تفسير سورة سورة النازعات

نظام الدين الحسن بن محمد بن حسين القمي النيسابوري

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
أحكام القرآن
البيهقي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة
خالد بن سليمان المزيني
غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني
أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
لطائف الإشارات
القشيري
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير القرآن الكريم
ابن عثيمين
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

غرائب القرآن ورغائب الفرقان

نظام الدين الحسن بن محمد بن حسين القمي النيسابوري (ت 850 هـ)

الناشر

دار الكتب العلميه - بيروت

الطبعة

الأولى

المحقق

الشيخ زكريا عميرات

مقدمة التفسير
( سورة النازعات وهي مكية حروفها سبعمائة وثلاثون وآياتها ست وأربعون وكلمها مائة وسبعون ).
(سورة النازعات)
(وهي مكية حروفها سبعمائة وثلاثون وآياتها ست وأربعون وكلمها مائة وسبعون)
[سورة النازعات (٧٩) : الآيات ١ الى ٤٦]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً (١) وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً (٢) وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً (٣) فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً (٤)
فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (٨) أَبْصارُها خاشِعَةٌ (٩)
يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (١٠) أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً (١١) قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ (١٣) فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (١٥) إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٦) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى (١٩)
فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى (٢٢) فَحَشَرَ فَنادى (٢٣) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (٢٤)
فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى (٢٥) إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (٢٦) أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩)
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٣١) وَالْجِبالَ أَرْساها (٣٢) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٣) فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى (٣٤)
يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغى (٣٧) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (٣٩)
وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (٤١) يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (٤٤)
إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها (٤٦)
القراآت:
وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً بالإدغام فيهما: أبو عمرو غير عباس أثنا أَإِذا كما مر في «الرعد» إلا ابن عامر فإنه وافق الكسائي ناخرة بالألف: حمزة وعلي غير نصير وعتيبة وخلف ورويس وعاصم غير المفضل وحفص وطُوىً كما مر في «طه» وكذا ما بعدها إلا حمزة وخلف في اختياره فإنهما يفتحان. ومنها تَزَكَّى بتشديد الزاي: أبو جعفر ونافع وابن كثير وعباس ويعقوب منذر من بالتنوين: يزيد وعباس.
الآخرون: بالإضافة للتخفيف.
— 437 —
الوقوف
غَرْقاً هـ لا نَشْطاً هـ لا سَبْحاً هـ لا سَبْقاً هـ لا أَمْراً هـ م لأن جواب القسم محذوف وهو ليبعثن ولأنه لو وصل لأوهم أن يَوْمَ ظرف فَالْمُدَبِّراتِ وليس كذلك لأن تدبير الملائكة قد انقضى وقتئذ بل عامل يَوْمَ تتبعها الرَّاجِفَةُ هـ لا الرَّادِفَةُ هـ ط واجِفَةٌ هـ ط خاشِعَةٌ هـ م لتناهي وصف القيامة وابتداء حكاية قولهم في الدنيا فِي الْحافِرَةِ ط لمن قرأ اإذا مستفهما نَخِرَةً هـ ط خاسِرَةٌ هـ م لتناهي قولهم بالإنكار وابتداء أخبار الله تعالى واحِدَةٌ هـ ط بِالسَّاهِرَةِ هـ ط مُوسى هـ م لأن إِذْ ناداهُ يجوز أن يكون ظرفا لا ذكر قاله السجاوندي. ويحتمل عندي تعلقه بالحديث وإن لم يجز تعلقه بإتيان الحديث طُوىً هـ ج لاحتمال أن يكون اذْهَبْ مفعول ناداهُ لأنه في معنى القول واحتمال أن يكون مفعول القول المحذوف طَغى هـ للآية مع اتفاق الجملتين والوصل أوجه للفاء تَزَكَّى هـ لا للعطف فَتَخْشى ط للآية وانتهاء الاستفهام مع العطف بفاء التعقيب الْكُبْرى هـ ز لذلك إنما كان الوصل أوجه للفاء واتصال المقصود وَعَصى هـ يَسْعى هـ فَنادى هـ الْأَعْلى هـ والوصل هاهنا ألزم للعبرة بتعجيل المؤاخذة وَالْأُولى هـ ط يَخْشى هـ ط لتبدل الكلام لفظا ومعنى وابتداء الاستفهام أَمِ السَّماءُ هـ ط بناء على أن الجملة لا تقع صفة للمعرفة وتقدير حذف الموصول من ضيق العطن فاعرفه بَناها هـ لا فَسَوَّاها هـ لا ضُحاها هـ ص دَحاها هـ ط بناء على أن ما بعده كالتفسير للدحو وهو تمهيدها لأجل السكنى، وجوز أن يكون أَخْرَجَ حالا بإضمار «قد» فلا وقف مَرْعاها هـ ص أَرْساها هـ وَلِأَنْعامِكُمْ هـ ط الْكُبْرى هـ ز لأن يَوْمَ ظرف جاءَتِ وعامل «إذا» مقدّر تقديره أي ترون أو كان ما كان، وجوز أن يكون يَوْمَ مفعول «اذكر» وعامل «إذا» مقدّر قبل يوم، ويجوز أن يكون مجموع الشرط والجزاء وهو قوله فَأَمَّا مَنْ طَغى إلى آخره جوابا لقوله فَإِذا جاءَتِ. سَعى هـ ط لِمَنْ يَرى هـ طَغى هـ لا الدُّنْيا هـ لا الْمَأْوى ط الْهَوى هـ لا الْمَأْوى هـ ط مُرْساها ط ذِكْراها هـ ط مُنْتَهاها هـ ط يَخْشاها هـ ط ضُحاها هـ.
التفسير:
في الكلمات الخمس المذكورة في أول السورة وجوه على نسق ما سبق في المرسلات أحدها: أنها صفات طوائف الملائكة الذين ينزعون نفوس الكفرة من بني آدم غرقا أي نزعا بشدّة من أقاصي الأجساد من أناملها وأظفارها. والغرق والإغراق في اللغة واحد يقال: نزع في القوس فأغرق أي بلغ غايته حتى انتهى إلى النصل، وبالذين يجذبون نفوس المؤمنين برفق ولين كما ينشط الدلو من البئر، وبالطوائف التي تسبح في مضيها أي
— 438 —
تسرع فتسبق إلى ما أمروا به فتدبر بإذن الله أمرا من أمور العباد أو جنس الأمر. قال مقاتل:
يعني بهذه الطوائف جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وأعوان كل منهم. فجبريل موكل بالرياح والجنود، وميكائيل موكل بالقطر والنبات، وإسرافيل بنفخ الصور، وملك الموت عزرائيل وأعوانه بقبض الأرواح. قال الإمام فخر الدين الرازي: النازعات هم الذين نزعوا أنفسهم عن الصفات البشرية والأخلاق الذميمة من الشهوة والغضب والموت والهرم والسقم لأنهم جواهر روحانية مجردة، والناشطات إشارة إلى أن خروجهم من هذه الأحوال ليس على سبيل الكلفة والمشقة ولكنه بمقتضى الطبيعة والماهية، والسابحات هم الذين سبحوا في بحار جلال الله فسبق بعضهم بعضا في ميدان العرفان وحلبة البرهان فدبروا أمر العالم العلوي والعالم السفلي بإذن مبدعهم المنّان. أقول: ويمكن حمل هذه الأمور على مراتب النفس الإنسانية بمثل التقدير المذكور. الوجه الثاني وهو قول الحسن البصري أنها النجوم وتلخيص ذلك على الوجه المطابق للغة والشريعة أنها تغرق شبه النزع من المشرق إلى المغرب بالحركة السريعة، وتنشط نشطا أي تخرج من برج إلى برج من قولك «ثور ناشط» إذا خرج من بلد إلى بلد، وهذا بحركته البطيئة الثابتة. وأما السابحات فهي السيارة كقوله كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [الأنبياء: ٣٣] ولأن سيرها المتفاوت يصير سببا لسبق بعضها بعضا، ويترتب على السبق الاتصالات والانصرافات ومعرفة الفصول والأوقات وتقدّم العلم بالكائنات بل العالم السفلي وتدبيراتها مناط بتلك الحركات بإذن خالق الأرض وفاطر السموات فلهذا أدخل الفاء في القرينتين الأخريين دون الأوليات. الوجه الثالث أنها صفات خيل الغزاة تنزع في أعنتها نزعا، تغرق الأعنة فيه لطول أعناقها لأنها عراب، وهى ناشطات تخرج من دار الإسلام إلى دار الحرب، وهي سابحات تسبح في جريها فتسبق إلى الغاية فتدبر أمر الغلبة والظفر وتتسبب فيه. الوجه الرابع وهو اختيار أبي مسلم النازعات أيدي الغزاة وأنفسهم تنزع القسي بإغراق السهام، والناشطات السهام الخارجة من أيديهم أو قسيهم، والسابحات الخيل العاديات أو الإبل، والمدبرات بمعنى المعقبات لأنها تأتي في أدبار هذه الأفاعيل بأمر الغلبة والنصر. قال جار الله: يَوْمَ تَرْجُفُ منصوب بجواب القسم المحذوف وهو «لتبعثن». وقوله تَتْبَعُهَا حال. ثم أورد على نفسه أن هذا يوجب أن يكون البعث عند النفخة الأولى وأجاب عنه بأنهم يبعثون في الوقت الواسع الذي يقع فيه النفختان كما يقال «رأيته عام كذا» وإنما رؤيته في ساعة منها. والراجفة الواقعة التي ترجف عندها الأرض والجبال وهي النفخة الأولى فهي من الإسناد المجازي. والرادفة رجفة أخرى تتبع الأولى فتضطرب الأرض لإحياء الموتى كما اضطربت في الأولى لموت الأحياء،
وقد ورد
— 439 —
الخبر أن ما بين النفختين أربعون عاما.
ويروى أنه تعالى يمطر الأرض في هذه الأربعين ويصير ذلك الماء عليها كالنطف فيكون سببا في الإحياء
ولله تعالى أن يفعل ما يشاء. وقيل:
الراجفة هي النفخة الأولى، والرادفة هي قيام الساعة من قوله تعالى عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ [النمل: ٧٢] وقيل: الراجفة الأرض والجبال من قوله يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ [المزمل: ١٤] والرادفة السماء والكواكب لأنها تنفطر وتنتثر على أثر ذلك. وقيل: الراجفة هي الأرض تتحرك وتتزلزل، والرادفة زلزلة ثانية تتبع الأولى حتى تنقطع الأرض وتفنى. قال أبو مسلم بناء على تفسيره الذي روينا عنه إن كلا من الراجفة والرادفة هي خيل المشركين وأريد بهما طائفتان من المشركين حاربوا رسول الله ﷺ فتبعت إحداهما الأخرى. والقلوب الواجفة أي القلقة، والأبصار الخاشعة هي أبصار المنافقين وعلى الأقوال القلوب الموصوفة مبتدأ. وقوله أَبْصارُها خاشِعَةٌ خبره وفي الكلام إضمار أي أصحابها خاشعة بدليل قوله يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ أي الحالة الأولى وهي الحياة وأصله من قولهم «رجع فلان في حافرته» أي طريقه التي جاء فيها، جعل أثر قدميه حفرا فالطريق في الحقيقة محفورة إلا أنها سميت حافرة على الإسناد المجازي أو على وتيرة النسبة أي ذات حفر كما قلنا في «عيشة راضية» ونحوه كَرَّةٌ خاسِرَةٌ كما يجيء.
ثم زادوا في الإنكار مع إشارة إلى وجه الإحالة قائلين أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً نردّ أو نبعث. يقال: نخر العظم فهو نخر وناخر مثل حذر وحاذر وهو الأجوف البالي الذي تمر فيه الريح فيسمع له نخر وهما لغتان فصيحتان، لأن النخر وإن كان أبلغ في المعنى إلا أن الناخرة بالألف أشبه بأخواتها من رؤوس الآي. ثم أخبر أنهم قالوا على سبيل الاستهزاء تِلْكَ الكرة إِذاً أي إذا نحشر ونردّ ونرجع كَرَّةٌ خاسِرَةٌ رجعة ذات خسران لأنا كذبنا بها. ثم أفحمهم بقوله فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ أي لا تحسبوا تلك الكرة صعبة على الله فما هي إلا صيحة واحِدَةٌ يقال: زجر البعير إذا صاح عليه وهي صيحة إسرافيل في النفخة الثانية. يروى أنه تعالى يحييهم في بطون الأرض فيسمعونها فيقومون. والساهرة الأرض البيضاء المستوية سميت بذلك لأن ساكنها لا ينام خوف الهلاك، أو لأن السراب يجري فيها من قولهم عين ساهرة أي جارية. والأظهر أنها أرض الآخرة. وقيل: هي أرض الدنيا ثم ذكرهم بقصة موسى لأنه أبهر الأنبياء المتقدّمين معجزة وفيها تسلية للنبي ﷺ لأن فرعون كان أكثر جمعا وأشدّ قوة من كفار قريش. والوادي المقدّس المبارك المطهر، وطوى اسم واد بالشأم عند الطور وقد مر في «طه». قوله هَلْ لَكَ الجار والمجرور خبر مبتدأ محذوف أي هل لك حاجة أو ميل أو التفات ونحو ذلك، وهذه كلمة جامعة لمواجب
— 440 —
التكاليف لأن المكلف لا يصير زاكيا إلا بالتخلية عن كل ما لا ينبغي، ويجوز أن يكون التزكي إشارة إلى تطهير النفس الفاسدة. قوله وَأَهْدِيَكَ إشارة إلى التحلي بالأخلاق الفاضلة أقلها وأفضلها التوحيد المرتب عليه الخشية التي منها تنشأ جوامع الخيرات ولهذا
قال النبي ﷺ «من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل»
وعن بعض الحكماء: اعرفوا الله فمن عرفه لم يقدر أن يعصيه طرفه عين. ثم هاهنا إضمار كأنه قال: فذهب موسى إلى فرعون فقال له ما أمر به فلم يصدقه فرعون وجحد نبوته فَأَراهُ وفي ابتداء المخاطبة بالاستفهام الذي معناه العرض من التلطف والمداراة ما لا يخفى فهو كقوله فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً [طه: ٤٤] والآية الكبرى العصا أو اليد أو هما كما مر في «طه» فَكَذَّبَ بالقلب واللسان إذ نسب المعجز إلى السحر وَعَصى بإظهار التمرد والطغيان ثُمَّ أَدْبَرَ خوفا من الثعبان يَسْعى هاربا أو يتحيل في دفع موسى أو تولى عن موسى إظهارا للجحود. وجوز أن يكون أَدْبَرَ موضوعا مكان «أقبل» كما يقال: أقبل فلان يفعل كذا بمعنى طفق يفعل فكنى عن الإقبال بالإدبار إظهارا للسخط ولقصد التفاؤل عليه. ومعنى الفاء في فَكَذَّبَ أنه لم يلبث عقيب رؤية الآية الكبرى أن بادرها بنقيض مقتضاها لفرط عتوّه ورسوخ تفر عنه.
ومعنى «ثم» في ثُمَّ أَدْبَرَ تراخي الرتبة فإن الهرب من الحية مع ادعاء الربوبية مما لا يجتمعان وكذا السعاية والمكيدة بين الناس فَحَشَرَ جنوده للتشاور أو لجمع السحرة فَنادى في المقام الذي اجتمعوا فيه معه أو أمر مناديا. وقيل: قام فيهم خطيبا فقال ما قال. وانتصب نَكالَ الْآخِرَةِ على أنه مصدر مؤكد كأنه قيل: نكل الله به نكالا وهو مصدر كالتنكيل مثل السلام والتسليم. قال الحسن وقتادة: عذاب الآخرة الإحراق وعذاب الأولى الإغراق. وقيل: الآخرة والأولى صفتان لكلمتي فرعون. ثم اختلفوا فعن مجاهد والشعبي وسعيد بن جبير ومقاتل ورواية عطاء والكلبي عن ابن عباس أن كلمته الأولى ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي [القصص: ٣٨] والثانية أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [النازعات: ٢٤] وبينهما أربعون سنة أو عشرون، وفيه دليل على أنه تعالى يمهل ولا يهمل. وذكر قوم واستحسنه القفال أن كلمته الأولى تكذيب موسى حين أراه الآية، والأخرى هي قوله أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى وقد يدور في الخلد أن كلمته الأولى هي قوله أَنَا رَبُّكُمُ والآخرة وصفه بالأعلى فإنه لو اقتصر على الأولى لم يكن كفرا بدليل قول يوسف ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ [يوسف: ٥٠] إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ [يوسف: ٢٣] لكنه لما وصفه بالأعلى صار كفرا فأخذه بالأولى والآخرة.
قال الإمام فخر الدين الرازي: إن العاقل لا يشك في نفسه أنه ليس خالق السموات
— 441 —
والأرض وما بينهما، فالوجه أن يقال: إن فرعون كان دهريا منكرا للصانع والحشر والجزاء وكان يقول ليس لأحد عليكم أمر ولا نهي سواي فأنا ربكم بمعنى مربيكم والمحسن إليكم.
وأقول: كما أن نسبة الإنسان خلق العالم إلى نفسه يوجب الحكم عليه بالجنون وسخافة العقل فالقول بنفي الصانع ونسبة وجود الأشياء إلى ذواتها مع تغيرها في أنفسها يوجب الحكم عليه بعدم العقل فما الفرق بين الأمرين؟ وأيّ استبعاد في ذلك وقد قال الله تعالى إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [العلق: ٧] وسكر الدنيا أشدّ من سكر الخمر فإن الثمل من الخمر يرجى صحوه والثمل من شراب حب المال والجاه الطافح من خيال الرياسة لا ترجى إفاقته. ثم ختم القصة بقوله إِنَّ فِي ذلِكَ الحديث أو النكال وهو في العرف يقع على ما يفتضح به صاحبه ويعتبر به المعتبر لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى أي يكون من أهل الخشية لا القسوة. ثم خاطب منكري البعث بقوله أَأَنْتُمْ أَشَدُّ أي أصعب خَلْقاً أَمِ السَّماءُ فنبههم على أمر معلوم بالمشاهدة وهو أن خلق السماء أعظم وأبلغ في القدرة. وإذا كان الله قادرا على إنشاء العالم الأكبر يكون على خلق العالم الأصغر بل على إعادته أقدر. ثم أشار إلى كيفية خلق السماء فقال بَناها وفيه تصوير للأمر المعقول وهو الإبداع والاختراع بالأمر المحسوس وهو البناء. ثم ذكر هيئة البناء فقال رَفَعَ سَمْكَها وهو الامتداد القائم على كل من امتدادي الطول والعرض. فإذا اعتبر من السفل إلى العلو يسمى سمكا، وإذا اعتبر بالعكس يسمى عمقا. وذكر أهل التفسير أن ما بين كل سماء مسيرة خمسمائة عام.
ولأهل الهيئة طريقة أخرى قد برهنوا عليها في كتبهم. قوله فَسَوَّاها زعم أصحاب الهيئة أن المراد بهذه التسوية جعلها كرية ولا ضرر في الدين من هذا الاعتقاد. وحملها المفسرون على تمام التأليف أو على نفي الفطور عنها. وأقول: من الجائز أن يراد بها جعلها طبقات مرتبة كقوله فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ [البقرة: ٢٩] الغطش الظلمة يقال: غطش الليل وأغطشه الله. ويقال: أغطش الليل أيضا مثل أضاء وأظلم. وعبر بالضحى عن النهار لأن الضحى أكمل أجزائه في النور والضوء. وإنما أضاف الليل والنهار إلى السماء لأنهما بسبب غروب الشمس وطلوعها الحادثين بسبب حركة الفلك قوله وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها قد مر تفسير الدحو في أول سورة «البقرة» وأن بعدية دحو الأرض لا تنافي تقدّم خلق الأرض على السماء في قوله هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ [البقرة: ٢٩] قال أهل اللغة: دحوت أدحو ودحيت أدحى لغتان
في حديث عليّ: اللهم داحي المدحيات
أي باسط الأرضين السبع. وقد يروى عن ابن عباس ومجاهد والسدّي وابن جريج أن قوله بَعْدَ ذلِكَ يعنى مع ذلك كقوله فَكُّ رَقَبَةٍ إلى قوله ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا [البلد: ١٧] أي كان مع هذا من أهل الإيمان بالله. ونصب الْأَرْضَ وَالْجِبالَ
— 442 —
فيما يجيء بإضمار دحى وأرسى على شريطة التفسير. قال المفسرون: أراد بالمرعى جميع ما يأكله الناس والأنعام فيكون الرعي مستعارا للإنسان ولهذا قال مَتاعاً أي فعل كل ذلك تمتيعا لكم ولأنعامكم. وحين فرغ من دلائل القدرة على البعث رتب عليه شرح يوم القيامة. والطامة الداهية التي لا تطاق من قولهم طم الفرس طميما إذا استفرغ جهده في المشي والجري فإذا وصفت بالكبرى كانت في غاية الفظاعة ونهاية الشدّة، وفي أمثالهم «جرى الوادي فطم على القري» وهو مفرد وجمعه أقرية وقريان وهي الجداول والأنهار.
وأصل الطم الدفن والغلب فكل ما غلب شيئا وقهره وأخفاه فقد طمه. وقيل: الطامة النفخة الثانية عن الحسن. وقيل: هي الساعة التي يساق بها أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار. قال جار الله: يَوْمَ يَتَذَكَّرُ بدل من فَإِذا جاءَتِ لأنه إذا رأى أعماله مدوّنة مكتوبة تذكرها وكان قد نسيها. قوله وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى كقولهم «قد بين الصبح لذي عينين» وهو مثل في الأمر المنكشف الذي لا يخفى على أحد فعلى هذا يكون استعارة ولا يجب أن يراها كل أحد لأن الإخبار إنما وقع عن كونها بحيث لا تخفى على ذي بصر لا عن وقوع البصر. وقيل: إنها برزت الجحيم ليراها كل من له بصر وعلى هذا يجب أن يراها كل أحد إلا أن المؤمنين يمرون عليها كالبرق الخاطف، وأما الكافرون فيقعون فيها فكأنها برزت لأجلهم فقط، وبهذا الاعتبار قال في موضع آخر. وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ [الشعراء:
٩١] وقوله طَغى إشارة إلى فساد القوى النظرية فإن من عرف الله بالكمال عرف نفسه بالنقصان فلم يصدر عنه الطغيان. قوله وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا رمز إلى اختلال القوّة العملية فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة. واللام في الْمَأْوى للعهد الذهني أي مأواه اللائق به ولهذا استغنى عن العائد ولا حاجة إلى تكلف أن الألف، واللام بدل من الإضافة. قوله خافَ مَقامَ رَبِّهِ نقيض طغى. قوله وَنَهَى النَّفْسَ الأمارة وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا فهذا الشخص إذا كامل في قوّته النظرية والعملية. وتفسير خافَ مَقامَ رَبِّهِ قد مر في سورة الرحمن. وَنَهَى النَّفْسَ ضبطها وتوطينها على متاعب التكاليف من الأفعال والتروك.
ثم إن المشركين كانوا يسمعون النبي ﷺ يذكر الطامة والحاقة وغيرهما من أسماء القيامة فيسألون أَيَّانَ مُرْساها أي زمان إرسائها وهو إقامة الله إياها وقد مر في آخر «الأعراف». وعن عائشة رضي الله عنها لم يزل رسول الله ﷺ يذكر الساعة ويسأل عنها حتى نزلت. وقوله فِيمَ أَنْتَ على هذا تعجب من كثرة ذكره لها كأنه قيل: في أي شغل واهتمام أنت من ذكرها والسؤال عنها حرصا على جوابهم إلى ربك منتهى علمها لم يؤته أحدا من خلقه. ويجوز أن يكون قوله فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها من تتمة السؤال أي يسألونك
— 443 —
فيم أنت من العلم بها. ويحتمل أن يكون فيم إنكار سؤالهم أي فيم هذا السؤال. ثم قيل:
أنت من ذكراها أي إرسالك وأنت آخر الرسل وخاتم الأنبياء ذكر من أذكارها وعلامة من علاماتها فلا حاجة إلى الاستفهام عن وقتها بعد العلم باقترابها، فإن هذا القدر من العلم يكفي في وجوب الاستعداد لها بل لا يتم الغرض من التكليف إلا بإخفاء وقته كالموت إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ لا تتعداه إلى العلم بالغيب الذي العلم بالساعة جزئي منه. وخص الإنذار بأهل الخشية لأنهم المنتفعون بذلك. ثم أخبر أنهم حين يرون الساعة يستقصرون مدّة لبثهم في الدنيا. وقيل: في القبور. روى عطاء عن ابن عباس أن الهاء والألف صلة والمعنى لم يلبثوا إلا عشية أو ضحى. وقال النحويون: فيه إضمار والتقدير إلا عشية أو ضحى يوم تلك العشية على أن الإضافة في ضُحاها يكفي فيها أدنى ملابسة وهو هاهنا اجتماعهما في نهار واحد. قال صاحب الكشاف: فائدة الإضافة الدلالة على أن مدة لبثهم كانها لم تبلغ يوما كاملا. قلت: سلمنا أن هذه الفائدة مفهومة من عبارة القرآن إلا أنها تحصل أيضا بتقدير عدم الإضافة كما لا يخفى فلا يصح أن تسند الفائدة إلى الإضافة وحدها. فالوجه أن يقال: فائدة الإضافة أن يعلم أن مجموع مدة الدنيا في ظنهم كيوم واحد وزمان لبثهم في الدنيا كساعة منه عشية أو ضحاها نظيره قول القائل «ما سرت إلا عشية أو ضحى» فإنه لا يفهم منه إلا السير في بعض يوم ما، وقد تكون العشية من يوم والضحى من يوم آخر. ولو قال «إلا عشيته أو ضحاها» لم يمكن أن يكون السير إلا في أحد هذين الوقتين من يوم واحد. قال بعضهم: فائدة الترديد أن زمان المحنة يعبر عنه بالعشية وزمان الراحة يعبر عنه بالضحى فكأنه قيل: ما كان عمرنا في الدنيا إلا هاتين الساعتين. أقول: ويحتمل أن يقال إن مبدأ اليوم بليلته كان قبل شرعنا في أكثر الأديان من نصف النهار وقد صار المبدأ في شرعنا من أول الفجر وكأنهم حين أرادوا التعبير عن بعض اليوم. قالوا: إن كان المبدأ من نصف النهار فنحن لم نلبث إلا عشية وهو ما بعد الزوال إلى الغروب، وإن كان المبدأ من أول الفجر فلم نلبث إلا من الفجر إلى الضحى فلعل هذا هو السر في تقديم العشية على الضحى مع رعاية الفاصلة والله أعلم بأسرار كلامه.
— 444 —
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

1 مقطع من التفسير