ﰡ
قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» كلمة إذا استولت على قلب أزالت عنه أولا من الدارين أربه، ثم ألزمت على وجه التبعية حربه، ثم شرّفت من حيث الهمة طلبه.
قوله جل ذكره:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِراتِ زَجْراً (٢) فَالتَّالِياتِ ذِكْراً (٣) إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (٤)افتتح الله هذه السورة بالقسم بالصافات، وهم الملائكة المصطفّة في السماء وفي الهواء، وفي أماكنهم على ما أمرهم الحق- سبحانه- من المكان يلازموته، والأمر يعانقون يسبّحونه ويقدّسونه، وبما يأمرهم به يطيعونه.
«فَالزَّاجِراتِ زَجْراً» عطفهم على ما تقدّم بحرف الفاء وهم الملائكة الذين يزجرون السحاب. ويقال يزجرون الناس عن المعاصي. ويقال هي الخواطر الزاجرة عن المناهي.
«فَالتَّالِياتِ ذِكْراً» يقال «الصَّافَّاتِ» الطيور المصطفّة في السماء، «فَالتَّالِياتِ ذِكْراً» الملائكة يتلون كتاب الله، ويتلون الوحى على الأنبياء عليهم السلام.
«إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ» هذا هو المقسوم عليه.
أخبر أنه سبحانه واحد في ملكه، وذلك لأنهم تعجّبوا أن يقوم الواحد بجميع أحوال العالم. ومعنى كونه واحدا تفرّده في حقّه عن القسمة، وتقدّسه في وجوده عن الشبيه، وتنزّهه فى
قوله جل ذكره:
[سورة الصافات (٣٧) : آية ٥]
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ (٥)
مالك السماوات والأرض وما بينهما، وخالقهما، وأكساب العباد داخلة في هذا «١».
«وَرَبُّ الْمَشارِقِ» مشارق النجوم والشمس والقمر، ومشارق القلوب بشموسها وأقمارها ونجومها.
قوله جل ذكره:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٦ الى ٧]
إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (٦) وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (٧)
زيّن السماء الدنيا بالنجوم، وقلوب أوليائه بنجوم المعارف والأحوال، وحفظ السماوات بأن جعل النجوم للشياطين رجوما، وكذلك زيّن القلوب بأنوار التوحيد، فإذا قرب منها الشيطان رجمها بنجوم معارفهم.
قوله جل ذكره:
[سورة الصافات (٣٧) : آية ١٠]
إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ (١٠)
كذلك إذا اغتنم الشيطان من الأولياء أن يلقى إليهم شيئا من وساوسه تذكّروا، فإذا هم مبصرون، ورجعوا.. قال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا «٢» ».
قوله جل ذكره:
[سورة الصافات (٣٧) : آية ١١]
فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (١١)
(٢) آية ٢٠١ سورة الأعراف.
قوله جل ذكره:
[سورة الصافات (٣٧) : آية ١٢]
بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)
حقيقة التعجب تغير النفس مما لم تجر العادة بحدوث مثله. وتقرأ «٢» «عَجِبْتَ» بالفتح خطابا للرسول صلى الله عليه وسلم- وبالضم فكأن الحقّ يقول ذلك من قبل نفسه بل عجبت، ويقال ذلك بمعنى إكبار ذلك الشيء، إما في القدر، أو الإكثار في الذمّ أو في المدح.
قوله جل ذكره:
[سورة الصافات (٣٧) : آية ١٣]
وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (١٣)
إذا ذكروا بآياته يعرضون عن الإيمان بها والتفكّر فيها، ويقولون: ليس هذا الذي أتى به محمد إلا سحرا ظاهرا.
قوله جل ذكره:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٦ الى ١٩]
أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ (١٨) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩)
قالوا: أئذا متنا، تفرّقت أجزاؤنا، وصرنا رميما.. أإنا لمبعوثون؟ أو آباؤنا الأولون يبعثون كذلك؟ قالوه على جهة الاستبعاد فالمعرفة لهم مفقودة، والبصائر لهم مسدودة، وقلوبهم عن التوحيد مصدودة.
«قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ» قل لهم يا محمد نعم، وعلى وصف الصغر ما يبعثكم، وبزجرة واحدة يحشركم، بعد أن يقيم القيامة على جميعكم.
(٢) بالفتح قراءة أهل المدينة وأبى عمرو وعاصم. وبالضم قرامة عبد الله بن مسعود، والكوفين إلا عاصما.
والذين ينكرون الضم يرون أن الله لا يعجب من شىء، ولكن تخريج القشيري لذلك يكاد يكون سائغا، وقد اختاره بعض الأئمة كالبيهقى.
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٢٠ الى ٢١]
وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١)دعوا بالويل على أنفسهم! ويقال لهم: هذا يوم الفصل الذي كنتم تكذبون به، وقد عاينتموه اليوم.
قوله جل ذكره:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٢٢ الى ٢٧]
احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (٢٤) ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٧)
أراد بأزواجهم قرناءهم وأشكالهم ومن عمل مثل أعمالهم، ومن أعانهم على ظلمهم بقليل أو كثير.. وكذلك في هذه الطريقة: من أعان صاحب فترة في فترته، أو صاحب زلة على زلته- كان مشاركا له في عقوبته، واستحقاق طرده وإهانته.
قوله: «وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ» : مقام السؤال مقام صعب قوم يسألهم الملك وقوم يسألهم الملك فالذين تسألهم الملائكة أقوام لهم أعمال صالحة تصلح للعرض والكشف، وأقوام لهم أعمال لا تصلح للكشف، وهم قسمان: الخواصّ يسترهم الحقّ عن اطلاع الخلق عليهم في الدنيا والآخرة، وأقوام هم أرباب الزلات يرحمهم الله فلا يفضحهم، ثم إنهم يكونون في بعض أحوالهم بنعت الهيبة، وفي بعض أحوالهم بنعت البسط والقربة، وفي الخبر: «أن قوما يسترهم بيده ويقول تذكر غدا ربك» وهؤلاء أصحاب الخصوص في التحقيق: فأما الأغيار والأجانب والكفار فيقال لهم: «كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً» «١»، فإذا قرءوا كتابهم يقال لهم. من عمل هذا؟ وما جزاؤه؟
فيقولون: جزاؤه النار. فيقال لهم: أدخلوها بحكمكم.
ثم يقال لهم في بعض أحوال استيلاء الفزع عليهم:
قوله جل ذكره:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٣٣ الى ٣٤]
فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤)
يشتركون في العذاب ولكن تتفاوت أنصباؤهم، كما أنهم يشتركون في الزّلة ولكن تختلف مقادير زلاتهم.
قوله جل ذكره:
[سورة الصافات (٣٧) : آية ٣٥]
إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)
احتجابهم بقلوبهم أوقعهم في وهدة عذابهم ذلك لأنهم استكبروا عن الإقرار بربوبيته.
ولو عرفوه لافتخروا بعبوديته قال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ» «١»، وقال: َنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ»
«٢» فإنّ من عرف الله فلا لذة له إلا في طاعته، قال قائلهم.
ويظهر في الهوى عزّ الموالي | فيلزمنى له ذلّ العبيد |
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٣٦ الى ٣٨]
وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (٣٨).
(٢) آية ١٧٣ سورة النساء.
قوله جل ذكره:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٣٩ الى ٤٢]
وَما تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢)
الاستثناء راجع إلى قوله: إنكم لذائقوا العذاب الأليم ويقال الإخلاص إفراد الحقّ- سبحانه- بالعبودية، والذي يشوب عمله رياء فليس بمخلص.
ويقال: الإخلاص تصفية العمل عن ملاحظة المخلوقين، وفي الخبر: يا معاذ، أخلص العمل يكفيك القليل منه.
ويقال: الإخلاص فقد رؤية الأشخاص «١».
ويقال: هو أن يلاحظ محل الاختصاص.
ويقال: هو أن تنظر إلى نفسك بعين الانتقاص.
قوله جل ذكره: أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ لهم رزق معلوم لأوقات معينة، وفي وقت الرسول عليه السلام من كان له رزق معلوم كان من جملة المياسير، وهذه صفة أهل الجنة فلهم في الآخرة رزق معلوم لأبشارهم ولأسرارهم، فالأغنياء لهم رزق معلوم لأنفسهم «٢»، والفقراء «٣» لهم رزق معلوم لقلوبهم وأسرارهم.
فواكه وهم مكرمون: من ذلك ورود الرسول عليهم من قبل الله في كل وقت، وكذلك اليوم الخطاب وارد من الله على قلوب الخواص في كل وقت بكلّ أمر.
(٢) رزق النفوس لأغنياء الأموال.
(٣) وزرق القلوب لأرباب الأحوال.
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٤٣ الى ٤٦]
فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٤) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦)يستأنس بعضهم برؤية بعض، ويستروح بعضهم إلى لقاء بعض.
«يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ» شراب يوجب لهم الطّرب ولا وحشة هناك، شرابا يحضرهم ولا يسكرهم، لأنه قال:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٤٧ الى ٤٩]
لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)
فلا تغتال عقولهم، ولا تزيل حشمتهم، ولا ترفع عنهم هيبتهم فقوم يشربون وهم بوصف الستر، وآخرون يسقون في الحضور- وهم على نعت القرب.
«وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ» لا ينظرن إلى غير الوليّ «١»، ثم الوليّ قد ينظر إليهن، وفيهم من لا ينظر إليهن:
جننّا بليلى وهي جنّت بغيرنا | وأخرى بنا مجنونة لا نريدها |
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٥٠ الى ٥٥]
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٥٠) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤)
فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (٥٥)
يتذاكرون فيما بينهم، ويذكرون من معارفهم من لا يؤمن بالله، وما آمن به المؤمنون فيخلق الله لهم إطلاعا عليه وهم في النار يحترقون.
قوله جل ذكره:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٥٦ الى ٥٧]
قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)
قوله جل ذكره:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٦٠ الى ٦١]
إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (٦١)
يقال: بل الملائكة يقولون لهم هذا، ويقال: الحقّ- سبحانه- إذا أراهم مقامهم في الجنة يقول لهم: «لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ».
ويقال إن كان العابد يقول هذا، أو يقال له هذا إذا ظهرت الجنة فإنه إذا بدت شظية من الحقائق وتباشير الوصلة، أو ذرّة من نسيم القربة فبالحريّ أن يقول القائلون: لمثل هذه الحالة تبذل الأرواح.
على مثل سلمى يقتل المرء نفسه... وإن بات من سلمى على اليأس طاويا
وهاهنا تضيق العبارات، وتتقاصر الإشارات.
قوله جل ذكره:
[سورة الصافات (٣٧) : آية ٦٢]
أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢)
ذكر صفة هوان الأعداء، وما هم به من صفة المذلة والعذاب في النار من أكل الضريع، ومن شراب الزقوم التي هي في قبح صورة الشياطين، ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم...
إلى آخر القصة.
قوله جل ذكره:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٧٥ الى ٧٦]
وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)
رجع إلينا، فخاطبنا وخاطبناه، وكلمنا وكلمناه، ونادانا فناديناه، وكان لنا فكّنا له، وأجابنا فأجبناه.. فلنعم المجيب كان لنا ولنعم المجيبون كنّا له! «مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ» : شتان بين كرب نوح وبين كرب أهله!
وما يبكون مثل أخى ولكن | أعزّى النّفس عنه بالتأسى |
[سورة الصافات (٣٧) : آية ٧٧]
وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (٧٧)
لأنّ الناس كلهم من أولاد نوح، فإنّ من كان معه في السفينة لم يتناسلوا «١»
[سورة الصافات (٣٧) : آية ٧٨]
وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨)
يريد به قول الناس عنه إلى يوم القيامة.
قوله جل ذكره:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٨٣ الى ٨٤]
وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (٨٣) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤)
يعنى أنّ إبراهيم من شيعة نوح عليه السلام في التوحيد- وإن اختلفا في فروع شرعيهما.
«بِقَلْبٍ سَلِيمٍ» : لا آفة فيه. ويقال لديغ من المحبة. ويقال: سليم من محبة الأغيار. ويقال سليم من حظوظ نفسه وإرادته. ويقال: مستسلم لله في قضائه واختياره.
قوله جل ذكره:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٨٥ الى ٨٧]
إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٨٧)
سألهم على جهة الإنكار عليهم، والتنبيه لهم على موضع غلطتهم.
«فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ؟»
قوله جلّ ذكره:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٨٨ الى ٨٩]
فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)
قيل أراد «إلى» النجوم فأقام «فِي» مقام «إلى» «١».
«إِنِّي سَقِيمٌ» : كانت تأتيه الحمىّ في وقت معلوم، فقال: قرب الوقت الذي أسقم فيه من أخذ الحمىّ إياى، فكأنه تعلل بذلك ليتأخر عنهم عند ذهابهم إلى عيدهم لتمشية ما كان في نفسه من كسر الأصنام.
ويقال كان ذلك من جملة المعاريض. وقيل أرى من نفسه موافقة قولهم في القول بالنجوم لأنهم كانوا يقولون بالنجوم، فتأخر بهذا السبب عنهم «٢».
وكان إبراهيم في زمان النبوة فلا يبعد أنّ الله- عزّ وجلّ- قد عرّفه بطريق الوحى أنه يخلق- سبحانه- باختياره أفعالا عند حركات الكواكب.
ثم لمّا ذهبوا إلى عيدهم كسّر أصنامهم، فلمّا رجعوا قالوا ما قالوا، وأجابهم بما أجابهم به إلى قوله:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٩٧ الى ٩٨]
قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)
ردّ الله كيدهم إلى نحورهم. وقد تعرّض له جبريل- عليه السلام- وهو في
(٢) أرسل إليه ملكهم إن غدا عيدنا فاخرج معنا، فنظر إلى نجم طالع وقال: إن هذا يطلع مع سقمى- وكان علم النجوم مستعملا عندهم- فأراهم من معتقدهم عذرا لنفسه. وذلك أنهم كانوا أهل وعاية وفلاحة، وهاتان المعيشتان يحتاج فيهما إلى نظر في النجوم (القرطبي ص ٩٢ ج ١٥).
فأجاب: أمّا إليك.. فلا! قوله جل ذكره:
[سورة الصافات (٣٧) : آية ٩٩]
وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩)
يقال إنه طلب هداية مخصوصة لأنه كان صاحب هداية، إذ لو لم تكن له هداية لما ذهب إلى ربّه. ويحتمل أنه كان صاحب هداية في الحال وطلب الهداية في الاستقبال أي زيادة في الهداية، ويقال طلب الهداية على كيفية مراعاة الأدب في الحضور، ويقال طلب الهداية إلى نفسه لأنه فقد فيه قلبه ونفسه فقال سيهدينى إلىّ لأقوم بحقّ عبوديته فإن المستهلك في حقائق الجمع لا يصحّ منه أداء العبادة إلّا بأن يردّ إلى حالة التفرقة والتمييز.
ومعنى «إِلى رَبِّي» أي إلى المكان الذي يعبد فيه ربى.
ويقال أخبر عن إبراهيم أنه قال: «إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي» : فأخبر عن قوله.
وأخبر عن موسى فقال: «وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا»، فأخبر عن صفته لا عن قوله..
وقال في صفة نبينا صلى الله عليه وسلّم: «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ... »
[فأخبر عن ذاته سبحانه «١» ] وفصل بين هذه المقامات فإبراهيم كان بعين الفرق، وموسى بعين الجمع ونبينا كان بعين جمع الجمع.
قوله جلّ ذكره:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٠٠ الى ١٠١]
رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١)
لمّا قال «حَلِيمٍ» نبّه على أنه سيلقى من البلاء ما يحتاج إلى الحلم في تحمله..
[سورة الصافات (٣٧) : آية ١٠٢]
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢)
«فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ» إشارة إلى وقت توطين القلب على الولد، رأى إبراهيم- عليه السلام- أنه يؤمر بذبح ابنه إسماعيل «١» ليلة التروية، وسميت كذلك لأنه كان يروّى فى ذلك طول يومه. هل هو حقّ أم لا «٢» ؟. ثم إنه رأى في الليلة التالية مثل ذلك فعرف أن رؤياه حق، فسمى يوم عرفة.
وكان إسماعيل ابن ثلاث عشرة سنة، ويقال إنه رأى ذلك في النوم ثلاث مرات «٣» :
أن اذبح ابنك، فقال لإسماعيل: «يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى؟» فقال إسماعيل: «يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ» : أي لا تحكم فيه بحكم الرؤيا، فإنها قد تصيب وقد يكون لها تأويل، فإن كان هذا أمرا فافعل بمقتضاه، وإن كان لها تأويل فتثبت «٤»، فقد يمكنك ذبح ابنك كلّ وقت ولكن لا يمكنك تلافيه.
ويقال بل قال: أترك حديث الرؤيا واحمله على الأمر، واحمل الأمر على الوجوب، ثم احمله على الفور ولا تقصّر.
ويقال قال له: إن كان يطيب قلبك بأن تذبح ابنك لأجل الله فأنا يطيب قلبى أن يذبحنى أبى لأجل الله.
«وعن الأصمعى أنه قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح، فقال: يا أصمعى. أين عزب عنك عقلك! ومنى كان إسحاق بمكة؟ وإنما كان إسماعيل بمكة وهو الذي بنى البيت مع أبيه والمنحر بمكة». اه أما إسحق فكان ببيت المقدس.
(٢) مع أن ابراهيم أخذ يتساءل بينه وبين نفسه عن ذلك إلا أنه من الثابت أن الرسل يأتيهم الوحى أيقاظا ورقودا، فقلوبهم لا تنام، قال صلى الله عليه وسلم: «إنا معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا».
(٣) لأجل ذلك سميت الأيام الثلاثة على التوالي يو التروية ويوم عرفة ويوم النحر.
(٤) هكذا في م وهي في ص (قبلت) ونحن نرجح (فتثبت) بدليل ما بعدها لأنه بعد الذبح يكون قد قضى الأمر. ويأسى ابراهيم إن كان ذلك غير المراد.
ويقال في القصة: إنه رآه ذات يوم راكبا على فرس أشهب فاستحسنه، ونظر إليه قلبه، فأمر بذبحه، فلمّا أخرجه عن قلبه، واستسلم لذبحه ظهر الفداء، وقيل له كان المقصود من هذا فراغ قلبك عنه.
ويقال في القصة: أمر إسماعيل أباه أن يشدّ يديه ورجليه لئلا يضطرب إذا مسّه ألم الذّبح فيعاتب، ثم لمّا همّ بذبحه قال: افتح القيد عنى حتى لا يقال لى: أمشدود اليد جئتنى؟
وإنى لن أتحرك:
ولو بيد الحبيب سقيت سمّا... لكان السّمّ من يده يطيب
ويقال أيهما كان أشدّ بلاء؟ قيل: إسماعيل لأنه وجد الذّبح من يد أبيه، ولم يتعوّد من يده إلا التربية بالجميل، وكان البلاء عليه أشدّ لأنه لم يتوقع منه ذلك.
ويقال بل كان إبراهيم أشدّ بلاء لأنه كان يحتاج أن يذبح ابنه بيده ويعيش بعده.
«سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ» فلم يأت إسماعيل بالدعوى «١» بل تأدّب بلفظ الاستنشاء.
ويقال لو قال إسماعيل إمّا لا تقل: «يا بُنَيَّ» بهذه اللطافة، وإمّا لا تقل: «أَنِّي أَذْبَحُكَ» فإنّ الجمع بينهما عجيب! قوله جل ذكره:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٠٣ الى ١٠٧]
فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)
قيل في التفاسير إنه كان يمرّ بالسكين على حلقه والسكين لا يقطع، فتعجّب ابراهيم، فنودى: يا إبراهيم كان المقصود من هذا استسلامكما.
ويقال إن الله ستر عليهما علم ما أريد منهما في حال البلاء، وإنما كشف عنهما بعد مضىّ وقت المحنة لئلا يبطل معنى الابتلاء... وهكذا يكون الأمر عند البلاء تنسدّ الوجوه
ولكن مع استعجام الحال واستبهامه، إذ لو كشف الأمر على صاحبه لم يكن حينئذ بلاء قال تعالى: - «إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ» قيل كان فداء الذبيح يربّى في الجنة قبله بأربعين خريفا.
والناس فى «الْبَلاءُ» على أقسام: فبلاء مستعصب وذلك صفة العوام، وبلاء مستعذب وذلك صفة من يستعذبون بلاياهم، كأنهم لا ييأسون حتى إذا قتلوا.
قوله جل ذكره:
[سورة الصافات (٣٧) : آية ١١٢]
وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)
وكلّ هذا بعد البلاء قال تعالى: «إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً».
قوله جل ذكره:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١١٤ الى ١١٨]
وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨)
منّ عليهما بالنبوة، وبالنجاة من فرعون وقومه، وبنصرته عليهم.
«وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ» يعنى التوراة.
«وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ» بالتبري عن الحوّل والقوة، وشهود عين التوحيد.
«وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ».
ثم قال جل ذكره:
[سورة الصافات (٣٧) : آية ١٢٣]
وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)
«إِلْياسَ» : قيل هو إدريس، وقيل غيره، وكان بالشام، واسم صنمهم «بعل»،
قوله جل ذكره:
[سورة الصافات (٣٧) : آية ١٣٣]
وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣)
مضت قصته وكيف نجّى أهله إلا امرأته التي شاركتهم في عصيانهم، فحقّ العذاب عليها مثلما عليهم «١».
قوله جل ذكره:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٣٩ الى ١٤٦]
وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣)
لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦)
فكان في أول أمره يطلب الاستعفاء من النبوة، ولكن لم يعف، ثم استقبله ما استقبله، فلم يلبث حتى رأى نفسه في بطن الحوت في الظلمة: - «فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ» أي بما يلام عليه، والحقّ- سبحانه- منزّه عن الحيف في حكمه إذ الخلق خلقه، ثم الله راعى حقّ تعبّده، وحفظ ذمام ما سلف له في أداء حقّه فقال: - «فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ» فإن كرم العهد فينا من الإيمان، وهو منّا من جملة الإحسان، «فالمؤمن قد أخذ من الله خلقا حسنا» - بذلك ورد الخبر.
«فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ» «سَقِيمٌ» : فى ضعف من الحال لما أثّر من كونه قضى وقتا في بطن الحوت.
«وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ» لتظلّه، فإنه كان في الصحراء وشماع الشمس كان يضرّه، وقيّض له الله ظبية ذات ولد كانت تجيء فيرضع من لبنها، فكأنّ الحقّ أعاده إلى حال الطفولية. ثم إنه رحمه، ورجع إلى قومه، فأكرموه وآمنوا به، وكان الله قد كشف عنهم العذاب، لأنهم حينما خرج يونس من بينهم ندموا وتضرّعوا إلى الله لمّا رأوا أوائل العذاب قد أظلّتهم،
ويقال: الذّنب والجرم كانا من قومه، فهم قد توعّدوا بالعذاب. وأمّا يونس فلم يكن قد أذنب ولا ألمّ بمحظور، وخرج من بينهم، وكشف الله العذاب عنهم، وسلموا.. واستقبل يونس ما استقبله بل أنه قاسى اللتيا والتي بعد نجاته ويا عجبا من سرّ تقديره! فقد جاء في القصة أن الله سبحانه- أوحى إلى يونس بعد نجاته أن قل لفلان الفخّار حتى يكسر الجرار التي عملها في هذه السنة كلّها! فقال يونس: يا رب، إنه قطع مدة في إنجاز ذلك، فكيف آمره بأن يكسرها كلّها؟
فقال له: يا يونس، يرقّ قلبك لخزّاف يتلف عمل سنة.. وتريدنى أن أهلك مائة ألف من عبادى؟! يا يونس، إنك لم تخلقهم، ولو خلقتهم لرحمتهم «١».
قوله جل ذكره:
[سورة الصافات (٣٧) : آية ١٤٩]
فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩)
لمّا قالوا في صفة الملائكة إنهم بنات الله بيّن الله قبح قولهم، فقال: سلهم من أين قالوا؟ وبأى حجّة حكموا بما زعموا؟ وأي شبهة داخلتهم. ثم إنهم كانوا يستنكفون من البنات، ويؤثرون البنين عليهن.. ومع كفرهم وقبيح قولهم وصفوا القديم- سبحانه- بما استنكفوا منه لأنفسهم! قوله جل ذكره:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٦١ الى ١٦٣]
فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (١٦١) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ (١٦٢) إِلاَّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (١٦٣).
قوله جل ذكره:
[سورة الصافات (٣٧) : آية ١٦٤]
وَما مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)
الملائكة لهم مقام معلوم لا يتخطّون مقامهم، ولا يتعدّون حدّهم، والأولياء لهم مقام] «٢» مستور بينهم وبين الله لا يطلع عليه أحدا، والأنبياء لهم مقام مشهور مؤيّد بالمعجزات الظاهرة لأنهم للخلق قدوة فأمرهم على الشّهر، وأمر الأولياء على السّتر.
قوله جل ذكره:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٧١ الى ١٧٣]
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣)
أي سبقت كلمتنا لهم بالسعادة، وتقدّم حكمنا لهم بالولاية والرعاية، فهم من قبلنا منصورون: - «إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ» من نصره لا يغلب، ومن قهره لا يغلب.
(١) تتجلى براعة القشيري في التقاط نماذج من القصص تخدم فكرته العامة بخصوص تأميل العصاة، وإفساح باب التوبة أمامهم | على عكس بعض الباحثين الذين لا يهمهم إلا التخويف والتبشيع، والتهويل والإقناط. |
وجنده الذين نصبهم لنشر دينه، وأقامهم لنصر الحقّ وتبيينه | من أراد إذلالهم فعلى أذقانه يخرّ، وفي حبل هلاكه ينجرّ. |
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٧٤ الى ١٧٧]
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧)
تولّ عنهم- يا محمد- إلى أن تنقضى آجالهم، وتنتهى أحوالهم. وانتظر انقضاء أيامهم، فإنه سينصرم حديثهم وشيكا: - «أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ».
(٢) ما بين القوسين الكبيرين جاء في م وسقط في ص.
قوله جل ذكره:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٨٠ الى ١٨٢]
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٢)
«سُبْحانَ رَبِّكَ» : تقديسا له، وسلام على أنبيائنا، «وَالْحَمْدُ لِلَّهِ» : أي هو المحمود على ما ساء أم سرّ، نفع أم ضرّ.