تفسير سورة سورة النبأ

شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي القرطبي

الجامع لأحكام القرآن

شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي القرطبي (ت 671 هـ)

الناشر

دار الكتب المصرية - القاهرة

الطبعة

الثانية

المحقق

أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش

نبذة عن الكتاب





تفسير جامع لآيات القرآن جميعًا ولكنه يركز بصورة شاملة على آيات الأحكام في القرآن الكريم.

الكتاب من أفضل كُتب التفسير التي عُنيت بالأحكام. وهو فريد في بابه.

وهو من أجمع ما صنف في هذا الفن.

حدد القرطبي منهجه بأن يبين أسباب النزول، ويذكر القراءات، واللغات ووجوه الإعراب، وتخريج الأحاديث، وبيان غريب الألفاظ، وتحديد أقوال الفقهاء، وجمع أقاويل السلف، ومن تبعهم من الخلف، ثم أكثر من الإستشهاد بأشعار العرب، ونقل عمن سبقه في التفسير، مع تعقيبه على ما ينقل عنه، مثل ابن جرير، وابن عطية، وابن العربي، وإلكيا الهراسي، وأبي بكر الجصاص.

وأضرب القرطبي عن كثير من قصص المفسرين، وأخبار المؤرخين، والإسرئيليات، وذكر جانبا منها أحيانا، كما رد على الفلاسفة والمعتزلة وغلاة المتصوفة وبقية الفرق، ويذكر مذاهب الأئمة ويناقشها، ويمشي مع الدليل، ولا يتعصب إلى مذهبه (المالكي) ، وقد دفعه الإنصاف إلى الدفاع عن المذاهب والأقوال التي نال منها ابن العربي المالكي في تفسيره، فكان القرطبي حرا في بحثه، نزيها في نقده، عفيفا في مناقشة خصومه، وفي جدله، مع إلمامه الكافي بالتفسير من جميع نواحيه، وعلوم الشريعة.

ويمتاز هذا التفسير عما سبق من تفاسير أحكام القرآن أنه لم يقتصر على آيات الأحكام، والجانب الفقي منها، بل ضم إليهل كل ما يتعلق بالتفسير.

لا يستغني عنه العالم فضلا عن طالب العلم



وجاء في موقع الوراق، ما يلي:

من أجل كتب التفسير وأكثرها منفعة. يكاد يغني بشموليته عن كل تفسير، بل عن مراجعة أمهات كتب الفقه ومذاهبه المتعددة. ولم يلق غيره من كتب التفسير ما لقيه من الحفاوة به والاعتناء بتحقيقه. إلا أن نسخه المخطوطة كانت مبعثرة في مكتبات العالم. قال الشيخ بهجت البيطار: (كنا نسمع بهذا التفسير الجليل قبل أن نراه، فلما طبع أقبلنا عليه نتصفح أجزاءه لنقف على خصائصه ومزاياه) ثم أخذ يعدد تلك المزايا والخصائص، وأهمها طريقة القرطبي في التفسير، المتمثلة في أنه يورد الآية ويفسرها بمسائل يجمعها في أبواب، ويودع في هذه المسائل والمباحث من تفسير المفردات اللغوية، وإيراد الشواهد الشعرية إلى البحث في اشتقاق الكلمات ... إلى ما قاله أئمة السلف فيها، إلى ما يختاره هو من معانيها. وأحسن كل الإحسان بعزو الأحاديث إلى مخرجيها، مع التكلم على الحديث متناً وسنداً، قبولا ورداً) مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق (مجلد 20 ص562 سنة 1945) . انظر كلام القرطبي على منهجه في هذا التفسير عند قوله: (فلما كان كتاب الله هو الكفيل بجميع علوم الشرع ... رأيت أن أشتغل به مدى عمري.. بأن أكتب تعليقا وجيزا يتضمن نكتامن التفسيرات واللغات والإعراب والقراءات والرد على أهل الزيغ والضلالات ... وشرطي في هذا الكتاب إضافة الأقوال إلى قائليها والأحاديث إلى مصنفيها ... وسميته بالجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان) . طبع الكتاب لأول مرة بإشراف دار الكتب المصرية، وتحقيق طائفة من كبار المحققين، وكان صاحب الفكرة في الدعوة إلى طباعته محققاً: الأستاذ محمد الببلاوي، وكان للشيخ إبراهيم إطفيش الدور الأبرز في تحقيق الكتاب، في طبعته الثانية (1952م) إذ حقق منه (11) جزءاً، تبدأ بالجزء الثالث، وتنتهي بالجزء (13) وقام الأستاذ أحمد عبد العليم البردوني بتحقيق سبعة أجزاء منه، هي: الأول والثاني، ثم الرابع عشر حتى الثامن عشر. وعهد إلى الأستاذ مصطفى السقا بتحقيق الجزأين الأخيرين، وفي مقدمة الجزء الثالث من الطبعة الثانية وصف للنسخ الخطية المعتمدة في هذه الطبعة. انظر في كل ذلك كتاب (القرطبي: حياته وآثاره العلمية ومنهجه في التفسير) د. مفتاح السنوسي بلعم. قال (ص276) : (وهو لا يترك مناسبة لها علاقة بالوضع السياسي إلا ربط ذلك بواقعه وحكام عصره، ناقداً ومبيناً ما آل إليه حالهم من التدهور والضعف وتغيير حكم الله وتبديله) انظر كمثال على ذلك كلامه على الآية (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة) ونقده لمتصوفة عصره في كلامه على الآية (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) والآية (وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا..) والآية (والذين إذا فعلوا فاحشة) وتبرج نساء عصره في تفسير الآية ( ... ويمشون في الأسواق..) . ومما كتب فيه (القرطبي ومنهجه في التفسير) د. القصبي محمود زلط، و (القرطبي المفسر: سيرة ومنهج) يوسف عبد الرحمن الفرت. وجدير بالذكر أني عثرت فيه على خطأ لا أرى إلا أنه مقحم على تفسيره، وهو إقحامه في تفسير قوله تعالى (وقثائها) وجوها من مادة (فثأ) بالفاء، وليس بالقاف، قال: وفثأت القدر: سكنت غليانها بالماء ... وفثأت الرجل: إذا كسرته عنك بقول أو غيره.؟
مقدمة التفسير
سورة " عم " مكية وتسمى سورة " النبأ " وهي أربعون أو إحدى وأربعون آية.
حُجَّةٌ عَلَى وُجُوبِ الرُّكُوعِ وَإِنْزَالِهِ رُكْنًا فِي الصَّلَاةِ وَقَدِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ، وَظَنَّ قَوْمٌ أَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْقِيَامَةِ وَلَيْسَتْ بِدَارِ تَكْلِيفٍ فَيَتَوَجَّهُ فِيهَا أَمْرٌ يَكُونُ عَلَيْهِ وَيْلٌ وَعِقَابٌ، وَإِنَّمَا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ كَشْفًا لِحَالِ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا، فَمَنْ كَانَ لِلَّهِ يَسْجُدُ يُمَكَّنُ «١» مِنَ السُّجُودِ، وَمَنْ كَانَ يَسْجُدُ رِثَاءً لِغَيْرِهِ صَارَ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا. وَقِيلَ: أَيْ إِذَا قِيلَ لَهُمُ اخْضَعُوا لِلْحَقِّ لَا يَخْضَعُونَ، فَهُوَ عَامٌّ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا وَإِنَّمَا ذَكَرَ الصَّلَاةَ، لِأَنَّهَا أَصْلُ الشَّرَائِعِ بَعْدَ التَّوْحِيدِ. وَقِيلَ: الْأَمْرُ بِالْإِيمَانِ لِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ مِنْ غَيْرِ إِيمَانٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) أَيْ إِنْ لَمْ يُصَدِّقُوا بِالْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ الْمُعْجِزُ وَالدَّلَالَةُ عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السلام، فبأي شي يُصَدِّقُونَ! وَكُرِّرَ: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ لِمَعْنَى تَكْرِيرِ التَّخْوِيفِ وَالْوَعِيدِ. وَقِيلَ: لَيْسَ بِتَكْرَارٍ، لِأَنَّهُ أَرَادَ بِكُلِّ قَوْلٍ مِنْهُ غَيْرَ الَّذِي أَرَادَ بِالْآخَرِ، كَأَنَّهُ ذَكَرَ شَيْئًا فَقَالَ: وَيْلٌ لِمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا، ثُمَّ ذَكَرَ شَيْئًا آخَرَ فَقَالَ: وَيْلٌ لِمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا «٢»، ثُمَّ ذَكَرَ شَيْئًا آخَرَ فَقَالَ: وَيْلٌ لِمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا. ثُمَّ كَذَلِكَ إلى آخرها. ختمت السورة ولله الحمد.
[تفسير سورة عم وتسمى سورة النبأ]
سُورَةُ (عَمَّ) مَكِّيَّةٌ وَتُسَمَّى سُورَةُ (النَّبَأِ) وَهِيَ أَرْبَعُونَ أَوْ إِحْدَى وَأَرْبَعُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة النبإ (٧٨): الآيات ١ الى ٥]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

عَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٤)
ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٥)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَمَّ يَتَساءَلُونَ)؟ عَمَّ لَفْظُ اسْتِفْهَامٍ، وَلِذَلِكَ سَقَطَتْ مِنْهَا أَلِفُ (مَا)، لِيَتَمَيَّزَ الْخَبَرُ عَنِ الِاسْتِفْهَامِ. وَكَذَلِكَ (فِيمَ، وَمِمَّ) إِذَا اسْتَفْهَمْتَ. وَالْمَعْنَى عَنْ أَيِّ شي
(١). في نسخة: تمكن من السجود.
(٢). كذا في أحكام القرآن لابن العربي طبعه السعادة.
— 169 —
يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَصْلُ عَمَّ عَنْ مَا فَأُدْغِمَتِ النُّونُ فِي الْمِيمِ، لِأَنَّهَا تُشَارِكُهَا فِي الْغُنَّةِ. وَالضَّمِيرُ فِي يَتَساءَلُونَ لِقُرَيْشٍ. وَرَوَى أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتْ قُرَيْشٌ تَجْلِسُ لَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ فَتَتَحَدَّثُ فِيمَا بَيْنَهَا فَمِنْهُمُ الْمُصَدِّقُ وَمِنْهُمُ الْمُكَذِّبُ بِهِ فَنَزَلَتْ عَمَّ يَتَساءَلُونَ؟ وَقِيلَ: عَمَّ بِمَعْنَى: فِيمَ يَتَشَدَّدُ الْمُشْرِكُونَ وَيَخْتَصِمُونَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ) أَيْ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ فَعَنْ لَيْسَ تَتَعَلَّقُ بِ- يَتَساءَلُونَ الَّذِي فِي التِّلَاوَةِ، لِأَنَّهُ كَانَ يَلْزَمُ دُخُولُ حَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ فَيَكُونُ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ كَقَوْلِكَ: كَمْ مَالُكَ أَثَلَاثُونَ أَمْ أَرْبَعُونَ؟ فَوَجَبَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ امْتِنَاعِ تَعَلُّقِهِ بِ- يَتَساءَلُونَ الَّذِي فِي التِّلَاوَةِ، وَإِنَّمَا يتعلق بيتساءلون آخَرُ مُضْمَرٌ. وَحَسُنَ ذَلِكَ لِتَقَدُّمِ يَتَسَاءَلُونَ، قَالَهُ الْمَهْدَوِيُّ. وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ فِي قَوْلِهِ: عَنِ مُكَرَّرٌ إِلَّا أَنَّهُ مُضْمَرٌ، كَأَنَّهُ قَالَ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ أَعْنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ؟ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مُتَّصِلًا بِالْآيَةِ الْأُولَى. والنَّبَإِ الْعَظِيمِ أَيِ الْخَبَرُ الْكَبِيرُ. (الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ) أَيْ يُخَالِفُ فِيهِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَيُصَدِّقُ وَاحِدٌ وَيُكَذِّبُ آخَرُ، فَرَوَى أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هُوَ الْقُرْآنُ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ. أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ فَالْقُرْآنُ نَبَأٌ وَخَبَرٌ وَقَصَصٌ، وَهُوَ نَبَأٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ. وَرَوَى سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: هُوَ الْبَعْثُ بَعْدَ الْمَوْتِ صَارَ النَّاسُ فِيهِ رَجُلَيْنِ: مُصَدِّقٌ وَمُكَذِّبٌ. وَقِيلَ: أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَرَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ سَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ، فَأَخْبَرَهُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِاخْتِلَافِهِمْ، ثُمَّ هَدَّدَهُمْ فَقَالَ: كَلَّا سَيَعْلَمُونَ أَيْ سَيَعْلَمُونَ عَاقِبَةَ الْقُرْآنِ، أَوْ سيعلمون البعث: أحق هو أم باطل. وكَلَّا رَدٌّ عَلَيْهِمْ فِي إِنْكَارِهِمُ الْبَعْثَ أَوْ تَكْذِيبِهِمُ الْقُرْآنَ، فَيُوقَفُ عَلَيْهَا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى حَقًّا أَوْ (أَلَا) فَيُبْدَأُ بِهَا. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ سُؤَالَهُمْ إِنَّمَا كَانَ عَنِ الْبَعْثِ، قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً [النبأ: ١٧] يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْبَعْثِ. (ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ) أَيْ حَقًّا لَيَعْلَمُنَّ «١» صِدْقَ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْقُرْآنِ وَمِمَّا ذَكَرَهُ لَهُمْ مِنَ الْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كَلَّا سَيَعْلَمُونَ
(١). في الأصول: ليعلمون. والفعل مؤكد بالنون الثقيلة بعد القسم.
— 170 —
يَعْنِي الْكَافِرِينَ عَاقِبَةَ تَكْذِيبِهِمْ. ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ عَاقِبَةَ تَصْدِيقِهِمْ. وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ أَيْضًا. وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ وَعِيدٌ بَعْدَ وَعِيدٍ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ فِيهِمَا بِالْيَاءِ عَلَى الْخَبَرِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: يَتَساءَلُونَ وَقَوْلُهُ: هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَمَالِكُ بْنُ دِينَارٍ بِالتَّاءِ فِيهِمَا.
[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٦ الى ١٦]
أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (٦) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧) وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً (٨) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (١٠)
وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (١١) وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً (١٢) وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً (١٣) وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ مَاءً ثَجَّاجاً (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً (١٥)
وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً (١٦)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً): دَلَّهُمْ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى الْبَعْثِ، أَيْ قُدْرَتُنَا عَلَى إِيجَادِ هَذِهِ الْأُمُورِ أَعْظَمُ مِنْ قُدْرَتِنَا عَلَى الْإِعَادَةِ. وَالْمِهَادُ: الْوِطَاءُ وَالْفِرَاشُ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً [البقرة: ٢٢] وقرى" مَهْدًا". وَمَعْنَاهُ أَنَّهَا لَهُمْ كَالْمَهْدِ لِلصَّبِيِّ وَهُوَ مَا يُمَهَّدُ لَهُ فَيُنَوَّمُ عَلَيْهِ (وَالْجِبالَ أَوْتاداً) أَيْ لِتَسْكُنَ وَلَا تَتَكَفَّأَ وَلَا تَمِيلَ بِأَهْلِهَا. (وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً) أَيْ أَصْنَافًا: ذَكَرًا وَأُنْثَى. وَقِيلَ: أَلْوَانًا. وَقِيلَ: يَدْخُلُ فِي هَذَا كُلُّ زَوْجٍ مِنْ قَبِيحٍ وَحَسَنٍ، وَطَوِيلٍ وَقَصِيرٍ، لِتَخْتَلِفَ الْأَحْوَالُ فَيَقَعُ الِاعْتِبَارُ، فَيَشْكُرُ الْفَاضِلُ وَيَصْبِرُ الْمَفْضُولُ. (وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ) جَعَلْنا مَعْنَاهُ صَيَّرْنَا، وَلِذَلِكَ تَعَدَّتْ إِلَى مَفْعُولَيْنِ. سُباتاً الْمَفْعُولُ الثَّانِي، أَيْ رَاحَةً لِأَبْدَانِكُمْ، وَمِنْهُ يَوْمُ السَّبْتَ أَيْ يَوْمَ الرَّاحَةِ، أَيْ قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: اسْتَرِيحُوا فِي هَذَا الْيَوْمِ، فَلَا تَعْمَلُوا فِيهِ شَيْئًا. وَأَنْكَرَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ هَذَا وَقَالَ: لَا يُقَالُ لِلرَّاحَةِ سُبَاتٌ. وَقِيلَ: أَصْلُهُ التَّمَدُّدُ، يُقَالُ: سَبَتَتِ الْمَرْأَةُ شَعْرَهَا: إِذَا حَلَّتْهُ وَأَرْسَلَتْهُ، فَالسُّبَاتُ كَالْمَدِّ، وَرَجُلٌ مَسْبُوتُ الْخَلْقِ: أَيْ مَمْدُودٌ. وَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَسْتَرِيحَ تَمَدَّدَ، فَسُمِّيَتِ الرَّاحَةُ سَبْتًا.
— 171 —
وَقِيلَ: أَصْلُهُ الْقَطْعُ، يُقَالُ: سَبَتَ شَعْرُهُ سَبْتًا: حَلَقَهُ وَكَأَنَّهُ إِذَا نَامَ انْقَطَعَ عَنِ النَّاسِ وَعَنِ الِاشْتِغَالِ، فَالسُّبَاتُ يُشْبِهُ الْمَوْتَ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ تُفَارِقْهُ الرُّوحُ. وَيُقَالُ: سَيْرٌ سَبْتٌ: أَيْ سهل لين، قال الشاعر: «١»
وَمَطْوِيَّةِ الْأَقْرَابِ أَمَّا نَهَارُهَا فَسَبْتٌ وَأَمَّا لَيْلُهَا فَذَمِيلُ
(وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً) أَيْ تَلْبِسُكُمْ ظُلْمَتُهُ وَتَغْشَاكُمْ، قَالَهُ الطَّبَرِيُّ. وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وَالسُّدِّيُّ: أَيْ سَكَنًا لَكُمْ. (وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً) فِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ وَقْتَ مَعَاشٍ، أَيْ مُتَصَرَّفًا لِطَلَبِ الْمَعَاشِ وَهُوَ كُلُّ مَا يُعَاشُ بِهِ مِنَ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَ- مَعاشاً عَلَى هَذَا اسْمُ زَمَانٍ، لِيَكُونَ الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنَى الْعَيْشِ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ الْمُضَافِ. (وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً) أي سبع سموات مُحْكَمَاتٍ، أَيْ مُحْكَمَةَ الْخَلْقِ وَثِيقَةَ الْبُنْيَانِ. (وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً) أَيْ وَقَّادًا وَهِيَ الشَّمْسُ. وَجَعَلَ هُنَا بِمَعْنَى خَلَقَ، لِأَنَّهَا تَعَدَّتْ لِمَفْعُولٍ وَاحِدٍ وَالْوَهَّاجُ الَّذِي لَهُ وَهَجٌ، يُقَالُ: وَهَجَ يَهِجْ وَهْجًا وَوَهَجًا وَوَهَجَانًا. وَيُقَالُ لِلْجَوْهَرِ إِذَا تَلَأْلَأَ تَوَهَّجَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهَّاجًا مُنِيرًا مُتَلَأْلِئًا. (وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ مَاءً ثَجَّاجاً) قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: وَالْمُعْصِرَاتُ الرِّيَاحُ. وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَأَنَّهَا تَعْصِرُ السَّحَابَ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: أَنَّهَا السَّحَابُ. وَقَالَ سُفْيَانُ وَالرَّبِيعُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَالضَّحَّاكُ: أَيِ السَّحَائِبُ الَّتِي تَنْعَصِرُ بِالْمَاءِ وَلَمَّا تُمْطِرْ بَعْدُ، كَالْمَرْأَةِ الْمُعصِرِ الَّتِي قَدْ دَنَا حَيْضُهَا وَلَمْ تَحِضْ، قَالَ أَبُو النَّجْمِ: [
تَمْشِي الْهُوَيْنَى مائلا خمارها قد أعصرت أوقد دَنَا إِعْصَارُهَا
«٢»] [وَقَالَ آخَرُ]:
فَكَانَ مِجَنِّي دُونَ مَنْ كُنْتُ أَتَّقِي ثَلَاثُ شُخُوصٍ كَاعِبَانِ وَمُعْصِرُ «٣»
(١). هو حميد بن ثور والسبت: السير السريع. والذميل: السير اللبن.
(٢). هذه الزيادة عن أبي حيان دل عليها إجماع نسخ الأصل على ذكر أبي النجم.
(٣). البيت لعمر بن أبي ربيعة.
— 172 —
وَقَالَ «١» آخَرُ:
وَذِي أُشُرٍ كَالْأُقْحُوَانِ يَزِينُهُ ذَهَابُ الصَّبَا وَالْمُعْصِرَاتُ الرَّوَائِحُ
فَالرِّيَاحُ تُسَمَّى مُعْصِرَاتٍ، يُقَالُ: أَعَصَرَتِ الرِّيحُ تُعْصِرُ إِعْصَارًا: إِذَا أَثَارَتِ الْعَجَاجُ، وَهِيَ الْإِعْصَارُ، وَالسُّحُبُ أَيْضًا تُسَمَّى الْمُعْصِرَاتِ لِأَنَّهَا تُمْطِرُ. وَقَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا: الْمُعْصِرَاتُ السَّمَاءُ، النَّحَّاسُ: هَذِهِ الْأَقْوَالُ صِحَاحٌ، يُقَالُ لِلرِّيَاحِ الَّتِي تَأْتِي بِالْمَطَرِ مُعْصِرَاتٌ، وَالرِّيَاحُ تُلَقِّحُ السَّحَابَ، فَيَكُونُ الْمَطَرُ، وَالْمَطَرُ يَنْزِلُ مِنَ الرِّيحِ عَلَى هَذَا. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْأَقْوَالُ وَاحِدَةً، وَيَكُونَ الْمَعْنَى وَأَنْزَلْنَا مِنْ ذَوَاتِ الرِّيَاحِ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً وَأَصَحُّ الْأَقْوَالِ أَنَّ الْمُعْصِرَاتِ، السَّحَابُ. كَذَا الْمَعْرُوفُ أَنَّ الْغَيْثَ مِنْهَا، وَلَوْ كَانَ (بِالْمُعْصِرَاتِ) لَكَانَ الرِّيحُ أَوْلَى. وَفِي الصِّحَاحِ: وَالْمُعْصِرَاتُ السَّحَائِبُ تَعْتَصِرُ بِالْمَطَرِ. وَأُعْصِرَ الْقَوْمُ أَيْ أُمْطِرُوا، وَمِنْهُ قَرَأَ بَعْضُهُمْ" وَفِيهِ يَعْصِرُونَ" وَالْمُعْصِرُ: الْجَارِيَةُ أَوَّلَ مَا أَدْرَكَتْ وَحَاضَتْ، يُقَالُ: قَدْ أَعَصَرَتْ كَأَنَّهَا دَخَلَتْ عَصْرَ شبابها أو بلغته، قال الراجز «٢»:
جَارِيَةٌ بِسَفَوَانَ دَارِهَا تَمْشِي الْهُوَيْنَى سَاقِطًا خِمَارُهَا
قَدْ أَعَصَرَتْ أَوْ قَدْ دَنَا إِعْصَارُهَا
وَالْجَمْعُ: مَعَاصِرُ، وَيُقَالُ: هِيَ الَّتِي قَارَبَتِ الْحَيْضَ، لِأَنَّ الْإِعْصَارَ فِي الْجَارِيَةِ كَالْمُرَاهَقَةِ فِي الْغُلَامِ. سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي الْغَوْثِ الْأَعْرَابِيِّ. قَالَ غَيْرُهُ: وَالْمُعْصِرُ السَّحَابَةُ الَّتِي حَانَ لَهَا أَنْ تُمْطِرَ، يُقَالُ أَجَنَّ الزَّرْعُ فَهُوَ مُجِنٌّ: أَيْ صَارَ إِلَى أَنْ يُجِنَّ، وَكَذَلِكَ السَّحَابُ إِذَا صَارَ إِلَى أَنْ يُمْطِرَ فَقَدْ أَعْصَرَ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: يُقَالُ سَحَابٌ مُعْصِرٌ أَيْ مُمْسِكٌ لِلْمَاءِ، وَيُعْتَصَرُ مِنْهُ شي بعد شي، وَمِنْهُ الْعَصَرُ بِالتَّحْرِيكِ لِلْمَلْجَأِ الَّذِي يُلْجَأُ إِلَيْهِ، وَالْعُصْرَةُ بِالضَّمِّ أَيْضًا الْمَلْجَأُ. وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي سُورَةِ" يُوسُفَ" «٣» وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَقَالَ أبو زبيد «٤»:
(١). هو البعيث كما في اللسان وروايته للبيت:
وذي أشر كالأقحوان تشوفه ذهاب الصبا والمقصرات الدوالح
والدوالح السحائب التي أثقلها الماء: والذهاب بكسر الذال: الأمطار الضعيفة.
(٢). هو منصور بن مرثد الأسدي
(٣). راجع ج ٩ ص ٢٠٥. [..... ]
(٤). قاله في رثاء ابن أخته وكان مات عطشا في طريق مكد.
— 173 —
صَادِيًّا يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغَاثٍ وَلَقَدْ كَانَ عُصْرَةَ الْمَنْجُودِ
وَمِنْهُ الْمُعْصِرُ لِلْجَارِيَةِ الَّتِي قَدْ قَرُبَتْ مِنَ الْبُلُوغِ يُقَالُ لَهَا مُعْصِرٌ، لِأَنَّهَا تُحْبَسُ فِي الْبَيْتِ، فَيَكُونُ الْبَيْتُ لَهَا عَصْرًا. وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ" وَأَنْزَلْنَا بِالْمُعْصِرَاتِ". وَالَّذِي فِي الْمَصَاحِفِ مِنَ الْمُعْصِراتِ قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَالْحَسَنُ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: مِنَ الْمُعْصِراتِ أَيْ مِنَ السموات. مَاءً ثَجَّاجاً صَبَّابًا مُتَتَابِعًا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِمَا. يُقَالُ: ثَجَجْتُ دَمَهُ فَأَنَا أَثَجُّهُ ثَجًّا، وَقَدْ ثَجَّ الدَّمُ يَثُجُّ ثُجُوجًا، وَكَذَلِكَ الْمَاءُ، فَهُوَ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ. وَالثَّجَّاجُ فِي الْآيَةِ الْمُنْصَبُّ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيِ الصَّبَّابُ، وَهُوَ مُتَعَدٍّ كَأَنَّهُ يَثُجُّ: نَفْسَهُ أَيْ يَصُبُّ. وَقَالَ عَبِيدُ بْنُ الْأَبْرَصِ «١»:
فَثَجَّ أَعْلَاهُ ثُمَّ ارْتَجَّ أَسْفَلُهُ وَضَاقَ ذَرْعًا بِحَمْلِ الْمَاءِ مُنْصَاحِ
وَفِي حَدِيثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْحَجِّ الْمَبْرُورِ فَقَالَ: [الْعَجُّ وَالثَّجُّ] فَالْعَجُّ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، وَالثَّجُّ: إِرَاقَةُ الدِّمَاءِ وَذَبْحُ الْهَدَايَا. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: ثَجَّاجًا كَثِيرًا. وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى: لِنُخْرِجَ بِهِ أَيْ بِذَلِكَ الْمَاءِ حَبًّا كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَنَباتاً مِنَ الْأَبِّ، وَهُوَ مَا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ مِنَ الحشيش. وَجَنَّاتٍ أَيْ بَسَاتِينُ أَلْفافاً أَيْ مُلْتَفَّةً بَعْضُهَا بِبَعْضٍ لِتَشَعُّبِ أَغْصَانِهَا، وَلَا وَاحِدَ لَهُ كَالْأَوْزَاعِ وَالْأَخْيَافِ. وَقِيلَ: وَاحِدُ الْأَلْفَافِ لِفٌّ بِالْكَسْرِ وَلُفَّ بِالضَّمِّ. ذَكَرَهُ الْكِسَائِيُّ، قَالَ:
جَنَّةٌ لُفٌّ وَعَيْشٌ مُغْدِقٌ وَنَدَامَى كُلُّهُمْ بِيضٌ زُهُرْ
وَعَنْهُ أَيْضًا وَأَبِي عُبَيْدَةَ: لَفِيفٌ كَشَرِيفٍ وَأَشْرَافٍ. وَقِيلَ: هُوَ جَمْعُ الْجَمْعِ. حَكَاهُ الْكِسَائِيُّ. يُقَالُ: جَنَّةٌ لَفَّاءُ وَنَبْتٌ لِفٌّ وَالْجَمْعُ «٢» لُفٌّ بِضَمِّ اللَّامِ مِثْلُ حُمْرٍ، ثُمَّ يُجْمَعُ اللَّفُّ أَلْفَافًا. الزَّمَخْشَرِيُّ: وَلَوْ قِيلَ جَمْعُ مُلْتَفَّةٍ بِتَقْدِيرِ حَذْفِ الزَّوَائِدِ لَكَانَ وَجِيهًا. وَيُقَالُ: شَجَرَةٌ لَفَّاءُ وَشَجَرٌ لَفَّ وَامْرَأَةٌ
(١). البيت في وصف المطر ومنصاح: منشق بالماء. وفي الديوان: فالتج أعلاه.
(٢). قوله: والجمع لف بضم اللام راجع إلى جنة لفاء بدليل قوله: مثل حمر لأنه جمع الحمراء وأما لف بالكسر والفتح فجمعه ألفاف.
— 174 —
لَفَّاءُ: أَيْ غَلِيظَةُ السَّاقِ مُجْتَمِعَةُ اللَّحْمِ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وَنُخْرِجُ بِهِ جَنَّاتٍ أَلْفَافًا، فَحُذِفَ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. ثُمَّ هَذَا الِالْتِفَافُ وَالِانْضِمَامُ مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَشْجَارَ فِي الْبَسَاتِينِ تَكُونُ مُتَقَارِبَةً «١»، فَالْأَغْصَانُ من كل شجرة متقاربة لقوتها.
[سورة النبإ (٧٨): الآيات ١٧ الى ٢٠]
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً (١٨) وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً (٢٠)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً) أَيِ وَقْتًا وَمَجْمَعًا وَمِيعَادًا لِلْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، لِمَا وَعَدَ اللَّهُ مِنَ الْجَزَاءِ وَالثَّوَابِ. وَسُمِّيَ يَوْمَ الْفَصْلِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَفْصِلُ فِيهِ بَيْنَ خَلْقِهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ أَيْ لِلْبَعْثِ فَتَأْتُونَ أَيْ إِلَى مَوْضِعِ الْعَرْضِ. أَفْواجاً أَيْ أُمَمًا، كُلُّ أُمَّةٍ مَعَ إِمَامِهِمْ. وَقِيلَ: زُمَرًا وَجَمَاعَاتٍ. الْوَاحِدُ: فَوْجٌ. وَنَصَبَ يَوْمًا بَدَلًا مِنَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ. وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يَا مُعَاذَ [بْنَ جَبَلٍ «٢»] لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ أَمْرٍ عَظِيمٍ) ثُمَّ أَرْسَلَ عَيْنَيْهِ بَاكِيًا، ثُمَّ قَالَ: (يُحْشَرُ عَشَرَةُ أَصْنَافٍ مِنْ أُمَّتِي أَشْتَاتًا قَدْ مَيَّزَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ جَمَاعَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَبَدَّلَ صُوَرَهُمْ، فَمِنْهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقِرَدَةِ وَبَعْضُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْخَنَازِيرِ وَبَعْضُهُمْ مُنَكَّسُونَ: أَرْجُلُهُمْ أَعْلَاهُمْ، وَوُجُوهُهُمْ يُسْحَبُونَ عَلَيْهَا، وَبَعْضُهُمْ عُمْيٌ يَتَرَدَّدُونَ، وَبَعْضُهُمْ صُمٌّ بُكْمٌ لَا يَعْقِلُونَ، وَبَعْضُهُمْ يَمْضُغُونَ أَلْسِنَتَهُمْ، فَهِيَ مُدَلَّاةٌ عَلَى صُدُورِهِمْ، يَسِيلُ الْقَيْحُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ لُعَابًا، يَتَقَذَّرُهُمْ أَهْلُ الْجَمْعِ، وَبَعْضُهُمْ مُقَطَّعَةٌ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ، وَبَعْضُهُمْ مُصَلَّبُونَ عَلَى جُذُوعٍ مِنَ النَّارِ، وَبَعْضُهُمْ أَشَدُّ نَتْنًا مِنَ الْجِيَفِ، وَبَعْضُهُمْ مُلْبَسُونَ جَلَابِيبَ سَابِغَةً مِنَ الْقَطِرَانِ لَاصِقَةً بِجُلُودِهِمْ، فَأَمَّا الَّذِينَ عَلَى صُورَةِ الْقِرَدَةِ فَالْقَتَّاتُ مِنَ النَّاسِ- يَعْنِي النَّمَّامَ- وَأَمَّا الَّذِينَ عَلَى صورة الخنازير، فأهل
(١). في ا، ح: متقاربة الأغصان من كل.. إلخ.
(٢). [بن جبل]: ساقطة من الأصل المطبوع.
السُّحْتِ وَالْحَرَامِ وَالْمَكْسِ. وَأَمَّا الْمُنَكَّسُونَ رُؤُوسُهُمْ وَوُجُوهُهُمْ، فَأَكَلَةُ الرِّبَا، وَالْعُمْيُ: مَنْ يَجُورُ فِي الْحُكْمِ، وَالصُّمُّ الْبُكْمُ: الَّذِينَ يُعْجَبُونَ بِأَعْمَالِهِمْ. وَالَّذِينَ يَمْضُغُونَ أَلْسِنَتَهُمْ: فَالْعُلَمَاءُ وَالْقُصَّاصُ الَّذِينَ يُخَالِفُ قَوْلُهُمْ فِعْلَهُمْ. وَالْمُقَطَّعَةُ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ: فَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْجِيرَانَ. وَالْمُصَلَّبُونَ عَلَى جُذُوعِ النَّارِ: فَالسُّعَاةُ بِالنَّاسِ إِلَى السُّلْطَانِ وَالَّذِينَ هُمْ أَشَدُّ نَتْنًا مِنَ الْجِيَفِ فَالَّذِينَ يتمتعون بالشهوات واللذات، ويمنعون حق الله مِنْ «١» أَمْوَالِهِمْ. وَالَّذِينَ يَلْبَسُونَ الْجَلَابِيبَ: فَأَهْلُ الْكِبْرِ وَالْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ (. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً) أَيْ لِنُزُولِ الْمَلَائِكَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا [الفرقان: ٢٥]. وَقِيلَ: تَقَطَّعَتْ، فَكَانَتْ قِطَعًا كَالْأَبْوَابِ فَانْتِصَابُ الْأَبْوَابِ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ بِحَذْفِ الْكَافِ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ فَكَانَتْ ذَاتَ أَبْوَابٍ، لِأَنَّهَا تَصِيرُ كُلُّهَا أَبْوَابًا. وَقِيلَ: أَبْوَابُهَا طُرُقُهَا. وَقِيلَ: تَنْحَلُّ وَتَتَنَاثَرُ، حَتَّى تَصِيرَ فِيهَا أَبْوَابٌ. وَقِيلَ: إِنَّ لِكُلِّ عَبْدٍ بَابَيْنِ فِي السَّمَاءِ: بَابًا لِعَمَلِهِ، وَبَابًا لِرِزْقِهِ، فَإِذَا قَامَتِ الْقِيَامَةُ انْفَتَحَتِ الْأَبْوَابُ. وَفِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ: (ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنَا (.) (وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً) أي لا شي كَمَا أَنَّ السَّرَابَ كَذَلِكَ: يَظُنُّهُ الرَّائِي مَاءً وَلَيْسَ بِمَاءٍ. وَقِيلَ: سُيِّرَتِ نُسِفَتْ مِنْ أُصُولِهَا. وقيل: أزيلت عن مواضعها.
[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٢١ الى ٣٠]
إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآباً (٢٢) لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً (٢٤) إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً (٢٥)
جَزاءً وِفاقاً (٢٦) إِنَّهُمْ كانُوا لَا يَرْجُونَ حِساباً (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذاباً (٣٠)
(١). وفي الدر المنثور: حق الله والفقراء... إلخ.
— 176 —
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً): مِفْعَالٌ من الرصد والرصد: كل شي كَانَ أَمَامَكَ. قَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ عَلَى النَّارِ رَصَدًا، لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْجَنَّةَ حَتَّى يَجْتَازَ عَلَيْهِ، فَمَنْ جَاءَ بِجَوَازٍ جَازَ، وَمَنْ لَمْ يَجِئْ بِجَوَازٍ حُبِسَ. وَعَنْ سُفْيَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: عَلَيْهَا ثَلَاثُ قَنَاطِرَ. وَقِيلَ مِرْصاداً ذَاتَ أَرْصَادٍ عَلَى النَّسَبِ، أَيْ تَرْصُدُ مَنْ يَمُرُّ بِهَا. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: مَحْبِسًا. وَقِيلَ: طَرِيقًا وَمَمَرًّا، فَلَا سَبِيلَ إِلَى الْجَنَّةِ حَتَّى يَقْطَعَ جَهَنَّمَ. وَفِي الصِّحَاحِ: وَالْمِرْصَادُ: الطَّرِيقُ. وَذَكَرَ الْقُشَيْرِيُّ: أَنَّ الْمِرْصَادَ الْمَكَانُ الَّذِي يَرْصُدُ فِيهِ الْوَاحِدُ الْعَدُوَّ، نَحْوَ الْمِضْمَارِ: الْمَوْضِعُ الَّذِي تُضْمَرُ فِيهِ الْخَيْلُ. أَيْ هِيَ مُعَدَّةٌ لَهُمْ، فَالْمِرْصَادُ بِمَعْنَى الْمَحَلِّ، فَالْمَلَائِكَةُ يَرْصُدُونَ الْكُفَّارَ حَتَّى يَنْزِلُوا بِجَهَنَّمَ. وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ أَبِي سِنَانٍ «١» أَنَّهَا بِمَعْنَى رَاصِدَةً، تُجَازِيهِمْ بِأَفْعَالِهِمْ. وَفِي الصِّحَاحِ: الرَّاصِدُ الشَّيْءَ: الرَّاقِبُ لَهُ، تَقُولُ: رَصَدَهُ يَرْصُدُهُ رَصْدًا وَرَصَدًا، وَالتَّرَصُّدُ: التَّرَقُّبُ. وَالْمَرْصَدُ: مَوْضِعُ الرَّصَدِ. الْأَصْمَعِيُّ: رَصَدْتُهُ أَرْصُدُهُ: تَرَقَّبْتُهُ، وَأَرْصَدْتُهُ: أَعْدَدْتُ لَهُ. وَالْكِسَائِيُّ: مِثْلُهُ. قُلْتُ: فَجَهَنَّمُ مُعَدَّةٌ مُتَرَصِّدَةٌ، مُتَفَعِّلٌ مِنَ الرَّصَدِ وَهُوَ التَّرَقُّبُ، أَيْ هِيَ مُتَطَلِّعَةٌ لِمَنْ يَأْتِي. وَالْمِرْصَادُ مِفْعَالٌ مِنْ أَبْنِيَةِ الْمُبَالَغَةِ كَالْمِعْطَارِ وَالْمِغْيَارِ، فَكَأَنَّهُ يَكْثُرُ مِنْ جَهَنَّمَ انْتِظَارُ الْكُفَّارِ. (لِلطَّاغِينَ مَآباً) بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: مِرْصاداً وَالْمَآبُ: الْمَرْجِعُ، أَيْ مَرْجِعًا يَرْجِعُونَ إِلَيْهَا، يُقَالُ: آبَ يَئُوبُ أَوْبَةً: إِذَا رَجَعَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَأْوًى وَمَنْزِلًا. وَالْمُرَادُ بِالطَّاغِينَ مَنْ طَغَى فِي دِينِهِ بِالْكُفْرِ، أو في دنياه بالظلم. قوله تعالى: (لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً) أَيْ مَاكِثِينَ فِي النَّارِ مَا دَامَتِ الْأَحْقَابُ، وَهِيَ لَا تَنْقَطِعُ، فَكُلَّمَا مَضَى حُقُبٌ جَاءَ حُقُبٌ. وَالْحُقُبُ بِضَمَّتَيْنِ: الدَّهْرُ وَالْأَحْقَابُ الدُّهُورُ. وَالْحِقْبَةُ بِالْكَسْرِ: السَّنَةُ، وَالْجَمْعُ حِقَبٌ، قَالَ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ التَّمِيمِيُّ:
وَكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَةً مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعَا
فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكًا لِطُولِ اجْتِمَاعٍ لم نبت ليلة معا
(١). ا، ح، ل، و: (أبى سفيان).
— 177 —
وَالْحُقْبُ بِالضَّمِّ وَالسُّكُونِ: ثَمَانُونَ سَنَةً. وَقِيلَ: أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَأَقَلُّ، عَلَى مَا يَأْتِي، وَالْجَمْعُ: أَحْقَابٌ. وَالْمَعْنَى فِي الْآيَةِ، [لَابِثِينَ «١»] فِيهَا أَحْقَابَ الْآخِرَةِ الَّتِي لَا نِهَايَةَ لَهَا، فَحَذَفَ الْآخِرَةَ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، إِذْ فِي الْكَلَامِ ذِكْرُ الْآخِرَةِ وَهُوَ كَمَا يُقَالُ أَيَّامُ الْآخِرَةِ، أَيْ أَيَّامٌ بَعْدَ أَيَّامٍ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ، وَإِنَّمَا كَانَ يَدُلُّ عَلَى التَّوْقِيتِ لَوْ قَالَ خَمْسَةُ أَحْقَابٍ أَوْ عَشَرَةُ أَحْقَابٍ. وَنَحْوَهُ وَذَكَرَ الْأَحْقَابَ لان الحقب كان أبعد شي عِنْدَهُمْ، فَتَكَلَّمَ بِمَا تَذْهَبُ إِلَيْهِ أَوْهَامُهُمْ وَيَعْرِفُونَهَا، وَهِيَ كِنَايَةٌ عَنِ التَّأْبِيدِ، أَيْ يَمْكُثُونَ فِيهَا أَبَدًا. وَقِيلَ: ذَكَرَ الْأَحْقَابَ دُونَ الْأَيَّامِ، لِأَنَّ الْأَحْقَابَ أَهْوَلُ فِي الْقُلُوبِ، وَأَدَلُّ عَلَى الْخُلُودِ. وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ، وَهَذَا الْخُلُودُ فِي حَقِّ الْمُشْرِكِينَ. وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى الْعُصَاةِ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ بَعْدَ أَحْقَابٍ. وَقِيلَ: الْأَحْقَابُ وَقْتٌ لِشُرْبِهِمُ الْحَمِيمَ وَالْغَسَّاقَ، فَإِذَا انْقَضَتْ فَيَكُونُ لَهُمْ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الْعِقَابِ، وَلِهَذَا قَالَ: لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً. لَا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً. إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً. ولابِثِينَ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ لَبِثَ، وَيُقَوِّيهِ أَنَّ الْمَصْدَرَ مِنْهُ اللُّبْثُ بِالْإِسْكَانِ، كَالشُّرْبِ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ لابِثِينَ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَهُمَا لُغَتَانِ، يُقَالُ: رَجُلٌ لَابِثٌ وَلَبِثَ، مِثْلُ طَمِعٍ وَطَامِعٍ، وَفَرِهٍ وَفَارِهٍ. وَيُقَالُ: هُوَ لَبِثٌ بِمَكَانِ كَذَا: أَيْ قَدْ صَارَ اللُّبْثُ شَأْنَهُ، فَشُبِّهَ بِمَا هُوَ خِلْقَةٌ فِي الْإِنْسَانِ نَحْوَ حَذِرٌ وَفَرِقٌ، لِأَنَّ بَابَ فَعِلَ إِنَّمَا هُوَ لِمَا يَكُونُ خِلْقَةً فِي الشَّيْءِ فِي الأغلب، وليس كذلك أسم الفاعل من لابث. وَالْحُقْبُ: ثَمَانُونَ سَنَةً فِي قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ مُحَيْصِنٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَالسَّنَةُ ثَلَاثُمِائَةِ يَوْمٍ وَسِتُّونَ يَوْمًا، وَالْيَوْمُ أَلْفُ سَنَةٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ هَذَا مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَالسَّنَةُ ثَلَاثُمِائَةِ يَوْمٍ وَسِتُّونَ يَوْمًا كُلُّ يَوْمٍ مِثْلَ أَيَّامِ الدُّنْيَا. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا: الْحُقْبُ: أَرْبَعُونَ سَنَةً. السُّدِّيُّ: سَبْعُونَ سَنَةً. وَقِيلَ: إِنَّهُ أَلْفُ شَهْرٍ. رَوَاهُ أَبُو أُمَامَةَ مَرْفُوعًا. بَشِيرُ بْنُ كَعْبٍ: ثلاثمائة سنة. الحسن: الأحقاب لا يدري أحدكم هِيَ، وَلَكِنْ ذَكَرُوا أَنَّهَا مِائَةُ حُقْبٍ، وَالْحُقْبُ الْوَاحِدُ مِنْهَا سَبْعُونَ أَلْفَ سَنَةٍ، الْيَوْمُ مِنْهَا كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ. وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ أيضا،
(١). [لابثين [: ساقط من ا، ز، ل، ط.
— 178 —
عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [أَنَّ الْحُقْبَ الْوَاحِدَ ثَلَاثُونَ أَلْفَ سَنَةٍ [ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ. وَالْأَوَّلُ الْمَاوَرْدِيُّ. وَقَالَ قُطْرُبٌ: هُوَ الدَّهْرُ الطَّوِيلُ غَيْرُ الْمَحْدُودِ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [وَاللَّهِ لَا يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ دَخَلَهَا حَتَّى يَكُونَ فِيهَا أَحْقَابًا، الْحُقْبُ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً، وَالسَّنَةُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ يَوْمًا، كُلُّ يَوْمٍ أَلْفُ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، فَلَا يَتَّكِلَنَّ أحدكم على أنه يَخْرُجَ مِنَ النَّارِ [. ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. الْقُرَظِيُّ: الْأَحْقَابُ: ثَلَاثَةٌ وَأَرْبَعُونَ، حُقْبًا كُلُّ حُقْبٍ سَبْعُونَ خَرِيفًا، كُلُّ خَرِيفٍ سَبْعُمِائَةِ سَنَةٍ، كُلُّ سَنَةٍ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ يَوْمًا، كُلُّ يَوْمٍ أَلْفُ سَنَةٍ. قُلْتُ: هَذِهِ أَقْوَالُ مُتَعَارِضَةٌ، وَالتَّحْدِيدُ فِي الْآيَةِ لِلْخُلُودِ، يَحْتَاجُ إِلَى تَوْقِيفٍ يَقْطَعُ الْعُذْرَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِثَابِتٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَإِنَّمَا الْمَعْنَى- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا، أَيْ لَابِثِينَ فِيهَا أَزْمَانًا وَدُهُورًا، كُلَّمَا مَضَى زَمَنٌ يَعْقُبُهُ زَمَنٌ، وَدَهْرٌ يَعْقُبُهُ دَهْرٌ، هَكَذَا أَبَدَ الْآبِدِينَ مِنْ غَيْرِ انْقِطَاعٍ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: مَعْنَى لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً لَا غَايَةَ لَهَا انْتِهَاءً، فَكَأَنَّهُ قَالَ أَبَدًا. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ وَمُقَاتِلٌ: إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً يَعْنِي أَنَّ الْعَدَدَ قَدِ انْقَطَعَ، وَالْخُلُودَ قَدْ حَصَلَ. قُلْتُ: وَهَذَا بَعِيدٌ، لِأَنَّهُ خَبَرٌ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ [الأعراف: ٤٠] عَلَى مَا تَقَدَّمَ «١». هَذَا فِي حَقِّ الْكُفَّارِ، فَأَمَّا الْعُصَاةُ الْمُوَحِّدُونَ فَصَحِيحٌ وَيَكُونُ النَّسْخُ بِمَعْنَى التَّخْصِيصِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً أَيْ فِي الْأَرْضِ، إِذْ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا وَيَكُونُ الضَّمِيرُ فِي لَا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً لِجَهَنَّمَ. وَقِيلَ: وَاحِدُ الْأَحْقَابِ حُقْبٌ وَحِقْبَةٌ، قَالَ:
فَإِنْ تَنَأَ عَنْهَا حِقْبَةٌ لَا تُلَاقِهَا فَأَنْتَ بِمَا أَحْدَثْتَهُ بِالْمُجَرَّبِ
وَقَالَ الكميت: «٢»
مر لها بعد حقبة حقب
(١). راجع ج ٧ ص (٢٠٦)
(٢). صدر البيت:
ولا حمول غدت ولا دمن
— 179 —
قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا يَذُوقُونَ فِيها أَيْ فِي الْأَحْقَابِ بَرْداً وَلا شَراباً الْبَرْدُ: النَّوْمُ فِي قَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَغَيْرِهِ، قَالَ الشَّاعِرُ»
وَلَوْ شِئْتُ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ وَإِنْ شِئْتُ لَمْ أَطْعَمَ نُقَاخًا وَلَا بَرْدًا
وَقَالَهُ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ وَالْكِسَائِيُّ وَالْفَضْلُ بْنُ خَالِدٍ وَأَبُو مُعَاذٍ النَّحْوِيُّ، وَأَنْشَدُوا قَوْلَ الْكِنْدِيِّ:
بَرَدَتْ مَرَاشِفُهَا عَلَيَّ فَصَدَّنِي عَنْهَا وَعَنْ تَقْبِيلِهَا الْبَرْدُ
يَعْنِي النَّوْمَ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: مَنَعَ الْبَرْدُ الْبَرْدَ، يَعْنِي: أَذْهَبَ الْبَرْدُ النَّوْمَ. قُلْتُ: وَقَدْ جَاءَ الْحَدِيثُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سُئِلَ هَلْ فِي الْجَنَّةِ نَوْمٌ. فَقَالَ: [لَا، النَّوْمُ أَخُو الْمَوْتِ، وَالْجَنَّةُ لَا مَوْتَ فِيهَا [فَكَذَلِكَ النَّارُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا [فاطر: ٣٦] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْبَرْدُ: بَرْدُ الشَّرَابِ. وَعَنْهُ أَيْضًا: الْبَرْدُ النَّوْمُ: وَالشَّرَابُ الْمَاءُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدَ رِيحٍ، وَلَا ظِلٍّ، وَلَا نَوْمٍ. فَجَعَلَ الْبَرْدَ بَرْدَ كُلِّ شي لَهُ رَاحَةٌ، وَهَذَا بَرْدٌ يَنْفَعُهُمْ، فَأَمَّا الزَّمْهَرِيرُ فَهُوَ بَرْدٌ يَتَأَذَّوْنَ بِهِ، فَلَا يَنْفَعُهُمْ، فَلَهُمْ مِنْهُ مِنَ الْعَذَابِ مَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَابْنُ زَيْدٍ: بَرْدًا: أَيْ روحا وراحة، قال الشاعر: «٢»
فَلَا الظِّلُّ مِنْ بَرْدِ الضُّحَى تَسْتَطِيعُهُ وَلَا الْفَيْءُ أَوْقَاتَ «٣» الْعَشِيِّ تَذُوقُ
لَا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الطَّاغِينَ، أَوْ نَعْتٌ لِلْأَحْقَابِ، فَالْأَحْقَابُ ظَرْفُ زمان، والعامل فيه لابِثِينَ أو لابِثِينَ عَلَى تَعْدِيَةٍ فَعِلَ. (إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ فِي قَوْلِ مَنْ جَعَلَ الْبَرْدَ النَّوْمَ، وَمَنْ جَعَلَهُ مِنَ الْبُرُودَةِ كَانَ بَدَلًا مِنْهُ. وَالْحَمِيمُ: الْمَاءُ الْحَارُّ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْحَمِيمُ: دُمُوعُ أَعْيُنِهِمْ، تُجْمَعُ فِي حِيَاضٍ ثُمَّ يُسْقَوْنَهُ. قَالَ النَّحَّاسُ: أَصْلُ الْحَمِيمِ: الْمَاءُ الْحَارُّ، وَمِنْهُ اشْتُقَّ الْحَمَّامُ، وَمِنْهُ الْحُمَّى، ومنه وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ
(١). هو العرجي: عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان. ونسب إلى العرج وهو موضع قبل الطائف كان ينزل به. والنقاخ كغراب: الماء الطيب.
(٢). قائله حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ يَصِفُ سَرْحَةً وَكَنَّى بِهَا عن امرأة.
(٣). كذا في الأصل. وفي كتب اللغة مادة (فيا) ولا الفيء من برد العشى... إلخ.
— 180 —
: إِنَّمَا يُرَادُ بِهِ النِّهَايَةُ فِي الْحَرِّ. وَالْغَسَّاقُ: صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ وَقَيْحُهُمْ. وَقِيلَ الزَّمْهَرِيرُ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِتَشْدِيدِ السِّينِ، وَقَدْ مَضَى فِي" ص" «١» الْقَوْلُ فِيهِ. (جَزاءً وِفاقاً) أَيْ مُوَافِقًا لِأَعْمَالِهِمْ. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِمَا، فَالْوِفَاقُ بمعنى الموافقة كالقتال بمعنى المقاتلة. وجَزاءً نَصْبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيْ جَازَيْنَاهُمْ جَزَاءً وَافَقَ أَعْمَالَهُمْ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ وَالْأَخْفَشُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ أَيْضًا: هُوَ جَمْعُ الْوَفْقِ، وَالْوَفْقُ وَاللَّفْقُ وَاحِدٌ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ. وَافَقَ الْعَذَابُ الذَّنْبَ، فَلَا ذَنْبَ أَعْظَمُ مِنَ الشِّرْكِ، وَلَا عَذَابَ أَعْظَمُ مِنَ النَّارِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ: كَانَتْ أَعْمَالُهُمْ سَيِّئَةً، فَأَتَاهُمُ الله بما يسوءهم. إِنَّهُمْ كانُوا لَا يَرْجُونَ أَيْ لَا يَخَافُونَ حِساباً أَيْ مُحَاسَبَةً عَلَى أَعْمَالِهِمْ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا يَرْجُونَ ثَوَابَ حِسَابٍ. الزَّجَّاجُ: أَيْ إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يُؤْمِنُونَ بِالْبَعْثِ فَيَرْجُونَ حِسَابَهُمْ. (وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً) أَيْ بِمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ. وَقِيلَ: بِمَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْكُتُبِ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ كِذَّاباً بِتَشْدِيدِ الذَّالِ، وَكَسْرِ الْكَافِ، عَلَى كَذَّبَ، أَيْ كَذَّبُوا تَكْذِيبًا كَبِيرًا. قَالَ الْفَرَّاءُ: هِيَ لُغَةٌ يَمَانِيَّةٌ فَسِيحَةٌ، يَقُولُونَ: كَذَّبْتُ [بِهِ «٢»] كِذَّابًا، وَخَرَّقْتُ الْقَمِيصَ خِرَّاقًا، وَكُلُّ فِعْلٍ فِي وَزْنِ (فَعَّلَ) فَمَصْدَرُهُ فِعَّالٌ مُشَدَّدٌ فِي لُغَتِهِمْ، وَأَنْشَدَ بَعْضُ الْكِلَابِيِّينَ:
لَقَدْ طَالَ مَا ثَبَّطْتِنِي عَنْ صحابتي... وعن حوج قضاؤها من شفائتا
وَقَرَأَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (كِذَابًا) بِالتَّخْفِيفِ وَهُوَ مَصْدَرٌ أَيْضًا. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: التَّخْفِيفُ وَالتَّشْدِيدُ جَمِيعًا: مَصْدَرُ الْمُكَاذَبَةِ، كَقَوْلِ الْأَعْشَى:
فَصَدَقْتُهَا وَكَذَبْتُهَا «٣»... وَالْمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذَابُهُ
أَبُو الْفَتْحِ: جَاءَا جَمِيعًا مَصْدَرَ كَذَبَ وَكَذَّبَ جَمِيعًا. الزَّمَخْشَرِيُّ: (كِذَابًا) بِالتَّخْفِيفِ مَصْدَرُ كَذَبَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ:
فَصَدَقْتُهَا وَكَذَبْتُهَا... والمرء ينفعه كذابة
(١). راجع ج ١٥ ص ٢٢١ فما بعدها. [..... ]
(٢). الزيادة من معاني القرآن للفراء.
(٣). قال الشهاب: وضمير صدقتها وكذبتها للنفس. والمراد: أنه يصدق نفسه: تارة بأن يقول إن أمانيها محققة وتكذيبها بخلافه أو على العكس.
— 181 —
وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً [نوح: ١٧] يَعْنِي وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أَفَكَذَبُوا كِذَابًا. أَوْ تَنْصِبُهُ ب- كَذَّبُوا لأنه بتضمن مَعْنًى كَذَبُوا، لِأَنَّ كُلَّ مُكَذِّبٍ بِالْحَقِّ كَاذِبٌ، لِأَنَّهُمْ إِذَا كَانُوا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ كَاذِبِينَ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ عِنْدَهُمْ كَاذِبِينَ، فَبَيْنَهُمْ مُكَاذَبَةٌ. وَقَرَأَ ابْنُ عُمَرَ (كُذَّابًا) بِضَمِّ الْكَافِ وَالتَّشْدِيدِ، جَمْعُ كَاذِبٍ، قَالَهُ أَبُو حَاتِمٍ. وَنَصْبُهُ عَلَى الْحَالِ الزَّمَخْشَرِيُّ. وَقَدْ يَكُونُ الْكُذَّابُ: بِمَعْنَى الْوَاحِدِ الْبَلِيغِ فِي الْكَذِبِ، يُقَالُ: رَجُلٌ كُذَّابٌ، كَقَوْلِكَ حُسَّانٌ وَبُخَّالٌ، فَيَجْعَلُهُ صِفَةً لِمَصْدَرٍ كَذَّبُوا أَيْ تَكْذِيبًا كُذَّابًا مُفْرِطًا كَذِبُهُ. وَفِي الصِّحَاحِ: وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً وَهُوَ أَحَدُ مَصَادِرِ الْمُشَدَّدِ، لِأَنَّ مصدره قد يجئ عَلَى (تَفْعِيلٍ) مِثْلَ التَّكْلِيمِ وَعَلَى (فِعَّالٍ) كِذَّابٍ وَعَلَى (تَفْعِلَةٍ) مِثْلَ تَوْصِيَةٍ، وَعَلَى (مُفَعَّلٍ)، وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ. (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً) كُلَّ نُصِبَ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَحْصَيْناهُ أَيْ وأحصينا كل شي أَحْصَيْنَاهُ. وَقَرَأَ أَبُو السَّمَّالِ (وَكُلُّ شَيْءٍ) بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ. كِتاباً نَصْبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ، لِأَنَّ مَعْنًى أَحْصَيْنَا: كَتَبْنَا، أَيْ كَتَبْنَاهُ كِتَابًا. ثُمَّ قِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْعِلْمَ، فَإِنَّ مَا كُتِبَ كَانَ أَبْعَدَ مِنَ النِّسْيَانِ. وَقِيلَ: أَيْ كَتَبْنَاهُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ لِتَعْرِفَهُ الْمَلَائِكَةُ. وَقِيلَ: أَرَادَ مَا كُتِبَ عَلَى الْعِبَادِ مِنْ أَعْمَالِهِمْ. فَهَذِهِ كِتَابَةٌ صَدَرَتْ عَنِ الْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِالْعِبَادِ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُمْ بِالْكِتَابَةِ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ. كِراماً كاتِبِينَ [الانفطار: ١١ - ١٠]. (فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً) قَالَ أَبُو بَرْزَةَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَشَدِّ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً أَيْ كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها [النساء: ٥٦] وكُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً [الاسراء: ٩٧].
[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٣١ الى ٣٦]
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً (٣١) حَدائِقَ وَأَعْناباً (٣٢) وَكَواعِبَ أَتْراباً (٣٣) وَكَأْساً دِهاقاً (٣٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً (٣٥)
جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً (٣٦)
— 182 —
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً) ذَكَرَ جَزَاءَ مَنِ اتَّقَى مُخَالَفَةَ أَمْرِ اللَّهِ مَفازاً مَوْضِعُ فَوْزٍ وَنَجَاةٍ وَخَلَاصٍ مِمَّا فِيهِ أَهْلُ النَّارِ. وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلْفَلَاةِ إِذَا قَلَّ مَاؤُهَا: مَفَازَةٌ، تَفَاؤُلًا بِالْخَلَاصِ مِنْهَا. (حَدائِقَ وَأَعْناباً) هَذَا تَفْسِيرُ الْفَوْزِ. وَقِيلَ: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ حَدَائِقَ، جَمْعُ حَدِيقَةٍ، وَهِيَ الْبُسْتَانُ الْمَحُوطُ عَلَيْهِ، يُقَالُ أَحْدَقَ بِهِ: أَيْ أَحَاطَ. وَالْأَعْنَابُ: جَمْعُ عِنَبٍ، أَيْ كُرُومُ أَعْنَابٍ، فَحُذِفَ. (وَكَواعِبَ أَتْراباً) كَوَاعِبُ: جَمْعُ كَاعِبٍ وَهِيَ النَّاهِدُ، يُقَالُ: كَعَبَتِ الْجَارِيَةُ تَكْعَبُ كُعُوبًا، وَكَعَّبَتْ تُكَعِّبُ تَكْعِيبًا، وَنَهَدَتْ تَنْهَدُ نُهُودًا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كَكَوَاعِبِ الْعَذَارَى، وَمِنْهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ:
وَكَمْ مِنْ حَصَانٍ قَدْ حَوَيْنَا كَرِيمَةٍ وَمِنْ كَاعِبٍ لَمْ تَدْرِ مَا الْبُؤْسُ مُعْصِرُ
وَالْأَتْرَابُ: الْأَقْرَانُ فِي السِّنِّ. وَقَدْ مَضَى فِي سُورَةِ" الْوَاقِعَةِ" «١» الْوَاحِدُ: تِرْبٌ. (وَكَأْساً دِهاقاً) قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ: مُتْرَعَةٌ مَمْلُوءَةٌ، يُقَالُ: أَدَهَقْتُ الْكَأْسَ: أَيْ مَلَأْتُهَا، وَكَأْسٌ دِهَاقٌ أَيْ مُمْتَلِئَةٌ، قَالَ:
أَلَا فَاسْقِنِي صِرْفًا سَقَانِي السَّاقِي مِنْ مَائِهَا بِكَأْسِكَ الدِّهَاقِ
وَقَالَ خِدَاشُ بْنُ زُهَيْرٍ:
أَتَانَا عَامِرٌ يَبْغِي قِرَانَا فَأَتْرَعْنَا لَهُ كَأْسًا دِهَاقَا
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا: مُتَتَابِعَةً، يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَمِنْهُ ادهقت الحجارة ادهاقا، وهو شدة تلازبها وَدُخُولُ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ، فَالْمُتَتَابِعُ كَالْمُتَدَاخِلِ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ أَيْضًا وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: صَافِيَةً، قَالَ الشَّاعِرُ:
لَأَنْتِ إِلَى الْفُؤَادِ أَحَبُّ قُرْبًا مِنَ الصَّادِيِّ إِلَى كَأْسٍ دِهَاقِ
وَهُوَ جَمْعُ دَهَقٍ «٢»، وَهُوَ خَشَبَتَانِ [يُغْمَزُ «٣»] بِهِمَا [السَّاقُ]. وَالْمُرَادُ بِالْكَأْسِ الْخَمْرُ، فَالتَّقْدِيرُ: خَمْرًا ذَاتَ دِهَاقٍ، أَيْ عُصِرَتْ وَصُفِّيَتْ، قَالَهُ الْقُشَيْرِيُّ. وَفِي الصِّحَاحِ: وَأَدْهَقْتُ الْمَاءَ: أي أفرغته
(١). راجع ج ١٧ ص (٢١١)
(٢). في (اللسان: دهق): وَالدَّهَقُ (بِالتَّحْرِيكِ): ضَرْبٌ مِنَ الْعَذَابِ. وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ: (إشكنجه). ودهقت الشيء: كسرته وقطعته. اه.
(٣). التصحيح من كتب اللغة وفي الأصول: خشبتان يعصر بهما.
— 183 —
إِفْرَاغًا شَدِيدًا: قَالَ أَبُو عَمْرٍو: وَالدَّهَقُ- بِالتَّحْرِيكِ: ضَرْبٌ مِنَ الْعَذَابِ. وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ أَشْكَنْجَهْ. الْمُبَرِّدُ: وَالْمَدْهُوقُ: الْمُعَذَّبُ بِجَمِيعِ الْعَذَابِ الَّذِي لَا فُرْجَةَ فِيهِ. ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: دَهَقْتُ الشَّيْءَ كَسَرْتُهُ وَقَطَعْتُهُ، وَكَذَلِكَ دَهْدَقْتُهُ: وَأَنْشَدَ لِحُجْرِ بْنِ خَالِدٍ:
نُدَهْدِقُ بِضْعَ اللَّحْمِ لِلْبَاعِ وَالنَّدَى وَبَعْضُهُمْ تَغْلِي بِذَمٍّ مَنَاقِعُهُ «١»
وَدَهْمَقْتُهُ بِزِيَادَةِ الْمِيمِ: مِثْلُهُ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الدَّهْمَقَةُ: لِينُ الطَّعَامِ وَطِيبُهُ وَرِقَّتُهُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ شي لَيِّنٍ، وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ: لَوْ شِئْتُ أَنْ يُدَهْمَقَ لِي لَفَعَلْتُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ عَابَ قَوْمًا فَقَالَ: أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها [الأحقاف: ٢٠]. لَا يَسْمَعُونَ فِيها أَيْ فِي الْجَنَّةِ لَغْواً وَلا كِذَّاباً اللَّغْوُ: الْبَاطِلُ، وَهُوَ مَا يُلْغَى مِنَ الْكَلَامِ وَيُطْرَحُ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: [إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أَنْصِتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ [وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ إِذَا شَرِبُوا لَمْ تَتَغَيَّرْ عُقُولُهُمْ، وَلَمْ يَتَكَلَّمُوا بِلَغْوٍ، بِخِلَافِ أَهْلِ الدُّنْيَا. وَلا كِذَّاباً: تَقَدَّمَ، أَيْ لَا يُكَذِّبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَلَا يَسْمَعُونَ كَذِبًا. وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ (كِذَابًا) بِالتَّخْفِيفِ مِنْ كَذَبْتُ كِذَابًا أَيْ لَا يَتَكَاذَبُونَ فِي الْجَنَّةِ. وَقِيلَ: هُمَا مَصْدَرَانِ للتكذيب، وإنما خففها ها هنا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُقَيَّدَةً بِفِعْلٍ يَصِيرُ مَصْدَرًا لَهُ، وَشُدِّدَ قَوْلُهُ: وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً لِأَنَّ كَذَّبُوا يُقَيِّدُ الْمَصْدَرَ بِالْكِذَّابِ. جَزاءً مِنْ رَبِّكَ نَصْبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ. لِأَنَّ الْمَعْنَى جَزَاهُمْ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، جَزَاءَهُ وَكَذَلِكَ عَطاءً لِأَنَّ مَعْنَى أَعْطَاهُمْ وَجَزَاهُمْ وَاحِدٌ. أَيْ أَعْطَاهُمْ عَطَاءً. حِساباً أَيْ كَثِيرًا، قَالَهُ قَتَادَةُ، يُقَالُ: أَحْسَبْتُ فُلَانًا: أَيْ كَثَّرْتُ لَهُ الْعَطَاءَ حَتَّى قَالَهُ حَسْبِي. قَالَ «٢»:
وَنُقْفِي وَلِيدَ الْحَيِّ إِنْ كَانَ جَائِعًا وَنُحْسِبُهُ إن كان ليس بجائع
(١). يروى هكذا في اللسان مادة (دهق). وفي الأصول (مراجله). والمناقع: القدور الصغار واحدها: متقع ومنقعة.
(٢). قائلته امرأة من بني قشير. ونقفيه: أي نؤثره بالقفية وهي ما يؤثر به الضيف والصبي.
— 184 —
وَقَالَ الْقُتَبِيُّ: وَنَرَى أَصْلَ هَذَا أَنْ يُعْطِيَهُ حَتَّى يَقُولَ حَسْبِي. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: حِساباً أَيْ مَا يَكْفِيهِمْ. وَقَالَهُ الْأَخْفَشُ. يُقَالُ: أَحْسَبُنِي كَذَا: أَيْ كَفَانِي. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: حَاسَبَهُمْ فَأَعْطَاهُمْ بِالْحَسَنَةِ عَشْرًا. مُجَاهِدٌ: حِسَابًا لِمَا عَمِلُوا، فَالْحِسَابُ بِمَعْنَى الْعَدِّ. أَيْ بِقَدْرِ مَا وَجَبَ لَهُ فِي وَعْدِ الرَّبِّ، فَإِنَّهُ وَعَدَ لِلْحَسَنَةِ عَشْرًا، وَوَعَدَ لِقَوْمٍ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَقَدْ وَعَدَ لِقَوْمٍ جَزَاءً لَا نِهَايَةَ لَهُ وَلَا مِقْدَارَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [الزمر: ١٠]. وَقَرَأَ أَبُو هَاشِمٍ (عَطَاءً حِسَابًا) بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَتَشْدِيدِ السِّينِ، عَلَى وَزْنِ فَعَّالٍ أَيْ كَفَافًا، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: تَقُولُ الْعَرَبُ: حَسَّبْتُ الرَّجُلَ بِالتَّشْدِيدِ: إِذَا أَكْرَمْتُهُ، وَأَنْشَدَ قَوْلَ الشَّاعِرِ:
إِذَا أَتَاهُ ضَيْفُهُ يُحَسِّبُهْ
وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ." حِسَانًا" «١» بِالنُّونِ.
[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٣٧ الى ٤٠]
رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً (٣٨) ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً (٣٩) إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً (٤٠)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ) قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَنَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كَثِيرٍ وَزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ، وَالْمُفَضَّلُ عَنْ عَاصِمٍ: (رَبُّ) بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، (الرَّحْمَنُ) خَبَرُهُ. أو بمعنى: هو رب السموات، وَيَكُونُ (الرَّحْمَنُ) مُبْتَدَأً ثَانِيًا. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَيَعْقُوبُ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ كِلَاهُمَا بِالْخَفْضِ، نَعْتًا لِقَوْلِهِ: جَزاءً مِنْ رَبِّكَ أَيْ جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ رب السموات الرَّحْمَنِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: رَبِّ السَّماواتِ
(١). هكذا رسم الشوكاني الكلمة في تفسيره فتح القدير (٢٥٨/ ٥) ولم يضبطها.
— 185 —
خَفْضًا عَلَى النَّعْتِ، (الرَّحْمَنُ) «١» رَفْعًا عَلَى الِابْتِدَاءِ، أَيْ هُوَ الرَّحْمَنُ. وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَقَالَ: هَذَا أَعْدَلُهَا، خَفْضُ رَبِّ لِقُرْبِهِ مِنْ قَوْلِهِ: مِنْ رَبِّكَ فَيَكُونُ نَعْتًا لَهُ، وَرَفْعُ (الرَّحْمَنِ) لِبُعْدِهِ مِنْهُ، عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَخَبَرُهُ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً أَيْ لَا يَمْلِكُونَ أَنْ يَسْأَلُوهُ إِلَّا فِيمَا أُذِنَ لَهُمْ فِيهِ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً بِالشَّفَاعَةِ إِلَّا بِإِذْنِهِ. وَقِيلَ: الْخِطَابُ: الْكَلَامُ، أَيْ لَا يَمْلِكُونَ أَنْ يُخَاطِبُوا الرَّبَّ سُبْحَانَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، دَلِيلُهُ: لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ [هود: ١٠٥]. وَقِيلَ: أَرَادَ الْكُفَّارَ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَيَشْفَعُونَ. قُلْتُ: بَعْدَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُمْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا [طه: ١٠٩]. قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا) يَوْمَ نَصْبٌ عَلَى الظَّرْفِ، أَيْ يَوْمَ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ. وَاخْتُلِفَ فِي الرُّوحِ عَلَى أَقْوَالٍ ثَمَانِيَةٍ: الْأَوَّلُ- أَنَّهُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا خَلَقَ اللَّهُ مَخْلُوقًا بَعْدَ الْعَرْشِ أَعْظَمَ مِنْهُ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَامَ هُوَ وَحْدَهُ صَفًّا وَقَامَتِ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ صَفًّا، فَيَكُونُ عِظَمُ خَلْقِهِ مِثْلَ صُفُوفِهِمْ. وَنَحْوٍ مِنْهُ عَنِ ابْنِ مسعود، قال: الروح ملك أعظم من السموات السَّبْعِ، وَمِنِ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ، وَمِنِ الْجِبَالِ. وَهُوَ حِيَالُ السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ «٢»، يُسَبِّحُ اللَّهَ كُلَّ يَوْمٍ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَلْفَ تَسْبِيحَةٍ، يَخْلُقُ اللَّهُ مِنْ كُلِّ تَسْبِيحَةٍ مَلَكًا، فَيَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَحْدَهُ صَفًّا، وَسَائِرُ الْمَلَائِكَةِ صَفًّا. الثَّانِي- أَنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. قَالَهُ الشَّعْبِيُّ وَالضَّحَّاكُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ عَنْ يَمِينِ العرش نهرا من نور، مثل السموات السَّبْعِ، وَالْأَرَضِينَ السَّبْعِ، وَالْبِحَارِ السَّبْعِ، يَدْخُلُ جِبْرِيلُ كُلَّ يَوْمٍ فِيهِ سَحَرًا فَيَغْتَسِلُ، فَيَزْدَادُ نُورًا عَلَى نُورِهِ، وَجَمَالًا عَلَى جَمَالِهِ، وَعِظَمًا عَلَى عِظَمِهِ، ثُمَّ يَنْتَفِضُ فَيَخْلُقُ اللَّهُ مِنْ كُلِّ قطرة
(١). هذه القراءة ذكرها القرطبي وابن عطية ولم يذكرا قراءة عاصم بالجر فيهما وهي رواية حفص وقد ذكرها أبو حيان والآلوسي فتكون القراءات عن عاصم على هذا ثلاثا رفع فيهما وجر فيهما وجر (رَبِّ) ورفع (الرحمن).
(٢). في نسخة: السماء السابعة.
— 186 —
تَقَعُ مِنْ رِيشِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ، يَدْخُلُ مِنْهُمْ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفًا الْبَيْتَ الْمَعْمُورِ، وَالْكَعْبَةَ سَبْعُونَ أَلْفًا لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِمَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ وَهْبٌ: إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَاقِفٌ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى تَرْعُدُ فَرَائِصُهُ، يَخْلُقُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ كُلِّ رِعْدَةٍ مِائَةَ أَلْفِ مَلَكٍ، فَالْمَلَائِكَةُ صُفُوفٌ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى مُنَكَّسَةٌ رُؤُوسُهُمْ، فَإِذَا أَذِنَ اللَّهُ لَهُمْ فِي الْكَلَامِ قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ فِي الْكَلَامِ وَقالَ صَواباً يَعْنِي قَوْلَ: لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ. وَالثَّالِثُ- رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: [الرُّوحُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ جُنْدٌ مِنْ جُنُودِ اللَّهِ تَعَالَى، لَيْسُوا مَلَائِكَةً، لهم رءوس وَأَيْدٍ وَأَرْجُلٌ، يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ [. ثُمَّ قَرَأَ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا فَإِنَّ هَؤُلَاءِ جُنْدٌ، وَهَؤُلَاءِ جُنْدٌ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي صَالِحٍ وَمُجَاهِدٍ. وَعَلَى هَذَا هُمْ خَلْقٌ عَلَى صُورَةِ بَنِي آدَمَ، كَالنَّاسِ وَلَيْسُوا بِنَاسٍ. الرَّابِعُ- أَنَّهُمْ أَشْرَافُ الْمَلَائِكَةِ، قَالَهُ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ. الْخَامِسُ- أَنَّهُمْ حَفَظَةٌ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، قَالَهُ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ. السَّادِسُ: أَنَّهُمْ بَنُو آدَمَ، قَالَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ. فَالْمَعْنَى ذَوُو الرُّوحِ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ وَالْقُرَظِيُّ: هَذَا مِمَّا كَانَ يَكْتُمُهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: الرُّوحُ: خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ عَلَى صُوَرِ بَنِي آدَمَ، وَمَا نَزَلَ مَلَكٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَّا وَمَعَهُ وَاحِدٌ مِنَ الرُّوحِ. السَّابِعُ: أَرْوَاحُ بَنِي آدَمَ تَقُومُ صَفًّا، فَتَقُومُ الْمَلَائِكَةُ صَفًّا، وَذَلِكَ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، قَبْلَ أَنْ تُرَدَّ إِلَى الْأَجْسَادِ، قاله عطية. الثامن- أنه القرآن، قاله زيد ابن أَسْلَمَ، وَقَرَأَ وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا. وصَفًّا: مَصْدَرٌ أَيْ يَقُومُونَ صُفُوفًا. وَالْمَصْدَرُ يُنْبِئُ عَنِ الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ، كَالْعَدْلِ وَالصَّوْمِ. وَيُقَالُ لِيَوْمِ الْعِيدِ: يَوْمُ الصَّفِّ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢] هَذَا يَدُلُّ عَلَى الصُّفُوفِ، وَهَذَا حِينَ الْعَرْضِ وَالْحِسَابِ. قَالَ مَعْنَاهُ الْقُتَبِيُّ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: يَقُومُ الرُّوحُ صَفًّا، وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا، فَهُمْ صَفَّانِ. وَقِيلَ: يَقُومُ الْكُلُّ صَفًّا وَاحِدًا. لَا يَتَكَلَّمُونَ أَيْ لَا يَشْفَعُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ فِي الشَّفَاعَةِ وَقالَ صَواباً يَعْنِي حَقًّا، قَالَهُ الضَّحَّاكُ وَمُجَاهِدٌ. وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَرَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَشْفَعُونَ لِمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا الله.
— 187 —
وَأَصْلُ الصَّوَابِ. السَّدَادُ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَهُوَ مَنْ أَصَابَ يُصِيبُ إِصَابَةً، كَالْجَوَابِ مِنْ أَجَابَ يُجِيبُ إِجَابَةً. وَقِيلَ: لَا يَتَكَلَّمُونَ يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ وَالرُّوحَ الَّذِينَ قَامُوا صَفًّا، لَا يَتَكَلَّمُونَ هَيْبَةً وَإِجْلَالًا إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ فِي الشَّفَاعَةِ وَهُمْ قَدْ قَالُوا صَوَابًا، وَأَنَّهُمْ يُوَحِّدُونَ اللَّهَ تَعَالَى وَيُسَبِّحُونَهُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ الرُّوحَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْجَنَّةَ إِلَّا بِالرَّحْمَةِ، وَلَا النَّارَ إِلَّا بِالْعَمَلِ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقالَ صَواباً. قَوْلُهُ تَعَالَى: ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ أَيِ الْكَائِنُ الْوَاقِعُ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً أَيْ مَرْجِعًا بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ، كَأَنَّهُ إِذَا عَمِلَ خَيْرًا رَدَّهُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِذَا عَمِلَ شَرًّا عَدَّهُ مِنْهُ. وَيَنْظُرُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: [وَالْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ [. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَآباً: سَبِيلًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: ِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً)
: يُخَاطِبُ كُفَّارَ قُرَيْشٍ وَمُشْرِكِي الْعَرَبِ، لِأَنَّهُمْ قَالُوا: لَا نُبْعَثُ. وَالْعَذَابُ عَذَابُ الْآخِرَةِ، وَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ فَهُوَ قَرِيبٌ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها [النازعات: ٤٦] قَالَ مَعْنَاهُ الْكَلْبِيُّ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: عُقُوبَةُ الدُّنْيَا، لِأَنَّهَا أَقْرَبُ الْعَذَابَيْنِ. قَالَ مُقَاتِلٌ: هِيَ قَتْلُ قُرَيْشٍ بِبَدْرٍ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ عَذَابُ الْآخِرَةِ، وَهُوَ الْمَوْتُ وَالْقِيَامَةُ، لِأَنَّ مَنْ مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ رَأَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ رَأَى الْخِزْيَ وَالْهَوَانَ، وَلِهَذَا قَالَ تعالى: وْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَداهُ
[بَيَّنَ وَقْتَ ذَلِكَ الْعَذَابِ، أَيْ أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَهُوَ يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ، أَيْ يَرَاهُ «١»] وَقِيلَ: يَنْظُرُ إِلَى ما قدمت فحذف إلى. والمرء ها هنا الْمُؤْمِنُ فِي قَوْلِ الْحَسَنِ، أَيْ يَجِدُ لِنَفْسِهِ عَمَلًا، فَأَمَّا الْكَافِرُ فَلَا يَجِدُ لِنَفْسِهِ عَمَلًا، فيتمنى أن يكون ترابا. ولما قال:- يَقُولُ الْكافِرُ
عُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْمَرْءِ الْمُؤْمِنَ. وَقِيلَ: المرء ها هنا: أبي خلف وعقبة بن أبي معيط. َ- يَقُولُ الْكافِرُ)
أَبُو جَهْلٍ. وَقِيلَ: هُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ أَحَدٍ وَإِنْسَانٍ يَرَى فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ جَزَاءَ مَا كَسَبَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ قَوْلُهُ
: وْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَداهُ
فِي أَبِي سلمة بن عبد الأسد المخزومي:- يَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
(١). ما بين القوسين: ساقط من ز، ط، ل.
— 188 —
: فِي أَخِيهِ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ. وَقَالَ الثَّعْلَبِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ بْنَ حَبِيبٍ يَقُولُ: الكافر: ها هنا إِبْلِيسُ وَذَلِكَ أَنَّهُ عَابَ آدَمَ بِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ، وَافْتَخَرَ بِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ نَارٍ، فَإِذَا عَايَنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا فِيهِ آدَمُ وَبَنُوهُ مِنَ الثَّوَابِ وَالرَّاحَةِ، وَالرَّحْمَةِ، وَرَأَى مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ وَالْعَذَابِ، تَمَنَّى أَنَّهُ يكون بمكان آدم، فقُولُ:
الَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
قَالَ: وَرَأَيْتُهُ فِي بَعْضِ التَّفَاسِيرِ لِلْقُشَيْرِيِّ أَبِي نَصْرٍ. وَقِيلَ: أَيْ يَقُولُ إِبْلِيسُ يَا لَيْتَنِي خُلِقْتُ مِنَ التُّرَابِ وَلَمْ أَقُلْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ آدَمَ. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مُدَّتِ الْأَرْضُ مَدَّ الْأَدِيمِ، وَحُشِرَ الدَّوَابُّ وَالْبَهَائِمُ وَالْوُحُوشُ، ثُمَّ يُوضَعُ الْقِصَاصُ بَيْنَ الْبَهَائِمِ، حَتَّى يُقْتَصَّ لِلشَّاةِ الْجَمَّاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ بِنَطْحَتِهَا، فَإِذَا فُرِغَ مِنَ الْقِصَاصِ بَيْنَهَا قِيلَ لَهَا: كُونِي تُرَابًا، فَعِنْدَ ذلك قُولُ الْكافِرُ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
. وَنَحْوَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ" التَّذْكِرَةِ، بِأَحْوَالِ الْمَوْتَى وَأُمُورِ الْآخِرَةِ"، مُجَوَّدًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. ذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ، قَالَ حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّازِقِ، قَالَ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، قَالَ أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ الْجَزْرِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَحْشُرُ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ مِنْ دَابَّةٍ وَطَائِرٍ وَإِنْسَانٍ، ثُمَّ يُقَالُ لِلْبَهَائِمِ وَالطَّيْرِ كُونِي تُرَابًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ قُولُ الْكافِرُ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
. وَقَالَ قَوْمٌ: الَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
: أَيْ لَمْ أُبْعَثْ، كَمَا قَالَ: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ. وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: إِذَا قُضِيَ بَيْنَ النَّاسِ، وَأُمِرَ بِأَهْلِ الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، قِيلَ لِسَائِرِ الْأُمَمِ وَلِمُؤْمِنِي الْجِنِّ: عُودُوا تُرَابًا، فَيَعُودُونَ تُرَابًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ الْكَافِرُ حِينَ يراهم الَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
. وَقَالَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ: مُؤْمِنُو الْجِنِّ يَعُودُونَ تُرَابًا. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالزَّهْرِيُّ وَالْكَلْبِيُّ وَمُجَاهِدٌ: مُؤْمِنُو الْجَنَّةِ حَوْلَ الْجَنَّةِ فِي رَبَضٍ وَرِحَابٍ وَلَيْسُوا فِيهَا. وَهَذَا أَصَحُّ، وَقَدْ مَضَى فِي سُورَةِ" الرَّحْمَنِ" «١» بَيَانُ هَذَا، وَأَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ: يُثَابُونَ وَيُعَاقَبُونَ، فَهُمْ كبني آدم، والله أعلم بالصواب.
(١). راجع ج ١٧ ص ١٦٩
— 189 —
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

6 مقطع من التفسير