٢٩
بعد أنْ بيَّن الحق سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم موقف خصومه، وكيف أنهم لا يريدون الحق، بل يريدون الهوى والظن والشهوات، يقول له: يا محمد أرح نفسك من هؤلاء، فلا فائدة منهم.
وقد كان سيدنا رسول الله حريصاً كلّ الحرص على هداية قومه، وكان يُحمِّل نفسه في سبيل دعوتهم إلى الحق فوق ما تحتمل، لذلك خاطبه سبحانه بقوله: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف: ٦] وقال له: إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ.. [الشورى: ٤٨].
وقد بيّنا أن الله تعالى لا يريد منهم قوالب تأتي راغمة، إنما يريد قلوباً تأتي إليه طواعية واختياراً.
لذلك يقول سبحانه لنبيه: فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا.. [النجم: ٢٩] فأعرض: أمر من الفعل عَرَض عارض، وأعرض مُعرض. والهمزة هنا تُسمّى همزة الإزالة. أي: إزالة العرض، تعرفون المعرض الدولي الذي نعرض فيه المنتجات، فصاحب المنتج عارض يعرضه على الناس، ويُبيِّن لهم مزاياه فهو عارض.
وهكذا كان سيدنا رسول الله يعرض الهدى ومنهج الحق على قومه، ويُبيِّن لهم أهدافه ومزاياه، فلم يكْن منهم إلا الصبر والأذى والإعراض عنه والانصراف.
وظل كذلك إلى أنْ أمره ربه بالإعراض عنهم، فقال له: فَأَعْرِضْ.. [النجم: ٢٩] من أعرض، وهو عكس عرض، وهمزة الإزالة تُحوِّل الفعل إلى ضده، فكما انصرفوا عنك فانصرف عنهم، أعرضوا عنك فأعرض عنهم.
وهمزة الإزالة في أعرض مثل أعجم. نقول: أعجم الكتاب. أي: أزال عُجْمته ومنه معجم، وهو الكتاب الذي يُزيل غموض الألفاظ، كذلك أعرض أي: أزال العرض.
فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا.. [النجم: ٢٩] إذن: هم البادئون بالإعراض عن ذكر الله، أي: عن القرآن وعن المنهج لأنه يُقيِّد حريتهم في الشهوات، المنهج تكليف، وهم لا يريدون تكليفاً، يريدون الانطلاق خلف شهواتهم وملذاتهم دون رقيب.
ولو تأمل هؤلاء المعرضون منهم الله لعرفوا أنه في صالحهم، لأنه مثلاً حين ينهاك عن السرقة وأنت فرد ينهى الناس جميعاً أنْ يسرقوا منك، كفَّ يدك وكفّ أيدي الملايين عنك.
إذن: قبل أنْ تنظر إلى مشقة التكاليف انظر إلى عطائها...
وقوله تعالى: وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا [النجم: ٢٩] أي: هي غايتهم، فلا يعملون إلا لها وقد أقروا بذلك فقالوا: مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ.. [الجاثية: ٢٤] فالآخرة ليست في حساباتهم.
لذلك الحق سبحانه وتعالى يُسفه هذا الرأي ويقول: ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ.. [النجم: ٣٠]
وقد كان سيدنا رسول الله حريصاً كلّ الحرص على هداية قومه، وكان يُحمِّل نفسه في سبيل دعوتهم إلى الحق فوق ما تحتمل، لذلك خاطبه سبحانه بقوله: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف: ٦] وقال له: إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ.. [الشورى: ٤٨].
وقد بيّنا أن الله تعالى لا يريد منهم قوالب تأتي راغمة، إنما يريد قلوباً تأتي إليه طواعية واختياراً.
لذلك يقول سبحانه لنبيه: فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا.. [النجم: ٢٩] فأعرض: أمر من الفعل عَرَض عارض، وأعرض مُعرض. والهمزة هنا تُسمّى همزة الإزالة. أي: إزالة العرض، تعرفون المعرض الدولي الذي نعرض فيه المنتجات، فصاحب المنتج عارض يعرضه على الناس، ويُبيِّن لهم مزاياه فهو عارض.
وهكذا كان سيدنا رسول الله يعرض الهدى ومنهج الحق على قومه، ويُبيِّن لهم أهدافه ومزاياه، فلم يكْن منهم إلا الصبر والأذى والإعراض عنه والانصراف.
وظل كذلك إلى أنْ أمره ربه بالإعراض عنهم، فقال له: فَأَعْرِضْ.. [النجم: ٢٩] من أعرض، وهو عكس عرض، وهمزة الإزالة تُحوِّل الفعل إلى ضده، فكما انصرفوا عنك فانصرف عنهم، أعرضوا عنك فأعرض عنهم.
وهمزة الإزالة في أعرض مثل أعجم. نقول: أعجم الكتاب. أي: أزال عُجْمته ومنه معجم، وهو الكتاب الذي يُزيل غموض الألفاظ، كذلك أعرض أي: أزال العرض.
فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا.. [النجم: ٢٩] إذن: هم البادئون بالإعراض عن ذكر الله، أي: عن القرآن وعن المنهج لأنه يُقيِّد حريتهم في الشهوات، المنهج تكليف، وهم لا يريدون تكليفاً، يريدون الانطلاق خلف شهواتهم وملذاتهم دون رقيب.
ولو تأمل هؤلاء المعرضون منهم الله لعرفوا أنه في صالحهم، لأنه مثلاً حين ينهاك عن السرقة وأنت فرد ينهى الناس جميعاً أنْ يسرقوا منك، كفَّ يدك وكفّ أيدي الملايين عنك.
إذن: قبل أنْ تنظر إلى مشقة التكاليف انظر إلى عطائها...
وقوله تعالى: وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا [النجم: ٢٩] أي: هي غايتهم، فلا يعملون إلا لها وقد أقروا بذلك فقالوا: مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ.. [الجاثية: ٢٤] فالآخرة ليست في حساباتهم.
لذلك الحق سبحانه وتعالى يُسفه هذا الرأي ويقول: ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ.. [النجم: ٣٠]
آية رقم ٣٠
ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ...
أقصى ما وصلوا إليه من العلم الذاتي فقد وقف بهم عند هذا الحد.
والعجيب أنهم أغلقوا آذانهم وصَمُّوا أسماعهم عن الهدى، فلم يأخذوا بعلم الله الذي أنزله عليهم إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ.
نقف أولاً عند أسلوب القصر هُوَ أَعْلَمُ.. حيث قصر العلم على الله وحده، لأن الهداية والضلال أمر في غالبه غيبي لا يطلع عليه إلا عالم السر وأخفى، ثم إن الجميع يدَّعي أنه على الهدى، وأن غيره على الضلال، لذلك اختصَّ الله بهذا العلم نفسه سبحانه.
وقد جاءت هذه الآية إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ بعد قوله تعالى لنبيه: فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا.. [النجم: ٢٩] فهنا تناسب بين الآيتين، لأن الله تعالى سبق علمه بخَلْقه مَنْ يضل ومَنْ يهتدي، مَنْ سيُقبل على الدعوة، ومَنْ سيعرض عنها.
لذلك قال لنبيه أرح نفسك إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ.. [الشورى: ٤٨] والحق سبحانه وتعالى أخبر رسوله بمَنْ سيهتدي وبمَنْ سيظل على ضلاله، فأبو لهب وأبو سفيان وعمرو وخالد بن الوليد كانوا جميعاً في خندق واحد ضد الإسلام، فشاء الله أنْ يؤمن أبو سفيان وخالد وعمرو.
أما أبو لهب فقد ظلَّ على كفره، حتى بعد أنْ نزلت فيه تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ [المسد: ١-٣].
أقصى ما وصلوا إليه من العلم الذاتي فقد وقف بهم عند هذا الحد.
والعجيب أنهم أغلقوا آذانهم وصَمُّوا أسماعهم عن الهدى، فلم يأخذوا بعلم الله الذي أنزله عليهم إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ.
نقف أولاً عند أسلوب القصر هُوَ أَعْلَمُ.. حيث قصر العلم على الله وحده، لأن الهداية والضلال أمر في غالبه غيبي لا يطلع عليه إلا عالم السر وأخفى، ثم إن الجميع يدَّعي أنه على الهدى، وأن غيره على الضلال، لذلك اختصَّ الله بهذا العلم نفسه سبحانه.
وقد جاءت هذه الآية إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ بعد قوله تعالى لنبيه: فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا.. [النجم: ٢٩] فهنا تناسب بين الآيتين، لأن الله تعالى سبق علمه بخَلْقه مَنْ يضل ومَنْ يهتدي، مَنْ سيُقبل على الدعوة، ومَنْ سيعرض عنها.
لذلك قال لنبيه أرح نفسك إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ.. [الشورى: ٤٨] والحق سبحانه وتعالى أخبر رسوله بمَنْ سيهتدي وبمَنْ سيظل على ضلاله، فأبو لهب وأبو سفيان وعمرو وخالد بن الوليد كانوا جميعاً في خندق واحد ضد الإسلام، فشاء الله أنْ يؤمن أبو سفيان وخالد وعمرو.
أما أبو لهب فقد ظلَّ على كفره، حتى بعد أنْ نزلت فيه تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ [المسد: ١-٣].
آية رقم ٣١
هذا أيضاً أسلوب قصر بتقديم الخبر. أي: لله وحده.
وفي آية أخرى قال تعالى: لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ.. [الشورى: ٤٩] فالسماوات والأرض عجيبة في ذاتها، والذي فيها أعجب وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ.. [النجم: ٣١] وقال: وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ.. [النحل: ٧٧].
فهذه مراحل ثلاث في مُلك الله، يملك سبحانه الظرف السماوات والأرض، ويملك المظروف أي: ما في السماوات وما في الأرض وكل منهما عجيب ويملك الأعجب من ذلك، وهو ما خفي عنا في ملكوت السماوات والأرض.
وهذا يعني أنك أيها الإنسان لا تزهد في الاستنباط، فالكون مليء بما تعلمه وما لا تعلمه من الآيات والعجائب، وفيه عطاءات لا تتناهى ولا تنفد، ما دامت السماوات والأرض، فإذا نفدت العجائب والأسرار بنفاد الدنيا جاءت عجائب وأسرار الآخرة.
ثم يُبيِّن سبحانه أن هذه الملك في السماوات والأرض يترتب عليه الجزاء في الآخرة، لأن الملك ملكُ الله، والخَلْق خَلْق الله، والرسل رسل الله، والمنهج منهج الله، فأمامك أيها الإنسان الكون الفسيح وما فيه من آيات كونية تدل على قدرة الخالق سبحانه فاستدل بالخلق على الخالق.
ثم أرسل لك الرسل وأنزل الكتب وشرَّع الشرائع وبيَّن الحلال والحرام، وبيَّن الحدود، وبيَّن الجزاء، فلا بد أنْ ينتهي مُلْك السماوات والأرض إلى الجزاء، والجزاء لا بد وأنْ يكون من جنس العمل لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى [النجم: ٣١].
والآيات ثلاث كما قلنا: آيات كونية تدل على قدرة الله، وآيات معجزات تدل على صدق الرسول في البلاغ عن الله، وآيات الأحكام التي يضمها القرآن الكريم، فمَنْ لم يعتبر بهذه الآيات ولم يحسن استقبالها فقد أساء فيُجزي بإساءته.
ومن أحسن استقبالها يُجزى بإحسانه وكأنه حيا المكلِّف سبحانه وتعالى بالطاعة فيُحييه الله بأحسن منها وَيِجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى [النجم: ٣١] أي: بالأحسن مما قدَّموا، فإذا كنا قد أمرنا في الدنيا بأنْ نرد التحية بأحسن منها، فالله أوْلى بذلك.
وتأمل هنا اللياقة في التعبير والدقة في الأداء، فلم يقُلْ: ليجزي الذين أساءوا بالسوء، ولكن بِمَا عَمِلُواْ.. [النجم: ٣١] فلم يواجههم بكلمة السوء، ولكن وضع أمامهم العمل الذي قدَّموه.
وفي هذا إشارة إلى عدل الله وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [آل عمران: ١١٧]. ثم يقدم جزاء أهل السوء على جزاء أهل الإحسان، ليكون الجزاء بالحسنى هو آخر ما يباشر أسماعنا.
ثم تشرح الآيات وتُفصِّل القول في الذين أحسنوا، ما وجوه الإحسان في أعمالهم.
وفي آية أخرى قال تعالى: لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ.. [الشورى: ٤٩] فالسماوات والأرض عجيبة في ذاتها، والذي فيها أعجب وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ.. [النجم: ٣١] وقال: وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ.. [النحل: ٧٧].
فهذه مراحل ثلاث في مُلك الله، يملك سبحانه الظرف السماوات والأرض، ويملك المظروف أي: ما في السماوات وما في الأرض وكل منهما عجيب ويملك الأعجب من ذلك، وهو ما خفي عنا في ملكوت السماوات والأرض.
وهذا يعني أنك أيها الإنسان لا تزهد في الاستنباط، فالكون مليء بما تعلمه وما لا تعلمه من الآيات والعجائب، وفيه عطاءات لا تتناهى ولا تنفد، ما دامت السماوات والأرض، فإذا نفدت العجائب والأسرار بنفاد الدنيا جاءت عجائب وأسرار الآخرة.
ثم يُبيِّن سبحانه أن هذه الملك في السماوات والأرض يترتب عليه الجزاء في الآخرة، لأن الملك ملكُ الله، والخَلْق خَلْق الله، والرسل رسل الله، والمنهج منهج الله، فأمامك أيها الإنسان الكون الفسيح وما فيه من آيات كونية تدل على قدرة الخالق سبحانه فاستدل بالخلق على الخالق.
ثم أرسل لك الرسل وأنزل الكتب وشرَّع الشرائع وبيَّن الحلال والحرام، وبيَّن الحدود، وبيَّن الجزاء، فلا بد أنْ ينتهي مُلْك السماوات والأرض إلى الجزاء، والجزاء لا بد وأنْ يكون من جنس العمل لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى [النجم: ٣١].
والآيات ثلاث كما قلنا: آيات كونية تدل على قدرة الله، وآيات معجزات تدل على صدق الرسول في البلاغ عن الله، وآيات الأحكام التي يضمها القرآن الكريم، فمَنْ لم يعتبر بهذه الآيات ولم يحسن استقبالها فقد أساء فيُجزي بإساءته.
ومن أحسن استقبالها يُجزى بإحسانه وكأنه حيا المكلِّف سبحانه وتعالى بالطاعة فيُحييه الله بأحسن منها وَيِجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى [النجم: ٣١] أي: بالأحسن مما قدَّموا، فإذا كنا قد أمرنا في الدنيا بأنْ نرد التحية بأحسن منها، فالله أوْلى بذلك.
وتأمل هنا اللياقة في التعبير والدقة في الأداء، فلم يقُلْ: ليجزي الذين أساءوا بالسوء، ولكن بِمَا عَمِلُواْ.. [النجم: ٣١] فلم يواجههم بكلمة السوء، ولكن وضع أمامهم العمل الذي قدَّموه.
وفي هذا إشارة إلى عدل الله وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [آل عمران: ١١٧]. ثم يقدم جزاء أهل السوء على جزاء أهل الإحسان، ليكون الجزاء بالحسنى هو آخر ما يباشر أسماعنا.
ثم تشرح الآيات وتُفصِّل القول في الذين أحسنوا، ما وجوه الإحسان في أعمالهم.
آية رقم ٣٢
فمن صفات الذين أحسنوا أنهم يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ.. أي: يتركون بالكلية الكبائر من الذنوب ولا يقتربون من هذه المنطقة المحرمة إِلاَّ ٱللَّمَمَ.. وهو صغائر الذنوب.
فكأنَّ الله تعالى من رحمته بخلقه تكفّل لنا بالصغائر أنْ يمحوها، وجعل لها ممحاة تزيلها وهي الصلوات الخمس، شريطة أنْ نجتنب الكبائر.
وفي الحديث: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهنَّ إذا اجتُنِبَتْ الكبائر " فمَنْ فعل ذلك وسار على هذا المنهج كانت له الحسنى، وكان من أهل الإحسان.
إذن: الإثم والفواحش هي الذنوب الكبيرة التي توعَّد الله مرتكبيها، والفواحش ما فَحُش من الكبائر وعظم، وقد جعل الله له عقوبة وحَداً.
أما (اللمم) الذي استثناه الله وعفا عنه فهو لمم. يعني: صغائر هيِّنة لا يترتب عليها كبيرُ ضرر، وهذه أيضاً مشروطة بعدم الاجتراء عليها أو المبالغة فيها حتى تصير لك عادة.
وإذا عاملك الله تعالى بهذه المنطق فاستح منه سبحانه أنْ تتجرأ عليه ولو بالصغائر، لأن الصغيرة إذا أضيفت إلى الصغيرة وكان في الأمر مداومة وإصرار صارتْ كبيرة، ثم للعاقل أنْ ينظر في حَقِّ مَنْ هذه الصغيرة، إنها في حق الله، إذن: فاقصر.
فكأنَّ الله تعالى من رحمته بخلقه تكفّل لنا بالصغائر أنْ يمحوها، وجعل لها ممحاة تزيلها وهي الصلوات الخمس، شريطة أنْ نجتنب الكبائر.
وفي الحديث: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهنَّ إذا اجتُنِبَتْ الكبائر " فمَنْ فعل ذلك وسار على هذا المنهج كانت له الحسنى، وكان من أهل الإحسان.
إذن: الإثم والفواحش هي الذنوب الكبيرة التي توعَّد الله مرتكبيها، والفواحش ما فَحُش من الكبائر وعظم، وقد جعل الله له عقوبة وحَداً.
أما (اللمم) الذي استثناه الله وعفا عنه فهو لمم. يعني: صغائر هيِّنة لا يترتب عليها كبيرُ ضرر، وهذه أيضاً مشروطة بعدم الاجتراء عليها أو المبالغة فيها حتى تصير لك عادة.
وإذا عاملك الله تعالى بهذه المنطق فاستح منه سبحانه أنْ تتجرأ عليه ولو بالصغائر، لأن الصغيرة إذا أضيفت إلى الصغيرة وكان في الأمر مداومة وإصرار صارتْ كبيرة، ثم للعاقل أنْ ينظر في حَقِّ مَنْ هذه الصغيرة، إنها في حق الله، إذن: فاقصر.
آية رقم ٣٣
ﯢﯣﯤ
ﯥ
قالوا: نزلت هذه الآيات في الوليد بن المغيرة، حيث كانت بداية علاقته بدعوة الحق أنْ تولَّى عنها وأعرض عن سماع القرآن، ثم حَنّ قلبه وأُعجب بما يقوله رسول الله، فأعطى قليلاً من الأمان لأمر الدعوة واطمأن لها.
ثم تذكر عزته ومكانته بين قومه وخاف أنْ يُقال صبأ عن دين الآباء والأجداد فنكص على عقبيه وتراجع. وقالوا: جاءه رجل وحذَّره من الإيمان بمحمد. وقال له: إن كنت خائفاً من العذاب، فأنا أتحمله عنك مقابل أنْ تعطيني كذا وكذا، فأعطاه ثم تراجع ومنعه.
وقالوا: نزلتْ في النضر بن الحارث أيضاً: جاءه رجل وقال له: إن عذاب الله شديد وأنا أتحمله عنك، وأعطني خمس قلائص أي: خمساً من الجمال لكنه استكثرها، فمنع الرجل هذا العطاء. وقالوا أيضا: نزلت في صفوان.
هذا معنى أَفَرَأَيْتَ.. [النجم: ٣٣] يا محمد ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ [النجم: ٣٣] أي: أعرض عنك وتركك ومضى وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً.. [النجم: ٣٤] من العطاء أو من الأمان.
وَأَكْدَىٰ [النجم: ٣٤] منع عطيته من الكدية يقولون: حفر فلانٌ الحفرة فاستقامتْ له. أي: وجد ما ينتظره منها، وحفر فلان الحفرة فأكدتْ. أي: لم يجد شيئاً، أو وجد حجراً كبيراً منعه من الوصول إلى بُغيته، والحجر هذا يُسمى كدية. ومنه قولنَا: عقبة كأداء. يعني: تمنعك من الوصول إلى هدفك.
أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ [النجم: ٣٥] أطلع على الغيب وعلم الحقيقة أن هذا الرجل سَيَفي في التحمل عنه أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ * وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ [النجم: ٣٦-٣٧] يعني: ألم يعلم هذا المعرض عن دعوة الحق ما جاء في صحف موسى وفي صحف إبراهيم؟
لكن ماذا يعني بما جاء في صحف موسى وإبراهيم؟ يجيب القرآن ويُفصِّل المجمل في الاسم الموصول (بمَا) فيقول سبحانه:
أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ... .
ثم تذكر عزته ومكانته بين قومه وخاف أنْ يُقال صبأ عن دين الآباء والأجداد فنكص على عقبيه وتراجع. وقالوا: جاءه رجل وحذَّره من الإيمان بمحمد. وقال له: إن كنت خائفاً من العذاب، فأنا أتحمله عنك مقابل أنْ تعطيني كذا وكذا، فأعطاه ثم تراجع ومنعه.
وقالوا: نزلتْ في النضر بن الحارث أيضاً: جاءه رجل وقال له: إن عذاب الله شديد وأنا أتحمله عنك، وأعطني خمس قلائص أي: خمساً من الجمال لكنه استكثرها، فمنع الرجل هذا العطاء. وقالوا أيضا: نزلت في صفوان.
هذا معنى أَفَرَأَيْتَ.. [النجم: ٣٣] يا محمد ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ [النجم: ٣٣] أي: أعرض عنك وتركك ومضى وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً.. [النجم: ٣٤] من العطاء أو من الأمان.
وَأَكْدَىٰ [النجم: ٣٤] منع عطيته من الكدية يقولون: حفر فلانٌ الحفرة فاستقامتْ له. أي: وجد ما ينتظره منها، وحفر فلان الحفرة فأكدتْ. أي: لم يجد شيئاً، أو وجد حجراً كبيراً منعه من الوصول إلى بُغيته، والحجر هذا يُسمى كدية. ومنه قولنَا: عقبة كأداء. يعني: تمنعك من الوصول إلى هدفك.
أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ [النجم: ٣٥] أطلع على الغيب وعلم الحقيقة أن هذا الرجل سَيَفي في التحمل عنه أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ * وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ [النجم: ٣٦-٣٧] يعني: ألم يعلم هذا المعرض عن دعوة الحق ما جاء في صحف موسى وفي صحف إبراهيم؟
لكن ماذا يعني بما جاء في صحف موسى وإبراهيم؟ يجيب القرآن ويُفصِّل المجمل في الاسم الموصول (بمَا) فيقول سبحانه:
أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ... .
آية رقم ٣٤
ﯦﯧﯨ
ﯩ
قالوا: نزلت هذه الآيات في الوليد بن المغيرة، حيث كانت بداية علاقته بدعوة الحق أنْ تولَّى عنها وأعرض عن سماع القرآن، ثم حَنّ قلبه وأُعجب بما يقوله رسول الله، فأعطى قليلاً من الأمان لأمر الدعوة واطمأن لها.
ثم تذكر عزته ومكانته بين قومه وخاف أنْ يُقال صبأ عن دين الآباء والأجداد فنكص على عقبيه وتراجع. وقالوا: جاءه رجل وحذَّره من الإيمان بمحمد. وقال له: إن كنت خائفاً من العذاب، فأنا أتحمله عنك مقابل أنْ تعطيني كذا وكذا، فأعطاه ثم تراجع ومنعه.
وقالوا: نزلتْ في النضر بن الحارث أيضاً: جاءه رجل وقال له: إن عذاب الله شديد وأنا أتحمله عنك، وأعطني خمس قلائص أي: خمساً من الجمال لكنه استكثرها، فمنع الرجل هذا العطاء. وقالوا أيضا: نزلت في صفوان.
هذا معنى أَفَرَأَيْتَ.. [النجم: ٣٣] يا محمد ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ [النجم: ٣٣] أي: أعرض عنك وتركك ومضى وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً.. [النجم: ٣٤] من العطاء أو من الأمان.
وَأَكْدَىٰ [النجم: ٣٤] منع عطيته من الكدية يقولون: حفر فلانٌ الحفرة فاستقامتْ له. أي: وجد ما ينتظره منها، وحفر فلان الحفرة فأكدتْ. أي: لم يجد شيئاً، أو وجد حجراً كبيراً منعه من الوصول إلى بُغيته، والحجر هذا يُسمى كدية. ومنه قولنَا: عقبة كأداء. يعني: تمنعك من الوصول إلى هدفك.
أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ [النجم: ٣٥] أطلع على الغيب وعلم الحقيقة أن هذا الرجل سَيَفي في التحمل عنه أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ * وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ [النجم: ٣٦-٣٧] يعني: ألم يعلم هذا المعرض عن دعوة الحق ما جاء في صحف موسى وفي صحف إبراهيم؟
لكن ماذا يعني بما جاء في صحف موسى وإبراهيم؟ يجيب القرآن ويُفصِّل المجمل في الاسم الموصول (بمَا) فيقول سبحانه:
أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ... .
ثم تذكر عزته ومكانته بين قومه وخاف أنْ يُقال صبأ عن دين الآباء والأجداد فنكص على عقبيه وتراجع. وقالوا: جاءه رجل وحذَّره من الإيمان بمحمد. وقال له: إن كنت خائفاً من العذاب، فأنا أتحمله عنك مقابل أنْ تعطيني كذا وكذا، فأعطاه ثم تراجع ومنعه.
وقالوا: نزلتْ في النضر بن الحارث أيضاً: جاءه رجل وقال له: إن عذاب الله شديد وأنا أتحمله عنك، وأعطني خمس قلائص أي: خمساً من الجمال لكنه استكثرها، فمنع الرجل هذا العطاء. وقالوا أيضا: نزلت في صفوان.
هذا معنى أَفَرَأَيْتَ.. [النجم: ٣٣] يا محمد ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ [النجم: ٣٣] أي: أعرض عنك وتركك ومضى وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً.. [النجم: ٣٤] من العطاء أو من الأمان.
وَأَكْدَىٰ [النجم: ٣٤] منع عطيته من الكدية يقولون: حفر فلانٌ الحفرة فاستقامتْ له. أي: وجد ما ينتظره منها، وحفر فلان الحفرة فأكدتْ. أي: لم يجد شيئاً، أو وجد حجراً كبيراً منعه من الوصول إلى بُغيته، والحجر هذا يُسمى كدية. ومنه قولنَا: عقبة كأداء. يعني: تمنعك من الوصول إلى هدفك.
أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ [النجم: ٣٥] أطلع على الغيب وعلم الحقيقة أن هذا الرجل سَيَفي في التحمل عنه أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ * وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ [النجم: ٣٦-٣٧] يعني: ألم يعلم هذا المعرض عن دعوة الحق ما جاء في صحف موسى وفي صحف إبراهيم؟
لكن ماذا يعني بما جاء في صحف موسى وإبراهيم؟ يجيب القرآن ويُفصِّل المجمل في الاسم الموصول (بمَا) فيقول سبحانه:
أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ... .
آية رقم ٣٥
ﯪﯫﯬﯭﯮ
ﯯ
قالوا: نزلت هذه الآيات في الوليد بن المغيرة، حيث كانت بداية علاقته بدعوة الحق أنْ تولَّى عنها وأعرض عن سماع القرآن، ثم حَنّ قلبه وأُعجب بما يقوله رسول الله، فأعطى قليلاً من الأمان لأمر الدعوة واطمأن لها.
ثم تذكر عزته ومكانته بين قومه وخاف أنْ يُقال صبأ عن دين الآباء والأجداد فنكص على عقبيه وتراجع. وقالوا: جاءه رجل وحذَّره من الإيمان بمحمد. وقال له: إن كنت خائفاً من العذاب، فأنا أتحمله عنك مقابل أنْ تعطيني كذا وكذا، فأعطاه ثم تراجع ومنعه.
وقالوا: نزلتْ في النضر بن الحارث أيضاً: جاءه رجل وقال له: إن عذاب الله شديد وأنا أتحمله عنك، وأعطني خمس قلائص أي: خمساً من الجمال لكنه استكثرها، فمنع الرجل هذا العطاء. وقالوا أيضا: نزلت في صفوان.
هذا معنى أَفَرَأَيْتَ.. [النجم: ٣٣] يا محمد ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ [النجم: ٣٣] أي: أعرض عنك وتركك ومضى وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً.. [النجم: ٣٤] من العطاء أو من الأمان.
وَأَكْدَىٰ [النجم: ٣٤] منع عطيته من الكدية يقولون: حفر فلانٌ الحفرة فاستقامتْ له. أي: وجد ما ينتظره منها، وحفر فلان الحفرة فأكدتْ. أي: لم يجد شيئاً، أو وجد حجراً كبيراً منعه من الوصول إلى بُغيته، والحجر هذا يُسمى كدية. ومنه قولنَا: عقبة كأداء. يعني: تمنعك من الوصول إلى هدفك.
أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ [النجم: ٣٥] أطلع على الغيب وعلم الحقيقة أن هذا الرجل سَيَفي في التحمل عنه أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ * وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ [النجم: ٣٦-٣٧] يعني: ألم يعلم هذا المعرض عن دعوة الحق ما جاء في صحف موسى وفي صحف إبراهيم؟
لكن ماذا يعني بما جاء في صحف موسى وإبراهيم؟ يجيب القرآن ويُفصِّل المجمل في الاسم الموصول (بمَا) فيقول سبحانه:
أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ... .
ثم تذكر عزته ومكانته بين قومه وخاف أنْ يُقال صبأ عن دين الآباء والأجداد فنكص على عقبيه وتراجع. وقالوا: جاءه رجل وحذَّره من الإيمان بمحمد. وقال له: إن كنت خائفاً من العذاب، فأنا أتحمله عنك مقابل أنْ تعطيني كذا وكذا، فأعطاه ثم تراجع ومنعه.
وقالوا: نزلتْ في النضر بن الحارث أيضاً: جاءه رجل وقال له: إن عذاب الله شديد وأنا أتحمله عنك، وأعطني خمس قلائص أي: خمساً من الجمال لكنه استكثرها، فمنع الرجل هذا العطاء. وقالوا أيضا: نزلت في صفوان.
هذا معنى أَفَرَأَيْتَ.. [النجم: ٣٣] يا محمد ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ [النجم: ٣٣] أي: أعرض عنك وتركك ومضى وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً.. [النجم: ٣٤] من العطاء أو من الأمان.
وَأَكْدَىٰ [النجم: ٣٤] منع عطيته من الكدية يقولون: حفر فلانٌ الحفرة فاستقامتْ له. أي: وجد ما ينتظره منها، وحفر فلان الحفرة فأكدتْ. أي: لم يجد شيئاً، أو وجد حجراً كبيراً منعه من الوصول إلى بُغيته، والحجر هذا يُسمى كدية. ومنه قولنَا: عقبة كأداء. يعني: تمنعك من الوصول إلى هدفك.
أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ [النجم: ٣٥] أطلع على الغيب وعلم الحقيقة أن هذا الرجل سَيَفي في التحمل عنه أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ * وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ [النجم: ٣٦-٣٧] يعني: ألم يعلم هذا المعرض عن دعوة الحق ما جاء في صحف موسى وفي صحف إبراهيم؟
لكن ماذا يعني بما جاء في صحف موسى وإبراهيم؟ يجيب القرآن ويُفصِّل المجمل في الاسم الموصول (بمَا) فيقول سبحانه:
أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ... .
آية رقم ٣٦
قالوا: نزلت هذه الآيات في الوليد بن المغيرة، حيث كانت بداية علاقته بدعوة الحق أنْ تولَّى عنها وأعرض عن سماع القرآن، ثم حَنّ قلبه وأُعجب بما يقوله رسول الله، فأعطى قليلاً من الأمان لأمر الدعوة واطمأن لها.
ثم تذكر عزته ومكانته بين قومه وخاف أنْ يُقال صبأ عن دين الآباء والأجداد فنكص على عقبيه وتراجع. وقالوا: جاءه رجل وحذَّره من الإيمان بمحمد. وقال له: إن كنت خائفاً من العذاب، فأنا أتحمله عنك مقابل أنْ تعطيني كذا وكذا، فأعطاه ثم تراجع ومنعه.
وقالوا: نزلتْ في النضر بن الحارث أيضاً: جاءه رجل وقال له: إن عذاب الله شديد وأنا أتحمله عنك، وأعطني خمس قلائص أي: خمساً من الجمال لكنه استكثرها، فمنع الرجل هذا العطاء. وقالوا أيضا: نزلت في صفوان.
هذا معنى أَفَرَأَيْتَ.. [النجم: ٣٣] يا محمد ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ [النجم: ٣٣] أي: أعرض عنك وتركك ومضى وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً.. [النجم: ٣٤] من العطاء أو من الأمان.
وَأَكْدَىٰ [النجم: ٣٤] منع عطيته من الكدية يقولون: حفر فلانٌ الحفرة فاستقامتْ له. أي: وجد ما ينتظره منها، وحفر فلان الحفرة فأكدتْ. أي: لم يجد شيئاً، أو وجد حجراً كبيراً منعه من الوصول إلى بُغيته، والحجر هذا يُسمى كدية. ومنه قولنَا: عقبة كأداء. يعني: تمنعك من الوصول إلى هدفك.
أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ [النجم: ٣٥] أطلع على الغيب وعلم الحقيقة أن هذا الرجل سَيَفي في التحمل عنه أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ * وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ [النجم: ٣٦-٣٧] يعني: ألم يعلم هذا المعرض عن دعوة الحق ما جاء في صحف موسى وفي صحف إبراهيم؟
لكن ماذا يعني بما جاء في صحف موسى وإبراهيم؟ يجيب القرآن ويُفصِّل المجمل في الاسم الموصول (بمَا) فيقول سبحانه:
أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ... .
ثم تذكر عزته ومكانته بين قومه وخاف أنْ يُقال صبأ عن دين الآباء والأجداد فنكص على عقبيه وتراجع. وقالوا: جاءه رجل وحذَّره من الإيمان بمحمد. وقال له: إن كنت خائفاً من العذاب، فأنا أتحمله عنك مقابل أنْ تعطيني كذا وكذا، فأعطاه ثم تراجع ومنعه.
وقالوا: نزلتْ في النضر بن الحارث أيضاً: جاءه رجل وقال له: إن عذاب الله شديد وأنا أتحمله عنك، وأعطني خمس قلائص أي: خمساً من الجمال لكنه استكثرها، فمنع الرجل هذا العطاء. وقالوا أيضا: نزلت في صفوان.
هذا معنى أَفَرَأَيْتَ.. [النجم: ٣٣] يا محمد ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ [النجم: ٣٣] أي: أعرض عنك وتركك ومضى وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً.. [النجم: ٣٤] من العطاء أو من الأمان.
وَأَكْدَىٰ [النجم: ٣٤] منع عطيته من الكدية يقولون: حفر فلانٌ الحفرة فاستقامتْ له. أي: وجد ما ينتظره منها، وحفر فلان الحفرة فأكدتْ. أي: لم يجد شيئاً، أو وجد حجراً كبيراً منعه من الوصول إلى بُغيته، والحجر هذا يُسمى كدية. ومنه قولنَا: عقبة كأداء. يعني: تمنعك من الوصول إلى هدفك.
أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ [النجم: ٣٥] أطلع على الغيب وعلم الحقيقة أن هذا الرجل سَيَفي في التحمل عنه أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ * وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ [النجم: ٣٦-٣٧] يعني: ألم يعلم هذا المعرض عن دعوة الحق ما جاء في صحف موسى وفي صحف إبراهيم؟
لكن ماذا يعني بما جاء في صحف موسى وإبراهيم؟ يجيب القرآن ويُفصِّل المجمل في الاسم الموصول (بمَا) فيقول سبحانه:
أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ... .
آية رقم ٣٧
ﯸﯹﯺ
ﯻ
قالوا: نزلت هذه الآيات في الوليد بن المغيرة، حيث كانت بداية علاقته بدعوة الحق أنْ تولَّى عنها وأعرض عن سماع القرآن، ثم حَنّ قلبه وأُعجب بما يقوله رسول الله، فأعطى قليلاً من الأمان لأمر الدعوة واطمأن لها.
ثم تذكر عزته ومكانته بين قومه وخاف أنْ يُقال صبأ عن دين الآباء والأجداد فنكص على عقبيه وتراجع. وقالوا: جاءه رجل وحذَّره من الإيمان بمحمد. وقال له: إن كنت خائفاً من العذاب، فأنا أتحمله عنك مقابل أنْ تعطيني كذا وكذا، فأعطاه ثم تراجع ومنعه.
وقالوا: نزلتْ في النضر بن الحارث أيضاً: جاءه رجل وقال له: إن عذاب الله شديد وأنا أتحمله عنك، وأعطني خمس قلائص أي: خمساً من الجمال لكنه استكثرها، فمنع الرجل هذا العطاء. وقالوا أيضا: نزلت في صفوان.
هذا معنى أَفَرَأَيْتَ.. [النجم: ٣٣] يا محمد ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ [النجم: ٣٣] أي: أعرض عنك وتركك ومضى وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً.. [النجم: ٣٤] من العطاء أو من الأمان.
وَأَكْدَىٰ [النجم: ٣٤] منع عطيته من الكدية يقولون: حفر فلانٌ الحفرة فاستقامتْ له. أي: وجد ما ينتظره منها، وحفر فلان الحفرة فأكدتْ. أي: لم يجد شيئاً، أو وجد حجراً كبيراً منعه من الوصول إلى بُغيته، والحجر هذا يُسمى كدية. ومنه قولنَا: عقبة كأداء. يعني: تمنعك من الوصول إلى هدفك.
أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ [النجم: ٣٥] أطلع على الغيب وعلم الحقيقة أن هذا الرجل سَيَفي في التحمل عنه أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ * وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ [النجم: ٣٦-٣٧] يعني: ألم يعلم هذا المعرض عن دعوة الحق ما جاء في صحف موسى وفي صحف إبراهيم؟
لكن ماذا يعني بما جاء في صحف موسى وإبراهيم؟ يجيب القرآن ويُفصِّل المجمل في الاسم الموصول (بمَا) فيقول سبحانه:
أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ... .
ثم تذكر عزته ومكانته بين قومه وخاف أنْ يُقال صبأ عن دين الآباء والأجداد فنكص على عقبيه وتراجع. وقالوا: جاءه رجل وحذَّره من الإيمان بمحمد. وقال له: إن كنت خائفاً من العذاب، فأنا أتحمله عنك مقابل أنْ تعطيني كذا وكذا، فأعطاه ثم تراجع ومنعه.
وقالوا: نزلتْ في النضر بن الحارث أيضاً: جاءه رجل وقال له: إن عذاب الله شديد وأنا أتحمله عنك، وأعطني خمس قلائص أي: خمساً من الجمال لكنه استكثرها، فمنع الرجل هذا العطاء. وقالوا أيضا: نزلت في صفوان.
هذا معنى أَفَرَأَيْتَ.. [النجم: ٣٣] يا محمد ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ [النجم: ٣٣] أي: أعرض عنك وتركك ومضى وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً.. [النجم: ٣٤] من العطاء أو من الأمان.
وَأَكْدَىٰ [النجم: ٣٤] منع عطيته من الكدية يقولون: حفر فلانٌ الحفرة فاستقامتْ له. أي: وجد ما ينتظره منها، وحفر فلان الحفرة فأكدتْ. أي: لم يجد شيئاً، أو وجد حجراً كبيراً منعه من الوصول إلى بُغيته، والحجر هذا يُسمى كدية. ومنه قولنَا: عقبة كأداء. يعني: تمنعك من الوصول إلى هدفك.
أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ [النجم: ٣٥] أطلع على الغيب وعلم الحقيقة أن هذا الرجل سَيَفي في التحمل عنه أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ * وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ [النجم: ٣٦-٣٧] يعني: ألم يعلم هذا المعرض عن دعوة الحق ما جاء في صحف موسى وفي صحف إبراهيم؟
لكن ماذا يعني بما جاء في صحف موسى وإبراهيم؟ يجيب القرآن ويُفصِّل المجمل في الاسم الموصول (بمَا) فيقول سبحانه:
أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ... .
آية رقم ٣٨
ﯼﯽﯾﯿﰀ
ﰁ
هذا الذي ورد في صحف موسى وفي صحف إبراهيم أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ [النجم: ٣٨] لا تحمل نفسٌ ذنب نفس أخرى، فإياك أنْ تظن أن أحداً يتحمل عنك وزرك، ويقع عليه العذاب بدلاً عنك، لأن الحساب في الآخرة بالقسط وبالعدل.
وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ [النجم: ٣٩] ليس له إلا عمله، إنْ خيراً فخير، وإنْ شراً فشرّ، وهذا يقطع الأمل في الانتفاع بعمل الغير، كما قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر: ٣٨] فأنت لا تنتفع إلا بعملك وسعيك فاجتهد.
وفي آخر سورة الأعلى، قال سبحانه: إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ [الأعلى: ١٨-١٩] لكن لما كان المقام هنا مقام الحديث عن الوفاء فيمن قال له: أتحمل عنك ذنوبك، ذكر سبحانه صفة الوفاء في سيدنا إبراهيم، فقال وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ [النجم: ٣٧].
لذلك قال تعالى في سيدنا إبراهيم: وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ.. [البقرة: ١٢٤] نعم أتم سيدنا إبراهيم ما أمره الله به غاية التمام، ونجح في الامتحان بامتياز مع مرتبة الشرف، وهذا واضح من قصة بناء البيت، وقصة ذبح ولده إسماعيل عليهما السلام.
فلما أتمَّ ما أمر به قال الله له: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً.. [البقرة: ١٢٤] فكانت المكافأة على قدْر الإتمام، وعلى قدْر صدق الأداء.
وقف بعض المستشرقين عند هذه الآية أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ [النجم: ٣٨] وقالوا: كيف نجمع بينها وبين قوله تعالى: لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ [النحل: ٢٥] فأيّهما أصح؟
نقول: كلاهما صحيح، لأن لكل منهما معنى، فالأولى تتحدث عن الذنب وعن الشر يرتكبه الإنسان بنفسه في ذاته، فهو يحمل عقوبة ذلك، لا يحمله عنه أحد.
أما الآية الأخرى فتتحدث عن الإنسان الذي يُضل غيره، ضَلَّ في نفسه وعدَّى ضلاله إلى الغير، فيتحمل وِزْره ووزر مَنْ أضلَّه بغير علم.
وقد اختلف العلماء حول قوله تعالى: وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ [النجم: ٣٩] فقال بعضهم: المعنى أن الإنسان ليس له إلا ما قدّم، ولا ينتفع أحد بعمل أحد. وقال آخرون: بل ينتفع الإنسان بعمل غيره، وفي تاريخنا وسُنّة سيدنا رسول الله ما يؤيد ذلك.
ونحن نُرجِّح القول الثاني، لأن السعي هو مطلق الحركة لغاية، وهذه الحركة قد تكون بالشر كالذي يسعى في الأرض فساداً وظلماً، وقد تكون بالخير كالذي يسعى لإصلاح الكون وصلاحه.
والسعي يختلف باختلاف قوة الساعي، ومدى إيمانه بقضايا دينه ووطنه، فواحد يسعى لنفسه ولا يرى إلا ذاته، وآخر يسعى لأسرته، وآخر يسعى لبلده، وآخر يسعى لإسعاد العلم كله، نعم:
عَلَى قَدرِ العَزْمِ تَأتِي العَزَائِمُ وَتَأْتِي عَلَى قَدْرِ الكِرَامِ المكَارِمُ
لذلك قالوا: للرجال أوطان تختلف باختلاف هممهم، فرجل وطنه نفسه، ورجل وطنه أسرته، ورجل وطنه بلدته، ورجل وطنه العالم كله، وهذه من فلسفة الإيمان الذي يحثّ المؤمن على أنْ يُعدي خيره للناس جميعاً حتى الكافر منهم.
وبهذه الفلسفة، وبهذا المعنى ينفع الرجل غيره، والأدلة على هذا الرأي كثيرة، فسيدنا رسول الله ألم يُبعث للعالم كله، ألم تشمل رحمته المؤمن والكافر؟ ألم يقل الله في حقه: وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧].
ومن رحمته بأهل الموقف في الآخرة أنْ يشفع لهم في أنْ يُعجِّل لهم الحساب، لأنهم في موقف يتمنون فيه الانصراف ولو إلى النار. ومن شفاعته صلى الله عليه وسلم أنْ يشفع في أهل التوحيد الذين دخلوا النار أنْ يخرجوا منها، أليس هذا انتفاعاً بعمل الغير؟
ثم ألم يأمرنا الشرع بالصلاة على الميت؟ ولو كانت الصلاة على الميت لا تنفعه لكانت عبثاً، بدليل أننا ندعو له فيها، وهذا انتفاع، لكن المعارضين لهذا الرأي يقولون: وهل نصلي على كل ميت؟ نحن نصلي على الميت المسلم، فالمنفعة تأتي من كونه مسلماً، فإسلامه هو الذي ينفعه.
قلنا لهم: خذوا دليلاً آخر في قوله سبحانه: وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ.. [الطور: ٢١] ألم ينتفع الأبناء بصلاح الآباء؟
قالوا: انتفعوا بصلاحهم لأنهم تحملوا مشقة هذا الصلاح في الدنيا، فعوَّضهم الله ما حُرِموا منه في الآخرة، بمعنى أن الإنسان المستقيم الذي يتحرى الحلال في مأكله ومشربه لا شكّ يضيق على أولاده، على خلاف الذي يرتع في الدنيا طولاً وعرضاً، ولا يلقي بالاً لمسألة الحلال والحرام؛ فأولاده يكونون أحسنَ حالاً في المأكل والمشرب والملبس، وهكذا، إذن ما يجده أبناؤه الصالحون من نعيم الآخرة، جاء عوضاً عمّا تحمّلوه في الدنيا.
أيضا يُروَى، أليس هذا انتفاعاً بعمل الغير؟
وسيدنا رسول الله لما امتنع عن الصلاة على الميت المدين كان امتناعه لمنفعة الميت، وقد انتفع بهذا الامتناع بالفعل، رسول الله امتنع عن الصلاة عليه، لأنه قال في الحثِّ على قضاء الدَّيْن: ويبدو أن هذا الميت مات وعليه دين لا يستطيع قضاءه، فأراد رسول الله أنْ يحرك مشاعر الخير في نفوس الصحابة ليبادروا بسداد دين صاحبهم، وبالفعل لما قال عليه الصلاة والسلام: ، أليس هذا انتفاعاً بعمل الغير؟
ولكي ننهي هذا الخلاف ونحلُّ هذا الإشكال نقول: لو تأملنا الآية: وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ [النجم: ٣٩] سنجد فيها ما يؤيد رأينا، فاللام هنا كما يقول أهل اللغة للملك، كما تقول: ليس لزيد عندي إلا عشرة. هذا هو الحق.
إذن: الله تعالى ذكر العدل ولم يذكر الفضل، فأنت حين تدخل مطعماً مثلاً لتتناول الغداء وعند الانصراف تقول للعامل: كم الحساب؟ يقول: كذا وكذا. تقول له (خُذْ وخلي الباقي علشانك).
هذا بين الناس في أمور الدنيا الهيِّنة، فما بالك بأمور الدين والشرع؟ وإنْ كان هذا عطاؤك فكيف بعطاء الله؟
وقوله تعالى: وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ [النجم: ٤٠] فهذا السعي لا يُترك هكذا دون تعقيب عليه، بل سيُراقب وسيُرى، كما قال تعالى: وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ.. [التوبة: ١٠٥].
وكلمة (سوف) تدل على المستقبل، فسعيك لن يذهب هباءً بل عملك في الدنيا سيراه الله ويراه رسول الله ويراه المؤمنون. أى: في الآخرة وسوف تنال عليه الجزاء المناسب، ليس الجزاء بالعدل، إنما الجزاء بالفضل.
ثُمَّ يُجْزَاهُ ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ [النجم: ٤١] تأمل، لم يقل: الجزاء العادل، بل الجزاء بالزيادة والفضل والحوافز ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ [النجم: ٤١] والأوفى من صيغ التفضيل التي تدل على الزيادة.
وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ [النجم: ٣٩] ليس له إلا عمله، إنْ خيراً فخير، وإنْ شراً فشرّ، وهذا يقطع الأمل في الانتفاع بعمل الغير، كما قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر: ٣٨] فأنت لا تنتفع إلا بعملك وسعيك فاجتهد.
وفي آخر سورة الأعلى، قال سبحانه: إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ [الأعلى: ١٨-١٩] لكن لما كان المقام هنا مقام الحديث عن الوفاء فيمن قال له: أتحمل عنك ذنوبك، ذكر سبحانه صفة الوفاء في سيدنا إبراهيم، فقال وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ [النجم: ٣٧].
لذلك قال تعالى في سيدنا إبراهيم: وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ.. [البقرة: ١٢٤] نعم أتم سيدنا إبراهيم ما أمره الله به غاية التمام، ونجح في الامتحان بامتياز مع مرتبة الشرف، وهذا واضح من قصة بناء البيت، وقصة ذبح ولده إسماعيل عليهما السلام.
فلما أتمَّ ما أمر به قال الله له: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً.. [البقرة: ١٢٤] فكانت المكافأة على قدْر الإتمام، وعلى قدْر صدق الأداء.
وقف بعض المستشرقين عند هذه الآية أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ [النجم: ٣٨] وقالوا: كيف نجمع بينها وبين قوله تعالى: لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ [النحل: ٢٥] فأيّهما أصح؟
نقول: كلاهما صحيح، لأن لكل منهما معنى، فالأولى تتحدث عن الذنب وعن الشر يرتكبه الإنسان بنفسه في ذاته، فهو يحمل عقوبة ذلك، لا يحمله عنه أحد.
أما الآية الأخرى فتتحدث عن الإنسان الذي يُضل غيره، ضَلَّ في نفسه وعدَّى ضلاله إلى الغير، فيتحمل وِزْره ووزر مَنْ أضلَّه بغير علم.
وقد اختلف العلماء حول قوله تعالى: وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ [النجم: ٣٩] فقال بعضهم: المعنى أن الإنسان ليس له إلا ما قدّم، ولا ينتفع أحد بعمل أحد. وقال آخرون: بل ينتفع الإنسان بعمل غيره، وفي تاريخنا وسُنّة سيدنا رسول الله ما يؤيد ذلك.
ونحن نُرجِّح القول الثاني، لأن السعي هو مطلق الحركة لغاية، وهذه الحركة قد تكون بالشر كالذي يسعى في الأرض فساداً وظلماً، وقد تكون بالخير كالذي يسعى لإصلاح الكون وصلاحه.
والسعي يختلف باختلاف قوة الساعي، ومدى إيمانه بقضايا دينه ووطنه، فواحد يسعى لنفسه ولا يرى إلا ذاته، وآخر يسعى لأسرته، وآخر يسعى لبلده، وآخر يسعى لإسعاد العلم كله، نعم:
عَلَى قَدرِ العَزْمِ تَأتِي العَزَائِمُ وَتَأْتِي عَلَى قَدْرِ الكِرَامِ المكَارِمُ
لذلك قالوا: للرجال أوطان تختلف باختلاف هممهم، فرجل وطنه نفسه، ورجل وطنه أسرته، ورجل وطنه بلدته، ورجل وطنه العالم كله، وهذه من فلسفة الإيمان الذي يحثّ المؤمن على أنْ يُعدي خيره للناس جميعاً حتى الكافر منهم.
وبهذه الفلسفة، وبهذا المعنى ينفع الرجل غيره، والأدلة على هذا الرأي كثيرة، فسيدنا رسول الله ألم يُبعث للعالم كله، ألم تشمل رحمته المؤمن والكافر؟ ألم يقل الله في حقه: وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧].
ومن رحمته بأهل الموقف في الآخرة أنْ يشفع لهم في أنْ يُعجِّل لهم الحساب، لأنهم في موقف يتمنون فيه الانصراف ولو إلى النار. ومن شفاعته صلى الله عليه وسلم أنْ يشفع في أهل التوحيد الذين دخلوا النار أنْ يخرجوا منها، أليس هذا انتفاعاً بعمل الغير؟
ثم ألم يأمرنا الشرع بالصلاة على الميت؟ ولو كانت الصلاة على الميت لا تنفعه لكانت عبثاً، بدليل أننا ندعو له فيها، وهذا انتفاع، لكن المعارضين لهذا الرأي يقولون: وهل نصلي على كل ميت؟ نحن نصلي على الميت المسلم، فالمنفعة تأتي من كونه مسلماً، فإسلامه هو الذي ينفعه.
قلنا لهم: خذوا دليلاً آخر في قوله سبحانه: وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ.. [الطور: ٢١] ألم ينتفع الأبناء بصلاح الآباء؟
قالوا: انتفعوا بصلاحهم لأنهم تحملوا مشقة هذا الصلاح في الدنيا، فعوَّضهم الله ما حُرِموا منه في الآخرة، بمعنى أن الإنسان المستقيم الذي يتحرى الحلال في مأكله ومشربه لا شكّ يضيق على أولاده، على خلاف الذي يرتع في الدنيا طولاً وعرضاً، ولا يلقي بالاً لمسألة الحلال والحرام؛ فأولاده يكونون أحسنَ حالاً في المأكل والمشرب والملبس، وهكذا، إذن ما يجده أبناؤه الصالحون من نعيم الآخرة، جاء عوضاً عمّا تحمّلوه في الدنيا.
أيضا يُروَى، أليس هذا انتفاعاً بعمل الغير؟
وسيدنا رسول الله لما امتنع عن الصلاة على الميت المدين كان امتناعه لمنفعة الميت، وقد انتفع بهذا الامتناع بالفعل، رسول الله امتنع عن الصلاة عليه، لأنه قال في الحثِّ على قضاء الدَّيْن: ويبدو أن هذا الميت مات وعليه دين لا يستطيع قضاءه، فأراد رسول الله أنْ يحرك مشاعر الخير في نفوس الصحابة ليبادروا بسداد دين صاحبهم، وبالفعل لما قال عليه الصلاة والسلام: ، أليس هذا انتفاعاً بعمل الغير؟
ولكي ننهي هذا الخلاف ونحلُّ هذا الإشكال نقول: لو تأملنا الآية: وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ [النجم: ٣٩] سنجد فيها ما يؤيد رأينا، فاللام هنا كما يقول أهل اللغة للملك، كما تقول: ليس لزيد عندي إلا عشرة. هذا هو الحق.
إذن: الله تعالى ذكر العدل ولم يذكر الفضل، فأنت حين تدخل مطعماً مثلاً لتتناول الغداء وعند الانصراف تقول للعامل: كم الحساب؟ يقول: كذا وكذا. تقول له (خُذْ وخلي الباقي علشانك).
هذا بين الناس في أمور الدنيا الهيِّنة، فما بالك بأمور الدين والشرع؟ وإنْ كان هذا عطاؤك فكيف بعطاء الله؟
وقوله تعالى: وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ [النجم: ٤٠] فهذا السعي لا يُترك هكذا دون تعقيب عليه، بل سيُراقب وسيُرى، كما قال تعالى: وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ.. [التوبة: ١٠٥].
وكلمة (سوف) تدل على المستقبل، فسعيك لن يذهب هباءً بل عملك في الدنيا سيراه الله ويراه رسول الله ويراه المؤمنون. أى: في الآخرة وسوف تنال عليه الجزاء المناسب، ليس الجزاء بالعدل، إنما الجزاء بالفضل.
ثُمَّ يُجْزَاهُ ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ [النجم: ٤١] تأمل، لم يقل: الجزاء العادل، بل الجزاء بالزيادة والفضل والحوافز ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ [النجم: ٤١] والأوفى من صيغ التفضيل التي تدل على الزيادة.
آية رقم ٣٩
ﰂﰃﰄﰅﰆﰇ
ﰈ
هذا الذي ورد في صحف موسى وفي صحف إبراهيم أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ [النجم: ٣٨] لا تحمل نفسٌ ذنب نفس أخرى، فإياك أنْ تظن أن أحداً يتحمل عنك وزرك، ويقع عليه العذاب بدلاً عنك، لأن الحساب في الآخرة بالقسط وبالعدل.
وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ [النجم: ٣٩] ليس له إلا عمله، إنْ خيراً فخير، وإنْ شراً فشرّ، وهذا يقطع الأمل في الانتفاع بعمل الغير، كما قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر: ٣٨] فأنت لا تنتفع إلا بعملك وسعيك فاجتهد.
وفي آخر سورة الأعلى، قال سبحانه: إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ [الأعلى: ١٨-١٩] لكن لما كان المقام هنا مقام الحديث عن الوفاء فيمن قال له: أتحمل عنك ذنوبك، ذكر سبحانه صفة الوفاء في سيدنا إبراهيم، فقال وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ [النجم: ٣٧].
لذلك قال تعالى في سيدنا إبراهيم: وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ.. [البقرة: ١٢٤] نعم أتم سيدنا إبراهيم ما أمره الله به غاية التمام، ونجح في الامتحان بامتياز مع مرتبة الشرف، وهذا واضح من قصة بناء البيت، وقصة ذبح ولده إسماعيل عليهما السلام.
فلما أتمَّ ما أمر به قال الله له: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً.. [البقرة: ١٢٤] فكانت المكافأة على قدْر الإتمام، وعلى قدْر صدق الأداء.
وقف بعض المستشرقين عند هذه الآية أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ [النجم: ٣٨] وقالوا: كيف نجمع بينها وبين قوله تعالى: لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ [النحل: ٢٥] فأيّهما أصح؟
نقول: كلاهما صحيح، لأن لكل منهما معنى، فالأولى تتحدث عن الذنب وعن الشر يرتكبه الإنسان بنفسه في ذاته، فهو يحمل عقوبة ذلك، لا يحمله عنه أحد.
أما الآية الأخرى فتتحدث عن الإنسان الذي يُضل غيره، ضَلَّ في نفسه وعدَّى ضلاله إلى الغير، فيتحمل وِزْره ووزر مَنْ أضلَّه بغير علم.
وقد اختلف العلماء حول قوله تعالى: وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ [النجم: ٣٩] فقال بعضهم: المعنى أن الإنسان ليس له إلا ما قدّم، ولا ينتفع أحد بعمل أحد. وقال آخرون: بل ينتفع الإنسان بعمل غيره، وفي تاريخنا وسُنّة سيدنا رسول الله ما يؤيد ذلك.
ونحن نُرجِّح القول الثاني، لأن السعي هو مطلق الحركة لغاية، وهذه الحركة قد تكون بالشر كالذي يسعى في الأرض فساداً وظلماً، وقد تكون بالخير كالذي يسعى لإصلاح الكون وصلاحه.
والسعي يختلف باختلاف قوة الساعي، ومدى إيمانه بقضايا دينه ووطنه، فواحد يسعى لنفسه ولا يرى إلا ذاته، وآخر يسعى لأسرته، وآخر يسعى لبلده، وآخر يسعى لإسعاد العلم كله، نعم:
عَلَى قَدرِ العَزْمِ تَأتِي العَزَائِمُ وَتَأْتِي عَلَى قَدْرِ الكِرَامِ المكَارِمُ
لذلك قالوا: للرجال أوطان تختلف باختلاف هممهم، فرجل وطنه نفسه، ورجل وطنه أسرته، ورجل وطنه بلدته، ورجل وطنه العالم كله، وهذه من فلسفة الإيمان الذي يحثّ المؤمن على أنْ يُعدي خيره للناس جميعاً حتى الكافر منهم.
وبهذه الفلسفة، وبهذا المعنى ينفع الرجل غيره، والأدلة على هذا الرأي كثيرة، فسيدنا رسول الله ألم يُبعث للعالم كله، ألم تشمل رحمته المؤمن والكافر؟ ألم يقل الله في حقه: وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧].
ومن رحمته بأهل الموقف في الآخرة أنْ يشفع لهم في أنْ يُعجِّل لهم الحساب، لأنهم في موقف يتمنون فيه الانصراف ولو إلى النار. ومن شفاعته صلى الله عليه وسلم أنْ يشفع في أهل التوحيد الذين دخلوا النار أنْ يخرجوا منها، أليس هذا انتفاعاً بعمل الغير؟
ثم ألم يأمرنا الشرع بالصلاة على الميت؟ ولو كانت الصلاة على الميت لا تنفعه لكانت عبثاً، بدليل أننا ندعو له فيها، وهذا انتفاع، لكن المعارضين لهذا الرأي يقولون: وهل نصلي على كل ميت؟ نحن نصلي على الميت المسلم، فالمنفعة تأتي من كونه مسلماً، فإسلامه هو الذي ينفعه.
قلنا لهم: خذوا دليلاً آخر في قوله سبحانه: وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ.. [الطور: ٢١] ألم ينتفع الأبناء بصلاح الآباء؟
قالوا: انتفعوا بصلاحهم لأنهم تحملوا مشقة هذا الصلاح في الدنيا، فعوَّضهم الله ما حُرِموا منه في الآخرة، بمعنى أن الإنسان المستقيم الذي يتحرى الحلال في مأكله ومشربه لا شكّ يضيق على أولاده، على خلاف الذي يرتع في الدنيا طولاً وعرضاً، ولا يلقي بالاً لمسألة الحلال والحرام؛ فأولاده يكونون أحسنَ حالاً في المأكل والمشرب والملبس، وهكذا، إذن ما يجده أبناؤه الصالحون من نعيم الآخرة، جاء عوضاً عمّا تحمّلوه في الدنيا.
أيضا يُروَى، أليس هذا انتفاعاً بعمل الغير؟
وسيدنا رسول الله لما امتنع عن الصلاة على الميت المدين كان امتناعه لمنفعة الميت، وقد انتفع بهذا الامتناع بالفعل، رسول الله امتنع عن الصلاة عليه، لأنه قال في الحثِّ على قضاء الدَّيْن: ويبدو أن هذا الميت مات وعليه دين لا يستطيع قضاءه، فأراد رسول الله أنْ يحرك مشاعر الخير في نفوس الصحابة ليبادروا بسداد دين صاحبهم، وبالفعل لما قال عليه الصلاة والسلام: ، أليس هذا انتفاعاً بعمل الغير؟
ولكي ننهي هذا الخلاف ونحلُّ هذا الإشكال نقول: لو تأملنا الآية: وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ [النجم: ٣٩] سنجد فيها ما يؤيد رأينا، فاللام هنا كما يقول أهل اللغة للملك، كما تقول: ليس لزيد عندي إلا عشرة. هذا هو الحق.
إذن: الله تعالى ذكر العدل ولم يذكر الفضل، فأنت حين تدخل مطعماً مثلاً لتتناول الغداء وعند الانصراف تقول للعامل: كم الحساب؟ يقول: كذا وكذا. تقول له (خُذْ وخلي الباقي علشانك).
هذا بين الناس في أمور الدنيا الهيِّنة، فما بالك بأمور الدين والشرع؟ وإنْ كان هذا عطاؤك فكيف بعطاء الله؟
وقوله تعالى: وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ [النجم: ٤٠] فهذا السعي لا يُترك هكذا دون تعقيب عليه، بل سيُراقب وسيُرى، كما قال تعالى: وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ.. [التوبة: ١٠٥].
وكلمة (سوف) تدل على المستقبل، فسعيك لن يذهب هباءً بل عملك في الدنيا سيراه الله ويراه رسول الله ويراه المؤمنون. أى: في الآخرة وسوف تنال عليه الجزاء المناسب، ليس الجزاء بالعدل، إنما الجزاء بالفضل.
ثُمَّ يُجْزَاهُ ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ [النجم: ٤١] تأمل، لم يقل: الجزاء العادل، بل الجزاء بالزيادة والفضل والحوافز ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ [النجم: ٤١] والأوفى من صيغ التفضيل التي تدل على الزيادة.
وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ [النجم: ٣٩] ليس له إلا عمله، إنْ خيراً فخير، وإنْ شراً فشرّ، وهذا يقطع الأمل في الانتفاع بعمل الغير، كما قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر: ٣٨] فأنت لا تنتفع إلا بعملك وسعيك فاجتهد.
وفي آخر سورة الأعلى، قال سبحانه: إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ [الأعلى: ١٨-١٩] لكن لما كان المقام هنا مقام الحديث عن الوفاء فيمن قال له: أتحمل عنك ذنوبك، ذكر سبحانه صفة الوفاء في سيدنا إبراهيم، فقال وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ [النجم: ٣٧].
لذلك قال تعالى في سيدنا إبراهيم: وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ.. [البقرة: ١٢٤] نعم أتم سيدنا إبراهيم ما أمره الله به غاية التمام، ونجح في الامتحان بامتياز مع مرتبة الشرف، وهذا واضح من قصة بناء البيت، وقصة ذبح ولده إسماعيل عليهما السلام.
فلما أتمَّ ما أمر به قال الله له: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً.. [البقرة: ١٢٤] فكانت المكافأة على قدْر الإتمام، وعلى قدْر صدق الأداء.
وقف بعض المستشرقين عند هذه الآية أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ [النجم: ٣٨] وقالوا: كيف نجمع بينها وبين قوله تعالى: لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ [النحل: ٢٥] فأيّهما أصح؟
نقول: كلاهما صحيح، لأن لكل منهما معنى، فالأولى تتحدث عن الذنب وعن الشر يرتكبه الإنسان بنفسه في ذاته، فهو يحمل عقوبة ذلك، لا يحمله عنه أحد.
أما الآية الأخرى فتتحدث عن الإنسان الذي يُضل غيره، ضَلَّ في نفسه وعدَّى ضلاله إلى الغير، فيتحمل وِزْره ووزر مَنْ أضلَّه بغير علم.
وقد اختلف العلماء حول قوله تعالى: وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ [النجم: ٣٩] فقال بعضهم: المعنى أن الإنسان ليس له إلا ما قدّم، ولا ينتفع أحد بعمل أحد. وقال آخرون: بل ينتفع الإنسان بعمل غيره، وفي تاريخنا وسُنّة سيدنا رسول الله ما يؤيد ذلك.
ونحن نُرجِّح القول الثاني، لأن السعي هو مطلق الحركة لغاية، وهذه الحركة قد تكون بالشر كالذي يسعى في الأرض فساداً وظلماً، وقد تكون بالخير كالذي يسعى لإصلاح الكون وصلاحه.
والسعي يختلف باختلاف قوة الساعي، ومدى إيمانه بقضايا دينه ووطنه، فواحد يسعى لنفسه ولا يرى إلا ذاته، وآخر يسعى لأسرته، وآخر يسعى لبلده، وآخر يسعى لإسعاد العلم كله، نعم:
عَلَى قَدرِ العَزْمِ تَأتِي العَزَائِمُ وَتَأْتِي عَلَى قَدْرِ الكِرَامِ المكَارِمُ
لذلك قالوا: للرجال أوطان تختلف باختلاف هممهم، فرجل وطنه نفسه، ورجل وطنه أسرته، ورجل وطنه بلدته، ورجل وطنه العالم كله، وهذه من فلسفة الإيمان الذي يحثّ المؤمن على أنْ يُعدي خيره للناس جميعاً حتى الكافر منهم.
وبهذه الفلسفة، وبهذا المعنى ينفع الرجل غيره، والأدلة على هذا الرأي كثيرة، فسيدنا رسول الله ألم يُبعث للعالم كله، ألم تشمل رحمته المؤمن والكافر؟ ألم يقل الله في حقه: وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧].
ومن رحمته بأهل الموقف في الآخرة أنْ يشفع لهم في أنْ يُعجِّل لهم الحساب، لأنهم في موقف يتمنون فيه الانصراف ولو إلى النار. ومن شفاعته صلى الله عليه وسلم أنْ يشفع في أهل التوحيد الذين دخلوا النار أنْ يخرجوا منها، أليس هذا انتفاعاً بعمل الغير؟
ثم ألم يأمرنا الشرع بالصلاة على الميت؟ ولو كانت الصلاة على الميت لا تنفعه لكانت عبثاً، بدليل أننا ندعو له فيها، وهذا انتفاع، لكن المعارضين لهذا الرأي يقولون: وهل نصلي على كل ميت؟ نحن نصلي على الميت المسلم، فالمنفعة تأتي من كونه مسلماً، فإسلامه هو الذي ينفعه.
قلنا لهم: خذوا دليلاً آخر في قوله سبحانه: وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ.. [الطور: ٢١] ألم ينتفع الأبناء بصلاح الآباء؟
قالوا: انتفعوا بصلاحهم لأنهم تحملوا مشقة هذا الصلاح في الدنيا، فعوَّضهم الله ما حُرِموا منه في الآخرة، بمعنى أن الإنسان المستقيم الذي يتحرى الحلال في مأكله ومشربه لا شكّ يضيق على أولاده، على خلاف الذي يرتع في الدنيا طولاً وعرضاً، ولا يلقي بالاً لمسألة الحلال والحرام؛ فأولاده يكونون أحسنَ حالاً في المأكل والمشرب والملبس، وهكذا، إذن ما يجده أبناؤه الصالحون من نعيم الآخرة، جاء عوضاً عمّا تحمّلوه في الدنيا.
أيضا يُروَى، أليس هذا انتفاعاً بعمل الغير؟
وسيدنا رسول الله لما امتنع عن الصلاة على الميت المدين كان امتناعه لمنفعة الميت، وقد انتفع بهذا الامتناع بالفعل، رسول الله امتنع عن الصلاة عليه، لأنه قال في الحثِّ على قضاء الدَّيْن: ويبدو أن هذا الميت مات وعليه دين لا يستطيع قضاءه، فأراد رسول الله أنْ يحرك مشاعر الخير في نفوس الصحابة ليبادروا بسداد دين صاحبهم، وبالفعل لما قال عليه الصلاة والسلام: ، أليس هذا انتفاعاً بعمل الغير؟
ولكي ننهي هذا الخلاف ونحلُّ هذا الإشكال نقول: لو تأملنا الآية: وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ [النجم: ٣٩] سنجد فيها ما يؤيد رأينا، فاللام هنا كما يقول أهل اللغة للملك، كما تقول: ليس لزيد عندي إلا عشرة. هذا هو الحق.
إذن: الله تعالى ذكر العدل ولم يذكر الفضل، فأنت حين تدخل مطعماً مثلاً لتتناول الغداء وعند الانصراف تقول للعامل: كم الحساب؟ يقول: كذا وكذا. تقول له (خُذْ وخلي الباقي علشانك).
هذا بين الناس في أمور الدنيا الهيِّنة، فما بالك بأمور الدين والشرع؟ وإنْ كان هذا عطاؤك فكيف بعطاء الله؟
وقوله تعالى: وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ [النجم: ٤٠] فهذا السعي لا يُترك هكذا دون تعقيب عليه، بل سيُراقب وسيُرى، كما قال تعالى: وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ.. [التوبة: ١٠٥].
وكلمة (سوف) تدل على المستقبل، فسعيك لن يذهب هباءً بل عملك في الدنيا سيراه الله ويراه رسول الله ويراه المؤمنون. أى: في الآخرة وسوف تنال عليه الجزاء المناسب، ليس الجزاء بالعدل، إنما الجزاء بالفضل.
ثُمَّ يُجْزَاهُ ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ [النجم: ٤١] تأمل، لم يقل: الجزاء العادل، بل الجزاء بالزيادة والفضل والحوافز ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ [النجم: ٤١] والأوفى من صيغ التفضيل التي تدل على الزيادة.
آية رقم ٤٠
ﰉﰊﰋﰌ
ﰍ
هذا الذي ورد في صحف موسى وفي صحف إبراهيم أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ [النجم: ٣٨] لا تحمل نفسٌ ذنب نفس أخرى، فإياك أنْ تظن أن أحداً يتحمل عنك وزرك، ويقع عليه العذاب بدلاً عنك، لأن الحساب في الآخرة بالقسط وبالعدل.
وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ [النجم: ٣٩] ليس له إلا عمله، إنْ خيراً فخير، وإنْ شراً فشرّ، وهذا يقطع الأمل في الانتفاع بعمل الغير، كما قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر: ٣٨] فأنت لا تنتفع إلا بعملك وسعيك فاجتهد.
وفي آخر سورة الأعلى، قال سبحانه: إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ [الأعلى: ١٨-١٩] لكن لما كان المقام هنا مقام الحديث عن الوفاء فيمن قال له: أتحمل عنك ذنوبك، ذكر سبحانه صفة الوفاء في سيدنا إبراهيم، فقال وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ [النجم: ٣٧].
لذلك قال تعالى في سيدنا إبراهيم: وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ.. [البقرة: ١٢٤] نعم أتم سيدنا إبراهيم ما أمره الله به غاية التمام، ونجح في الامتحان بامتياز مع مرتبة الشرف، وهذا واضح من قصة بناء البيت، وقصة ذبح ولده إسماعيل عليهما السلام.
فلما أتمَّ ما أمر به قال الله له: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً.. [البقرة: ١٢٤] فكانت المكافأة على قدْر الإتمام، وعلى قدْر صدق الأداء.
وقف بعض المستشرقين عند هذه الآية أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ [النجم: ٣٨] وقالوا: كيف نجمع بينها وبين قوله تعالى: لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ [النحل: ٢٥] فأيّهما أصح؟
نقول: كلاهما صحيح، لأن لكل منهما معنى، فالأولى تتحدث عن الذنب وعن الشر يرتكبه الإنسان بنفسه في ذاته، فهو يحمل عقوبة ذلك، لا يحمله عنه أحد.
أما الآية الأخرى فتتحدث عن الإنسان الذي يُضل غيره، ضَلَّ في نفسه وعدَّى ضلاله إلى الغير، فيتحمل وِزْره ووزر مَنْ أضلَّه بغير علم.
وقد اختلف العلماء حول قوله تعالى: وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ [النجم: ٣٩] فقال بعضهم: المعنى أن الإنسان ليس له إلا ما قدّم، ولا ينتفع أحد بعمل أحد. وقال آخرون: بل ينتفع الإنسان بعمل غيره، وفي تاريخنا وسُنّة سيدنا رسول الله ما يؤيد ذلك.
ونحن نُرجِّح القول الثاني، لأن السعي هو مطلق الحركة لغاية، وهذه الحركة قد تكون بالشر كالذي يسعى في الأرض فساداً وظلماً، وقد تكون بالخير كالذي يسعى لإصلاح الكون وصلاحه.
والسعي يختلف باختلاف قوة الساعي، ومدى إيمانه بقضايا دينه ووطنه، فواحد يسعى لنفسه ولا يرى إلا ذاته، وآخر يسعى لأسرته، وآخر يسعى لبلده، وآخر يسعى لإسعاد العلم كله، نعم:
عَلَى قَدرِ العَزْمِ تَأتِي العَزَائِمُ وَتَأْتِي عَلَى قَدْرِ الكِرَامِ المكَارِمُ
لذلك قالوا: للرجال أوطان تختلف باختلاف هممهم، فرجل وطنه نفسه، ورجل وطنه أسرته، ورجل وطنه بلدته، ورجل وطنه العالم كله، وهذه من فلسفة الإيمان الذي يحثّ المؤمن على أنْ يُعدي خيره للناس جميعاً حتى الكافر منهم.
وبهذه الفلسفة، وبهذا المعنى ينفع الرجل غيره، والأدلة على هذا الرأي كثيرة، فسيدنا رسول الله ألم يُبعث للعالم كله، ألم تشمل رحمته المؤمن والكافر؟ ألم يقل الله في حقه: وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧].
ومن رحمته بأهل الموقف في الآخرة أنْ يشفع لهم في أنْ يُعجِّل لهم الحساب، لأنهم في موقف يتمنون فيه الانصراف ولو إلى النار. ومن شفاعته صلى الله عليه وسلم أنْ يشفع في أهل التوحيد الذين دخلوا النار أنْ يخرجوا منها، أليس هذا انتفاعاً بعمل الغير؟
ثم ألم يأمرنا الشرع بالصلاة على الميت؟ ولو كانت الصلاة على الميت لا تنفعه لكانت عبثاً، بدليل أننا ندعو له فيها، وهذا انتفاع، لكن المعارضين لهذا الرأي يقولون: وهل نصلي على كل ميت؟ نحن نصلي على الميت المسلم، فالمنفعة تأتي من كونه مسلماً، فإسلامه هو الذي ينفعه.
قلنا لهم: خذوا دليلاً آخر في قوله سبحانه: وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ.. [الطور: ٢١] ألم ينتفع الأبناء بصلاح الآباء؟
قالوا: انتفعوا بصلاحهم لأنهم تحملوا مشقة هذا الصلاح في الدنيا، فعوَّضهم الله ما حُرِموا منه في الآخرة، بمعنى أن الإنسان المستقيم الذي يتحرى الحلال في مأكله ومشربه لا شكّ يضيق على أولاده، على خلاف الذي يرتع في الدنيا طولاً وعرضاً، ولا يلقي بالاً لمسألة الحلال والحرام؛ فأولاده يكونون أحسنَ حالاً في المأكل والمشرب والملبس، وهكذا، إذن ما يجده أبناؤه الصالحون من نعيم الآخرة، جاء عوضاً عمّا تحمّلوه في الدنيا.
أيضا يُروَى، أليس هذا انتفاعاً بعمل الغير؟
وسيدنا رسول الله لما امتنع عن الصلاة على الميت المدين كان امتناعه لمنفعة الميت، وقد انتفع بهذا الامتناع بالفعل، رسول الله امتنع عن الصلاة عليه، لأنه قال في الحثِّ على قضاء الدَّيْن: ويبدو أن هذا الميت مات وعليه دين لا يستطيع قضاءه، فأراد رسول الله أنْ يحرك مشاعر الخير في نفوس الصحابة ليبادروا بسداد دين صاحبهم، وبالفعل لما قال عليه الصلاة والسلام: ، أليس هذا انتفاعاً بعمل الغير؟
ولكي ننهي هذا الخلاف ونحلُّ هذا الإشكال نقول: لو تأملنا الآية: وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ [النجم: ٣٩] سنجد فيها ما يؤيد رأينا، فاللام هنا كما يقول أهل اللغة للملك، كما تقول: ليس لزيد عندي إلا عشرة. هذا هو الحق.
إذن: الله تعالى ذكر العدل ولم يذكر الفضل، فأنت حين تدخل مطعماً مثلاً لتتناول الغداء وعند الانصراف تقول للعامل: كم الحساب؟ يقول: كذا وكذا. تقول له (خُذْ وخلي الباقي علشانك).
هذا بين الناس في أمور الدنيا الهيِّنة، فما بالك بأمور الدين والشرع؟ وإنْ كان هذا عطاؤك فكيف بعطاء الله؟
وقوله تعالى: وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ [النجم: ٤٠] فهذا السعي لا يُترك هكذا دون تعقيب عليه، بل سيُراقب وسيُرى، كما قال تعالى: وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ.. [التوبة: ١٠٥].
وكلمة (سوف) تدل على المستقبل، فسعيك لن يذهب هباءً بل عملك في الدنيا سيراه الله ويراه رسول الله ويراه المؤمنون. أى: في الآخرة وسوف تنال عليه الجزاء المناسب، ليس الجزاء بالعدل، إنما الجزاء بالفضل.
ثُمَّ يُجْزَاهُ ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ [النجم: ٤١] تأمل، لم يقل: الجزاء العادل، بل الجزاء بالزيادة والفضل والحوافز ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ [النجم: ٤١] والأوفى من صيغ التفضيل التي تدل على الزيادة.
وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ [النجم: ٣٩] ليس له إلا عمله، إنْ خيراً فخير، وإنْ شراً فشرّ، وهذا يقطع الأمل في الانتفاع بعمل الغير، كما قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر: ٣٨] فأنت لا تنتفع إلا بعملك وسعيك فاجتهد.
وفي آخر سورة الأعلى، قال سبحانه: إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ [الأعلى: ١٨-١٩] لكن لما كان المقام هنا مقام الحديث عن الوفاء فيمن قال له: أتحمل عنك ذنوبك، ذكر سبحانه صفة الوفاء في سيدنا إبراهيم، فقال وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ [النجم: ٣٧].
لذلك قال تعالى في سيدنا إبراهيم: وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ.. [البقرة: ١٢٤] نعم أتم سيدنا إبراهيم ما أمره الله به غاية التمام، ونجح في الامتحان بامتياز مع مرتبة الشرف، وهذا واضح من قصة بناء البيت، وقصة ذبح ولده إسماعيل عليهما السلام.
فلما أتمَّ ما أمر به قال الله له: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً.. [البقرة: ١٢٤] فكانت المكافأة على قدْر الإتمام، وعلى قدْر صدق الأداء.
وقف بعض المستشرقين عند هذه الآية أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ [النجم: ٣٨] وقالوا: كيف نجمع بينها وبين قوله تعالى: لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ [النحل: ٢٥] فأيّهما أصح؟
نقول: كلاهما صحيح، لأن لكل منهما معنى، فالأولى تتحدث عن الذنب وعن الشر يرتكبه الإنسان بنفسه في ذاته، فهو يحمل عقوبة ذلك، لا يحمله عنه أحد.
أما الآية الأخرى فتتحدث عن الإنسان الذي يُضل غيره، ضَلَّ في نفسه وعدَّى ضلاله إلى الغير، فيتحمل وِزْره ووزر مَنْ أضلَّه بغير علم.
وقد اختلف العلماء حول قوله تعالى: وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ [النجم: ٣٩] فقال بعضهم: المعنى أن الإنسان ليس له إلا ما قدّم، ولا ينتفع أحد بعمل أحد. وقال آخرون: بل ينتفع الإنسان بعمل غيره، وفي تاريخنا وسُنّة سيدنا رسول الله ما يؤيد ذلك.
ونحن نُرجِّح القول الثاني، لأن السعي هو مطلق الحركة لغاية، وهذه الحركة قد تكون بالشر كالذي يسعى في الأرض فساداً وظلماً، وقد تكون بالخير كالذي يسعى لإصلاح الكون وصلاحه.
والسعي يختلف باختلاف قوة الساعي، ومدى إيمانه بقضايا دينه ووطنه، فواحد يسعى لنفسه ولا يرى إلا ذاته، وآخر يسعى لأسرته، وآخر يسعى لبلده، وآخر يسعى لإسعاد العلم كله، نعم:
عَلَى قَدرِ العَزْمِ تَأتِي العَزَائِمُ وَتَأْتِي عَلَى قَدْرِ الكِرَامِ المكَارِمُ
لذلك قالوا: للرجال أوطان تختلف باختلاف هممهم، فرجل وطنه نفسه، ورجل وطنه أسرته، ورجل وطنه بلدته، ورجل وطنه العالم كله، وهذه من فلسفة الإيمان الذي يحثّ المؤمن على أنْ يُعدي خيره للناس جميعاً حتى الكافر منهم.
وبهذه الفلسفة، وبهذا المعنى ينفع الرجل غيره، والأدلة على هذا الرأي كثيرة، فسيدنا رسول الله ألم يُبعث للعالم كله، ألم تشمل رحمته المؤمن والكافر؟ ألم يقل الله في حقه: وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧].
ومن رحمته بأهل الموقف في الآخرة أنْ يشفع لهم في أنْ يُعجِّل لهم الحساب، لأنهم في موقف يتمنون فيه الانصراف ولو إلى النار. ومن شفاعته صلى الله عليه وسلم أنْ يشفع في أهل التوحيد الذين دخلوا النار أنْ يخرجوا منها، أليس هذا انتفاعاً بعمل الغير؟
ثم ألم يأمرنا الشرع بالصلاة على الميت؟ ولو كانت الصلاة على الميت لا تنفعه لكانت عبثاً، بدليل أننا ندعو له فيها، وهذا انتفاع، لكن المعارضين لهذا الرأي يقولون: وهل نصلي على كل ميت؟ نحن نصلي على الميت المسلم، فالمنفعة تأتي من كونه مسلماً، فإسلامه هو الذي ينفعه.
قلنا لهم: خذوا دليلاً آخر في قوله سبحانه: وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ.. [الطور: ٢١] ألم ينتفع الأبناء بصلاح الآباء؟
قالوا: انتفعوا بصلاحهم لأنهم تحملوا مشقة هذا الصلاح في الدنيا، فعوَّضهم الله ما حُرِموا منه في الآخرة، بمعنى أن الإنسان المستقيم الذي يتحرى الحلال في مأكله ومشربه لا شكّ يضيق على أولاده، على خلاف الذي يرتع في الدنيا طولاً وعرضاً، ولا يلقي بالاً لمسألة الحلال والحرام؛ فأولاده يكونون أحسنَ حالاً في المأكل والمشرب والملبس، وهكذا، إذن ما يجده أبناؤه الصالحون من نعيم الآخرة، جاء عوضاً عمّا تحمّلوه في الدنيا.
أيضا يُروَى، أليس هذا انتفاعاً بعمل الغير؟
وسيدنا رسول الله لما امتنع عن الصلاة على الميت المدين كان امتناعه لمنفعة الميت، وقد انتفع بهذا الامتناع بالفعل، رسول الله امتنع عن الصلاة عليه، لأنه قال في الحثِّ على قضاء الدَّيْن: ويبدو أن هذا الميت مات وعليه دين لا يستطيع قضاءه، فأراد رسول الله أنْ يحرك مشاعر الخير في نفوس الصحابة ليبادروا بسداد دين صاحبهم، وبالفعل لما قال عليه الصلاة والسلام: ، أليس هذا انتفاعاً بعمل الغير؟
ولكي ننهي هذا الخلاف ونحلُّ هذا الإشكال نقول: لو تأملنا الآية: وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ [النجم: ٣٩] سنجد فيها ما يؤيد رأينا، فاللام هنا كما يقول أهل اللغة للملك، كما تقول: ليس لزيد عندي إلا عشرة. هذا هو الحق.
إذن: الله تعالى ذكر العدل ولم يذكر الفضل، فأنت حين تدخل مطعماً مثلاً لتتناول الغداء وعند الانصراف تقول للعامل: كم الحساب؟ يقول: كذا وكذا. تقول له (خُذْ وخلي الباقي علشانك).
هذا بين الناس في أمور الدنيا الهيِّنة، فما بالك بأمور الدين والشرع؟ وإنْ كان هذا عطاؤك فكيف بعطاء الله؟
وقوله تعالى: وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ [النجم: ٤٠] فهذا السعي لا يُترك هكذا دون تعقيب عليه، بل سيُراقب وسيُرى، كما قال تعالى: وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ.. [التوبة: ١٠٥].
وكلمة (سوف) تدل على المستقبل، فسعيك لن يذهب هباءً بل عملك في الدنيا سيراه الله ويراه رسول الله ويراه المؤمنون. أى: في الآخرة وسوف تنال عليه الجزاء المناسب، ليس الجزاء بالعدل، إنما الجزاء بالفضل.
ثُمَّ يُجْزَاهُ ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ [النجم: ٤١] تأمل، لم يقل: الجزاء العادل، بل الجزاء بالزيادة والفضل والحوافز ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ [النجم: ٤١] والأوفى من صيغ التفضيل التي تدل على الزيادة.
آية رقم ٤١
ﰎﰏﰐﰑ
ﰒ
هذا الذي ورد في صحف موسى وفي صحف إبراهيم أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ [النجم: ٣٨] لا تحمل نفسٌ ذنب نفس أخرى، فإياك أنْ تظن أن أحداً يتحمل عنك وزرك، ويقع عليه العذاب بدلاً عنك، لأن الحساب في الآخرة بالقسط وبالعدل.
وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ [النجم: ٣٩] ليس له إلا عمله، إنْ خيراً فخير، وإنْ شراً فشرّ، وهذا يقطع الأمل في الانتفاع بعمل الغير، كما قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر: ٣٨] فأنت لا تنتفع إلا بعملك وسعيك فاجتهد.
وفي آخر سورة الأعلى، قال سبحانه: إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ [الأعلى: ١٨-١٩] لكن لما كان المقام هنا مقام الحديث عن الوفاء فيمن قال له: أتحمل عنك ذنوبك، ذكر سبحانه صفة الوفاء في سيدنا إبراهيم، فقال وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ [النجم: ٣٧].
لذلك قال تعالى في سيدنا إبراهيم: وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ.. [البقرة: ١٢٤] نعم أتم سيدنا إبراهيم ما أمره الله به غاية التمام، ونجح في الامتحان بامتياز مع مرتبة الشرف، وهذا واضح من قصة بناء البيت، وقصة ذبح ولده إسماعيل عليهما السلام.
فلما أتمَّ ما أمر به قال الله له: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً.. [البقرة: ١٢٤] فكانت المكافأة على قدْر الإتمام، وعلى قدْر صدق الأداء.
وقف بعض المستشرقين عند هذه الآية أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ [النجم: ٣٨] وقالوا: كيف نجمع بينها وبين قوله تعالى: لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ [النحل: ٢٥] فأيّهما أصح؟
نقول: كلاهما صحيح، لأن لكل منهما معنى، فالأولى تتحدث عن الذنب وعن الشر يرتكبه الإنسان بنفسه في ذاته، فهو يحمل عقوبة ذلك، لا يحمله عنه أحد.
أما الآية الأخرى فتتحدث عن الإنسان الذي يُضل غيره، ضَلَّ في نفسه وعدَّى ضلاله إلى الغير، فيتحمل وِزْره ووزر مَنْ أضلَّه بغير علم.
وقد اختلف العلماء حول قوله تعالى: وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ [النجم: ٣٩] فقال بعضهم: المعنى أن الإنسان ليس له إلا ما قدّم، ولا ينتفع أحد بعمل أحد. وقال آخرون: بل ينتفع الإنسان بعمل غيره، وفي تاريخنا وسُنّة سيدنا رسول الله ما يؤيد ذلك.
ونحن نُرجِّح القول الثاني، لأن السعي هو مطلق الحركة لغاية، وهذه الحركة قد تكون بالشر كالذي يسعى في الأرض فساداً وظلماً، وقد تكون بالخير كالذي يسعى لإصلاح الكون وصلاحه.
والسعي يختلف باختلاف قوة الساعي، ومدى إيمانه بقضايا دينه ووطنه، فواحد يسعى لنفسه ولا يرى إلا ذاته، وآخر يسعى لأسرته، وآخر يسعى لبلده، وآخر يسعى لإسعاد العلم كله، نعم:
عَلَى قَدرِ العَزْمِ تَأتِي العَزَائِمُ وَتَأْتِي عَلَى قَدْرِ الكِرَامِ المكَارِمُ
لذلك قالوا: للرجال أوطان تختلف باختلاف هممهم، فرجل وطنه نفسه، ورجل وطنه أسرته، ورجل وطنه بلدته، ورجل وطنه العالم كله، وهذه من فلسفة الإيمان الذي يحثّ المؤمن على أنْ يُعدي خيره للناس جميعاً حتى الكافر منهم.
وبهذه الفلسفة، وبهذا المعنى ينفع الرجل غيره، والأدلة على هذا الرأي كثيرة، فسيدنا رسول الله ألم يُبعث للعالم كله، ألم تشمل رحمته المؤمن والكافر؟ ألم يقل الله في حقه: وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧].
ومن رحمته بأهل الموقف في الآخرة أنْ يشفع لهم في أنْ يُعجِّل لهم الحساب، لأنهم في موقف يتمنون فيه الانصراف ولو إلى النار. ومن شفاعته صلى الله عليه وسلم أنْ يشفع في أهل التوحيد الذين دخلوا النار أنْ يخرجوا منها، أليس هذا انتفاعاً بعمل الغير؟
ثم ألم يأمرنا الشرع بالصلاة على الميت؟ ولو كانت الصلاة على الميت لا تنفعه لكانت عبثاً، بدليل أننا ندعو له فيها، وهذا انتفاع، لكن المعارضين لهذا الرأي يقولون: وهل نصلي على كل ميت؟ نحن نصلي على الميت المسلم، فالمنفعة تأتي من كونه مسلماً، فإسلامه هو الذي ينفعه.
قلنا لهم: خذوا دليلاً آخر في قوله سبحانه: وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ.. [الطور: ٢١] ألم ينتفع الأبناء بصلاح الآباء؟
قالوا: انتفعوا بصلاحهم لأنهم تحملوا مشقة هذا الصلاح في الدنيا، فعوَّضهم الله ما حُرِموا منه في الآخرة، بمعنى أن الإنسان المستقيم الذي يتحرى الحلال في مأكله ومشربه لا شكّ يضيق على أولاده، على خلاف الذي يرتع في الدنيا طولاً وعرضاً، ولا يلقي بالاً لمسألة الحلال والحرام؛ فأولاده يكونون أحسنَ حالاً في المأكل والمشرب والملبس، وهكذا، إذن ما يجده أبناؤه الصالحون من نعيم الآخرة، جاء عوضاً عمّا تحمّلوه في الدنيا.
أيضا يُروَى، أليس هذا انتفاعاً بعمل الغير؟
وسيدنا رسول الله لما امتنع عن الصلاة على الميت المدين كان امتناعه لمنفعة الميت، وقد انتفع بهذا الامتناع بالفعل، رسول الله امتنع عن الصلاة عليه، لأنه قال في الحثِّ على قضاء الدَّيْن: ويبدو أن هذا الميت مات وعليه دين لا يستطيع قضاءه، فأراد رسول الله أنْ يحرك مشاعر الخير في نفوس الصحابة ليبادروا بسداد دين صاحبهم، وبالفعل لما قال عليه الصلاة والسلام: ، أليس هذا انتفاعاً بعمل الغير؟
ولكي ننهي هذا الخلاف ونحلُّ هذا الإشكال نقول: لو تأملنا الآية: وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ [النجم: ٣٩] سنجد فيها ما يؤيد رأينا، فاللام هنا كما يقول أهل اللغة للملك، كما تقول: ليس لزيد عندي إلا عشرة. هذا هو الحق.
إذن: الله تعالى ذكر العدل ولم يذكر الفضل، فأنت حين تدخل مطعماً مثلاً لتتناول الغداء وعند الانصراف تقول للعامل: كم الحساب؟ يقول: كذا وكذا. تقول له (خُذْ وخلي الباقي علشانك).
هذا بين الناس في أمور الدنيا الهيِّنة، فما بالك بأمور الدين والشرع؟ وإنْ كان هذا عطاؤك فكيف بعطاء الله؟
وقوله تعالى: وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ [النجم: ٤٠] فهذا السعي لا يُترك هكذا دون تعقيب عليه، بل سيُراقب وسيُرى، كما قال تعالى: وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ.. [التوبة: ١٠٥].
وكلمة (سوف) تدل على المستقبل، فسعيك لن يذهب هباءً بل عملك في الدنيا سيراه الله ويراه رسول الله ويراه المؤمنون. أى: في الآخرة وسوف تنال عليه الجزاء المناسب، ليس الجزاء بالعدل، إنما الجزاء بالفضل.
ثُمَّ يُجْزَاهُ ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ [النجم: ٤١] تأمل، لم يقل: الجزاء العادل، بل الجزاء بالزيادة والفضل والحوافز ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ [النجم: ٤١] والأوفى من صيغ التفضيل التي تدل على الزيادة.
وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ [النجم: ٣٩] ليس له إلا عمله، إنْ خيراً فخير، وإنْ شراً فشرّ، وهذا يقطع الأمل في الانتفاع بعمل الغير، كما قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر: ٣٨] فأنت لا تنتفع إلا بعملك وسعيك فاجتهد.
وفي آخر سورة الأعلى، قال سبحانه: إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ [الأعلى: ١٨-١٩] لكن لما كان المقام هنا مقام الحديث عن الوفاء فيمن قال له: أتحمل عنك ذنوبك، ذكر سبحانه صفة الوفاء في سيدنا إبراهيم، فقال وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ [النجم: ٣٧].
لذلك قال تعالى في سيدنا إبراهيم: وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ.. [البقرة: ١٢٤] نعم أتم سيدنا إبراهيم ما أمره الله به غاية التمام، ونجح في الامتحان بامتياز مع مرتبة الشرف، وهذا واضح من قصة بناء البيت، وقصة ذبح ولده إسماعيل عليهما السلام.
فلما أتمَّ ما أمر به قال الله له: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً.. [البقرة: ١٢٤] فكانت المكافأة على قدْر الإتمام، وعلى قدْر صدق الأداء.
وقف بعض المستشرقين عند هذه الآية أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ [النجم: ٣٨] وقالوا: كيف نجمع بينها وبين قوله تعالى: لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ [النحل: ٢٥] فأيّهما أصح؟
نقول: كلاهما صحيح، لأن لكل منهما معنى، فالأولى تتحدث عن الذنب وعن الشر يرتكبه الإنسان بنفسه في ذاته، فهو يحمل عقوبة ذلك، لا يحمله عنه أحد.
أما الآية الأخرى فتتحدث عن الإنسان الذي يُضل غيره، ضَلَّ في نفسه وعدَّى ضلاله إلى الغير، فيتحمل وِزْره ووزر مَنْ أضلَّه بغير علم.
وقد اختلف العلماء حول قوله تعالى: وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ [النجم: ٣٩] فقال بعضهم: المعنى أن الإنسان ليس له إلا ما قدّم، ولا ينتفع أحد بعمل أحد. وقال آخرون: بل ينتفع الإنسان بعمل غيره، وفي تاريخنا وسُنّة سيدنا رسول الله ما يؤيد ذلك.
ونحن نُرجِّح القول الثاني، لأن السعي هو مطلق الحركة لغاية، وهذه الحركة قد تكون بالشر كالذي يسعى في الأرض فساداً وظلماً، وقد تكون بالخير كالذي يسعى لإصلاح الكون وصلاحه.
والسعي يختلف باختلاف قوة الساعي، ومدى إيمانه بقضايا دينه ووطنه، فواحد يسعى لنفسه ولا يرى إلا ذاته، وآخر يسعى لأسرته، وآخر يسعى لبلده، وآخر يسعى لإسعاد العلم كله، نعم:
عَلَى قَدرِ العَزْمِ تَأتِي العَزَائِمُ وَتَأْتِي عَلَى قَدْرِ الكِرَامِ المكَارِمُ
لذلك قالوا: للرجال أوطان تختلف باختلاف هممهم، فرجل وطنه نفسه، ورجل وطنه أسرته، ورجل وطنه بلدته، ورجل وطنه العالم كله، وهذه من فلسفة الإيمان الذي يحثّ المؤمن على أنْ يُعدي خيره للناس جميعاً حتى الكافر منهم.
وبهذه الفلسفة، وبهذا المعنى ينفع الرجل غيره، والأدلة على هذا الرأي كثيرة، فسيدنا رسول الله ألم يُبعث للعالم كله، ألم تشمل رحمته المؤمن والكافر؟ ألم يقل الله في حقه: وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧].
ومن رحمته بأهل الموقف في الآخرة أنْ يشفع لهم في أنْ يُعجِّل لهم الحساب، لأنهم في موقف يتمنون فيه الانصراف ولو إلى النار. ومن شفاعته صلى الله عليه وسلم أنْ يشفع في أهل التوحيد الذين دخلوا النار أنْ يخرجوا منها، أليس هذا انتفاعاً بعمل الغير؟
ثم ألم يأمرنا الشرع بالصلاة على الميت؟ ولو كانت الصلاة على الميت لا تنفعه لكانت عبثاً، بدليل أننا ندعو له فيها، وهذا انتفاع، لكن المعارضين لهذا الرأي يقولون: وهل نصلي على كل ميت؟ نحن نصلي على الميت المسلم، فالمنفعة تأتي من كونه مسلماً، فإسلامه هو الذي ينفعه.
قلنا لهم: خذوا دليلاً آخر في قوله سبحانه: وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ.. [الطور: ٢١] ألم ينتفع الأبناء بصلاح الآباء؟
قالوا: انتفعوا بصلاحهم لأنهم تحملوا مشقة هذا الصلاح في الدنيا، فعوَّضهم الله ما حُرِموا منه في الآخرة، بمعنى أن الإنسان المستقيم الذي يتحرى الحلال في مأكله ومشربه لا شكّ يضيق على أولاده، على خلاف الذي يرتع في الدنيا طولاً وعرضاً، ولا يلقي بالاً لمسألة الحلال والحرام؛ فأولاده يكونون أحسنَ حالاً في المأكل والمشرب والملبس، وهكذا، إذن ما يجده أبناؤه الصالحون من نعيم الآخرة، جاء عوضاً عمّا تحمّلوه في الدنيا.
أيضا يُروَى، أليس هذا انتفاعاً بعمل الغير؟
وسيدنا رسول الله لما امتنع عن الصلاة على الميت المدين كان امتناعه لمنفعة الميت، وقد انتفع بهذا الامتناع بالفعل، رسول الله امتنع عن الصلاة عليه، لأنه قال في الحثِّ على قضاء الدَّيْن: ويبدو أن هذا الميت مات وعليه دين لا يستطيع قضاءه، فأراد رسول الله أنْ يحرك مشاعر الخير في نفوس الصحابة ليبادروا بسداد دين صاحبهم، وبالفعل لما قال عليه الصلاة والسلام: ، أليس هذا انتفاعاً بعمل الغير؟
ولكي ننهي هذا الخلاف ونحلُّ هذا الإشكال نقول: لو تأملنا الآية: وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ [النجم: ٣٩] سنجد فيها ما يؤيد رأينا، فاللام هنا كما يقول أهل اللغة للملك، كما تقول: ليس لزيد عندي إلا عشرة. هذا هو الحق.
إذن: الله تعالى ذكر العدل ولم يذكر الفضل، فأنت حين تدخل مطعماً مثلاً لتتناول الغداء وعند الانصراف تقول للعامل: كم الحساب؟ يقول: كذا وكذا. تقول له (خُذْ وخلي الباقي علشانك).
هذا بين الناس في أمور الدنيا الهيِّنة، فما بالك بأمور الدين والشرع؟ وإنْ كان هذا عطاؤك فكيف بعطاء الله؟
وقوله تعالى: وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ [النجم: ٤٠] فهذا السعي لا يُترك هكذا دون تعقيب عليه، بل سيُراقب وسيُرى، كما قال تعالى: وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ.. [التوبة: ١٠٥].
وكلمة (سوف) تدل على المستقبل، فسعيك لن يذهب هباءً بل عملك في الدنيا سيراه الله ويراه رسول الله ويراه المؤمنون. أى: في الآخرة وسوف تنال عليه الجزاء المناسب، ليس الجزاء بالعدل، إنما الجزاء بالفضل.
ثُمَّ يُجْزَاهُ ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ [النجم: ٤١] تأمل، لم يقل: الجزاء العادل، بل الجزاء بالزيادة والفضل والحوافز ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ [النجم: ٤١] والأوفى من صيغ التفضيل التي تدل على الزيادة.
آية رقم ٤٢
ﰓﰔﰕﰖ
ﰗ
إلى ربك المرجع، وإلى ربك المصير والمنتهى، والآية فيها أسلوب قَصْر بتقديم الخبر على المبتدأ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ [النجم: ٤٢] إلى ربك وحده دون سواه تنتهي الأمور في الآخرة، فالدنيا ليست هي نهاية المطاف، وليست هي الغاية، وهذه مسألة يُقِرُّ بها العقل قبل الشرع.
فلو كانت الدنيا هي الغاية وهي النهاية، لكانت الحظوة لأهل الشهوات ولأهل الظلم والتعدِّي، لأنهم حققوا ما يريدون في الدنيا وعاشوها بالطول والعرض، ففازوا بمتاع الدنيا، ولم يعاقبوا عليه ولم يحاسبوا.
إذن: العقل يقول: لا لابدَّ أن هناك يوماً للحساب وللقصاص، العدل يقتضي ذلك.
ولو أيقن الناسُ بهذه الآية وفهموا هذا المعنى لاستقامتْ أمورهم، ولفكَّر الإنسانُ مرة وألف مرة قبل أنْ يُقدم على معصية الله أو ظلم الخَلْق، ولعمل حساباً لهذا المنتهى الذي لابدَّ له أنْ ينتهي إليه.
وهذه الآية أيضاً تدلنا على أن العبد وإنْ خلقه ربه مختاراً يؤمن أو يكفر، يطيع أو يعصي، فإن هناك منطقة أخرى قهرية لا اختيار له فيها، وهل لك اختيار في غِناك أو فقرك؟ صحتك أو سقمك؟ حياتك أو موتك؟
إذن: مهما كنتَ حراً ومختاراً فلا غنى لك عن ربك، ولا ملجأ لك غيره، فلا تتمرد عليه بالعصيان، لأن منتهاك إليه في الآخرة للحساب، ومنتهاك أيضاً في أمور حياتك الدنيوية إليه وحده، فأنت في قبضة قدره لا تستطيع الانفلات منها.
فالذي يتمرّد على منهج الله أيستطيع أنْ يتمرد على المرض إنْ أصابه؟ أيستطيع أنْ يمتنع عن ملَك الموت إنْ جاء أجله، إذن: لك منتهى في الدنيا قبل منتهى الآخرة.
فلو كانت الدنيا هي الغاية وهي النهاية، لكانت الحظوة لأهل الشهوات ولأهل الظلم والتعدِّي، لأنهم حققوا ما يريدون في الدنيا وعاشوها بالطول والعرض، ففازوا بمتاع الدنيا، ولم يعاقبوا عليه ولم يحاسبوا.
إذن: العقل يقول: لا لابدَّ أن هناك يوماً للحساب وللقصاص، العدل يقتضي ذلك.
ولو أيقن الناسُ بهذه الآية وفهموا هذا المعنى لاستقامتْ أمورهم، ولفكَّر الإنسانُ مرة وألف مرة قبل أنْ يُقدم على معصية الله أو ظلم الخَلْق، ولعمل حساباً لهذا المنتهى الذي لابدَّ له أنْ ينتهي إليه.
وهذه الآية أيضاً تدلنا على أن العبد وإنْ خلقه ربه مختاراً يؤمن أو يكفر، يطيع أو يعصي، فإن هناك منطقة أخرى قهرية لا اختيار له فيها، وهل لك اختيار في غِناك أو فقرك؟ صحتك أو سقمك؟ حياتك أو موتك؟
إذن: مهما كنتَ حراً ومختاراً فلا غنى لك عن ربك، ولا ملجأ لك غيره، فلا تتمرد عليه بالعصيان، لأن منتهاك إليه في الآخرة للحساب، ومنتهاك أيضاً في أمور حياتك الدنيوية إليه وحده، فأنت في قبضة قدره لا تستطيع الانفلات منها.
فالذي يتمرّد على منهج الله أيستطيع أنْ يتمرد على المرض إنْ أصابه؟ أيستطيع أنْ يمتنع عن ملَك الموت إنْ جاء أجله، إذن: لك منتهى في الدنيا قبل منتهى الآخرة.
آية رقم ٤٣
ﰘﰙﰚﰛ
ﰜ
ثم يقول الحق سبحانه: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ....
قوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ [النجم: ٤٣] أي: خلق فيك الضحك وخلق فيك البكاء جعلك تُسر وتحزن، أنت مثلاً حينما تشاهد عملاً (كوميدياً) تضحك، (فالكوميديا) سبَّبتْ عندك الضحك، لكن لم تخلق فيك طبيعة الضحك.
لذلك لما كان في هذا الفعل شبهة المشاركة أكّد الحق سبحانه تفرّده بالعمل، فلا دخلَ لأحد غيره فيه، فقال تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ.. [النجم: ٤٣] فأكّد الضمير المتصل بضمير آخر منفصل، فهو وحده الذي جعلك تضحك، بمعنى خلق فيك هذه الطبيعة وجعلك صالحاً لها.
لذلك نجد أن المشاعر والعواطف والأمور الطبيعية في البشر تتحد في جميع اللغات وعند كل الشعوب على اختلافها، فليس هناك مثلاً ضحك عربي، وضحك إنجليزي أو ألماني، ليس هناك بكاء روسي، وبكاء ياباني.
ففي هذه الأمور يتحد الناس...
قوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ [النجم: ٤٣] أي: خلق فيك الضحك وخلق فيك البكاء جعلك تُسر وتحزن، أنت مثلاً حينما تشاهد عملاً (كوميدياً) تضحك، (فالكوميديا) سبَّبتْ عندك الضحك، لكن لم تخلق فيك طبيعة الضحك.
لذلك لما كان في هذا الفعل شبهة المشاركة أكّد الحق سبحانه تفرّده بالعمل، فلا دخلَ لأحد غيره فيه، فقال تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ.. [النجم: ٤٣] فأكّد الضمير المتصل بضمير آخر منفصل، فهو وحده الذي جعلك تضحك، بمعنى خلق فيك هذه الطبيعة وجعلك صالحاً لها.
لذلك نجد أن المشاعر والعواطف والأمور الطبيعية في البشر تتحد في جميع اللغات وعند كل الشعوب على اختلافها، فليس هناك مثلاً ضحك عربي، وضحك إنجليزي أو ألماني، ليس هناك بكاء روسي، وبكاء ياباني.
ففي هذه الأمور يتحد الناس...
آية رقم ٤٤
ﰝﰞﰟﰠ
ﰡ
قوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ [النجم: ٤٣] أي: خلق فيك الضحك وخلق فيك البكاء جعلك تُسر وتحزن، أنت مثلاً حينما تشاهد عملاً (كوميدياً) تضحك، (فالكوميديا) سبَّبتْ عندك الضحك، لكن لم تخلق فيك طبيعة الضحك.
لذلك لما كان في هذا الفعل شبهة المشاركة أكّد الحق سبحانه تفرّده بالعمل، فلا دخلَ لأحد غيره فيه، فقال تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ.. [النجم: ٤٣] فأكّد الضمير المتصل بضمير آخر منفصل، فهو وحده الذي جعلك تضحك، بمعنى خلق فيك هذه الطبيعة وجعلك صالحاً لها.
لذلك نجد أن المشاعر والعواطف والأمور الطبيعية في البشر تتحد في جميع اللغات وعند كل الشعوب على اختلافها، فليس هناك مثلاً ضحك عربي، وضحك إنجليزي أو ألماني، ليس هناك بكاء روسي، وبكاء ياباني.
ففي هذه الأمور يتحد الناس، حتى في الإشارة نجدها واحدة على اختلاف اللغات، الكل يفهمها لأنها أصل التفاهم بين البشر قبل وجود اللغات، فالإشارة لغة عالمية.
كذلك في قوله سبحانه: وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا [النجم: ٤٤] أكد الضمير المتصل بالضمير المنفصل، لأن مسألة الإحياء والإماتة فيها شبهة المشاركة، فقد يظن البعض أن الطبيب مثلاً هو الذي أمات المريض أو أحياه، أو يظن أن القاتل هو الذي أمات القتيل.
فالحق سبحانه يختصّ لنفسه سبحانه بهذه الأمور له وحده سبحانه دون سواه وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا [النجم: ٤٤] فالواقع أن القتيل حين قُتِل لم يُمتْه القاتل، إنما جاء أجله موافقاً لهذه الضربة فمات، مات لأنه سيموت في هذه اللحظة حتى لو لم يضربه القاتل.
لذلك قال سبحانه في موضع آخر: ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ.. [الملك: ٢] فالموت والحياة خلق لله وحده لا دخلَ لأحد فيهما، لذلك قال الشاعر:
مَنْ لَمْ يُمُتْ بالسَّيْفِ مَاتَ بِغَيْره تَعدَّدَتْ الأسْبَابُ وَالموْتُ وَاحِدُ
وقالوا: والموت من دون أسباب هو السبب. يعني: مات لأنه سيموت.
وقوله تعالى: وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ [الجم: ٤٥] لاحظ هنا أنه سبحانه لم يقل: وأنه هو، لأن المسألة لا تحتاج إلى هذا التأكيد، فقضية الخلق الكل يُسلِّم بها لله، ولم يدَّعها أحدٌ لنفسه، وليس فيها شبهة المشاركة من الخَلْق.
ومعنى (الزوجين) أي: النوعين الذكر والأنثى. فالزوج فرد معه مثله، كما جاء في قوله تعالى: ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ.. [الأنعام: ١٤٣].
مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ [النجم: ٤٦] فأصل الخَلْق نطفة وهي قطرة المني.
إِذَا تُمْنَىٰ [النجم: ٤٦] أي: تُدفع وتلقى في رحم المرأة، فيكون منها الولد بقدرة الله.
وهذه الآية حلَّتْ لنا إشكالاً طال الخلاف فيه بين العلماء، فقد كان البعض يعتقدون أن المرأة هي المسئولة عن النوع: ذكر أم أنثى. لكن حينما نقرأ هنا وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ * مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ [النجم: ٤٥-٤٦] نعلم علم اليقين أن الرجل هو المسئول عن هذه المسألة، فالنطفة هي نطفة الرجل يلقيها في رحم زوجته، فالزوجة إذن مُستقبلة تعطي ما أخذتْ.
وقلنا: إن المرأة العربية قد توصلتْ بطبيعتها وفطرتها إلى هذه الحقيقة، فالمرأة التي تزوج عليها زوجها لأنها لا تلد له إلا البنات، قالت:
مَا لأِبِي حَمْزَةَ لاَ يَأتينَا يظَلّ في البَيْتِ الذي يَلينا
غَضْبَانَ ألاَّ نَلدَ البَنينَا تَالله مَا ذَلكَ في أَيْدينَا
ونَحْنُ كَالأرْضِ لِغَارسِينَا نُعْطِي لَهُمْ مثْلَ الذِي أُعْطِينَا
إذن: انتهتْ المرأة العربية بفطرتها إلى ما انتهى إليه العلماء مؤخراً، ولا بد أن نفرِّق بين النطفة والمني: النطفة هي السائل الذي يعيش فيه الحيوان المنوي، والمني الميكروب نفسه الذي يكون منه الولد.
ورحم الله العقاد حينما قال: إن نصف كستبان الخياطة يحوي أنْسَال الدنيا كلها، ويمكن أنْ نملأ نصف كستبان الخياطة بقذفة واحدة للرجل، سبحان الله.
لذلك لما كان في هذا الفعل شبهة المشاركة أكّد الحق سبحانه تفرّده بالعمل، فلا دخلَ لأحد غيره فيه، فقال تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ.. [النجم: ٤٣] فأكّد الضمير المتصل بضمير آخر منفصل، فهو وحده الذي جعلك تضحك، بمعنى خلق فيك هذه الطبيعة وجعلك صالحاً لها.
لذلك نجد أن المشاعر والعواطف والأمور الطبيعية في البشر تتحد في جميع اللغات وعند كل الشعوب على اختلافها، فليس هناك مثلاً ضحك عربي، وضحك إنجليزي أو ألماني، ليس هناك بكاء روسي، وبكاء ياباني.
ففي هذه الأمور يتحد الناس، حتى في الإشارة نجدها واحدة على اختلاف اللغات، الكل يفهمها لأنها أصل التفاهم بين البشر قبل وجود اللغات، فالإشارة لغة عالمية.
كذلك في قوله سبحانه: وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا [النجم: ٤٤] أكد الضمير المتصل بالضمير المنفصل، لأن مسألة الإحياء والإماتة فيها شبهة المشاركة، فقد يظن البعض أن الطبيب مثلاً هو الذي أمات المريض أو أحياه، أو يظن أن القاتل هو الذي أمات القتيل.
فالحق سبحانه يختصّ لنفسه سبحانه بهذه الأمور له وحده سبحانه دون سواه وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا [النجم: ٤٤] فالواقع أن القتيل حين قُتِل لم يُمتْه القاتل، إنما جاء أجله موافقاً لهذه الضربة فمات، مات لأنه سيموت في هذه اللحظة حتى لو لم يضربه القاتل.
لذلك قال سبحانه في موضع آخر: ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ.. [الملك: ٢] فالموت والحياة خلق لله وحده لا دخلَ لأحد فيهما، لذلك قال الشاعر:
مَنْ لَمْ يُمُتْ بالسَّيْفِ مَاتَ بِغَيْره تَعدَّدَتْ الأسْبَابُ وَالموْتُ وَاحِدُ
وقالوا: والموت من دون أسباب هو السبب. يعني: مات لأنه سيموت.
وقوله تعالى: وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ [الجم: ٤٥] لاحظ هنا أنه سبحانه لم يقل: وأنه هو، لأن المسألة لا تحتاج إلى هذا التأكيد، فقضية الخلق الكل يُسلِّم بها لله، ولم يدَّعها أحدٌ لنفسه، وليس فيها شبهة المشاركة من الخَلْق.
ومعنى (الزوجين) أي: النوعين الذكر والأنثى. فالزوج فرد معه مثله، كما جاء في قوله تعالى: ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ.. [الأنعام: ١٤٣].
مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ [النجم: ٤٦] فأصل الخَلْق نطفة وهي قطرة المني.
إِذَا تُمْنَىٰ [النجم: ٤٦] أي: تُدفع وتلقى في رحم المرأة، فيكون منها الولد بقدرة الله.
وهذه الآية حلَّتْ لنا إشكالاً طال الخلاف فيه بين العلماء، فقد كان البعض يعتقدون أن المرأة هي المسئولة عن النوع: ذكر أم أنثى. لكن حينما نقرأ هنا وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ * مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ [النجم: ٤٥-٤٦] نعلم علم اليقين أن الرجل هو المسئول عن هذه المسألة، فالنطفة هي نطفة الرجل يلقيها في رحم زوجته، فالزوجة إذن مُستقبلة تعطي ما أخذتْ.
وقلنا: إن المرأة العربية قد توصلتْ بطبيعتها وفطرتها إلى هذه الحقيقة، فالمرأة التي تزوج عليها زوجها لأنها لا تلد له إلا البنات، قالت:
مَا لأِبِي حَمْزَةَ لاَ يَأتينَا يظَلّ في البَيْتِ الذي يَلينا
غَضْبَانَ ألاَّ نَلدَ البَنينَا تَالله مَا ذَلكَ في أَيْدينَا
ونَحْنُ كَالأرْضِ لِغَارسِينَا نُعْطِي لَهُمْ مثْلَ الذِي أُعْطِينَا
إذن: انتهتْ المرأة العربية بفطرتها إلى ما انتهى إليه العلماء مؤخراً، ولا بد أن نفرِّق بين النطفة والمني: النطفة هي السائل الذي يعيش فيه الحيوان المنوي، والمني الميكروب نفسه الذي يكون منه الولد.
ورحم الله العقاد حينما قال: إن نصف كستبان الخياطة يحوي أنْسَال الدنيا كلها، ويمكن أنْ نملأ نصف كستبان الخياطة بقذفة واحدة للرجل، سبحان الله.
آية رقم ٤٥
ﭑﭒﭓﭔﭕ
ﭖ
قوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ [النجم: ٤٣] أي: خلق فيك الضحك وخلق فيك البكاء جعلك تُسر وتحزن، أنت مثلاً حينما تشاهد عملاً (كوميدياً) تضحك، (فالكوميديا) سبَّبتْ عندك الضحك، لكن لم تخلق فيك طبيعة الضحك.
لذلك لما كان في هذا الفعل شبهة المشاركة أكّد الحق سبحانه تفرّده بالعمل، فلا دخلَ لأحد غيره فيه، فقال تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ.. [النجم: ٤٣] فأكّد الضمير المتصل بضمير آخر منفصل، فهو وحده الذي جعلك تضحك، بمعنى خلق فيك هذه الطبيعة وجعلك صالحاً لها.
لذلك نجد أن المشاعر والعواطف والأمور الطبيعية في البشر تتحد في جميع اللغات وعند كل الشعوب على اختلافها، فليس هناك مثلاً ضحك عربي، وضحك إنجليزي أو ألماني، ليس هناك بكاء روسي، وبكاء ياباني.
ففي هذه الأمور يتحد الناس، حتى في الإشارة نجدها واحدة على اختلاف اللغات، الكل يفهمها لأنها أصل التفاهم بين البشر قبل وجود اللغات، فالإشارة لغة عالمية.
كذلك في قوله سبحانه: وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا [النجم: ٤٤] أكد الضمير المتصل بالضمير المنفصل، لأن مسألة الإحياء والإماتة فيها شبهة المشاركة، فقد يظن البعض أن الطبيب مثلاً هو الذي أمات المريض أو أحياه، أو يظن أن القاتل هو الذي أمات القتيل.
فالحق سبحانه يختصّ لنفسه سبحانه بهذه الأمور له وحده سبحانه دون سواه وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا [النجم: ٤٤] فالواقع أن القتيل حين قُتِل لم يُمتْه القاتل، إنما جاء أجله موافقاً لهذه الضربة فمات، مات لأنه سيموت في هذه اللحظة حتى لو لم يضربه القاتل.
لذلك قال سبحانه في موضع آخر: ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ.. [الملك: ٢] فالموت والحياة خلق لله وحده لا دخلَ لأحد فيهما، لذلك قال الشاعر:
مَنْ لَمْ يُمُتْ بالسَّيْفِ مَاتَ بِغَيْره تَعدَّدَتْ الأسْبَابُ وَالموْتُ وَاحِدُ
وقالوا: والموت من دون أسباب هو السبب. يعني: مات لأنه سيموت.
وقوله تعالى: وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ [الجم: ٤٥] لاحظ هنا أنه سبحانه لم يقل: وأنه هو، لأن المسألة لا تحتاج إلى هذا التأكيد، فقضية الخلق الكل يُسلِّم بها لله، ولم يدَّعها أحدٌ لنفسه، وليس فيها شبهة المشاركة من الخَلْق.
ومعنى (الزوجين) أي: النوعين الذكر والأنثى. فالزوج فرد معه مثله، كما جاء في قوله تعالى: ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ.. [الأنعام: ١٤٣].
مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ [النجم: ٤٦] فأصل الخَلْق نطفة وهي قطرة المني.
إِذَا تُمْنَىٰ [النجم: ٤٦] أي: تُدفع وتلقى في رحم المرأة، فيكون منها الولد بقدرة الله.
وهذه الآية حلَّتْ لنا إشكالاً طال الخلاف فيه بين العلماء، فقد كان البعض يعتقدون أن المرأة هي المسئولة عن النوع: ذكر أم أنثى. لكن حينما نقرأ هنا وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ * مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ [النجم: ٤٥-٤٦] نعلم علم اليقين أن الرجل هو المسئول عن هذه المسألة، فالنطفة هي نطفة الرجل يلقيها في رحم زوجته، فالزوجة إذن مُستقبلة تعطي ما أخذتْ.
وقلنا: إن المرأة العربية قد توصلتْ بطبيعتها وفطرتها إلى هذه الحقيقة، فالمرأة التي تزوج عليها زوجها لأنها لا تلد له إلا البنات، قالت:
مَا لأِبِي حَمْزَةَ لاَ يَأتينَا يظَلّ في البَيْتِ الذي يَلينا
غَضْبَانَ ألاَّ نَلدَ البَنينَا تَالله مَا ذَلكَ في أَيْدينَا
ونَحْنُ كَالأرْضِ لِغَارسِينَا نُعْطِي لَهُمْ مثْلَ الذِي أُعْطِينَا
إذن: انتهتْ المرأة العربية بفطرتها إلى ما انتهى إليه العلماء مؤخراً، ولا بد أن نفرِّق بين النطفة والمني: النطفة هي السائل الذي يعيش فيه الحيوان المنوي، والمني الميكروب نفسه الذي يكون منه الولد.
ورحم الله العقاد حينما قال: إن نصف كستبان الخياطة يحوي أنْسَال الدنيا كلها، ويمكن أنْ نملأ نصف كستبان الخياطة بقذفة واحدة للرجل، سبحان الله.
لذلك لما كان في هذا الفعل شبهة المشاركة أكّد الحق سبحانه تفرّده بالعمل، فلا دخلَ لأحد غيره فيه، فقال تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ.. [النجم: ٤٣] فأكّد الضمير المتصل بضمير آخر منفصل، فهو وحده الذي جعلك تضحك، بمعنى خلق فيك هذه الطبيعة وجعلك صالحاً لها.
لذلك نجد أن المشاعر والعواطف والأمور الطبيعية في البشر تتحد في جميع اللغات وعند كل الشعوب على اختلافها، فليس هناك مثلاً ضحك عربي، وضحك إنجليزي أو ألماني، ليس هناك بكاء روسي، وبكاء ياباني.
ففي هذه الأمور يتحد الناس، حتى في الإشارة نجدها واحدة على اختلاف اللغات، الكل يفهمها لأنها أصل التفاهم بين البشر قبل وجود اللغات، فالإشارة لغة عالمية.
كذلك في قوله سبحانه: وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا [النجم: ٤٤] أكد الضمير المتصل بالضمير المنفصل، لأن مسألة الإحياء والإماتة فيها شبهة المشاركة، فقد يظن البعض أن الطبيب مثلاً هو الذي أمات المريض أو أحياه، أو يظن أن القاتل هو الذي أمات القتيل.
فالحق سبحانه يختصّ لنفسه سبحانه بهذه الأمور له وحده سبحانه دون سواه وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا [النجم: ٤٤] فالواقع أن القتيل حين قُتِل لم يُمتْه القاتل، إنما جاء أجله موافقاً لهذه الضربة فمات، مات لأنه سيموت في هذه اللحظة حتى لو لم يضربه القاتل.
لذلك قال سبحانه في موضع آخر: ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ.. [الملك: ٢] فالموت والحياة خلق لله وحده لا دخلَ لأحد فيهما، لذلك قال الشاعر:
مَنْ لَمْ يُمُتْ بالسَّيْفِ مَاتَ بِغَيْره تَعدَّدَتْ الأسْبَابُ وَالموْتُ وَاحِدُ
وقالوا: والموت من دون أسباب هو السبب. يعني: مات لأنه سيموت.
وقوله تعالى: وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ [الجم: ٤٥] لاحظ هنا أنه سبحانه لم يقل: وأنه هو، لأن المسألة لا تحتاج إلى هذا التأكيد، فقضية الخلق الكل يُسلِّم بها لله، ولم يدَّعها أحدٌ لنفسه، وليس فيها شبهة المشاركة من الخَلْق.
ومعنى (الزوجين) أي: النوعين الذكر والأنثى. فالزوج فرد معه مثله، كما جاء في قوله تعالى: ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ.. [الأنعام: ١٤٣].
مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ [النجم: ٤٦] فأصل الخَلْق نطفة وهي قطرة المني.
إِذَا تُمْنَىٰ [النجم: ٤٦] أي: تُدفع وتلقى في رحم المرأة، فيكون منها الولد بقدرة الله.
وهذه الآية حلَّتْ لنا إشكالاً طال الخلاف فيه بين العلماء، فقد كان البعض يعتقدون أن المرأة هي المسئولة عن النوع: ذكر أم أنثى. لكن حينما نقرأ هنا وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ * مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ [النجم: ٤٥-٤٦] نعلم علم اليقين أن الرجل هو المسئول عن هذه المسألة، فالنطفة هي نطفة الرجل يلقيها في رحم زوجته، فالزوجة إذن مُستقبلة تعطي ما أخذتْ.
وقلنا: إن المرأة العربية قد توصلتْ بطبيعتها وفطرتها إلى هذه الحقيقة، فالمرأة التي تزوج عليها زوجها لأنها لا تلد له إلا البنات، قالت:
مَا لأِبِي حَمْزَةَ لاَ يَأتينَا يظَلّ في البَيْتِ الذي يَلينا
غَضْبَانَ ألاَّ نَلدَ البَنينَا تَالله مَا ذَلكَ في أَيْدينَا
ونَحْنُ كَالأرْضِ لِغَارسِينَا نُعْطِي لَهُمْ مثْلَ الذِي أُعْطِينَا
إذن: انتهتْ المرأة العربية بفطرتها إلى ما انتهى إليه العلماء مؤخراً، ولا بد أن نفرِّق بين النطفة والمني: النطفة هي السائل الذي يعيش فيه الحيوان المنوي، والمني الميكروب نفسه الذي يكون منه الولد.
ورحم الله العقاد حينما قال: إن نصف كستبان الخياطة يحوي أنْسَال الدنيا كلها، ويمكن أنْ نملأ نصف كستبان الخياطة بقذفة واحدة للرجل، سبحان الله.
آية رقم ٤٦
ﭗﭘﭙﭚ
ﭛ
قوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ [النجم: ٤٣] أي: خلق فيك الضحك وخلق فيك البكاء جعلك تُسر وتحزن، أنت مثلاً حينما تشاهد عملاً (كوميدياً) تضحك، (فالكوميديا) سبَّبتْ عندك الضحك، لكن لم تخلق فيك طبيعة الضحك.
لذلك لما كان في هذا الفعل شبهة المشاركة أكّد الحق سبحانه تفرّده بالعمل، فلا دخلَ لأحد غيره فيه، فقال تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ.. [النجم: ٤٣] فأكّد الضمير المتصل بضمير آخر منفصل، فهو وحده الذي جعلك تضحك، بمعنى خلق فيك هذه الطبيعة وجعلك صالحاً لها.
لذلك نجد أن المشاعر والعواطف والأمور الطبيعية في البشر تتحد في جميع اللغات وعند كل الشعوب على اختلافها، فليس هناك مثلاً ضحك عربي، وضحك إنجليزي أو ألماني، ليس هناك بكاء روسي، وبكاء ياباني.
ففي هذه الأمور يتحد الناس، حتى في الإشارة نجدها واحدة على اختلاف اللغات، الكل يفهمها لأنها أصل التفاهم بين البشر قبل وجود اللغات، فالإشارة لغة عالمية.
كذلك في قوله سبحانه: وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا [النجم: ٤٤] أكد الضمير المتصل بالضمير المنفصل، لأن مسألة الإحياء والإماتة فيها شبهة المشاركة، فقد يظن البعض أن الطبيب مثلاً هو الذي أمات المريض أو أحياه، أو يظن أن القاتل هو الذي أمات القتيل.
فالحق سبحانه يختصّ لنفسه سبحانه بهذه الأمور له وحده سبحانه دون سواه وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا [النجم: ٤٤] فالواقع أن القتيل حين قُتِل لم يُمتْه القاتل، إنما جاء أجله موافقاً لهذه الضربة فمات، مات لأنه سيموت في هذه اللحظة حتى لو لم يضربه القاتل.
لذلك قال سبحانه في موضع آخر: ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ.. [الملك: ٢] فالموت والحياة خلق لله وحده لا دخلَ لأحد فيهما، لذلك قال الشاعر:
مَنْ لَمْ يُمُتْ بالسَّيْفِ مَاتَ بِغَيْره تَعدَّدَتْ الأسْبَابُ وَالموْتُ وَاحِدُ
وقالوا: والموت من دون أسباب هو السبب. يعني: مات لأنه سيموت.
وقوله تعالى: وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ [الجم: ٤٥] لاحظ هنا أنه سبحانه لم يقل: وأنه هو، لأن المسألة لا تحتاج إلى هذا التأكيد، فقضية الخلق الكل يُسلِّم بها لله، ولم يدَّعها أحدٌ لنفسه، وليس فيها شبهة المشاركة من الخَلْق.
ومعنى (الزوجين) أي: النوعين الذكر والأنثى. فالزوج فرد معه مثله، كما جاء في قوله تعالى: ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ.. [الأنعام: ١٤٣].
مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ [النجم: ٤٦] فأصل الخَلْق نطفة وهي قطرة المني.
إِذَا تُمْنَىٰ [النجم: ٤٦] أي: تُدفع وتلقى في رحم المرأة، فيكون منها الولد بقدرة الله.
وهذه الآية حلَّتْ لنا إشكالاً طال الخلاف فيه بين العلماء، فقد كان البعض يعتقدون أن المرأة هي المسئولة عن النوع: ذكر أم أنثى. لكن حينما نقرأ هنا وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ * مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ [النجم: ٤٥-٤٦] نعلم علم اليقين أن الرجل هو المسئول عن هذه المسألة، فالنطفة هي نطفة الرجل يلقيها في رحم زوجته، فالزوجة إذن مُستقبلة تعطي ما أخذتْ.
وقلنا: إن المرأة العربية قد توصلتْ بطبيعتها وفطرتها إلى هذه الحقيقة، فالمرأة التي تزوج عليها زوجها لأنها لا تلد له إلا البنات، قالت:
مَا لأِبِي حَمْزَةَ لاَ يَأتينَا يظَلّ في البَيْتِ الذي يَلينا
غَضْبَانَ ألاَّ نَلدَ البَنينَا تَالله مَا ذَلكَ في أَيْدينَا
ونَحْنُ كَالأرْضِ لِغَارسِينَا نُعْطِي لَهُمْ مثْلَ الذِي أُعْطِينَا
إذن: انتهتْ المرأة العربية بفطرتها إلى ما انتهى إليه العلماء مؤخراً، ولا بد أن نفرِّق بين النطفة والمني: النطفة هي السائل الذي يعيش فيه الحيوان المنوي، والمني الميكروب نفسه الذي يكون منه الولد.
ورحم الله العقاد حينما قال: إن نصف كستبان الخياطة يحوي أنْسَال الدنيا كلها، ويمكن أنْ نملأ نصف كستبان الخياطة بقذفة واحدة للرجل، سبحان الله.
لذلك لما كان في هذا الفعل شبهة المشاركة أكّد الحق سبحانه تفرّده بالعمل، فلا دخلَ لأحد غيره فيه، فقال تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ.. [النجم: ٤٣] فأكّد الضمير المتصل بضمير آخر منفصل، فهو وحده الذي جعلك تضحك، بمعنى خلق فيك هذه الطبيعة وجعلك صالحاً لها.
لذلك نجد أن المشاعر والعواطف والأمور الطبيعية في البشر تتحد في جميع اللغات وعند كل الشعوب على اختلافها، فليس هناك مثلاً ضحك عربي، وضحك إنجليزي أو ألماني، ليس هناك بكاء روسي، وبكاء ياباني.
ففي هذه الأمور يتحد الناس، حتى في الإشارة نجدها واحدة على اختلاف اللغات، الكل يفهمها لأنها أصل التفاهم بين البشر قبل وجود اللغات، فالإشارة لغة عالمية.
كذلك في قوله سبحانه: وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا [النجم: ٤٤] أكد الضمير المتصل بالضمير المنفصل، لأن مسألة الإحياء والإماتة فيها شبهة المشاركة، فقد يظن البعض أن الطبيب مثلاً هو الذي أمات المريض أو أحياه، أو يظن أن القاتل هو الذي أمات القتيل.
فالحق سبحانه يختصّ لنفسه سبحانه بهذه الأمور له وحده سبحانه دون سواه وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا [النجم: ٤٤] فالواقع أن القتيل حين قُتِل لم يُمتْه القاتل، إنما جاء أجله موافقاً لهذه الضربة فمات، مات لأنه سيموت في هذه اللحظة حتى لو لم يضربه القاتل.
لذلك قال سبحانه في موضع آخر: ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ.. [الملك: ٢] فالموت والحياة خلق لله وحده لا دخلَ لأحد فيهما، لذلك قال الشاعر:
مَنْ لَمْ يُمُتْ بالسَّيْفِ مَاتَ بِغَيْره تَعدَّدَتْ الأسْبَابُ وَالموْتُ وَاحِدُ
وقالوا: والموت من دون أسباب هو السبب. يعني: مات لأنه سيموت.
وقوله تعالى: وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ [الجم: ٤٥] لاحظ هنا أنه سبحانه لم يقل: وأنه هو، لأن المسألة لا تحتاج إلى هذا التأكيد، فقضية الخلق الكل يُسلِّم بها لله، ولم يدَّعها أحدٌ لنفسه، وليس فيها شبهة المشاركة من الخَلْق.
ومعنى (الزوجين) أي: النوعين الذكر والأنثى. فالزوج فرد معه مثله، كما جاء في قوله تعالى: ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ.. [الأنعام: ١٤٣].
مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ [النجم: ٤٦] فأصل الخَلْق نطفة وهي قطرة المني.
إِذَا تُمْنَىٰ [النجم: ٤٦] أي: تُدفع وتلقى في رحم المرأة، فيكون منها الولد بقدرة الله.
وهذه الآية حلَّتْ لنا إشكالاً طال الخلاف فيه بين العلماء، فقد كان البعض يعتقدون أن المرأة هي المسئولة عن النوع: ذكر أم أنثى. لكن حينما نقرأ هنا وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ * مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ [النجم: ٤٥-٤٦] نعلم علم اليقين أن الرجل هو المسئول عن هذه المسألة، فالنطفة هي نطفة الرجل يلقيها في رحم زوجته، فالزوجة إذن مُستقبلة تعطي ما أخذتْ.
وقلنا: إن المرأة العربية قد توصلتْ بطبيعتها وفطرتها إلى هذه الحقيقة، فالمرأة التي تزوج عليها زوجها لأنها لا تلد له إلا البنات، قالت:
مَا لأِبِي حَمْزَةَ لاَ يَأتينَا يظَلّ في البَيْتِ الذي يَلينا
غَضْبَانَ ألاَّ نَلدَ البَنينَا تَالله مَا ذَلكَ في أَيْدينَا
ونَحْنُ كَالأرْضِ لِغَارسِينَا نُعْطِي لَهُمْ مثْلَ الذِي أُعْطِينَا
إذن: انتهتْ المرأة العربية بفطرتها إلى ما انتهى إليه العلماء مؤخراً، ولا بد أن نفرِّق بين النطفة والمني: النطفة هي السائل الذي يعيش فيه الحيوان المنوي، والمني الميكروب نفسه الذي يكون منه الولد.
ورحم الله العقاد حينما قال: إن نصف كستبان الخياطة يحوي أنْسَال الدنيا كلها، ويمكن أنْ نملأ نصف كستبان الخياطة بقذفة واحدة للرجل، سبحان الله.
آية رقم ٤٧
ﭜﭝﭞﭟ
ﭠ
يعني: لا تظن أن الدنيا هي نهاية المطاف، فالذي أنشأكم هذه النشأة في الدنيا قادر على إعادتكم في نشأة أخرى يوم القيامة، كما قال سبحانه في موضع آخر: أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ق: ١٥].
والخَلْق الجديد سيكون في الآخرة حين يبعث اللهُ الموتى، والذي خلق بداية من عدم قادر من باب أوْلَى على الإعادة من بقايا الخَلْق الأول، لذلك قال سبحانه: قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ [ق: ٤].
وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ [النجم: ٤٨] لاحظ هنا التخصيص والتأكيد بإعادة الضمير المنفصل بعد الضمير المتصل، وهذا يدلنا على أن مسألة الرزق والغنى والفقر لله وحده لا دخْلَ لأحد فيها، فهو وحده سبحانه الذي يسوق الأرزاق، ويجعل هذا غنياً وهذا فقيراً.
إذن: لما وُجدت الشبهة في أن أحداً يشارك الله في هذه المسألة جاءت الآية بهذا الأسلوب، ألا ترى للآية قبلها وَأَنَّ عَلَيْهِ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُخْرَىٰ [النجم: ٤٧] هذكا بدون (هو) لأن مسألة النشاة الأخرى ليس فيها شبهة المشاركة.
معنى أَغْنَىٰ.. [النجم: ٤٨] أغناك أيها العبد بما ملكه لك عما في يد غيرك، فالغنى إذن كلّ ما أغناك عن الناس من مال أو قوة أو غيره وَأَقْنَىٰ [النجم: ٤٨] أقنعك وأرضاك بما عندك مهما كان قليلاً.
وكثيراً ما نرى أناساً ضُيِّق عليهم الرزق، ومع ذلك تراهم راضين بقسم الله، بل سعداء به، وربما كانوا أحسن حالاً من الأغنياء، إذن: هذا عطاء وهذا أيضاً عطاء، فالقناعة والرضا تساوي الغنى وسعة العيش.
ومن ذلك قالوا: "القناعة كنز لا يفنى" في حين أن كنز المال ربما يفنى، فالغنى الحقيقي إذن في النفس ليس في العرض. وقالوا وَأَقْنَىٰ [النجم: ٤٨] من القنية أي: ما يقتنيه الإنسان من المتاع والأثاث ونحوه.
وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ ٱلشِّعْرَىٰ [النجم: ٤٩] الشِّعْرى كوكب من الكواكب، قالوا: إنه من الضخامة بحيث يسع مليون شمس مثل هذه الشمس، وأنه لو اقترب من الأرض لاحترقتْ، فكأنه يمد الشمس بالحرارة وهي تمدنا، فلا نأخذ منها مباشرة مثل التيار الكهربائي.
فلو أخذنا للبيوت من التيار العالي في الأكشاك لاحترقتْ الأجهزة والمصابيح في البيت، لأن الضعيف لا يستطيع أنْ يستقبل من القوي مباشرة، بل لا بدّ من المنظم أو (الترانس)، وهكذا تكون الشمس بالنسبة للشعرى.
والخَلْق الجديد سيكون في الآخرة حين يبعث اللهُ الموتى، والذي خلق بداية من عدم قادر من باب أوْلَى على الإعادة من بقايا الخَلْق الأول، لذلك قال سبحانه: قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ [ق: ٤].
وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ [النجم: ٤٨] لاحظ هنا التخصيص والتأكيد بإعادة الضمير المنفصل بعد الضمير المتصل، وهذا يدلنا على أن مسألة الرزق والغنى والفقر لله وحده لا دخْلَ لأحد فيها، فهو وحده سبحانه الذي يسوق الأرزاق، ويجعل هذا غنياً وهذا فقيراً.
إذن: لما وُجدت الشبهة في أن أحداً يشارك الله في هذه المسألة جاءت الآية بهذا الأسلوب، ألا ترى للآية قبلها وَأَنَّ عَلَيْهِ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُخْرَىٰ [النجم: ٤٧] هذكا بدون (هو) لأن مسألة النشاة الأخرى ليس فيها شبهة المشاركة.
معنى أَغْنَىٰ.. [النجم: ٤٨] أغناك أيها العبد بما ملكه لك عما في يد غيرك، فالغنى إذن كلّ ما أغناك عن الناس من مال أو قوة أو غيره وَأَقْنَىٰ [النجم: ٤٨] أقنعك وأرضاك بما عندك مهما كان قليلاً.
وكثيراً ما نرى أناساً ضُيِّق عليهم الرزق، ومع ذلك تراهم راضين بقسم الله، بل سعداء به، وربما كانوا أحسن حالاً من الأغنياء، إذن: هذا عطاء وهذا أيضاً عطاء، فالقناعة والرضا تساوي الغنى وسعة العيش.
ومن ذلك قالوا: "القناعة كنز لا يفنى" في حين أن كنز المال ربما يفنى، فالغنى الحقيقي إذن في النفس ليس في العرض. وقالوا وَأَقْنَىٰ [النجم: ٤٨] من القنية أي: ما يقتنيه الإنسان من المتاع والأثاث ونحوه.
وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ ٱلشِّعْرَىٰ [النجم: ٤٩] الشِّعْرى كوكب من الكواكب، قالوا: إنه من الضخامة بحيث يسع مليون شمس مثل هذه الشمس، وأنه لو اقترب من الأرض لاحترقتْ، فكأنه يمد الشمس بالحرارة وهي تمدنا، فلا نأخذ منها مباشرة مثل التيار الكهربائي.
فلو أخذنا للبيوت من التيار العالي في الأكشاك لاحترقتْ الأجهزة والمصابيح في البيت، لأن الضعيف لا يستطيع أنْ يستقبل من القوي مباشرة، بل لا بدّ من المنظم أو (الترانس)، وهكذا تكون الشمس بالنسبة للشعرى.
آية رقم ٤٨
ﭡﭢﭣﭤ
ﭥ
يعني: لا تظن أن الدنيا هي نهاية المطاف، فالذي أنشأكم هذه النشأة في الدنيا قادر على إعادتكم في نشأة أخرى يوم القيامة، كما قال سبحانه في موضع آخر: أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ق: ١٥].
والخَلْق الجديد سيكون في الآخرة حين يبعث اللهُ الموتى، والذي خلق بداية من عدم قادر من باب أوْلَى على الإعادة من بقايا الخَلْق الأول، لذلك قال سبحانه: قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ [ق: ٤].
وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ [النجم: ٤٨] لاحظ هنا التخصيص والتأكيد بإعادة الضمير المنفصل بعد الضمير المتصل، وهذا يدلنا على أن مسألة الرزق والغنى والفقر لله وحده لا دخْلَ لأحد فيها، فهو وحده سبحانه الذي يسوق الأرزاق، ويجعل هذا غنياً وهذا فقيراً.
إذن: لما وُجدت الشبهة في أن أحداً يشارك الله في هذه المسألة جاءت الآية بهذا الأسلوب، ألا ترى للآية قبلها وَأَنَّ عَلَيْهِ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُخْرَىٰ [النجم: ٤٧] هذكا بدون (هو) لأن مسألة النشاة الأخرى ليس فيها شبهة المشاركة.
معنى أَغْنَىٰ.. [النجم: ٤٨] أغناك أيها العبد بما ملكه لك عما في يد غيرك، فالغنى إذن كلّ ما أغناك عن الناس من مال أو قوة أو غيره وَأَقْنَىٰ [النجم: ٤٨] أقنعك وأرضاك بما عندك مهما كان قليلاً.
وكثيراً ما نرى أناساً ضُيِّق عليهم الرزق، ومع ذلك تراهم راضين بقسم الله، بل سعداء به، وربما كانوا أحسن حالاً من الأغنياء، إذن: هذا عطاء وهذا أيضاً عطاء، فالقناعة والرضا تساوي الغنى وسعة العيش.
ومن ذلك قالوا: "القناعة كنز لا يفنى" في حين أن كنز المال ربما يفنى، فالغنى الحقيقي إذن في النفس ليس في العرض. وقالوا وَأَقْنَىٰ [النجم: ٤٨] من القنية أي: ما يقتنيه الإنسان من المتاع والأثاث ونحوه.
وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ ٱلشِّعْرَىٰ [النجم: ٤٩] الشِّعْرى كوكب من الكواكب، قالوا: إنه من الضخامة بحيث يسع مليون شمس مثل هذه الشمس، وأنه لو اقترب من الأرض لاحترقتْ، فكأنه يمد الشمس بالحرارة وهي تمدنا، فلا نأخذ منها مباشرة مثل التيار الكهربائي.
فلو أخذنا للبيوت من التيار العالي في الأكشاك لاحترقتْ الأجهزة والمصابيح في البيت، لأن الضعيف لا يستطيع أنْ يستقبل من القوي مباشرة، بل لا بدّ من المنظم أو (الترانس)، وهكذا تكون الشمس بالنسبة للشعرى.
والخَلْق الجديد سيكون في الآخرة حين يبعث اللهُ الموتى، والذي خلق بداية من عدم قادر من باب أوْلَى على الإعادة من بقايا الخَلْق الأول، لذلك قال سبحانه: قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ [ق: ٤].
وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ [النجم: ٤٨] لاحظ هنا التخصيص والتأكيد بإعادة الضمير المنفصل بعد الضمير المتصل، وهذا يدلنا على أن مسألة الرزق والغنى والفقر لله وحده لا دخْلَ لأحد فيها، فهو وحده سبحانه الذي يسوق الأرزاق، ويجعل هذا غنياً وهذا فقيراً.
إذن: لما وُجدت الشبهة في أن أحداً يشارك الله في هذه المسألة جاءت الآية بهذا الأسلوب، ألا ترى للآية قبلها وَأَنَّ عَلَيْهِ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُخْرَىٰ [النجم: ٤٧] هذكا بدون (هو) لأن مسألة النشاة الأخرى ليس فيها شبهة المشاركة.
معنى أَغْنَىٰ.. [النجم: ٤٨] أغناك أيها العبد بما ملكه لك عما في يد غيرك، فالغنى إذن كلّ ما أغناك عن الناس من مال أو قوة أو غيره وَأَقْنَىٰ [النجم: ٤٨] أقنعك وأرضاك بما عندك مهما كان قليلاً.
وكثيراً ما نرى أناساً ضُيِّق عليهم الرزق، ومع ذلك تراهم راضين بقسم الله، بل سعداء به، وربما كانوا أحسن حالاً من الأغنياء، إذن: هذا عطاء وهذا أيضاً عطاء، فالقناعة والرضا تساوي الغنى وسعة العيش.
ومن ذلك قالوا: "القناعة كنز لا يفنى" في حين أن كنز المال ربما يفنى، فالغنى الحقيقي إذن في النفس ليس في العرض. وقالوا وَأَقْنَىٰ [النجم: ٤٨] من القنية أي: ما يقتنيه الإنسان من المتاع والأثاث ونحوه.
وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ ٱلشِّعْرَىٰ [النجم: ٤٩] الشِّعْرى كوكب من الكواكب، قالوا: إنه من الضخامة بحيث يسع مليون شمس مثل هذه الشمس، وأنه لو اقترب من الأرض لاحترقتْ، فكأنه يمد الشمس بالحرارة وهي تمدنا، فلا نأخذ منها مباشرة مثل التيار الكهربائي.
فلو أخذنا للبيوت من التيار العالي في الأكشاك لاحترقتْ الأجهزة والمصابيح في البيت، لأن الضعيف لا يستطيع أنْ يستقبل من القوي مباشرة، بل لا بدّ من المنظم أو (الترانس)، وهكذا تكون الشمس بالنسبة للشعرى.
آية رقم ٤٩
ﭦﭧﭨﭩ
ﭪ
يعني: لا تظن أن الدنيا هي نهاية المطاف، فالذي أنشأكم هذه النشأة في الدنيا قادر على إعادتكم في نشأة أخرى يوم القيامة، كما قال سبحانه في موضع آخر: أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ق: ١٥].
والخَلْق الجديد سيكون في الآخرة حين يبعث اللهُ الموتى، والذي خلق بداية من عدم قادر من باب أوْلَى على الإعادة من بقايا الخَلْق الأول، لذلك قال سبحانه: قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ [ق: ٤].
وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ [النجم: ٤٨] لاحظ هنا التخصيص والتأكيد بإعادة الضمير المنفصل بعد الضمير المتصل، وهذا يدلنا على أن مسألة الرزق والغنى والفقر لله وحده لا دخْلَ لأحد فيها، فهو وحده سبحانه الذي يسوق الأرزاق، ويجعل هذا غنياً وهذا فقيراً.
إذن: لما وُجدت الشبهة في أن أحداً يشارك الله في هذه المسألة جاءت الآية بهذا الأسلوب، ألا ترى للآية قبلها وَأَنَّ عَلَيْهِ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُخْرَىٰ [النجم: ٤٧] هذكا بدون (هو) لأن مسألة النشاة الأخرى ليس فيها شبهة المشاركة.
معنى أَغْنَىٰ.. [النجم: ٤٨] أغناك أيها العبد بما ملكه لك عما في يد غيرك، فالغنى إذن كلّ ما أغناك عن الناس من مال أو قوة أو غيره وَأَقْنَىٰ [النجم: ٤٨] أقنعك وأرضاك بما عندك مهما كان قليلاً.
وكثيراً ما نرى أناساً ضُيِّق عليهم الرزق، ومع ذلك تراهم راضين بقسم الله، بل سعداء به، وربما كانوا أحسن حالاً من الأغنياء، إذن: هذا عطاء وهذا أيضاً عطاء، فالقناعة والرضا تساوي الغنى وسعة العيش.
ومن ذلك قالوا: "القناعة كنز لا يفنى" في حين أن كنز المال ربما يفنى، فالغنى الحقيقي إذن في النفس ليس في العرض. وقالوا وَأَقْنَىٰ [النجم: ٤٨] من القنية أي: ما يقتنيه الإنسان من المتاع والأثاث ونحوه.
وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ ٱلشِّعْرَىٰ [النجم: ٤٩] الشِّعْرى كوكب من الكواكب، قالوا: إنه من الضخامة بحيث يسع مليون شمس مثل هذه الشمس، وأنه لو اقترب من الأرض لاحترقتْ، فكأنه يمد الشمس بالحرارة وهي تمدنا، فلا نأخذ منها مباشرة مثل التيار الكهربائي.
فلو أخذنا للبيوت من التيار العالي في الأكشاك لاحترقتْ الأجهزة والمصابيح في البيت، لأن الضعيف لا يستطيع أنْ يستقبل من القوي مباشرة، بل لا بدّ من المنظم أو (الترانس)، وهكذا تكون الشمس بالنسبة للشعرى.
والخَلْق الجديد سيكون في الآخرة حين يبعث اللهُ الموتى، والذي خلق بداية من عدم قادر من باب أوْلَى على الإعادة من بقايا الخَلْق الأول، لذلك قال سبحانه: قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ [ق: ٤].
وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ [النجم: ٤٨] لاحظ هنا التخصيص والتأكيد بإعادة الضمير المنفصل بعد الضمير المتصل، وهذا يدلنا على أن مسألة الرزق والغنى والفقر لله وحده لا دخْلَ لأحد فيها، فهو وحده سبحانه الذي يسوق الأرزاق، ويجعل هذا غنياً وهذا فقيراً.
إذن: لما وُجدت الشبهة في أن أحداً يشارك الله في هذه المسألة جاءت الآية بهذا الأسلوب، ألا ترى للآية قبلها وَأَنَّ عَلَيْهِ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُخْرَىٰ [النجم: ٤٧] هذكا بدون (هو) لأن مسألة النشاة الأخرى ليس فيها شبهة المشاركة.
معنى أَغْنَىٰ.. [النجم: ٤٨] أغناك أيها العبد بما ملكه لك عما في يد غيرك، فالغنى إذن كلّ ما أغناك عن الناس من مال أو قوة أو غيره وَأَقْنَىٰ [النجم: ٤٨] أقنعك وأرضاك بما عندك مهما كان قليلاً.
وكثيراً ما نرى أناساً ضُيِّق عليهم الرزق، ومع ذلك تراهم راضين بقسم الله، بل سعداء به، وربما كانوا أحسن حالاً من الأغنياء، إذن: هذا عطاء وهذا أيضاً عطاء، فالقناعة والرضا تساوي الغنى وسعة العيش.
ومن ذلك قالوا: "القناعة كنز لا يفنى" في حين أن كنز المال ربما يفنى، فالغنى الحقيقي إذن في النفس ليس في العرض. وقالوا وَأَقْنَىٰ [النجم: ٤٨] من القنية أي: ما يقتنيه الإنسان من المتاع والأثاث ونحوه.
وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ ٱلشِّعْرَىٰ [النجم: ٤٩] الشِّعْرى كوكب من الكواكب، قالوا: إنه من الضخامة بحيث يسع مليون شمس مثل هذه الشمس، وأنه لو اقترب من الأرض لاحترقتْ، فكأنه يمد الشمس بالحرارة وهي تمدنا، فلا نأخذ منها مباشرة مثل التيار الكهربائي.
فلو أخذنا للبيوت من التيار العالي في الأكشاك لاحترقتْ الأجهزة والمصابيح في البيت، لأن الضعيف لا يستطيع أنْ يستقبل من القوي مباشرة، بل لا بدّ من المنظم أو (الترانس)، وهكذا تكون الشمس بالنسبة للشعرى.
آية رقم ٥٠
ﭫﭬﭭﭮ
ﭯ
معلوم أن عاداً قوم سيدنا هود عليه السلام، وقد أهلكهم الله بريح صرصر عاتية لما كذّبوا نبيهم، ومعنى عَاداً ٱلأُولَىٰ [النجم: ٥٠] أن هناك عاداً أخرى، قالوا: لما نزلت عليهم الريح أهلكتْ الموجودين منهم في هذا المكان الذي حَلَّ عليه العذاب، وكان منهم جماعات متفرقة تجمعوا، والتمسوا مكاناً آمناً، فذهبوا إلى مكة، وهذه هي عاد الأخرى.
وَثَمُودَ فَمَآ أَبْقَىٰ [النجم: ٥١] فكما أهلك عاداً أهلك ثموداً بالصيحة فَمَآ أَبْقَىٰ [النجم: ٥١] لم يُبْق منهم أحداً.
كذلك وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ.. [النجم: ٥٢] أهلكهم الله، ثم ميَّزهم عن سابقيهم بصفتين إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ [النجم: ٥٢].
إذن: كان الظلم والطغيان موجوداً في عاد وفي ثمود، أما قوم نوح فهم (أظلم) أشد ظلماً (وأطغَى) أشد طغياناً. ويكفي دليلاً على ذلك أنْ نبيهم لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، وما آمن معه إلا قليل.
وَثَمُودَ فَمَآ أَبْقَىٰ [النجم: ٥١] فكما أهلك عاداً أهلك ثموداً بالصيحة فَمَآ أَبْقَىٰ [النجم: ٥١] لم يُبْق منهم أحداً.
كذلك وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ.. [النجم: ٥٢] أهلكهم الله، ثم ميَّزهم عن سابقيهم بصفتين إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ [النجم: ٥٢].
إذن: كان الظلم والطغيان موجوداً في عاد وفي ثمود، أما قوم نوح فهم (أظلم) أشد ظلماً (وأطغَى) أشد طغياناً. ويكفي دليلاً على ذلك أنْ نبيهم لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، وما آمن معه إلا قليل.
آية رقم ٥١
ﭰﭱﭲ
ﭳ
معلوم أن عاداً قوم سيدنا هود عليه السلام، وقد أهلكهم الله بريح صرصر عاتية لما كذّبوا نبيهم، ومعنى عَاداً ٱلأُولَىٰ [النجم: ٥٠] أن هناك عاداً أخرى، قالوا: لما نزلت عليهم الريح أهلكتْ الموجودين منهم في هذا المكان الذي حَلَّ عليه العذاب، وكان منهم جماعات متفرقة تجمعوا، والتمسوا مكاناً آمناً، فذهبوا إلى مكة، وهذه هي عاد الأخرى.
وَثَمُودَ فَمَآ أَبْقَىٰ [النجم: ٥١] فكما أهلك عاداً أهلك ثموداً بالصيحة فَمَآ أَبْقَىٰ [النجم: ٥١] لم يُبْق منهم أحداً.
كذلك وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ.. [النجم: ٥٢] أهلكهم الله، ثم ميَّزهم عن سابقيهم بصفتين إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ [النجم: ٥٢].
إذن: كان الظلم والطغيان موجوداً في عاد وفي ثمود، أما قوم نوح فهم (أظلم) أشد ظلماً (وأطغَى) أشد طغياناً. ويكفي دليلاً على ذلك أنْ نبيهم لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، وما آمن معه إلا قليل.
وَثَمُودَ فَمَآ أَبْقَىٰ [النجم: ٥١] فكما أهلك عاداً أهلك ثموداً بالصيحة فَمَآ أَبْقَىٰ [النجم: ٥١] لم يُبْق منهم أحداً.
كذلك وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ.. [النجم: ٥٢] أهلكهم الله، ثم ميَّزهم عن سابقيهم بصفتين إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ [النجم: ٥٢].
إذن: كان الظلم والطغيان موجوداً في عاد وفي ثمود، أما قوم نوح فهم (أظلم) أشد ظلماً (وأطغَى) أشد طغياناً. ويكفي دليلاً على ذلك أنْ نبيهم لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، وما آمن معه إلا قليل.
آية رقم ٥٢
معلوم أن عاداً قوم سيدنا هود عليه السلام، وقد أهلكهم الله بريح صرصر عاتية لما كذّبوا نبيهم، ومعنى عَاداً ٱلأُولَىٰ [النجم: ٥٠] أن هناك عاداً أخرى، قالوا: لما نزلت عليهم الريح أهلكتْ الموجودين منهم في هذا المكان الذي حَلَّ عليه العذاب، وكان منهم جماعات متفرقة تجمعوا، والتمسوا مكاناً آمناً، فذهبوا إلى مكة، وهذه هي عاد الأخرى.
وَثَمُودَ فَمَآ أَبْقَىٰ [النجم: ٥١] فكما أهلك عاداً أهلك ثموداً بالصيحة فَمَآ أَبْقَىٰ [النجم: ٥١] لم يُبْق منهم أحداً.
كذلك وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ.. [النجم: ٥٢] أهلكهم الله، ثم ميَّزهم عن سابقيهم بصفتين إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ [النجم: ٥٢].
إذن: كان الظلم والطغيان موجوداً في عاد وفي ثمود، أما قوم نوح فهم (أظلم) أشد ظلماً (وأطغَى) أشد طغياناً. ويكفي دليلاً على ذلك أنْ نبيهم لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، وما آمن معه إلا قليل.
وَثَمُودَ فَمَآ أَبْقَىٰ [النجم: ٥١] فكما أهلك عاداً أهلك ثموداً بالصيحة فَمَآ أَبْقَىٰ [النجم: ٥١] لم يُبْق منهم أحداً.
كذلك وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ.. [النجم: ٥٢] أهلكهم الله، ثم ميَّزهم عن سابقيهم بصفتين إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ [النجم: ٥٢].
إذن: كان الظلم والطغيان موجوداً في عاد وفي ثمود، أما قوم نوح فهم (أظلم) أشد ظلماً (وأطغَى) أشد طغياناً. ويكفي دليلاً على ذلك أنْ نبيهم لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، وما آمن معه إلا قليل.
آية رقم ٥٣
ﭿﮀ
ﮁ
وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ [النجم: ٥٣] معطوفة على عاد وثمود وقوم نوح. وهي قرى قوم لوط، سُميت المؤتفكة، لأن الله تعالى كفأها رأساً على عقب، وجعل عاليها سافلها، لذلك نسمي الكذب إفكاً لأنه يَقلِب الحقائق، ومنه حادثة الإفك التي تناولتْ السيدة عائشة في سورة النور.
ومعنى أَهْوَىٰ [النجم: ٥٣] أنها هوتْ وسقطت، لأن الملائكة رفعتها إلى عنان السماء ثم كفأتها على مَنْ فيها فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ [النجم: ٥٤] غشَّاها نزل بها وعَمَّها أو غطاها.
مَا غَشَّىٰ [النجم: ٥٤] ما تعجبية تفيد الكثرة التي تفوق الوصف. أي: غشَّاها أمر فظيع عجيب وهول رهيب، نعم لأن الله تعالى جمع على قوم لوط ألواناً من العذاب في وقت واحد أو متتابعة بعضها إثر بعض.
قال تعالى: فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا [هود: ٨٢] أي: بهلاكهم جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنْضُودٍ * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود: ٨٢-٨٣].
ومعنى مُّسَوَّمَةً [هود: ٨٣] أي: مُعلّمة، كل حجر عليه اسم صاحبه فلم تكُنْ عشوائية، بل كانت محسوبة بدقة، فالحجر ينزل على صاحبه لا يتعدَّاه، ومثلها الحجارة التي أمطر بها أصحاب الفيل: وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ [الفيل: ٣-٤].
والعجيب بعد أنْ صرح السياق القرآني بلفظ الحجارة أنْ نسمع مَنْ يقول، بل هي ميكروب أو فيروس أصابهم جميعاً، والميكروب له مدة حضانة لينشط بعدها، أما هذه فنزلت عليهم في لحظتها.
ومعنى أَهْوَىٰ [النجم: ٥٣] أنها هوتْ وسقطت، لأن الملائكة رفعتها إلى عنان السماء ثم كفأتها على مَنْ فيها فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ [النجم: ٥٤] غشَّاها نزل بها وعَمَّها أو غطاها.
مَا غَشَّىٰ [النجم: ٥٤] ما تعجبية تفيد الكثرة التي تفوق الوصف. أي: غشَّاها أمر فظيع عجيب وهول رهيب، نعم لأن الله تعالى جمع على قوم لوط ألواناً من العذاب في وقت واحد أو متتابعة بعضها إثر بعض.
قال تعالى: فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا [هود: ٨٢] أي: بهلاكهم جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنْضُودٍ * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود: ٨٢-٨٣].
ومعنى مُّسَوَّمَةً [هود: ٨٣] أي: مُعلّمة، كل حجر عليه اسم صاحبه فلم تكُنْ عشوائية، بل كانت محسوبة بدقة، فالحجر ينزل على صاحبه لا يتعدَّاه، ومثلها الحجارة التي أمطر بها أصحاب الفيل: وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ [الفيل: ٣-٤].
والعجيب بعد أنْ صرح السياق القرآني بلفظ الحجارة أنْ نسمع مَنْ يقول، بل هي ميكروب أو فيروس أصابهم جميعاً، والميكروب له مدة حضانة لينشط بعدها، أما هذه فنزلت عليهم في لحظتها.
آية رقم ٥٤
ﮂﮃﮄ
ﮅ
وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ [النجم: ٥٣] معطوفة على عاد وثمود وقوم نوح. وهي قرى قوم لوط، سُميت المؤتفكة، لأن الله تعالى كفأها رأساً على عقب، وجعل عاليها سافلها، لذلك نسمي الكذب إفكاً لأنه يَقلِب الحقائق، ومنه حادثة الإفك التي تناولتْ السيدة عائشة في سورة النور.
ومعنى أَهْوَىٰ [النجم: ٥٣] أنها هوتْ وسقطت، لأن الملائكة رفعتها إلى عنان السماء ثم كفأتها على مَنْ فيها فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ [النجم: ٥٤] غشَّاها نزل بها وعَمَّها أو غطاها.
مَا غَشَّىٰ [النجم: ٥٤] ما تعجبية تفيد الكثرة التي تفوق الوصف. أي: غشَّاها أمر فظيع عجيب وهول رهيب، نعم لأن الله تعالى جمع على قوم لوط ألواناً من العذاب في وقت واحد أو متتابعة بعضها إثر بعض.
قال تعالى: فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا [هود: ٨٢] أي: بهلاكهم جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنْضُودٍ * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود: ٨٢-٨٣].
ومعنى مُّسَوَّمَةً [هود: ٨٣] أي: مُعلّمة، كل حجر عليه اسم صاحبه فلم تكُنْ عشوائية، بل كانت محسوبة بدقة، فالحجر ينزل على صاحبه لا يتعدَّاه، ومثلها الحجارة التي أمطر بها أصحاب الفيل: وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ [الفيل: ٣-٤].
والعجيب بعد أنْ صرح السياق القرآني بلفظ الحجارة أنْ نسمع مَنْ يقول، بل هي ميكروب أو فيروس أصابهم جميعاً، والميكروب له مدة حضانة لينشط بعدها، أما هذه فنزلت عليهم في لحظتها.
ومعنى أَهْوَىٰ [النجم: ٥٣] أنها هوتْ وسقطت، لأن الملائكة رفعتها إلى عنان السماء ثم كفأتها على مَنْ فيها فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ [النجم: ٥٤] غشَّاها نزل بها وعَمَّها أو غطاها.
مَا غَشَّىٰ [النجم: ٥٤] ما تعجبية تفيد الكثرة التي تفوق الوصف. أي: غشَّاها أمر فظيع عجيب وهول رهيب، نعم لأن الله تعالى جمع على قوم لوط ألواناً من العذاب في وقت واحد أو متتابعة بعضها إثر بعض.
قال تعالى: فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا [هود: ٨٢] أي: بهلاكهم جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنْضُودٍ * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود: ٨٢-٨٣].
ومعنى مُّسَوَّمَةً [هود: ٨٣] أي: مُعلّمة، كل حجر عليه اسم صاحبه فلم تكُنْ عشوائية، بل كانت محسوبة بدقة، فالحجر ينزل على صاحبه لا يتعدَّاه، ومثلها الحجارة التي أمطر بها أصحاب الفيل: وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ [الفيل: ٣-٤].
والعجيب بعد أنْ صرح السياق القرآني بلفظ الحجارة أنْ نسمع مَنْ يقول، بل هي ميكروب أو فيروس أصابهم جميعاً، والميكروب له مدة حضانة لينشط بعدها، أما هذه فنزلت عليهم في لحظتها.
آية رقم ٥٥
ﮆﮇﮈﮉ
ﮊ
الحق سبحانه وتعالى يُسلِّي رسوله صلى الله عليه وسلم ويُطمئنه على نُصْرة الله له وتأييده الدعوة، فسنة الله في الدعوات أنْ ينتهي الأمر بنصرة الحق، وها هي الأدلة باقية شاهدة على إهلاك المكذّبين، فقال تعالى: وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِٱلَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [الصافات: ١٣٧-١٣٨] فآثارهم باقية ترونها ليل نهار.
يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ [النجم: ٥٥] بأيِّ نِعمَ ربك يا محمد تَتَمَارَىٰ [النجم: ٥٥] المراء الشك أو الجدال، كأنه تعالى يقول له اطمئن فسوف يُتم الله عليك نعمه.
وفي سورة الرحمن: فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ١٣] والحديث للإنس والجن، والرسول صلى الله عليه وسلم لما قرأها قال: إذن: مشروع أن ننفعل للقرآن عند سماعه بما يناسب المقام، فعند الحمد نحمد الله، وعند التسبيح نقول سبحان الله. وعند ذكر الجنة ندعو الله بها، وعند ذكر النار نستعيذ بالله منها وهكذا.
وفرْقٌ بين إعجاب صامت مكبوت في النفس، وإعجاب منطوق مُعبَّر عنه، ثم إنك حين تعبر عن تفاعلك مع القرآن باللفظ تكون قدوة في ذلك لمَنْ يسمعك.
كلمة (أي) هذا تفيد الكثرة و(آلاء) نِعَم جمع (أَلىً) أي: نعمة. والمراء أي: الجدال ويكون بين طرفين يجتهد كل منهما لإقامة حجته على الآخر. والمراء في اللغة مأخوذ على معنيين: مرو الحبل يعني فتله لتقويته، وبحسب مهمة الحبل يكون عدد الخيوط المفتولة. أو مأخوذ من يمري الناقة. أي: يحلبها ويأتي بكل ما في ضرعها.
إذن: تجادل لتقوي حجتك، أو تجادل لتخرج كلَّ ما في جعبة الخصم.
يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ [النجم: ٥٥] بأيِّ نِعمَ ربك يا محمد تَتَمَارَىٰ [النجم: ٥٥] المراء الشك أو الجدال، كأنه تعالى يقول له اطمئن فسوف يُتم الله عليك نعمه.
وفي سورة الرحمن: فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ١٣] والحديث للإنس والجن، والرسول صلى الله عليه وسلم لما قرأها قال: إذن: مشروع أن ننفعل للقرآن عند سماعه بما يناسب المقام، فعند الحمد نحمد الله، وعند التسبيح نقول سبحان الله. وعند ذكر الجنة ندعو الله بها، وعند ذكر النار نستعيذ بالله منها وهكذا.
وفرْقٌ بين إعجاب صامت مكبوت في النفس، وإعجاب منطوق مُعبَّر عنه، ثم إنك حين تعبر عن تفاعلك مع القرآن باللفظ تكون قدوة في ذلك لمَنْ يسمعك.
كلمة (أي) هذا تفيد الكثرة و(آلاء) نِعَم جمع (أَلىً) أي: نعمة. والمراء أي: الجدال ويكون بين طرفين يجتهد كل منهما لإقامة حجته على الآخر. والمراء في اللغة مأخوذ على معنيين: مرو الحبل يعني فتله لتقويته، وبحسب مهمة الحبل يكون عدد الخيوط المفتولة. أو مأخوذ من يمري الناقة. أي: يحلبها ويأتي بكل ما في ضرعها.
إذن: تجادل لتقوي حجتك، أو تجادل لتخرج كلَّ ما في جعبة الخصم.
آية رقم ٥٦
ﮋﮌﮍﮎﮏ
ﮐ
قوله تعالى: هَـٰذَا.. [النجم: ٥٦] إشارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من دعوة الحق، والنذير هو الذي ينذر الناس ويحذرهم من الشر قبل أوانه مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلأُوْلَىٰ [النجم: ٥٦] النذر الأولى. أي: التي خلتْ قبل رسول الله من مواكب الرسل السابقين، فعظمة النذارة في سيدنا رسول الله أنه آخرُ نذير وخاتم الرسل أجمعين.
وقوله تعالى: أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ [النجم: ٥٧] أي: اقتربتْ الساعة فكأنه صلى الله عليه وسلم جاء على فم الساعة، فبعد أنْ قال هَـٰذَا نَذِيرٌ [النجم: ٥٦] أعقبها أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ [النجم: ٥٧].
لذلك جاء في الحديث الشريف: فبعثته صلى الله عليه وسلم تُعد من علامات الساعة.
وقد خاطبه ربه تعالى بقوله: فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَٰهَا [النازعات: ٤٣] أي: من ذكرى الساعة وعلاماتها. وما دام أزفت الآزفة واقتربتْ فانتبه، فهذه آخر الرسالات فتعلّق بها وتمسّك بهذا الرسول الخاتم والنذير الأخير الذي ليس بعده نذير فانْجُ به.
ونفهم من معنى أَزِفَتِ [النجم: ٥٧] اقتربتْ أنها هي التي تسعى إليك وتطلبك بخطوات حثيثة تسرع إليك. وبعد قليل في أول القمر سيقول: ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ [القمر: ١].
لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ كَاشِفَةٌ [النجم: ٥٨] يعني: إذا جاءت أهوال الساعة لا أحدَ غير الله يستطيع أنْ يدفعها، فأنت في أحداث الدنيا وخطوب الحياة قد يوجد مَنْ يكشف عنك الكرب أو يدفع عنك السوء.
أما في الآخرة فالخطب جَلَل، ليس لأحد قدرة على دفعه، وإلا كيف يدفعها، وهي الطامة الكبرى التي تعم الجميع، كيف يدفع عنك وهو لا يستطيع أنْ يدفعها عن نفسه؟
إذن: استعدوا لهذا الموقف، وخذوا لكم دافعاً من الله، فهو وحده لا شريك له القادر أنْ يدفع عنك في هذا اليوم.
ولا غرابة في أزفتْ الآزفة واقترتب الساعة، وقد ظهرت لنا في واقع الحياة علاماتها الصغرى التي أخبرنا بها سيدنا رسول اللهوقوله: ، وقوله:. إلى غير هذه من العلامات التي شاهدناها بالفعل، فلِمَ العجب إذن؟
وقوله تعالى: أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ [النجم: ٥٧] أي: اقتربتْ الساعة فكأنه صلى الله عليه وسلم جاء على فم الساعة، فبعد أنْ قال هَـٰذَا نَذِيرٌ [النجم: ٥٦] أعقبها أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ [النجم: ٥٧].
لذلك جاء في الحديث الشريف: فبعثته صلى الله عليه وسلم تُعد من علامات الساعة.
وقد خاطبه ربه تعالى بقوله: فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَٰهَا [النازعات: ٤٣] أي: من ذكرى الساعة وعلاماتها. وما دام أزفت الآزفة واقتربتْ فانتبه، فهذه آخر الرسالات فتعلّق بها وتمسّك بهذا الرسول الخاتم والنذير الأخير الذي ليس بعده نذير فانْجُ به.
ونفهم من معنى أَزِفَتِ [النجم: ٥٧] اقتربتْ أنها هي التي تسعى إليك وتطلبك بخطوات حثيثة تسرع إليك. وبعد قليل في أول القمر سيقول: ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ [القمر: ١].
لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ كَاشِفَةٌ [النجم: ٥٨] يعني: إذا جاءت أهوال الساعة لا أحدَ غير الله يستطيع أنْ يدفعها، فأنت في أحداث الدنيا وخطوب الحياة قد يوجد مَنْ يكشف عنك الكرب أو يدفع عنك السوء.
أما في الآخرة فالخطب جَلَل، ليس لأحد قدرة على دفعه، وإلا كيف يدفعها، وهي الطامة الكبرى التي تعم الجميع، كيف يدفع عنك وهو لا يستطيع أنْ يدفعها عن نفسه؟
إذن: استعدوا لهذا الموقف، وخذوا لكم دافعاً من الله، فهو وحده لا شريك له القادر أنْ يدفع عنك في هذا اليوم.
ولا غرابة في أزفتْ الآزفة واقترتب الساعة، وقد ظهرت لنا في واقع الحياة علاماتها الصغرى التي أخبرنا بها سيدنا رسول اللهوقوله: ، وقوله:. إلى غير هذه من العلامات التي شاهدناها بالفعل، فلِمَ العجب إذن؟
آية رقم ٥٧
ﮑﮒ
ﮓ
وقوله تعالى: أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ [النجم: ٥٧] أي: اقتربتْ الساعة فكأنه صلى الله عليه وسلم جاء على فم الساعة، فبعد أنْ قال هَـٰذَا نَذِيرٌ [النجم: ٥٦] أعقبها أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ [النجم: ٥٧].
لذلك جاء في الحديث الشريف: "بُعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بالسبابة والوسطى " فبعثته صلى الله عليه وسلم تُعد من علامات الساعة.
وقد خاطبه ربه تعالى بقوله: فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَٰهَا [النازعات: ٤٣] أي: من ذكرى الساعة وعلاماتها. وما دام أزفت الآزفة واقتربتْ فانتبه، فهذه آخر الرسالات فتعلّق بها وتمسّك بهذا الرسول الخاتم والنذير الأخير الذي ليس بعده نذير، فانْجُ به.
ونفهم من معنى أَزِفَتِ [النجم: ٥٧] اقتربتْ أنها هي التي تسعى إليك وتطلبك بخطوات حثيثة تسرع إليك. وبعد قليل في أول القمر سيقول: ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ [القمر: ١].
لذلك جاء في الحديث الشريف: "بُعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بالسبابة والوسطى " فبعثته صلى الله عليه وسلم تُعد من علامات الساعة.
وقد خاطبه ربه تعالى بقوله: فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَٰهَا [النازعات: ٤٣] أي: من ذكرى الساعة وعلاماتها. وما دام أزفت الآزفة واقتربتْ فانتبه، فهذه آخر الرسالات فتعلّق بها وتمسّك بهذا الرسول الخاتم والنذير الأخير الذي ليس بعده نذير، فانْجُ به.
ونفهم من معنى أَزِفَتِ [النجم: ٥٧] اقتربتْ أنها هي التي تسعى إليك وتطلبك بخطوات حثيثة تسرع إليك. وبعد قليل في أول القمر سيقول: ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ [القمر: ١].
آية رقم ٥٨
ﮔﮕﮖﮗﮘﮙ
ﮚ
قوله تعالى: هَـٰذَا.. [النجم: ٥٦] إشارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من دعوة الحق، والنذير هو الذي ينذر الناس ويحذرهم من الشر قبل أوانه مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلأُوْلَىٰ [النجم: ٥٦] النذر الأولى. أي: التي خلتْ قبل رسول الله من مواكب الرسل السابقين، فعظمة النذارة في سيدنا رسول الله أنه آخرُ نذير وخاتم الرسل أجمعين.
وقوله تعالى: أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ [النجم: ٥٧] أي: اقتربتْ الساعة فكأنه صلى الله عليه وسلم جاء على فم الساعة، فبعد أنْ قال هَـٰذَا نَذِيرٌ [النجم: ٥٦] أعقبها أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ [النجم: ٥٧].
لذلك جاء في الحديث الشريف: فبعثته صلى الله عليه وسلم تُعد من علامات الساعة.
وقد خاطبه ربه تعالى بقوله: فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَٰهَا [النازعات: ٤٣] أي: من ذكرى الساعة وعلاماتها. وما دام أزفت الآزفة واقتربتْ فانتبه، فهذه آخر الرسالات فتعلّق بها وتمسّك بهذا الرسول الخاتم والنذير الأخير الذي ليس بعده نذير فانْجُ به.
ونفهم من معنى أَزِفَتِ [النجم: ٥٧] اقتربتْ أنها هي التي تسعى إليك وتطلبك بخطوات حثيثة تسرع إليك. وبعد قليل في أول القمر سيقول: ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ [القمر: ١].
لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ كَاشِفَةٌ [النجم: ٥٨] يعني: إذا جاءت أهوال الساعة لا أحدَ غير الله يستطيع أنْ يدفعها، فأنت في أحداث الدنيا وخطوب الحياة قد يوجد مَنْ يكشف عنك الكرب أو يدفع عنك السوء.
أما في الآخرة فالخطب جَلَل، ليس لأحد قدرة على دفعه، وإلا كيف يدفعها، وهي الطامة الكبرى التي تعم الجميع، كيف يدفع عنك وهو لا يستطيع أنْ يدفعها عن نفسه؟
إذن: استعدوا لهذا الموقف، وخذوا لكم دافعاً من الله، فهو وحده لا شريك له القادر أنْ يدفع عنك في هذا اليوم.
ولا غرابة في أزفتْ الآزفة واقترتب الساعة، وقد ظهرت لنا في واقع الحياة علاماتها الصغرى التي أخبرنا بها سيدنا رسول اللهوقوله: ، وقوله:. إلى غير هذه من العلامات التي شاهدناها بالفعل، فلِمَ العجب إذن؟
وقوله تعالى: أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ [النجم: ٥٧] أي: اقتربتْ الساعة فكأنه صلى الله عليه وسلم جاء على فم الساعة، فبعد أنْ قال هَـٰذَا نَذِيرٌ [النجم: ٥٦] أعقبها أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ [النجم: ٥٧].
لذلك جاء في الحديث الشريف: فبعثته صلى الله عليه وسلم تُعد من علامات الساعة.
وقد خاطبه ربه تعالى بقوله: فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَٰهَا [النازعات: ٤٣] أي: من ذكرى الساعة وعلاماتها. وما دام أزفت الآزفة واقتربتْ فانتبه، فهذه آخر الرسالات فتعلّق بها وتمسّك بهذا الرسول الخاتم والنذير الأخير الذي ليس بعده نذير فانْجُ به.
ونفهم من معنى أَزِفَتِ [النجم: ٥٧] اقتربتْ أنها هي التي تسعى إليك وتطلبك بخطوات حثيثة تسرع إليك. وبعد قليل في أول القمر سيقول: ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ [القمر: ١].
لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ كَاشِفَةٌ [النجم: ٥٨] يعني: إذا جاءت أهوال الساعة لا أحدَ غير الله يستطيع أنْ يدفعها، فأنت في أحداث الدنيا وخطوب الحياة قد يوجد مَنْ يكشف عنك الكرب أو يدفع عنك السوء.
أما في الآخرة فالخطب جَلَل، ليس لأحد قدرة على دفعه، وإلا كيف يدفعها، وهي الطامة الكبرى التي تعم الجميع، كيف يدفع عنك وهو لا يستطيع أنْ يدفعها عن نفسه؟
إذن: استعدوا لهذا الموقف، وخذوا لكم دافعاً من الله، فهو وحده لا شريك له القادر أنْ يدفع عنك في هذا اليوم.
ولا غرابة في أزفتْ الآزفة واقترتب الساعة، وقد ظهرت لنا في واقع الحياة علاماتها الصغرى التي أخبرنا بها سيدنا رسول اللهوقوله: ، وقوله:. إلى غير هذه من العلامات التي شاهدناها بالفعل، فلِمَ العجب إذن؟
آية رقم ٥٩
ﮛﮜﮝﮞ
ﮟ
الهمزة هنا استفهام للتعجب، فهم يتعجبون من هَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ [النجم: ٥٩] أي: من القرآن وهو يتعجب منهم، يقول لهم: أتتعجبون من القرآن؟ الأوْلَى بكم أنْ تتعجبوا من حالكم وما أنتم فيه من لهو وغفلة وانصراف عن الحق، وهذا يُفوِّت عليكم الفرصة ويحرمكم خيراً كثيراً.
ونفس المعنى في وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ [النجم: ٦٠] تضحكون سخرية واستهزاءً، وكان الأوْلَى بكم أنْ تبكوا على أنفسكم وعلى ما فاتكم من الخير وَأَنتُمْ سَامِدُونَ [النجم: ٦١] لاهون غافلون.
وهذا حال مَنْ قستْ قلوبهم وغلبهم الشيطان والنفس، تراهم إلى جانب انصرافهم عن الحق يسخرون من أهله ويضحكون استهزاءً بهم.
كما قال تعالى في تصوير هذا الموقف: إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ [المطففين: ٢٩] سماهم مجرمين كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ * وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ [المطففين: ٢٩-٣٣].
نعم، هذا حال أهل الباطل الذين يقلبون الحقائق في الدنيا، لكن الدنيا ليست هي الغاية، وليست هي نهاية المطاف، فهناك اليوم الآخر الذي يفصل فيه بين الظالم والمظلوم، كما قالوا: وعند الله تجتمع الخصوم.
فالله يُطمئن أهل الإيمان: فَٱلْيَوْمَ [المطففين: ٣٤] أي: يوم الحساب ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [المطففين: ٣٤] ومَنْ يضحك أخيراً يضحك كثيراً عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [المطففين: ٣٥-٣٦] وعندها نقول: نعم يا رب جازيتهم بما يستحقون.
وقوله سبحانه: فَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ وَٱعْبُدُواْ [النجم: ٦٢] نلاحظ أولاً أسلوب الاختصار في الأداء القرآني الذي يترك مجالاً لفطنة المتلقي، فالمعنى: فاسجدوا لله واعبدوا الله، لأنه وحده المستحق للعبادة لا شريك له، فالأمر بالعبادة لا ينصرف إلا إليه سبحانه، حتى لو لم يُذكر المعبود سبحانه.
الحق سبحانه وتعالى حينما يأمرهم بالسجود والخضوع والطاعة كأنه يقول لهم: كان أوْلَى بكم البكاء والخضوع والتضرع، وأنْ تتمسكوا بهذا الحق الذي جاءكم ليأخذ بأيديكم، فهو حبل النجاة فلا تقابلوه بالسخرية.
وهنا ملحظ في نهاية السورة يأتي الأمر بالسجود فَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ وَٱعْبُدُواْ [النجم: ٦٢] كأن الله يتودد إلى عباده حتى الكافرين يقول لهم: يا عبادي أنتم صنعتي وعيالي، فتعالوا إلى ساحتي.
انهوا الخلاف والمعارضة، واخضعوا لي بالسجود والعبادة، فأنا أريد لكم الخير، وهل هناك صانع يريد الشر لصنعته؟ لذلك ورد في الحديث القدسي: ولله المثل الأعلى: أرأيتَ لو أن رجلاً غنياً وسّع الله عليه وعنده ولد فاسد، فينادي عليه: يا بُني تعالَ انتفع بمالي، فأنت أحقُّ به، كذلك الحق سبحانه ينادي على الخارجين عن منهجه: تعالوا فالخير ينتظركم.
وإذا كان الأمر في فَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ وَٱعْبُدُواْ [النجم: ٦٢] للكافرين، فهو أيضاً يكون للمؤمنين: اسجدوا شكراً لله الذي هداكم إلى الإيمان ونجاكم من الكفر.
ونفس المعنى في وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ [النجم: ٦٠] تضحكون سخرية واستهزاءً، وكان الأوْلَى بكم أنْ تبكوا على أنفسكم وعلى ما فاتكم من الخير وَأَنتُمْ سَامِدُونَ [النجم: ٦١] لاهون غافلون.
وهذا حال مَنْ قستْ قلوبهم وغلبهم الشيطان والنفس، تراهم إلى جانب انصرافهم عن الحق يسخرون من أهله ويضحكون استهزاءً بهم.
كما قال تعالى في تصوير هذا الموقف: إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ [المطففين: ٢٩] سماهم مجرمين كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ * وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ [المطففين: ٢٩-٣٣].
نعم، هذا حال أهل الباطل الذين يقلبون الحقائق في الدنيا، لكن الدنيا ليست هي الغاية، وليست هي نهاية المطاف، فهناك اليوم الآخر الذي يفصل فيه بين الظالم والمظلوم، كما قالوا: وعند الله تجتمع الخصوم.
فالله يُطمئن أهل الإيمان: فَٱلْيَوْمَ [المطففين: ٣٤] أي: يوم الحساب ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [المطففين: ٣٤] ومَنْ يضحك أخيراً يضحك كثيراً عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [المطففين: ٣٥-٣٦] وعندها نقول: نعم يا رب جازيتهم بما يستحقون.
وقوله سبحانه: فَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ وَٱعْبُدُواْ [النجم: ٦٢] نلاحظ أولاً أسلوب الاختصار في الأداء القرآني الذي يترك مجالاً لفطنة المتلقي، فالمعنى: فاسجدوا لله واعبدوا الله، لأنه وحده المستحق للعبادة لا شريك له، فالأمر بالعبادة لا ينصرف إلا إليه سبحانه، حتى لو لم يُذكر المعبود سبحانه.
الحق سبحانه وتعالى حينما يأمرهم بالسجود والخضوع والطاعة كأنه يقول لهم: كان أوْلَى بكم البكاء والخضوع والتضرع، وأنْ تتمسكوا بهذا الحق الذي جاءكم ليأخذ بأيديكم، فهو حبل النجاة فلا تقابلوه بالسخرية.
وهنا ملحظ في نهاية السورة يأتي الأمر بالسجود فَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ وَٱعْبُدُواْ [النجم: ٦٢] كأن الله يتودد إلى عباده حتى الكافرين يقول لهم: يا عبادي أنتم صنعتي وعيالي، فتعالوا إلى ساحتي.
انهوا الخلاف والمعارضة، واخضعوا لي بالسجود والعبادة، فأنا أريد لكم الخير، وهل هناك صانع يريد الشر لصنعته؟ لذلك ورد في الحديث القدسي: ولله المثل الأعلى: أرأيتَ لو أن رجلاً غنياً وسّع الله عليه وعنده ولد فاسد، فينادي عليه: يا بُني تعالَ انتفع بمالي، فأنت أحقُّ به، كذلك الحق سبحانه ينادي على الخارجين عن منهجه: تعالوا فالخير ينتظركم.
وإذا كان الأمر في فَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ وَٱعْبُدُواْ [النجم: ٦٢] للكافرين، فهو أيضاً يكون للمؤمنين: اسجدوا شكراً لله الذي هداكم إلى الإيمان ونجاكم من الكفر.
آية رقم ٦٠
ﮠﮡﮢ
ﮣ
الهمزة هنا استفهام للتعجب، فهم يتعجبون من هَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ [النجم: ٥٩] أي: من القرآن وهو يتعجب منهم، يقول لهم: أتتعجبون من القرآن؟ الأوْلَى بكم أنْ تتعجبوا من حالكم وما أنتم فيه من لهو وغفلة وانصراف عن الحق، وهذا يُفوِّت عليكم الفرصة ويحرمكم خيراً كثيراً.
ونفس المعنى في وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ [النجم: ٦٠] تضحكون سخرية واستهزاءً، وكان الأوْلَى بكم أنْ تبكوا على أنفسكم وعلى ما فاتكم من الخير وَأَنتُمْ سَامِدُونَ [النجم: ٦١] لاهون غافلون.
وهذا حال مَنْ قستْ قلوبهم وغلبهم الشيطان والنفس، تراهم إلى جانب انصرافهم عن الحق يسخرون من أهله ويضحكون استهزاءً بهم.
كما قال تعالى في تصوير هذا الموقف: إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ [المطففين: ٢٩] سماهم مجرمين كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ * وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ [المطففين: ٢٩-٣٣].
نعم، هذا حال أهل الباطل الذين يقلبون الحقائق في الدنيا، لكن الدنيا ليست هي الغاية، وليست هي نهاية المطاف، فهناك اليوم الآخر الذي يفصل فيه بين الظالم والمظلوم، كما قالوا: وعند الله تجتمع الخصوم.
فالله يُطمئن أهل الإيمان: فَٱلْيَوْمَ [المطففين: ٣٤] أي: يوم الحساب ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [المطففين: ٣٤] ومَنْ يضحك أخيراً يضحك كثيراً عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [المطففين: ٣٥-٣٦] وعندها نقول: نعم يا رب جازيتهم بما يستحقون.
وقوله سبحانه: فَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ وَٱعْبُدُواْ [النجم: ٦٢] نلاحظ أولاً أسلوب الاختصار في الأداء القرآني الذي يترك مجالاً لفطنة المتلقي، فالمعنى: فاسجدوا لله واعبدوا الله، لأنه وحده المستحق للعبادة لا شريك له، فالأمر بالعبادة لا ينصرف إلا إليه سبحانه، حتى لو لم يُذكر المعبود سبحانه.
الحق سبحانه وتعالى حينما يأمرهم بالسجود والخضوع والطاعة كأنه يقول لهم: كان أوْلَى بكم البكاء والخضوع والتضرع، وأنْ تتمسكوا بهذا الحق الذي جاءكم ليأخذ بأيديكم، فهو حبل النجاة فلا تقابلوه بالسخرية.
وهنا ملحظ في نهاية السورة يأتي الأمر بالسجود فَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ وَٱعْبُدُواْ [النجم: ٦٢] كأن الله يتودد إلى عباده حتى الكافرين يقول لهم: يا عبادي أنتم صنعتي وعيالي، فتعالوا إلى ساحتي.
انهوا الخلاف والمعارضة، واخضعوا لي بالسجود والعبادة، فأنا أريد لكم الخير، وهل هناك صانع يريد الشر لصنعته؟ لذلك ورد في الحديث القدسي: ولله المثل الأعلى: أرأيتَ لو أن رجلاً غنياً وسّع الله عليه وعنده ولد فاسد، فينادي عليه: يا بُني تعالَ انتفع بمالي، فأنت أحقُّ به، كذلك الحق سبحانه ينادي على الخارجين عن منهجه: تعالوا فالخير ينتظركم.
وإذا كان الأمر في فَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ وَٱعْبُدُواْ [النجم: ٦٢] للكافرين، فهو أيضاً يكون للمؤمنين: اسجدوا شكراً لله الذي هداكم إلى الإيمان ونجاكم من الكفر.
ونفس المعنى في وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ [النجم: ٦٠] تضحكون سخرية واستهزاءً، وكان الأوْلَى بكم أنْ تبكوا على أنفسكم وعلى ما فاتكم من الخير وَأَنتُمْ سَامِدُونَ [النجم: ٦١] لاهون غافلون.
وهذا حال مَنْ قستْ قلوبهم وغلبهم الشيطان والنفس، تراهم إلى جانب انصرافهم عن الحق يسخرون من أهله ويضحكون استهزاءً بهم.
كما قال تعالى في تصوير هذا الموقف: إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ [المطففين: ٢٩] سماهم مجرمين كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ * وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ [المطففين: ٢٩-٣٣].
نعم، هذا حال أهل الباطل الذين يقلبون الحقائق في الدنيا، لكن الدنيا ليست هي الغاية، وليست هي نهاية المطاف، فهناك اليوم الآخر الذي يفصل فيه بين الظالم والمظلوم، كما قالوا: وعند الله تجتمع الخصوم.
فالله يُطمئن أهل الإيمان: فَٱلْيَوْمَ [المطففين: ٣٤] أي: يوم الحساب ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [المطففين: ٣٤] ومَنْ يضحك أخيراً يضحك كثيراً عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [المطففين: ٣٥-٣٦] وعندها نقول: نعم يا رب جازيتهم بما يستحقون.
وقوله سبحانه: فَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ وَٱعْبُدُواْ [النجم: ٦٢] نلاحظ أولاً أسلوب الاختصار في الأداء القرآني الذي يترك مجالاً لفطنة المتلقي، فالمعنى: فاسجدوا لله واعبدوا الله، لأنه وحده المستحق للعبادة لا شريك له، فالأمر بالعبادة لا ينصرف إلا إليه سبحانه، حتى لو لم يُذكر المعبود سبحانه.
الحق سبحانه وتعالى حينما يأمرهم بالسجود والخضوع والطاعة كأنه يقول لهم: كان أوْلَى بكم البكاء والخضوع والتضرع، وأنْ تتمسكوا بهذا الحق الذي جاءكم ليأخذ بأيديكم، فهو حبل النجاة فلا تقابلوه بالسخرية.
وهنا ملحظ في نهاية السورة يأتي الأمر بالسجود فَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ وَٱعْبُدُواْ [النجم: ٦٢] كأن الله يتودد إلى عباده حتى الكافرين يقول لهم: يا عبادي أنتم صنعتي وعيالي، فتعالوا إلى ساحتي.
انهوا الخلاف والمعارضة، واخضعوا لي بالسجود والعبادة، فأنا أريد لكم الخير، وهل هناك صانع يريد الشر لصنعته؟ لذلك ورد في الحديث القدسي: ولله المثل الأعلى: أرأيتَ لو أن رجلاً غنياً وسّع الله عليه وعنده ولد فاسد، فينادي عليه: يا بُني تعالَ انتفع بمالي، فأنت أحقُّ به، كذلك الحق سبحانه ينادي على الخارجين عن منهجه: تعالوا فالخير ينتظركم.
وإذا كان الأمر في فَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ وَٱعْبُدُواْ [النجم: ٦٢] للكافرين، فهو أيضاً يكون للمؤمنين: اسجدوا شكراً لله الذي هداكم إلى الإيمان ونجاكم من الكفر.
آية رقم ٦١
ﮤﮥ
ﮦ
الهمزة هنا استفهام للتعجب، فهم يتعجبون من هَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ [النجم: ٥٩] أي: من القرآن وهو يتعجب منهم، يقول لهم: أتتعجبون من القرآن؟ الأوْلَى بكم أنْ تتعجبوا من حالكم وما أنتم فيه من لهو وغفلة وانصراف عن الحق، وهذا يُفوِّت عليكم الفرصة ويحرمكم خيراً كثيراً.
ونفس المعنى في وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ [النجم: ٦٠] تضحكون سخرية واستهزاءً، وكان الأوْلَى بكم أنْ تبكوا على أنفسكم وعلى ما فاتكم من الخير وَأَنتُمْ سَامِدُونَ [النجم: ٦١] لاهون غافلون.
وهذا حال مَنْ قستْ قلوبهم وغلبهم الشيطان والنفس، تراهم إلى جانب انصرافهم عن الحق يسخرون من أهله ويضحكون استهزاءً بهم.
كما قال تعالى في تصوير هذا الموقف: إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ [المطففين: ٢٩] سماهم مجرمين كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ * وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ [المطففين: ٢٩-٣٣].
نعم، هذا حال أهل الباطل الذين يقلبون الحقائق في الدنيا، لكن الدنيا ليست هي الغاية، وليست هي نهاية المطاف، فهناك اليوم الآخر الذي يفصل فيه بين الظالم والمظلوم، كما قالوا: وعند الله تجتمع الخصوم.
فالله يُطمئن أهل الإيمان: فَٱلْيَوْمَ [المطففين: ٣٤] أي: يوم الحساب ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [المطففين: ٣٤] ومَنْ يضحك أخيراً يضحك كثيراً عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [المطففين: ٣٥-٣٦] وعندها نقول: نعم يا رب جازيتهم بما يستحقون.
وقوله سبحانه: فَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ وَٱعْبُدُواْ [النجم: ٦٢] نلاحظ أولاً أسلوب الاختصار في الأداء القرآني الذي يترك مجالاً لفطنة المتلقي، فالمعنى: فاسجدوا لله واعبدوا الله، لأنه وحده المستحق للعبادة لا شريك له، فالأمر بالعبادة لا ينصرف إلا إليه سبحانه، حتى لو لم يُذكر المعبود سبحانه.
الحق سبحانه وتعالى حينما يأمرهم بالسجود والخضوع والطاعة كأنه يقول لهم: كان أوْلَى بكم البكاء والخضوع والتضرع، وأنْ تتمسكوا بهذا الحق الذي جاءكم ليأخذ بأيديكم، فهو حبل النجاة فلا تقابلوه بالسخرية.
وهنا ملحظ في نهاية السورة يأتي الأمر بالسجود فَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ وَٱعْبُدُواْ [النجم: ٦٢] كأن الله يتودد إلى عباده حتى الكافرين يقول لهم: يا عبادي أنتم صنعتي وعيالي، فتعالوا إلى ساحتي.
انهوا الخلاف والمعارضة، واخضعوا لي بالسجود والعبادة، فأنا أريد لكم الخير، وهل هناك صانع يريد الشر لصنعته؟ لذلك ورد في الحديث القدسي: ولله المثل الأعلى: أرأيتَ لو أن رجلاً غنياً وسّع الله عليه وعنده ولد فاسد، فينادي عليه: يا بُني تعالَ انتفع بمالي، فأنت أحقُّ به، كذلك الحق سبحانه ينادي على الخارجين عن منهجه: تعالوا فالخير ينتظركم.
وإذا كان الأمر في فَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ وَٱعْبُدُواْ [النجم: ٦٢] للكافرين، فهو أيضاً يكون للمؤمنين: اسجدوا شكراً لله الذي هداكم إلى الإيمان ونجاكم من الكفر.
ونفس المعنى في وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ [النجم: ٦٠] تضحكون سخرية واستهزاءً، وكان الأوْلَى بكم أنْ تبكوا على أنفسكم وعلى ما فاتكم من الخير وَأَنتُمْ سَامِدُونَ [النجم: ٦١] لاهون غافلون.
وهذا حال مَنْ قستْ قلوبهم وغلبهم الشيطان والنفس، تراهم إلى جانب انصرافهم عن الحق يسخرون من أهله ويضحكون استهزاءً بهم.
كما قال تعالى في تصوير هذا الموقف: إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ [المطففين: ٢٩] سماهم مجرمين كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ * وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ [المطففين: ٢٩-٣٣].
نعم، هذا حال أهل الباطل الذين يقلبون الحقائق في الدنيا، لكن الدنيا ليست هي الغاية، وليست هي نهاية المطاف، فهناك اليوم الآخر الذي يفصل فيه بين الظالم والمظلوم، كما قالوا: وعند الله تجتمع الخصوم.
فالله يُطمئن أهل الإيمان: فَٱلْيَوْمَ [المطففين: ٣٤] أي: يوم الحساب ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [المطففين: ٣٤] ومَنْ يضحك أخيراً يضحك كثيراً عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [المطففين: ٣٥-٣٦] وعندها نقول: نعم يا رب جازيتهم بما يستحقون.
وقوله سبحانه: فَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ وَٱعْبُدُواْ [النجم: ٦٢] نلاحظ أولاً أسلوب الاختصار في الأداء القرآني الذي يترك مجالاً لفطنة المتلقي، فالمعنى: فاسجدوا لله واعبدوا الله، لأنه وحده المستحق للعبادة لا شريك له، فالأمر بالعبادة لا ينصرف إلا إليه سبحانه، حتى لو لم يُذكر المعبود سبحانه.
الحق سبحانه وتعالى حينما يأمرهم بالسجود والخضوع والطاعة كأنه يقول لهم: كان أوْلَى بكم البكاء والخضوع والتضرع، وأنْ تتمسكوا بهذا الحق الذي جاءكم ليأخذ بأيديكم، فهو حبل النجاة فلا تقابلوه بالسخرية.
وهنا ملحظ في نهاية السورة يأتي الأمر بالسجود فَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ وَٱعْبُدُواْ [النجم: ٦٢] كأن الله يتودد إلى عباده حتى الكافرين يقول لهم: يا عبادي أنتم صنعتي وعيالي، فتعالوا إلى ساحتي.
انهوا الخلاف والمعارضة، واخضعوا لي بالسجود والعبادة، فأنا أريد لكم الخير، وهل هناك صانع يريد الشر لصنعته؟ لذلك ورد في الحديث القدسي: ولله المثل الأعلى: أرأيتَ لو أن رجلاً غنياً وسّع الله عليه وعنده ولد فاسد، فينادي عليه: يا بُني تعالَ انتفع بمالي، فأنت أحقُّ به، كذلك الحق سبحانه ينادي على الخارجين عن منهجه: تعالوا فالخير ينتظركم.
وإذا كان الأمر في فَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ وَٱعْبُدُواْ [النجم: ٦٢] للكافرين، فهو أيضاً يكون للمؤمنين: اسجدوا شكراً لله الذي هداكم إلى الإيمان ونجاكم من الكفر.
آية رقم ٦٢
ﮧﮨﮩﮪ
ﮫ
الهمزة هنا استفهام للتعجب، فهم يتعجبون من هَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ [النجم: ٥٩] أي: من القرآن وهو يتعجب منهم، يقول لهم: أتتعجبون من القرآن؟ الأوْلَى بكم أنْ تتعجبوا من حالكم وما أنتم فيه من لهو وغفلة وانصراف عن الحق، وهذا يُفوِّت عليكم الفرصة ويحرمكم خيراً كثيراً.
ونفس المعنى في وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ [النجم: ٦٠] تضحكون سخرية واستهزاءً، وكان الأوْلَى بكم أنْ تبكوا على أنفسكم وعلى ما فاتكم من الخير وَأَنتُمْ سَامِدُونَ [النجم: ٦١] لاهون غافلون.
وهذا حال مَنْ قستْ قلوبهم وغلبهم الشيطان والنفس، تراهم إلى جانب انصرافهم عن الحق يسخرون من أهله ويضحكون استهزاءً بهم.
كما قال تعالى في تصوير هذا الموقف: إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ [المطففين: ٢٩] سماهم مجرمين كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ * وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ [المطففين: ٢٩-٣٣].
نعم، هذا حال أهل الباطل الذين يقلبون الحقائق في الدنيا، لكن الدنيا ليست هي الغاية، وليست هي نهاية المطاف، فهناك اليوم الآخر الذي يفصل فيه بين الظالم والمظلوم، كما قالوا: وعند الله تجتمع الخصوم.
فالله يُطمئن أهل الإيمان: فَٱلْيَوْمَ [المطففين: ٣٤] أي: يوم الحساب ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [المطففين: ٣٤] ومَنْ يضحك أخيراً يضحك كثيراً عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [المطففين: ٣٥-٣٦] وعندها نقول: نعم يا رب جازيتهم بما يستحقون.
وقوله سبحانه: فَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ وَٱعْبُدُواْ [النجم: ٦٢] نلاحظ أولاً أسلوب الاختصار في الأداء القرآني الذي يترك مجالاً لفطنة المتلقي، فالمعنى: فاسجدوا لله واعبدوا الله، لأنه وحده المستحق للعبادة لا شريك له، فالأمر بالعبادة لا ينصرف إلا إليه سبحانه، حتى لو لم يُذكر المعبود سبحانه.
الحق سبحانه وتعالى حينما يأمرهم بالسجود والخضوع والطاعة كأنه يقول لهم: كان أوْلَى بكم البكاء والخضوع والتضرع، وأنْ تتمسكوا بهذا الحق الذي جاءكم ليأخذ بأيديكم، فهو حبل النجاة فلا تقابلوه بالسخرية.
وهنا ملحظ في نهاية السورة يأتي الأمر بالسجود فَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ وَٱعْبُدُواْ [النجم: ٦٢] كأن الله يتودد إلى عباده حتى الكافرين يقول لهم: يا عبادي أنتم صنعتي وعيالي، فتعالوا إلى ساحتي.
انهوا الخلاف والمعارضة، واخضعوا لي بالسجود والعبادة، فأنا أريد لكم الخير، وهل هناك صانع يريد الشر لصنعته؟ لذلك ورد في الحديث القدسي: ولله المثل الأعلى: أرأيتَ لو أن رجلاً غنياً وسّع الله عليه وعنده ولد فاسد، فينادي عليه: يا بُني تعالَ انتفع بمالي، فأنت أحقُّ به، كذلك الحق سبحانه ينادي على الخارجين عن منهجه: تعالوا فالخير ينتظركم.
وإذا كان الأمر في فَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ وَٱعْبُدُواْ [النجم: ٦٢] للكافرين، فهو أيضاً يكون للمؤمنين: اسجدوا شكراً لله الذي هداكم إلى الإيمان ونجاكم من الكفر.
ونفس المعنى في وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ [النجم: ٦٠] تضحكون سخرية واستهزاءً، وكان الأوْلَى بكم أنْ تبكوا على أنفسكم وعلى ما فاتكم من الخير وَأَنتُمْ سَامِدُونَ [النجم: ٦١] لاهون غافلون.
وهذا حال مَنْ قستْ قلوبهم وغلبهم الشيطان والنفس، تراهم إلى جانب انصرافهم عن الحق يسخرون من أهله ويضحكون استهزاءً بهم.
كما قال تعالى في تصوير هذا الموقف: إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ [المطففين: ٢٩] سماهم مجرمين كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ * وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ [المطففين: ٢٩-٣٣].
نعم، هذا حال أهل الباطل الذين يقلبون الحقائق في الدنيا، لكن الدنيا ليست هي الغاية، وليست هي نهاية المطاف، فهناك اليوم الآخر الذي يفصل فيه بين الظالم والمظلوم، كما قالوا: وعند الله تجتمع الخصوم.
فالله يُطمئن أهل الإيمان: فَٱلْيَوْمَ [المطففين: ٣٤] أي: يوم الحساب ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [المطففين: ٣٤] ومَنْ يضحك أخيراً يضحك كثيراً عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [المطففين: ٣٥-٣٦] وعندها نقول: نعم يا رب جازيتهم بما يستحقون.
وقوله سبحانه: فَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ وَٱعْبُدُواْ [النجم: ٦٢] نلاحظ أولاً أسلوب الاختصار في الأداء القرآني الذي يترك مجالاً لفطنة المتلقي، فالمعنى: فاسجدوا لله واعبدوا الله، لأنه وحده المستحق للعبادة لا شريك له، فالأمر بالعبادة لا ينصرف إلا إليه سبحانه، حتى لو لم يُذكر المعبود سبحانه.
الحق سبحانه وتعالى حينما يأمرهم بالسجود والخضوع والطاعة كأنه يقول لهم: كان أوْلَى بكم البكاء والخضوع والتضرع، وأنْ تتمسكوا بهذا الحق الذي جاءكم ليأخذ بأيديكم، فهو حبل النجاة فلا تقابلوه بالسخرية.
وهنا ملحظ في نهاية السورة يأتي الأمر بالسجود فَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ وَٱعْبُدُواْ [النجم: ٦٢] كأن الله يتودد إلى عباده حتى الكافرين يقول لهم: يا عبادي أنتم صنعتي وعيالي، فتعالوا إلى ساحتي.
انهوا الخلاف والمعارضة، واخضعوا لي بالسجود والعبادة، فأنا أريد لكم الخير، وهل هناك صانع يريد الشر لصنعته؟ لذلك ورد في الحديث القدسي: ولله المثل الأعلى: أرأيتَ لو أن رجلاً غنياً وسّع الله عليه وعنده ولد فاسد، فينادي عليه: يا بُني تعالَ انتفع بمالي، فأنت أحقُّ به، كذلك الحق سبحانه ينادي على الخارجين عن منهجه: تعالوا فالخير ينتظركم.
وإذا كان الأمر في فَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ وَٱعْبُدُواْ [النجم: ٦٢] للكافرين، فهو أيضاً يكون للمؤمنين: اسجدوا شكراً لله الذي هداكم إلى الإيمان ونجاكم من الكفر.
تقدم القراءة
تم عرض جميع الآيات
62 مقطع من التفسير