تفسير سورة سورة مريم
أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي
تفسير السمعاني
أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي (ت 489 هـ)
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418ه- 1997م
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
نبذة عن الكتاب
لأبي المظفر السمعاني (ت: 489)، وهو من التفاسير النافعة القائمة على مذهب أهل السنة والجماعة، فعقيدة المؤلف ومباحثه العقدية هي أهم ما تميز به هذا التفسير، فقد اهتمَّ فيه ببيان عقيدة أهل السنة والجماعة، والردِّ على أهل البدع والأهواء، ودحض شبهاتهم وأباطيلهم، فما من آية في القرآن اتخذها أهل البدع والأهواء دليلاً لنصرة مذهبهم، أو صرفوها عن ظاهرها وأوَّلوها، إلا رأيته متصدياً لهم، مبطلاً لبدعهم، ومنتصراً لمذهب أهل السنة والجماعة، وقد أكثر من ذلك على مدار تفسيره كله، بالإضافة إلى ترجيحه بين الأقوال، والاستشهاد بالشعر على المعاني اللغوية، إلى غير ذلك من الفوائد التي اشتمل عليها تفسيره، ويؤخذ عليه ذكره لكثير من الأحاديث دون بيان حكمها صحةً وضعفاً، أو عزوها إلى مصادرها.
وقد طبع في ستة مجلدات بدار الوطن بالسعودية، وحققه أبو تميم ياسر بن إبراهيم، وأبو بلال غنيم بن عباس بن غنيم.
مقدمة التفسير
ﰡ
آية رقم ١
ﭑ
ﭒ
وَقَوله تَعَالَى: ﴿كهيعص﴾. رُوِيَ عَن عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ: هَذَا اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى، وَحكي عَنهُ أَنه قَالَ: (يَا الله يَا عين صَاد)، اغْفِر لي. وَعَن الْحسن وَقَتَادَة: اسْم من أَسمَاء السُّورَة. وَأما ابْن عَبَّاس فالمروي عَنهُ: أَن كل حرف مَأْخُوذ من اسْم، فالكاف مَأْخُوذ من الْكَافِي، وَمِنْهُم من قَالَ: من كَبِير، وَمِنْهُم من قَالَ: من كريم، وَأما الْهَاء قَالَ ابْن عَبَّاس: مَأْخُوذ من الْهَادِي، وَأما الْيَاء مَأْخُوذ من حَلِيم، وَمِنْهُم من قَالَ: من يَمِين، وَمِنْهُم من قَالَ: من أَمِين، وَقَالَ بَعضهم: الْيَاء من يَاء النداء، وَأما الْعين فَقَالَ ابْن عَبَّاس: من عليم، وَعَن غَيره: من عَزِيز. وَأما الصَّادِق، قَالَ ابْن عَبَّاس: من الصادم. وَقد بَينا قبل هَذَا أقوالا فِي الْحُرُوف المهجاة فِي أَوَائِل السُّور.
آية رقم ٢
ﭓﭔﭕﭖﭗ
ﭘ
وَقَوله: ﴿ذكر رَحْمَة رَبك عَبده زَكَرِيَّا﴾ يَعْنِي: هَذَا ذكر رَحْمَة رَبك عَبده زَكَرِيَّا، وَقَالَ بَعضهم: فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير؛ يَعْنِي: هَذَا ذكر رَبك عَبده زَكَرِيَّا بِالرَّحْمَةِ.
آية رقم ٣
ﭙﭚﭛﭜﭝ
ﭞ
وَقَوله: ﴿إِذْ نَادَى ربه نِدَاء خفِيا﴾ أَي: دَعَا ربه دُعَاء خفِيا. وَفِي بعض الْأَخْبَار: " خير الدُّعَاء الْخَفي، وَخير الرزق مَا يَكْفِي ". وَفِي بعض الْأَخْبَار أَيْضا: " دَعْوَة السِّرّ
— 276 —
﴿قَالَ رب إِنِّي وَهن الْعظم مني واشتعل الرَّأْس شيبا وَلم أكن بدعائك رب شقيا (٤) وَإِنِّي خفت الموَالِي من ورائي وَكَانَت امْرَأَتي عاقرا فَهَب لي من لَدُنْك وليا (٥) ﴾ تفضل دَعْوَة الْعَلَانِيَة بسبعين دَرَجَة ".
فَإِن قيل: لم أخْفى؟ وَالْجَوَاب من وُجُوه: أَحدهَا: أَنه أفضل، وَالْآخر: لِأَنَّهُ استحيا من النَّاس أَن يَدْعُو جَهرا، فَيَقُولُونَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخ يسْأَل على كبره الْوَلَد!. وَيُقَال: إِنَّه أخْفى، لِأَنَّهُ دَعَا فِي جَوف اللَّيْل، وَهُوَ ساجد.
فَإِن قيل: لم أخْفى؟ وَالْجَوَاب من وُجُوه: أَحدهَا: أَنه أفضل، وَالْآخر: لِأَنَّهُ استحيا من النَّاس أَن يَدْعُو جَهرا، فَيَقُولُونَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخ يسْأَل على كبره الْوَلَد!. وَيُقَال: إِنَّه أخْفى، لِأَنَّهُ دَعَا فِي جَوف اللَّيْل، وَهُوَ ساجد.
— 277 —
آية رقم ٤
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رب إِنِّي وَهن الْعظم مني﴾ يَعْنِي: رق وَضعف من الْكبر. قَالَ قَتَادَة: اشْتَكَى سُقُوط الأضراس.
قَوْله: ﴿واشتعل الرَّأْس شيبا﴾ أَي: شعر الرَّأْس. وَالْعرب تَقول إِذا كثر الشيب فِي الرَّأْس: اشتعل رَأسه، وَهَذَا أحسن اسْتِعَارَة، لِأَنَّهُ يشتعل فِيهِ كاشتعال النَّار فِي الْحَطب.
وَقَوله: ﴿وَلم أكن بدعائك رب شقيا﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنَّك عودتني الْإِجَابَة، وَلم تخيبني، وَالْآخر: وَلم أكن بدعائك لي شقيا يَعْنِي: لما دعوتني إِلَى الْإِيمَان آمَنت، وَلم أشق بترك الْإِيمَان.
قَوْله: ﴿واشتعل الرَّأْس شيبا﴾ أَي: شعر الرَّأْس. وَالْعرب تَقول إِذا كثر الشيب فِي الرَّأْس: اشتعل رَأسه، وَهَذَا أحسن اسْتِعَارَة، لِأَنَّهُ يشتعل فِيهِ كاشتعال النَّار فِي الْحَطب.
وَقَوله: ﴿وَلم أكن بدعائك رب شقيا﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنَّك عودتني الْإِجَابَة، وَلم تخيبني، وَالْآخر: وَلم أكن بدعائك لي شقيا يَعْنِي: لما دعوتني إِلَى الْإِيمَان آمَنت، وَلم أشق بترك الْإِيمَان.
آية رقم ٥
وَقَوله: ﴿وَإِنِّي خفت الموَالِي من ورائي﴾ قَالَ أَبُو صَالح: المُرَاد مِنْهُ الْكَلَالَة. وَعَن أبي عُبَيْدَة: بَنو الْعم.
وَقَوله: ﴿ورائي﴾ أَي بعدِي، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: ورائي أَي: أَمَامِي. وَالْقَوْل الأول أصح.
وَفِي الشاذ: " وَإِنِّي خفت الموَالِي من ورائي " أَي: قلت.
وَقَوله: ﴿وَكَانَت امْرَأَتي عاقرا﴾. العاقر: هِيَ الَّتِي لَا تَلد.
وَقَوله: ﴿فَهَب لي من لَدُنْك وليا﴾.
وَقَوله: ﴿ورائي﴾ أَي بعدِي، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: ورائي أَي: أَمَامِي. وَالْقَوْل الأول أصح.
وَفِي الشاذ: " وَإِنِّي خفت الموَالِي من ورائي " أَي: قلت.
وَقَوله: ﴿وَكَانَت امْرَأَتي عاقرا﴾. العاقر: هِيَ الَّتِي لَا تَلد.
وَقَوله: ﴿فَهَب لي من لَدُنْك وليا﴾.
آية رقم ٦
وَقَوله: ﴿يَرِثنِي﴾ أَي: ولدا يَرِثنِي. فَإِن
— 277 —
﴿يَرِثنِي وَيَرِث من آل يَعْقُوب واجعله رب رَضِيا (٦) ﴾ قيل: كَيفَ يخَاف نَبِي الله أَن يَرِثهُ بَنو الْعم والعصبة؟ وأيش معنى هَذَا الْخَوْف؟ ! وَعَن قَتَادَة قَالَ: أَي شَيْء كَانَ على نَبِي الله زَكَرِيَّا أَن يَرِثهُ غير وَلَده؟
وَالْجَوَاب: أَنه اخْتلف الْأَقْوَال فِي الْإِرْث: فَعَن ابْن عَبَّاس: أَنه أَرَادَ بِهِ إِرْث المَال، وَهُوَ قَول جمَاعَة، وَعنهُ أَيْضا أَن المُرَاد مِنْهُ: إِرْث الْعلم، وَهُوَ قَول الْحسن الْبَصْرِيّ، وَفِيه قَول ثَالِث: أَنه مِيرَاث الحبورة، فَإِنَّهُ كَانَ رَأس الْأَحْبَار.
قَالَ الزّجاج: وَالْأولَى أَن يحمل على مِيرَاث غير المَال؛ لِأَنَّهُ يبعد أَن يشفق زَكَرِيَّاء عَلَيْهِ السَّلَام - وَهُوَ نَبِي من الْأَنْبِيَاء - أَن يَرِثهُ بَنو عَمه وعصبته مَالا، وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " كَانَ زَكَرِيَّا نجارا ". قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الْأَجَل: أخبرنَا بِهِ أَبُو الْحسن أَحْمد بن مُحَمَّد بن النقور، قَالَ أَبُو الْقَاسِم بن حبابة، قَالَ عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز الْبَغَوِيّ، قَالَ هدبة بن خَالِد، عَن حَمَّاد بن سَلمَة، عَن ثَابت، عَن أبي رَافع عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي... الْخَبَر. خرجه مُسلم فِي الصَّحِيح، وَلم يُخرجهُ البُخَارِيّ؛ لِأَنَّهُ لَا يرْوى عَن حَمَّاد بن سَلمَة.
وَالْمرَاد من الْخَوْف أَنه أَرَادَ أَن يكون وَارثه فِي النُّبُوَّة والحبورة وَلَده، وَقد قَالَ النَّبِي: " إِذا مَاتَ ابْن آدم انْقَطع [عمله] إِلَّا من ثَلَاثَة.. وَقَالَ فِيهَا: ولد صَالح يَدْعُو لَهُ ".
وَقَوله: ﴿وَيَرِث من آل يَعْقُوب﴾ قيل: النُّبُوَّة، وَقيل: الْملك؛ لِأَن زَكَرِيَّا كَانَ من بَيت الْملك.
وَقَوله: ﴿واجعله رب رَضِيا﴾ أَي: مرضيا.
وَالْجَوَاب: أَنه اخْتلف الْأَقْوَال فِي الْإِرْث: فَعَن ابْن عَبَّاس: أَنه أَرَادَ بِهِ إِرْث المَال، وَهُوَ قَول جمَاعَة، وَعنهُ أَيْضا أَن المُرَاد مِنْهُ: إِرْث الْعلم، وَهُوَ قَول الْحسن الْبَصْرِيّ، وَفِيه قَول ثَالِث: أَنه مِيرَاث الحبورة، فَإِنَّهُ كَانَ رَأس الْأَحْبَار.
قَالَ الزّجاج: وَالْأولَى أَن يحمل على مِيرَاث غير المَال؛ لِأَنَّهُ يبعد أَن يشفق زَكَرِيَّاء عَلَيْهِ السَّلَام - وَهُوَ نَبِي من الْأَنْبِيَاء - أَن يَرِثهُ بَنو عَمه وعصبته مَالا، وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " كَانَ زَكَرِيَّا نجارا ". قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الْأَجَل: أخبرنَا بِهِ أَبُو الْحسن أَحْمد بن مُحَمَّد بن النقور، قَالَ أَبُو الْقَاسِم بن حبابة، قَالَ عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز الْبَغَوِيّ، قَالَ هدبة بن خَالِد، عَن حَمَّاد بن سَلمَة، عَن ثَابت، عَن أبي رَافع عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي... الْخَبَر. خرجه مُسلم فِي الصَّحِيح، وَلم يُخرجهُ البُخَارِيّ؛ لِأَنَّهُ لَا يرْوى عَن حَمَّاد بن سَلمَة.
وَالْمرَاد من الْخَوْف أَنه أَرَادَ أَن يكون وَارثه فِي النُّبُوَّة والحبورة وَلَده، وَقد قَالَ النَّبِي: " إِذا مَاتَ ابْن آدم انْقَطع [عمله] إِلَّا من ثَلَاثَة.. وَقَالَ فِيهَا: ولد صَالح يَدْعُو لَهُ ".
وَقَوله: ﴿وَيَرِث من آل يَعْقُوب﴾ قيل: النُّبُوَّة، وَقيل: الْملك؛ لِأَن زَكَرِيَّا كَانَ من بَيت الْملك.
وَقَوله: ﴿واجعله رب رَضِيا﴾ أَي: مرضيا.
— 278 —
﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نبشرك بِغُلَام اسْمه يحيى لم نجْعَل لَهُ من قبل سميا (٧) قَالَ رب أَنى﴾
— 279 —
آية رقم ٧
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نبشرك بِغُلَام﴾ مَعْنَاهُ: قُلْنَا: زَكَرِيَّا إِنَّا نبشرك.
وَقَوله: ﴿بِغُلَام اسْمه يحيى لم نجْعَل لَهُ من قبل سميا﴾ يَعْنِي: من تسمى باسمه. فَإِن قيل: وَأي فَضِيلَة لَهُ فِي هَذَا؟ قُلْنَا: فَضِيلَة التَّخْصِيص، وَقيل: فَضِيلَة تَسْمِيَة الله إِيَّاه بِهَذَا الِاسْم. وَفِي الْآيَة قَول آخر: هُوَ أَن قَوْله: ﴿لم نجْعَل لَهُ من قبل سميا﴾ أَي: شبها ومثلا؛ فَإِنَّهُ لم يُذنب، وَلم يهم بذنب، وَمَا من أحد إِلَّا وَقد أذْنب أَو هم بذنب. وَقد رُوِيَ هَذَا عَن النَّبِي فِي خبر مُسْند أَنه قَالَ: " مَا من أحد يَأْتِي الله يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا وَقد أذْنب أَو هم بذنب غير يحيى بن زَكَرِيَّا، ثمَّ أَخذ عودا صَغِيرا من الأَرْض وَقَالَ: مَا كَانَ لَهُ إِلَّا مثل هَذَا " وَالْخَبَر غَرِيب.
وَقَوله: ﴿بِغُلَام اسْمه يحيى لم نجْعَل لَهُ من قبل سميا﴾ يَعْنِي: من تسمى باسمه. فَإِن قيل: وَأي فَضِيلَة لَهُ فِي هَذَا؟ قُلْنَا: فَضِيلَة التَّخْصِيص، وَقيل: فَضِيلَة تَسْمِيَة الله إِيَّاه بِهَذَا الِاسْم. وَفِي الْآيَة قَول آخر: هُوَ أَن قَوْله: ﴿لم نجْعَل لَهُ من قبل سميا﴾ أَي: شبها ومثلا؛ فَإِنَّهُ لم يُذنب، وَلم يهم بذنب، وَمَا من أحد إِلَّا وَقد أذْنب أَو هم بذنب. وَقد رُوِيَ هَذَا عَن النَّبِي فِي خبر مُسْند أَنه قَالَ: " مَا من أحد يَأْتِي الله يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا وَقد أذْنب أَو هم بذنب غير يحيى بن زَكَرِيَّا، ثمَّ أَخذ عودا صَغِيرا من الأَرْض وَقَالَ: مَا كَانَ لَهُ إِلَّا مثل هَذَا " وَالْخَبَر غَرِيب.
— 279 —
﴿يكون لي غُلَام وَكَانَت امْرَأَتي عاقرا وَقد بلغت من الْكبر عتيا (٨) قَالَ كَذَلِك قَالَ رَبك هُوَ عَليّ هَين وَقد خلقتك من قبل وَلم تَكُ شَيْئا (٩) قَالَ رب اجْعَل لي آيَة قَالَ﴾
وَقيل فِي منع الشُّبْهَة: أَنه لم تَلد عَاقِر من النِّسَاء مثله.
وَقيل فِي منع الشُّبْهَة: أَنه لم تَلد عَاقِر من النِّسَاء مثله.
— 280 —
آية رقم ٨
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رب أَنى يكون لي غُلَام وَكَانَت امْرَأَتي عاقرا وَقد بلغت من الْكبر عتيا﴾ أَي: يأسا وجفوفا، كَأَنَّهُ شكى نحولة الْعظم والفحل.
وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: " عسيا " بِالسِّين، وَالْمعْنَى وَاحِد.
وَقيل: كَيفَ سَأَلَ الله الْوَلَد فَلَمَّا أُجِيب قَالَ: ﴿أَنى يكون لي غُلَام﴾ ؟
وَالْجَوَاب عَنهُ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه كَانَ قَالَ حَال الشَّبَاب، ثمَّ إِنَّه أُجِيب فِي حَال الْكبر. وَهَذَا قَول ضَعِيف.
القَوْل الثَّانِي: أَن مَعْنَاهُ: أَنى يكون لي غُلَام؟ يَعْنِي: كَيفَ يكون لي غُلَام؟ أفتردني إِلَى حَال الشَّبَاب أَو تهب لي الْغُلَام وَأَنا شيخ؟ وَقيل: إِنَّه سَأَلَ الْوَلَد مُطلقًا لَا من هَذِه الْمَرْأَة، فَقَالَ: كَيفَ يكون لي الْغُلَام؟ أَمن هَذِه الْمَرْأَة أَو من غَيرهَا؟
وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: " عسيا " بِالسِّين، وَالْمعْنَى وَاحِد.
وَقيل: كَيفَ سَأَلَ الله الْوَلَد فَلَمَّا أُجِيب قَالَ: ﴿أَنى يكون لي غُلَام﴾ ؟
وَالْجَوَاب عَنهُ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه كَانَ قَالَ حَال الشَّبَاب، ثمَّ إِنَّه أُجِيب فِي حَال الْكبر. وَهَذَا قَول ضَعِيف.
القَوْل الثَّانِي: أَن مَعْنَاهُ: أَنى يكون لي غُلَام؟ يَعْنِي: كَيفَ يكون لي غُلَام؟ أفتردني إِلَى حَال الشَّبَاب أَو تهب لي الْغُلَام وَأَنا شيخ؟ وَقيل: إِنَّه سَأَلَ الْوَلَد مُطلقًا لَا من هَذِه الْمَرْأَة، فَقَالَ: كَيفَ يكون لي الْغُلَام؟ أَمن هَذِه الْمَرْأَة أَو من غَيرهَا؟
آية رقم ٩
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ كَذَلِك قَالَ رَبك هُوَ عَليّ هَين﴾ أَي: يسير.
وَقَوله: ﴿وَقد خلقتك من قبل وَلم تَكُ شَيْئا﴾ قد بَينا.
وَقَوله: ﴿وَقد خلقتك من قبل وَلم تَكُ شَيْئا﴾ قد بَينا.
آية رقم ١٠
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رب اجْعَل لي آيَة﴾ أَي: دلَالَة. فَإِن قيل: لم سَأَلَ الْآيَة؟ أما صدق الله تَعَالَى حَتَّى يسْأَل الْآيَة؟. وَالْجَوَاب: أَن فِي الْقِصَّة: أَن الشَّيْطَان تمثل لَهُ، وَقَالَ: إِن الَّذِي يجبك لَيْسَ هُوَ الله، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَان يستهزئ بك، فَحِينَئِذٍ سَأَلَ الله
— 280 —
﴿آيتك أَلا تكلم النَّاس ثَلَاث لَيَال سويا (١٠) فَخرج على قومه من الْمِحْرَاب فَأوحى إِلَيْهِم أَن سبحوا بكرَة وعشيا (١١) يَا يحيى﴾ الْآيَة، وَقد سَأَلَ الْآيَة ليَكُون زِيَادَة فِي سُكُون الْقلب.
وَقَوله: ﴿قَالَ آيتك أَلا تكلم النَّاس ثَلَاث لَيَال سويا﴾ أَي: مُتَتَابِعَات، وَقيل: فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَمَعْنَاهُ: أَلا يتَكَلَّم النَّاس سويا يَعْنِي: وَأَنت سوي لَا آفَة بك ثَلَاث لَيَال.
وَفِي الْقِصَّة: أَنه لم يقدر أَن يتَكَلَّم مَعَ النَّاس، وَكَانَ إِذا أَرَادَ التَّسْبِيح وَذكر الله يُطلق لِسَانه.
وَقَوله: ﴿قَالَ آيتك أَلا تكلم النَّاس ثَلَاث لَيَال سويا﴾ أَي: مُتَتَابِعَات، وَقيل: فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَمَعْنَاهُ: أَلا يتَكَلَّم النَّاس سويا يَعْنِي: وَأَنت سوي لَا آفَة بك ثَلَاث لَيَال.
وَفِي الْقِصَّة: أَنه لم يقدر أَن يتَكَلَّم مَعَ النَّاس، وَكَانَ إِذا أَرَادَ التَّسْبِيح وَذكر الله يُطلق لِسَانه.
— 281 —
آية رقم ١١
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَخرج على قومه من الْمِحْرَاب﴾ قد بَينا معنى الْمِحْرَاب.
وَقَوله: ﴿فَأوحى إِلَيْهِم﴾ أَي: أَوْمَأ إِلَيْهِم ﴿أَن سبحوا بكرَة وعشيا﴾
وَرُوِيَ أَنه كَانَ يَدُور على الْأَحْبَار كل يَوْم بكرَة وعشيا، وَيَأْمُرهُمْ بِالْعبَادَة وَالصَّلَاة، فَلَمَّا كَانَ فِي هَذِه الْأَيَّام جعل يُشِير، وَيُقَال: إِنَّه كتب حَتَّى قرءوا مِنْهُ.
وَقَالَ بعض أهل الْعلم: إِن أَخذ لِسَانه عَن الْكَلَام كَانَ عُقُوبَة عَلَيْهِ لما سَأَلَ الله تَعَالَى عَن الْآيَة بعد أَن سمع وعد الله إِيَّاه، وَالله أعلم.
وَقَوله: ﴿فَأوحى إِلَيْهِم﴾ أَي: أَوْمَأ إِلَيْهِم ﴿أَن سبحوا بكرَة وعشيا﴾
وَرُوِيَ أَنه كَانَ يَدُور على الْأَحْبَار كل يَوْم بكرَة وعشيا، وَيَأْمُرهُمْ بِالْعبَادَة وَالصَّلَاة، فَلَمَّا كَانَ فِي هَذِه الْأَيَّام جعل يُشِير، وَيُقَال: إِنَّه كتب حَتَّى قرءوا مِنْهُ.
وَقَالَ بعض أهل الْعلم: إِن أَخذ لِسَانه عَن الْكَلَام كَانَ عُقُوبَة عَلَيْهِ لما سَأَلَ الله تَعَالَى عَن الْآيَة بعد أَن سمع وعد الله إِيَّاه، وَالله أعلم.
آية رقم ١٢
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا يحيى﴾ قيل: يحيى مَأْخُوذ من قَوْله: (يَا) حَيّ ". وَحكى النقاش فِي تَفْسِيره: أَن " سارة " كَانَ اسْمهَا " يسارة " فسماها جِبْرِيل " سارة "، فَقَالَت: لم نقصت من اسْمِي حرفا؟ فَقَالَ: هُوَ لولد لَك يَأْتِي من بعْدك، وَكَانَ اسْم يحيى: " حَيّ " فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ على معنى أَنه حَيّ من كبيرين أيسا من الْوَلَد، ثمَّ زيد فِيهِ الْيَاء فَصَارَ " يحيى ". وَفِي الْآيَة حذف، وَمَعْنَاهُ: وهبنا لَهُ الْوَلَد ثمَّ قُلْنَا: يَا يحيى.
— 281 —
﴿خُذ الْكتاب بِقُوَّة وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبيا (١٢) وَحَنَانًا من لدنا وَزَكَاة وَكَانَ تقيا (١٣) وَبرا بِوَالِديهِ وَلم يكن جبارا عصيا (١٤) وَسَلام عَلَيْهِ يَوْم ولد وَيَوْم يَمُوت وَيَوْم يبْعَث﴾
وَقَوله: ﴿خُذ الْكتاب بِقُوَّة﴾ أَي: بجد واجتهاد.
وَقَوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبيا﴾ أَي النُّبُوَّة. هَذَا قَول أَكثر الْمُفَسّرين، وَقَالَ قَتَادَة: أعْطى النُّبُوَّة وَهُوَ ابْن ثَلَاث سِنِين. وَقيل: المُرَاد من الحكم هُوَ الْعلم، فَقَرَأَ التَّوْرَاة، وَهُوَ صَغِير. وَعَن بعض السّلف قَالَ: من قَرَأَ الْقُرْآن قبل أَن يبلغ، فَهُوَ مِمَّن أُوتِيَ الحكم صَبيا. وَفِي الْآيَة قَول ثَالِث رَوَاهُ أَبُو وَائِل: وَهُوَ أَن يحيى قيل لَهُ وَهُوَ صَغِير: تعال نلعب، فَقَالَ: مَا للعب خلقت ". فَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبيا﴾.
وَقَوله: ﴿خُذ الْكتاب بِقُوَّة﴾ أَي: بجد واجتهاد.
وَقَوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبيا﴾ أَي النُّبُوَّة. هَذَا قَول أَكثر الْمُفَسّرين، وَقَالَ قَتَادَة: أعْطى النُّبُوَّة وَهُوَ ابْن ثَلَاث سِنِين. وَقيل: المُرَاد من الحكم هُوَ الْعلم، فَقَرَأَ التَّوْرَاة، وَهُوَ صَغِير. وَعَن بعض السّلف قَالَ: من قَرَأَ الْقُرْآن قبل أَن يبلغ، فَهُوَ مِمَّن أُوتِيَ الحكم صَبيا. وَفِي الْآيَة قَول ثَالِث رَوَاهُ أَبُو وَائِل: وَهُوَ أَن يحيى قيل لَهُ وَهُوَ صَغِير: تعال نلعب، فَقَالَ: مَا للعب خلقت ". فَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبيا﴾.
— 282 —
آية رقم ١٣
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحَنَانًا من لدنا﴾ أَي: رَحْمَة من عندنَا، قَالَ الشَّاعِر:
(أَبَا مُنْذر (أفنيت فَاسْتَبق بَعْضنَا)
حنانيك بعض الشَّرّ أَهْون من بعض)
هُوَ مَأْخُوذ من التحنن وَهُوَ التعطف.
وَقَوله: " وَزَكَاة " أَي " طَهَارَة وتوفيقا، وَقيل: إخلاصا.
وَقَوله: ﴿وَكَانَ تقيا﴾. وَصفه بالتقوى؛ لِأَنَّهُ لم يُذنب، وَلم يهم بذنب.
(أَبَا مُنْذر (أفنيت فَاسْتَبق بَعْضنَا)
حنانيك بعض الشَّرّ أَهْون من بعض)
هُوَ مَأْخُوذ من التحنن وَهُوَ التعطف.
وَقَوله: " وَزَكَاة " أَي " طَهَارَة وتوفيقا، وَقيل: إخلاصا.
وَقَوله: ﴿وَكَانَ تقيا﴾. وَصفه بالتقوى؛ لِأَنَّهُ لم يُذنب، وَلم يهم بذنب.
آية رقم ١٤
ﭢﭣﭤﭥﭦﭧ
ﭨ
وَقَوله: ﴿وَبرا بِوَالِديهِ﴾ أَي: عطوفا.
وَقَوله: ﴿وَلم يكن جبارا عصيا﴾ الْجَبَّار هُوَ الَّذِي يقتل على
وَقَوله: ﴿وَلم يكن جبارا عصيا﴾ الْجَبَّار هُوَ الَّذِي يقتل على
آية رقم ١٥
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَسَلام عَلَيْهِ يَوْم ولد وَيَوْم يَمُوت وَيَوْم يبْعَث حَيا﴾ خص هَذِه الْأَحْوَال بِهَذِهِ الْأَشْيَاء، لِأَن هَذِه الْأَحْوَال أوحش شَيْء فَإِنَّهُ عِنْد الْولادَة يخرج من بطن
— 282 —
﴿حَيا (١٥) وَاذْكُر فِي الْكتاب مَرْيَم إِذْ انتبذت من أَهلهَا مَكَانا شرقيا (١٦) فاتخذت من دونهم حِجَابا فَأَرْسَلنَا إِلَيْهَا رُوحنَا فتمثل لَهَا بشرا سويا (١٧) قَالَت إِنِّي أعوذ﴾ الْأُم على وَحْشَة شَدِيدَة، وَيَمُوت على وَحْشَة شَدِيدَة، وَيبْعَث على وَحْشَة شَدِيدَة. وَمعنى السَّلَام هُوَ: الْأمان فِي هَذِه الْمَوَاضِع.
— 283 —
آية رقم ١٦
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُر فِي الْكتاب مَرْيَم إِذا انتبذت من أَهلهَا﴾ أَي: تنحت واعتزلت. وَقَوله: ﴿من أَهلهَا﴾ أَي: من قَومهَا.
وَقَوله: ﴿مَكَانا شرقيا﴾ أَي: من جَانب الْمشرق، وَيُقَال: كَانَ يَوْمًا شاتيا شَدِيد الْبرد، فَذَهَبت إِلَى مشرقه تفلي رَأسهَا. وَرُوِيَ أَنَّهَا كَانَت طهرت من الْحيض فَذَهَبت لتغتسل.
وَقَوله: ﴿مَكَانا شرقيا﴾ أَي: من جَانب الْمشرق، وَيُقَال: كَانَ يَوْمًا شاتيا شَدِيد الْبرد، فَذَهَبت إِلَى مشرقه تفلي رَأسهَا. وَرُوِيَ أَنَّهَا كَانَت طهرت من الْحيض فَذَهَبت لتغتسل.
آية رقم ١٧
قَوْله تَعَالَى: ﴿فاتخذت من دونهم حِجَابا﴾ اخْتلف القَوْل فِي هَذَا الْحجاب: أحد الْأَقْوَال: أَنه وَرَاء جِدَار، وَقيل: وَرَاء جبل، وَالْقَوْل الثَّالِث: وَرَاء ستر. وَرُوِيَ أَنَّهَا كَانَت تجردت لتغتسل.
وَقَوله: ﴿فَأَرْسَلنَا إِلَيْهَا رُوحنَا﴾ الْأَكْثَرُونَ على أَنه جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام، وَفِيه قَول آخر: أَن المُرَاد من الرّوح عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام، جَاءَ فِي صُورَة بشر، وحملت بِهِ، وَالصَّحِيح هُوَ القَوْل الأول.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فتمثل لَهَا بشرا سويا﴾ فِي الْقِصَّة: أَنه جِبْرِيل جَاءَ فِي صُورَة غُلَام أَمْرَد وضىء الْوَجْه، (لَهُ) جعد قطط.
وَقَوله: ﴿فَأَرْسَلنَا إِلَيْهَا رُوحنَا﴾ الْأَكْثَرُونَ على أَنه جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام، وَفِيه قَول آخر: أَن المُرَاد من الرّوح عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام، جَاءَ فِي صُورَة بشر، وحملت بِهِ، وَالصَّحِيح هُوَ القَوْل الأول.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فتمثل لَهَا بشرا سويا﴾ فِي الْقِصَّة: أَنه جِبْرِيل جَاءَ فِي صُورَة غُلَام أَمْرَد وضىء الْوَجْه، (لَهُ) جعد قطط.
آية رقم ١٨
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَت إِنِّي أعوذ بالرحمن مِنْك إِن كنت تقيا﴾ يَعْنِي: أستجير بالرحمن مِنْك إِن كنت تقيا. فَإِن قيل: إِنَّمَا يستعاذ بالرحمن من الشَّخْص إِذا كَانَ فَاجِرًا، فَأَما إِذا كَانَ متقيا لَا يكون مَحل الِاسْتِعَاذَة مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ متقي لَا يقدم على الْفُجُور، وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن هَذَا كَقَوْل الْقَائِل: إِن كنت مُؤمنا فَلَا تظلمني، يَعْنِي أَنه يَنْبَغِي أَن
— 283 —
﴿بالرحمن مِنْك إِن كنت تقيا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنا رَسُول رَبك لأهب لَك غُلَاما زكيا (١٩) قَالَت أَنى يكون لي غُلَام وَلم يمسسني بشر وَلم أك بغيا (٢٠) قَالَ كَذَلِك قَالَ رَبك هُوَ عَليّ هَين ولنجعله آيَة للنَّاس وَرَحْمَة منا وَكَانَ أمرا مقضيا (٢١) فَحَملته فانتبذت بِهِ﴾ يكون إيمانك مَانِعا من الظُّلم. كَذَلِك هَاهُنَا مَعْنَاهُ: يَنْبَغِي أَن يكون تقواك مَانِعا من الْفُجُور وَقيل: إِنَّهَا شكت فِي حَاله، فَقَالَت مَا قَالَت على الشَّك، وَالْقَوْل الثَّالِث: إِن كنت متقيا يَعْنِي: مَا كنت متقيا جِئْت دخلت عَليّ فِي هَذِه الْحَالة، وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿قل إِن كَانَ للرحمن ولد﴾ أَي: مَا كَانَ للرحمن ولد. وَعَن بعض السّلف أَنه قَالَ: إِن كنت متقيا علمت أَن التقى ذُو نهية أَي: ذُو عقل؟ فَلهَذَا قَالَت: إِن كنت تقيا.
— 284 —
آية رقم ١٩
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنا رَسُول رَبك لأهب لَك﴾. وقرىء: " ليهب لَك " فَقَوله: ﴿لأهب﴾ أضَاف إِلَى نَفسه، لِأَنَّهُ أرسل بالموهوب على يَده، وَقَوله: " ليهب " أَي: ليهب الله لَك. وَقَوله: ﴿غُلَاما زكيا﴾ أَي: طَاهِرا صَالحا.
آية رقم ٢٠
قَوْله: ﴿قَالَت أَنى يكون لي غُلَام وَلم يمسسني بشر﴾ أَي: زوج. ﴿وَلم أك بغيا﴾ أَي: زَانِيَة وَمَعْنَاهُ: إِن الْوَلَد يكون من نِكَاح أَو سفاح، وَلَيْسَ هَاهُنَا وَاحِد مِنْهُمَا.
آية رقم ٢١
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ كَذَلِك قَالَ رَبك هُوَ عَليّ هَين﴾ أَي: يسير.
وَقَوله: ﴿ولنجعله آيَة للنَّاس﴾ أَي: عَلامَة للنَّاس وَدلَالَة.
قَوْله: ﴿وَرَحْمَة منا﴾ أَي: ونعمة منا.
وَقَوله: ﴿وَكَانَ أمرا مقضيا﴾ أَي: مَحْكُومًا [محتما] لَا يرد وَلَا يُبدل.
وَقَوله: ﴿ولنجعله آيَة للنَّاس﴾ أَي: عَلامَة للنَّاس وَدلَالَة.
قَوْله: ﴿وَرَحْمَة منا﴾ أَي: ونعمة منا.
وَقَوله: ﴿وَكَانَ أمرا مقضيا﴾ أَي: مَحْكُومًا [محتما] لَا يرد وَلَا يُبدل.
آية رقم ٢٢
ﯜﯝﯞﯟﯠﯡ
ﯢ
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَحَملته﴾ فِي الْقِصَّة: أَن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام نفخ فِي جيب درعها، وَفِي رِوَايَة: فِي كم قميصها، وَفِي رِوَايَة: فِي فِيهَا، فَحملت بِعِيسَى فِي الْحَال، وَأخذ يَتَحَرَّك فِي الْبَطن.
— 284 —
﴿مَكَانا قصيا (٢٢) فأجاءها الْمَخَاض إِلَى جذع النَّخْلَة قَالَت يَا لَيْتَني مت قبل هَذَا وَكنت﴾
وَقَوله: ﴿فانتبذت﴾ أَي: فتنحت وَتَبَاعَدَتْ ﴿بِهِ مَكَانا قصيا﴾ أَي: شاسعا بَعيدا.
قَالَ ابْن عَبَّاس: كَانَ الْحمل والولادة فِي سَاعَة وَاحِدَة.
وَقَالَ غَيره: حملت بِهِ ثَمَانِيَة أشهر، وَولدت لَهَا، وَلَا يعِيش ولد فِي الْعَالم يود لثمانية أشهر، وَكَانَ هَذَا معْجزَة لعيسى.
وَفِي الْقِصَّة عَن مَرْيَم أَنَّهَا قَالَت: كنت إِذا خلوت جعل عِيسَى يحدثني، وَأَنا أحدثه وَهُوَ فِي بَطْني، وَإِذا كنت مَعَ النَّاس، وتكلمت مَعَهم أَخذ يسبح وأسمع تسبيحه.
وَقَوله: ﴿فانتبذت﴾ أَي: فتنحت وَتَبَاعَدَتْ ﴿بِهِ مَكَانا قصيا﴾ أَي: شاسعا بَعيدا.
قَالَ ابْن عَبَّاس: كَانَ الْحمل والولادة فِي سَاعَة وَاحِدَة.
وَقَالَ غَيره: حملت بِهِ ثَمَانِيَة أشهر، وَولدت لَهَا، وَلَا يعِيش ولد فِي الْعَالم يود لثمانية أشهر، وَكَانَ هَذَا معْجزَة لعيسى.
وَفِي الْقِصَّة عَن مَرْيَم أَنَّهَا قَالَت: كنت إِذا خلوت جعل عِيسَى يحدثني، وَأَنا أحدثه وَهُوَ فِي بَطْني، وَإِذا كنت مَعَ النَّاس، وتكلمت مَعَهم أَخذ يسبح وأسمع تسبيحه.
— 285 —
آية رقم ٢٣
قَوْله تَعَالَى: ﴿فأجاءها الْمَخَاض إِلَى جذع النَّخْلَة﴾ وَقَالَ أهل اللُّغَة: جاءها وأجاءها بِمَعْنى وَاحِد، كَمَا يُقَال: أذهبته وَذَهَبت بِهِ. قَالَ مُجَاهِد: فأجاءها أَي: فألجأها. وَفِي حرف ابْن مَسْعُود: " فأداها الْمَخَاض إِلَى جذع النَّخْلَة ". وَفِي بعض الْقِرَاءَة: " فاجأها " من المفاجئة، قَالَ الشَّاعِر:
والمخاض: وجع الْولادَة. فَإِن قَالَ قَائِل: لم التجأت إِلَى جذع النَّخْلَة؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: لتستظل بهَا، وَالأَصَح أَنَّهَا التجأت إِلَى النَّخْلَة، لتستند إِلَيْهَا، أَو لتتمسك بهَا، فتستعين بذلك على وجع الْولادَة. وَالدَّلِيل على أَن هَذَا القَوْل أصح، أَو أَنه من الْمَشْهُور أَن النَّخْلَة كَانَت يابسة لَا رَأس لَهَا، وَقيل: كَانَت نخرة مجوفة، وَمثل هَذَا لَا يستظل بهَا وَالصَّحِيح هُوَ القَوْل الثَّانِي. وَعَن السّديّ أَنه قَالَ: كَانَت النَّخْلَة يابسة، فَلَمَّا هزت النَّخْلَة حييت، وأورقت وأطلعت ثمَّ صَار الطّلع بلحا، ثمَّ زهوا ثمَّ أرطبت، وتساقطت عَلَيْهَا.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿قَالَت يَا لَيْتَني مت قبل هَذَا وَكنت نسيا منسيا﴾
| (وجار سَار مُعْتَمدًا عَلَيْكُم | فاجاءته المخافة والرجاء) |
وَقَوله تَعَالَى: ﴿قَالَت يَا لَيْتَني مت قبل هَذَا وَكنت نسيا منسيا﴾
— 285 —
﴿نسيا منسيا (٢٣) فناداها من تحتهَا أَلا تحزني قد جعل رَبك تَحْتك سريا (٢٤) وهزي إِلَيْك بجذع النَّخْلَة تساقط عَلَيْك رطبا جنيا (٢٥) فكلي واشربي وقري عنيا فإمَّا تَرين﴾
النسي فِي اللُّغَة: كمل مَا (إِذا) ألقِي لم يذكر وَنسي؛ لحقارته وخساسته. وَقَوله: ﴿نسيا﴾ أَي: متروكا. وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: مَعْنَاهُ: يَا لَيْتَني لم أخلق، وَلم أك شَيْئا. وَعَن قَتَادَة: لم أعرف وَلم أذكر. وَعَن مُجَاهِد قَالَ: دم حَيْضَة ملقاة.
فَإِن قيل: لم تمنت الْمَوْت؟. وَالْجَوَاب: أَنَّهَا تمنت الْمَوْت استحياء من قَومهَا. وَيُقَال: إِنَّهَا تمنت الْمَوْت، لِأَنَّهَا علمت أَن النَّاس يكفرون بِسَبَب ابْنهَا وبسببها، فتمنت الْمَوْت حَتَّى لَا يعْصى الله بِسَبَبِهَا وبسبب ابْنهَا.
النسي فِي اللُّغَة: كمل مَا (إِذا) ألقِي لم يذكر وَنسي؛ لحقارته وخساسته. وَقَوله: ﴿نسيا﴾ أَي: متروكا. وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: مَعْنَاهُ: يَا لَيْتَني لم أخلق، وَلم أك شَيْئا. وَعَن قَتَادَة: لم أعرف وَلم أذكر. وَعَن مُجَاهِد قَالَ: دم حَيْضَة ملقاة.
فَإِن قيل: لم تمنت الْمَوْت؟. وَالْجَوَاب: أَنَّهَا تمنت الْمَوْت استحياء من قَومهَا. وَيُقَال: إِنَّهَا تمنت الْمَوْت، لِأَنَّهَا علمت أَن النَّاس يكفرون بِسَبَب ابْنهَا وبسببها، فتمنت الْمَوْت حَتَّى لَا يعْصى الله بِسَبَبِهَا وبسبب ابْنهَا.
— 286 —
آية رقم ٢٤
قَوْله تَعَالَى: ﴿فناداها من تحتهَا﴾ قرىء: " من " بِالْفَتْح وَالْكَسْر، فَأَما من قَرَأَ بِالْفَتْح فَحمل الْآيَة على أَن الْمُنَادِي كَانَ جِبْرِيل. وَهَذَا قَول ابْن عَبَّاس وَقَتَادَة وَجَمَاعَة، وَأما من قَرَأَ بِالْكَسْرِ فَحمل على أَن الْمُنَادِي هُوَ عِيسَى. وَهَذَا قَول الْحسن وَمُجاهد، وَأظْهر الْقَوْلَيْنِ أَن الْمُنَادِي هُوَ جِبْرِيل، وَيجوز أَن تحمل القراءتان على ذَلِك.
وَفِي الْقِصَّة: أَن مَرْيَم كَانَت على أكمة، فَكَانَ جِبْرِيل وَرَاء الأكمة تحتهَا.
وَقَوله: ﴿أَلا تحزني﴾. أَلا تغتمي بِالْولادَةِ من غير زوج وبالوحدة.
وَقَوله: ﴿قد جعل رَبك تَحْتك سريا﴾ أَكثر الْمُفَسّرين أَن السّري هَاهُنَا هُوَ: النَّهر، وَيُسمى سريا؛ لِأَنَّهُ يسري فِيهِ المَاء، وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: هُوَ نهر صَغِير.
وَفِي الْقِصَّة: أَنه كَانَ هُنَاكَ نهر يَابِس فَأجرى الله تَعَالَى فِيهِ المَاء، وَالدَّلِيل على صِحَة هَذَا القَوْل أَن الله تَعَالَى قَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى: ﴿فكلي واشربي﴾ أَي: كلي من الرطب، واشربي من النَّهر، وَقَالَ الشَّاعِر فِي السّري بِمَعْنى النَّهر:
وَفِي السّري قَول آخر، وَهُوَ أَنه بِمَعْنى: الشريف، وَالْمرَاد بِهِ. عِيسَى. قَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين:
وَفِي الْقِصَّة: أَن مَرْيَم كَانَت على أكمة، فَكَانَ جِبْرِيل وَرَاء الأكمة تحتهَا.
وَقَوله: ﴿أَلا تحزني﴾. أَلا تغتمي بِالْولادَةِ من غير زوج وبالوحدة.
وَقَوله: ﴿قد جعل رَبك تَحْتك سريا﴾ أَكثر الْمُفَسّرين أَن السّري هَاهُنَا هُوَ: النَّهر، وَيُسمى سريا؛ لِأَنَّهُ يسري فِيهِ المَاء، وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: هُوَ نهر صَغِير.
وَفِي الْقِصَّة: أَنه كَانَ هُنَاكَ نهر يَابِس فَأجرى الله تَعَالَى فِيهِ المَاء، وَالدَّلِيل على صِحَة هَذَا القَوْل أَن الله تَعَالَى قَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى: ﴿فكلي واشربي﴾ أَي: كلي من الرطب، واشربي من النَّهر، وَقَالَ الشَّاعِر فِي السّري بِمَعْنى النَّهر:
| (سهل الْخَلِيفَة ماجد ذِي نائل | مثل السّري عدَّة الْأَنْهَار) |
— 286 —
﴿من الْبشر أحدا فَقولِي إِنِّي نذرت للرحمن صوما فَلَنْ أكلم الْيَوْم إنسيا (٢٦) فَأَتَت بِهِ﴾
| (إِن السّري إِذا سرى بِنَفسِهِ | وَابْن السّري إِذا سرى أسراهما) |
| (فتصدعت صم الْجبَال لمَوْته | وبكت عَلَيْهِ المرملات مَلِيًّا) |
— 296 —
آية رقم ٤٧
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ سَلام عَلَيْك﴾.
قَالَ بَعضهم: هَذَا سَلام هجران ومفارقة. وَقَالَ بَعضهم: هُوَ سَلام بر ولطف، وَهُوَ جَوَاب حَلِيم لسفيه، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذا خاطبهم الجاهلون قَالُوا سَلاما﴾.
وَيُقَال: معنى قَوْله: ﴿سَلاما﴾ أَي: سَلامَة لَك مني؛ لِأَنَّهُ لم يكن أَمر بقتاله.
وَقَوله: ﴿سأستغفر لَك رَبِّي﴾. فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: سأستغفر لَك رَبِّي إِن آمَنت، وَالْقَوْل الثَّانِي: سأسأل الله لَك التَّوْبَة الَّتِي توجب الْمَغْفِرَة، وَقد كَانَت تَوْبَته هِيَ الْإِيمَان. وَقَوله: ﴿إِنَّه كَانَ بِي حفيا﴾ أَي: عودني الْإِجَابَة لدعائي. وَقيل: محبا.
قَالَ بَعضهم: هَذَا سَلام هجران ومفارقة. وَقَالَ بَعضهم: هُوَ سَلام بر ولطف، وَهُوَ جَوَاب حَلِيم لسفيه، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذا خاطبهم الجاهلون قَالُوا سَلاما﴾.
وَيُقَال: معنى قَوْله: ﴿سَلاما﴾ أَي: سَلامَة لَك مني؛ لِأَنَّهُ لم يكن أَمر بقتاله.
وَقَوله: ﴿سأستغفر لَك رَبِّي﴾. فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: سأستغفر لَك رَبِّي إِن آمَنت، وَالْقَوْل الثَّانِي: سأسأل الله لَك التَّوْبَة الَّتِي توجب الْمَغْفِرَة، وَقد كَانَت تَوْبَته هِيَ الْإِيمَان. وَقَوله: ﴿إِنَّه كَانَ بِي حفيا﴾ أَي: عودني الْإِجَابَة لدعائي. وَقيل: محبا.
آية رقم ٤٨
قَوْله تَعَالَى: ﴿وأعتزلكم﴾ [هَذَا الاعتزال] هُوَ: تَركهم فِي مهاجرته إِلَى الشَّام على مَا قَالَ فِي مَوضِع آخر: ﴿وَقَالَ إِنِّي مهَاجر إِلَى رَبِّي﴾.
وَقَوله: ﴿وَمَا تدعون من دون الله﴾ أَي: تَعْبدُونَ من دون الله.
وَقَوله: ﴿وأدعو رَبِّي﴾ أَي: وأعبد رَبِّي.
وَقَوله: ﴿عَسى أَلا أكون بِدُعَاء رَبِّي شقيا﴾ عَسى من الله وَاجِب، وَالدُّعَاء بِمَعْنى الْعِبَادَة، والشقاوة: الخيبة من الرَّحْمَة.
وَقَوله: ﴿وَمَا تدعون من دون الله﴾ أَي: تَعْبدُونَ من دون الله.
وَقَوله: ﴿وأدعو رَبِّي﴾ أَي: وأعبد رَبِّي.
وَقَوله: ﴿عَسى أَلا أكون بِدُعَاء رَبِّي شقيا﴾ عَسى من الله وَاجِب، وَالدُّعَاء بِمَعْنى الْعِبَادَة، والشقاوة: الخيبة من الرَّحْمَة.
آية رقم ٤٩
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا اعتزلهم وَمَا يعْبدُونَ من دون الله وهبنا لَهُ إِسْحَاق﴾
— 296 —
﴿الله وهبنا لَهُ إِسْحَاق وَيَعْقُوب وكلا جعلنَا نَبيا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُم من رَحْمَتنَا وَجَعَلنَا لَهُم لِسَان صدق عليا (٥٠) وَاذْكُر فِي الْكتاب مُوسَى إِنَّه كَانَ مخلصا وَكَانَ رَسُولا نَبيا﴾ ﴿وَيَعْقُوب﴾ هُوَ ابْن إِسْحَاق.
وَمَعْنَاهُ: أَنا أعطيناه أَوْلَادًا كراما بررة عوض الَّذين كَانَ يَدعُوهُم إِلَى عبَادَة الله فَلم يجيبوا.
وَقَوله: ﴿وكلا جعلنَا نَبيا﴾ يَعْنِي: إِسْحَاق وَيَعْقُوب.
وَمَعْنَاهُ: أَنا أعطيناه أَوْلَادًا كراما بررة عوض الَّذين كَانَ يَدعُوهُم إِلَى عبَادَة الله فَلم يجيبوا.
وَقَوله: ﴿وكلا جعلنَا نَبيا﴾ يَعْنِي: إِسْحَاق وَيَعْقُوب.
— 297 —
آية رقم ٥٠
﴿وَوَهَبْنَا لَهُم من رَحْمَتنَا﴾ يَعْنِي: أنعمنا عَلَيْهِم، وأعطيناهم من كرامتنا ونعمنا.
وَقَوله: ﴿وَجَعَلنَا لَهُم لِسَان صدق عليا﴾ أَي: ثَنَاء حسنا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَقد بَينا أَن كل أهل الْأَدْيَان يتولون: إِبْرَاهِيم، فَهُوَ الثَّنَاء الْحسن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
وَقَوله: ﴿وَجَعَلنَا لَهُم لِسَان صدق عليا﴾ أَي: ثَنَاء حسنا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَقد بَينا أَن كل أهل الْأَدْيَان يتولون: إِبْرَاهِيم، فَهُوَ الثَّنَاء الْحسن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
آية رقم ٥١
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُر فِي الْكتاب مُوسَى إِنَّه كَانَ مخلصا﴾ وَقُرِئَ: " مخلصا " " مخلصا " بِالْفَتْح وَالْكَسْر، فبالكسر أَي: موحدا لله وبالفتح أَي: مُخْتَارًا من الله تَعَالَى. وَقيل: مخلصا أَي: خَالِصا، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿ورجلا سلما لرجل﴾ أَي: خَالِصا لرجل.
وَقَوله: ﴿وَكَانَ رَسُولا نَبيا﴾. قيل: الرَّسُول وَالنَّبِيّ وَاحِد، وَقد فرق بَينهمَا، وَقد بَينا من قبل.
وَقَوله: ﴿وَكَانَ رَسُولا نَبيا﴾. قيل: الرَّسُول وَالنَّبِيّ وَاحِد، وَقد فرق بَينهمَا، وَقد بَينا من قبل.
آية رقم ٥٢
قَوْله تَعَالَى: ﴿وناديناه من جَانب الطّور الْأَيْمن﴾ الطّور: جبل بَين مصر ومدين، وَيُقَال: اسْمه الزبير.
وَقَوله: ﴿الْأَيْمن﴾ وَقيل: يَمِين الْجَبَل، وَقيل: يَمِين مُوسَى، وَالأَصَح يَمِين مُوسَى؛ لِأَن الْجَبَل لَيْسَ لَهُ يَمِين وَلَا شمال.
وَقَوله: ﴿الْأَيْمن﴾ وَقيل: يَمِين الْجَبَل، وَقيل: يَمِين مُوسَى، وَالأَصَح يَمِين مُوسَى؛ لِأَن الْجَبَل لَيْسَ لَهُ يَمِين وَلَا شمال.
— 297 —
( ﴿٥١) وناديناه من جَانب الطّور الْأَيْمن وقربناه نجيا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ من رَحْمَتنَا أَخَاهُ هَارُون نَبيا (٥٣) وَاذْكُر فِي الْكتاب إِسْمَاعِيل إِنَّه كَانَ صَادِق الْوَعْد وَكَانَ رَسُولا نَبيا﴾
وَقَوله: ﴿وقربناه نجيا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: أدناه حَتَّى سمع صرير الْقَلَم، وَقيل: صريف الْقَلَم. وَفِي رِوَايَة: رَفعه على الْحجب.
وَيُقَال: قربناه نجيا أَي: كلمناه، والتقريب هَا هُنَا هُوَ التَّكَلُّم، وَأما النجي فَهُوَ المناجي، وَكَأن مَعْنَاهُ على هَذَا القَوْل: أَن الله يكلمهُ، وَهُوَ يكلم الله.
وَقَوله: ﴿وقربناه نجيا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: أدناه حَتَّى سمع صرير الْقَلَم، وَقيل: صريف الْقَلَم. وَفِي رِوَايَة: رَفعه على الْحجب.
وَيُقَال: قربناه نجيا أَي: كلمناه، والتقريب هَا هُنَا هُوَ التَّكَلُّم، وَأما النجي فَهُوَ المناجي، وَكَأن مَعْنَاهُ على هَذَا القَوْل: أَن الله يكلمهُ، وَهُوَ يكلم الله.
— 298 —
آية رقم ٥٣
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ من رَحْمَتنَا أَخَاهُ هَارُون نَبيا﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: إِنَّمَا سمى نبوة هَارُون هبة لمُوسَى؛ لِأَن مُوسَى كَانَ قَالَ: ﴿وَاجعَل لي وزيرا من أَهلِي هَارُون أخي﴾.
آية رقم ٥٤
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُر فِي الْكتاب إِسْمَاعِيل﴾. الْأَكْثَرُونَ أَن هَذَا: إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم أَبُو النَّبِي، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ إِسْمَاعِيل بن حزقيل، نَبِي آخر؛ فَإِن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم توفّي قبل إِبْرَاهِيم. وَالصَّحِيح هُوَ القَوْل الأول، وَقد كَانَ بعث إِلَى جرهم [وَهِي] قَبيلَة، وَأما وَفَاته قبل إِبْرَاهِيم لَا تعرف.
وَقَوله: ﴿إِنَّه كَانَ صَادِق الْوَعْد﴾ قَالَ سُفْيَان: لم يعد الله شَيْئا من نَفسه إِلَّا وفى بِهِ، وَمن الْمَعْرُوف أَنه وعد إنْسَانا شَيْئا فأنتظره ثَلَاثَة أَيَّام فِي مَكَان وَاحِد، فَسُمي صَادِق الْوَعْد، وَيُقَال: انتظره حولا.
وَعَن سُفْيَان الثَّوْريّ أَنه قَالَ: إِن للكذاب أطرافا، وَأعظم الْكَذِب إخلاف المواعيد، واتهام الأبرياء.
وَفِي بعض الْأَخْبَار: " أَن النَّبِي بَايع رجلا قبل الْوَحْي، فَقَالَ لَهُ ذَلِك الرجل: مَكَانك يَا مُحَمَّد، حَتَّى أرجع إِلَيْك، وَذهب وَنسي، ثمَّ مر بذلك الْمَكَان بعد ثَلَاثَة أَيَّام، فَوجدَ النَّبِي جَالِسا، فَقَالَ لَهُ النَّبِي: أتعبتني أَيهَا الرجل، أَنا أنتظرك
وَقَوله: ﴿إِنَّه كَانَ صَادِق الْوَعْد﴾ قَالَ سُفْيَان: لم يعد الله شَيْئا من نَفسه إِلَّا وفى بِهِ، وَمن الْمَعْرُوف أَنه وعد إنْسَانا شَيْئا فأنتظره ثَلَاثَة أَيَّام فِي مَكَان وَاحِد، فَسُمي صَادِق الْوَعْد، وَيُقَال: انتظره حولا.
وَعَن سُفْيَان الثَّوْريّ أَنه قَالَ: إِن للكذاب أطرافا، وَأعظم الْكَذِب إخلاف المواعيد، واتهام الأبرياء.
وَفِي بعض الْأَخْبَار: " أَن النَّبِي بَايع رجلا قبل الْوَحْي، فَقَالَ لَهُ ذَلِك الرجل: مَكَانك يَا مُحَمَّد، حَتَّى أرجع إِلَيْك، وَذهب وَنسي، ثمَّ مر بذلك الْمَكَان بعد ثَلَاثَة أَيَّام، فَوجدَ النَّبِي جَالِسا، فَقَالَ لَهُ النَّبِي: أتعبتني أَيهَا الرجل، أَنا أنتظرك
— 298 —
( ﴿٥٤) وَكَانَ يَأْمر أَهله بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة وَكَانَ عِنْد ربه مرضيا (٥٥) وَاذْكُر فِي الْكتاب﴾ مُنْذُ ثَلَاث ".
وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه جعل إخلاف الْوَعْد ثلث النِّفَاق.
وَعَن زيد بن أَرقم، أَن من وعد إنْسَانا وَمن نِيَّته أَن يَفِي بِهِ، ثمَّ لم يتَّفق الْوَفَاء، فَإِنَّهُ لَا يدْخل فِي هَذَا الْوَعيد.
وروى [قباث] بن أَشْيَم أَن النَّبِي قَالَ: " الْعدة عَطِيَّة ". هُوَ خبر غَرِيب.
وَقَوله: ﴿وَكَانَ رَسُولا نَبيا﴾ قد بَينا.
وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه جعل إخلاف الْوَعْد ثلث النِّفَاق.
وَعَن زيد بن أَرقم، أَن من وعد إنْسَانا وَمن نِيَّته أَن يَفِي بِهِ، ثمَّ لم يتَّفق الْوَفَاء، فَإِنَّهُ لَا يدْخل فِي هَذَا الْوَعيد.
وروى [قباث] بن أَشْيَم أَن النَّبِي قَالَ: " الْعدة عَطِيَّة ". هُوَ خبر غَرِيب.
وَقَوله: ﴿وَكَانَ رَسُولا نَبيا﴾ قد بَينا.
— 299 —
آية رقم ٥٥
قَوْله: ﴿وَكَانَ يَأْمر أَهله بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة﴾ قَرَأَ ابْن مَسْعُود: " وَكَانَ يَأْمر قومه بِالصَّلَاةِ ".
وَقَالَ أهل التَّفْسِير: إِن معنى قَوْله: ﴿وَكَانَ يَأْمر أَهله﴾ أَي: أمته، وَإِن أمة كل نَبِي أهلوه.
وَقَوله: ﴿وَكَانَ عِنْد ربه مرضيا﴾ أَي: مُخْتَارًا وَمَعْنَاهُ: رضيه الله لنبوته ورسالته.
وَقَالَ أهل التَّفْسِير: إِن معنى قَوْله: ﴿وَكَانَ يَأْمر أَهله﴾ أَي: أمته، وَإِن أمة كل نَبِي أهلوه.
وَقَوله: ﴿وَكَانَ عِنْد ربه مرضيا﴾ أَي: مُخْتَارًا وَمَعْنَاهُ: رضيه الله لنبوته ورسالته.
— 299 —
﴿إِدْرِيس إِنَّه كَانَ صديقا نَبيا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانا عليا (٥٧) أُولَئِكَ الَّذين أنعم الله﴾
— 300 —
آية رقم ٥٦
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُر فِي الْكتاب إِدْرِيس﴾. قيل: إِدْرِيس هُوَ أَبُو جد نوح. يُسمى إِدْرِيس لِكَثْرَة درسه الْكتب.
وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق: هُوَ أول من خطّ بالقلم، وَأول من لبس الثِّيَاب، وَكَانَ من قبله يلبسُونَ الْجُلُود، وَأول من اتخذ السِّلَاح وَقَاتل الْكفَّار.
قَوْله: ﴿إِنَّه كَانَ صديقا نَبيا﴾ قد بَينا.
وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق: هُوَ أول من خطّ بالقلم، وَأول من لبس الثِّيَاب، وَكَانَ من قبله يلبسُونَ الْجُلُود، وَأول من اتخذ السِّلَاح وَقَاتل الْكفَّار.
قَوْله: ﴿إِنَّه كَانَ صديقا نَبيا﴾ قد بَينا.
آية رقم ٥٧
ﮂﮃﮄ
ﮅ
وَقَوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانا عليا﴾ قد ثَبت بِرِوَايَة أنس أَن النَّبِي قَالَ: " رَأَيْت إِدْرِيس لَيْلَة الْمِعْرَاج فِي السَّمَاء الرَّابِعَة ". فَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانا عليا﴾ فِي الْجنَّة يَعْنِي: رَفعه.
وَقيل: هِيَ الرّفْعَة بعلو الْمرتبَة. وَاخْتلف القَوْل فِي أَنه فِي السَّمَاء الرَّابِعَة حَيّ أم ميت: أحد الْقَوْلَيْنِ: أَنه حَيّ.
قَالَ قوم من أهل الْعلم: أَرْبَعَة من الْأَنْبِيَاء فِي الْأَحْيَاء، اثْنَان فِي السَّمَاء، وَاثْنَانِ فِي الأَرْض، أما اللَّذَان فِي السَّمَاء: فإدريس، وَعِيسَى، وَأما اللَّذَان فِي الأَرْض: فالخضر، وإلياس.
وَالْقَوْل الثَّانِي: إِن إِدْرِيس ميت. قَالَ كَعْب الْأَحْبَار: كَانَ لإدريس صديق من الْمَلَائِكَة، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي أحب أَن أعرف مَتى أَمُوت؛ لِأَزْدَادَ من الْعَمَل، فَهَل لَك أَن تسْأَل ملك الْمَوْت؟ فَقَالَ: أسأله وَأَنت تسمع، ثمَّ رَفعه تَحت جنَاحه إِلَى السَّمَاء، وَجَاء إِلَى ملك الْمَوْت، فَقَالَ: هَل تعرف أَن إِدْرِيس مَتى يَمُوت؟ فَقَالَ: حَتَّى أنظر، ثمَّ
وَقيل: هِيَ الرّفْعَة بعلو الْمرتبَة. وَاخْتلف القَوْل فِي أَنه فِي السَّمَاء الرَّابِعَة حَيّ أم ميت: أحد الْقَوْلَيْنِ: أَنه حَيّ.
قَالَ قوم من أهل الْعلم: أَرْبَعَة من الْأَنْبِيَاء فِي الْأَحْيَاء، اثْنَان فِي السَّمَاء، وَاثْنَانِ فِي الأَرْض، أما اللَّذَان فِي السَّمَاء: فإدريس، وَعِيسَى، وَأما اللَّذَان فِي الأَرْض: فالخضر، وإلياس.
وَالْقَوْل الثَّانِي: إِن إِدْرِيس ميت. قَالَ كَعْب الْأَحْبَار: كَانَ لإدريس صديق من الْمَلَائِكَة، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي أحب أَن أعرف مَتى أَمُوت؛ لِأَزْدَادَ من الْعَمَل، فَهَل لَك أَن تسْأَل ملك الْمَوْت؟ فَقَالَ: أسأله وَأَنت تسمع، ثمَّ رَفعه تَحت جنَاحه إِلَى السَّمَاء، وَجَاء إِلَى ملك الْمَوْت، فَقَالَ: هَل تعرف أَن إِدْرِيس مَتى يَمُوت؟ فَقَالَ: حَتَّى أنظر، ثمَّ
— 300 —
﴿عَلَيْهِم من النَّبِيين من ذُرِّيَّة آدم وَمِمَّنْ حملنَا مَعَ نوح وَمن ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم وَإِسْرَائِيل وَمِمَّنْ هدينَا واجتبينا إِذا تتلى عَلَيْهِم آيَات الرَّحْمَن خروا سجدا وبكيا (٥٨) فخلف من﴾ استخرج كتابا، وَنظر فِيهِ، فَقَالَ: بَقِي من عمره سِتّ سَاعَات - وَفِي رِوَايَة لَحْظَة - وَقبض روحه ثمَّة، فَهُوَ معنى قَوْله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانا عليا﴾ وَهَذَا قَول مَعْرُوف.
— 301 —
آية رقم ٥٨
قَوْله: ﴿أُولَئِكَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين من ذُرِّيَّة آدم﴾ وَالْمرَاد من ذُرِّيَّة آدم: إِدْرِيس.
وَقَوله: ﴿وَمِمَّنْ حملنَا مَعَ نوح﴾. أَي: وَمن ذُرِّيَّة من حملنَا مَعَ نوح، وَالْمرَاد مِنْهُ: إِبْرَاهِيم؛ لِأَنَّهُ كَانَ من ولد سَام بن نوح.
وَقَوله: ﴿وَمن ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم﴾ المُرَاد مِنْهُ: إِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَإِسْرَائِيل﴾. أَي: من ذُرِّيَّة إِسْرَائِيل، وَالْمرَاد مِنْهُ: مُوسَى وَدَاوُد وَسليمَان ويوسف وَعِيسَى، وكل أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل.
وَقَوله: ﴿وَمِمَّنْ هدينَا واجتبينا﴾ هَذَا يرجع إِلَى الْأَوَّلين، وَمَعْنَاهُ: أَنا هديناهم، واختبرناهم، وَهَؤُلَاء ذُرِّيتهمْ.
وَقَوله: ﴿إِذا تتلى عَلَيْهِم آيَات الرَّحْمَن خروا سجدا﴾ أَي: سقطوا، وَقيل: وَقَعُوا بِوُجُوهِهِمْ ساجدين، والسجد جمع ساجد.
وَقَوله: ﴿وبكيا﴾ أَي: بَاكِينَ.
وَرُوِيَ أَن النَّبِي مر على رجل، وَهُوَ ساجد يَدْعُو، فَقَالَ: " هَذَا السُّجُود وَأَيْنَ الْبكاء "؟ !.
وَقَوله: ﴿وَمِمَّنْ حملنَا مَعَ نوح﴾. أَي: وَمن ذُرِّيَّة من حملنَا مَعَ نوح، وَالْمرَاد مِنْهُ: إِبْرَاهِيم؛ لِأَنَّهُ كَانَ من ولد سَام بن نوح.
وَقَوله: ﴿وَمن ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم﴾ المُرَاد مِنْهُ: إِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَإِسْرَائِيل﴾. أَي: من ذُرِّيَّة إِسْرَائِيل، وَالْمرَاد مِنْهُ: مُوسَى وَدَاوُد وَسليمَان ويوسف وَعِيسَى، وكل أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل.
وَقَوله: ﴿وَمِمَّنْ هدينَا واجتبينا﴾ هَذَا يرجع إِلَى الْأَوَّلين، وَمَعْنَاهُ: أَنا هديناهم، واختبرناهم، وَهَؤُلَاء ذُرِّيتهمْ.
وَقَوله: ﴿إِذا تتلى عَلَيْهِم آيَات الرَّحْمَن خروا سجدا﴾ أَي: سقطوا، وَقيل: وَقَعُوا بِوُجُوهِهِمْ ساجدين، والسجد جمع ساجد.
وَقَوله: ﴿وبكيا﴾ أَي: بَاكِينَ.
وَرُوِيَ أَن النَّبِي مر على رجل، وَهُوَ ساجد يَدْعُو، فَقَالَ: " هَذَا السُّجُود وَأَيْنَ الْبكاء "؟ !.
آية رقم ٥٩
قَوْله تَعَالَى: ﴿فخلف من بعدهمْ خلف﴾ الْخلف: الرَّدِيء من الْقَوْم. وَالْخلف
— 301 —
(بعدهمْ خلف أضاعوا الصَّلَاة وَاتبعُوا الشَّهَوَات فَسَوف يلقون غيا (٥٩) إِلَّا من تَابَ وآمن وَعمل صَالحا فَأُولَئِك يدْخلُونَ الْجنَّة وَلَا يظْلمُونَ شَيْئا (٦٠) جنَّات عدن الَّتِي وعد الرَّحْمَن عباده بِالْغَيْبِ إِنَّه كَانَ وعده مأتيا (٦١)) الصَّالح فِي الْقَوْم. وَالْخلف هُوَ الَّذِي يخلف غَيره، وَذكر الْفراء والزجاج أَنه يجوز أَن يسْتَعْمل أَحدهمَا مَكَان الآخر.
وَقَوله: ﴿أضاعوا الصَّلَاة﴾. فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أخروها عَن وَقتهَا، وَالْآخر: تركوها أصلا. وَعَن ابْن شَوْذَب: هُوَ التَّأْخِير عَن الْوَقْت، وَلَو تركوها أصلا لكفروا.
وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز: هُوَ شربهم الْخمر، وتركهم الصَّلَاة.
وَقَالَ مُجَاهِد: هَؤُلَاءِ قوم يظهرون فِي آخر الزَّمَان ينزوا بَعضهم على بعض فِي الْأَسْوَاق والأزقة، وَقيل: هم الزناة. وَيُقَال: أضاعوا الصَّلَاة بِاتِّبَاع الشَّهَوَات.
وَقَوله: ﴿فَسَوف يلقون غيا﴾ قيل: الغي وَاد فِي جَهَنَّم، وَقيل: غيا: هَلَاكًا، وَقيل: غيا: جُزْءا غيهم. شعر:
وَقَوله: ﴿أضاعوا الصَّلَاة﴾. فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أخروها عَن وَقتهَا، وَالْآخر: تركوها أصلا. وَعَن ابْن شَوْذَب: هُوَ التَّأْخِير عَن الْوَقْت، وَلَو تركوها أصلا لكفروا.
وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز: هُوَ شربهم الْخمر، وتركهم الصَّلَاة.
وَقَالَ مُجَاهِد: هَؤُلَاءِ قوم يظهرون فِي آخر الزَّمَان ينزوا بَعضهم على بعض فِي الْأَسْوَاق والأزقة، وَقيل: هم الزناة. وَيُقَال: أضاعوا الصَّلَاة بِاتِّبَاع الشَّهَوَات.
وَقَوله: ﴿فَسَوف يلقون غيا﴾ قيل: الغي وَاد فِي جَهَنَّم، وَقيل: غيا: هَلَاكًا، وَقيل: غيا: جُزْءا غيهم. شعر:
| (وَمن يلق خيرا يحمد النَّاس أمره | وَمن يغو لَا يعْدم على الغي لائما) |
| " حق لِابْنِ آدم أَن يبكي | وَذكر نَحوا من هَذَا ". |
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن المُرَاد من الْوُرُود هُوَ الْحُضُور والرؤية دون الدُّخُول. وَهَذَا قَول الْحسن وَقَتَادَة، وَقد يذكر الْوُرُود بِمَعْنى الْحُضُور، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلما ورد مَاء مَدين﴾ أَي: حضر. وَقَالَ زُهَيْر شعرًا:
| (وَلما وردن المَاء زرقا جمامه | تركن عصي الْحَاضِر المتخيم) |
| (أَبيت نجيا للهموم كأنني | أخاصم أقوما ذَوي جدل لدا) |