ﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦ

قوله تعالى : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن الآية قال أبو بكر : قد بينا فيما سلف قَوْلَ من قال : إن الفرض الأوّل كان صوم ثلاثة أيام من كل شهر ؛ بقوله : كتب عليكم الصيام ، وقوله تعالى : أياما معدودات ، وأنه نسخ بقوله : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن . وقَوْلَ من قال : إن شهر رمضان بيان للموجب بقوله : كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم وقوله : أياما معدودات فيصير تقديره " أياماً معدودات هي شهر رمضان " فإن كان صوم الأيام المعدودات منسوخاً بقوله : شهر رمضان إلى قوله : فمن شهد منكم الشهر فليصمه فقد انتظم قوله : شهر رمضان نَسْخَ حكمين من الآية الأولى، أحدهما : الأيام المعدودات التي هي غير شهر رمضان، والآخر : التخيير بين الصيام والإطعام في قوله : وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ، على نحو ما قدَّمنا ذكره عن السلف، وإن كان قوله : شهر رمضان بياناً لقوله : أياماً معدودات فقد كان لا محالة بعد نزول فرض رمضان التخييرُ ثابتاً بين الصوم والفدية في أول أحوال إيجابه، فكان هذا الحكم مستقرّاً ثابتاً، ثم ورد عليه النسخ بقوله : فمن شهد منكم الشهر فليصمه ؛ إذْ غير جائز ورودُ النسخ قبل وقت الفعل والتمكُّن منه. والصحيح هو القول الثاني، لاسْتِفَاضَةِ الرواية عن السَّلَفِ بأن التخيير بين الصوم والفدية كان في شهر رمضان وأنه نسخ بقوله : فمن شهد منكم الشهر فليصمه .
فإن قيل : في فحوى الآية دلالة على أن المراد بقوله : أياما معدودات غير شهر رمضان، لأنه لم يَرِدْ إلاّ مقروناً بذكر التخيير بينه وبين الفدية، ولو كان قوله : أياماً معدودات فرضاً مُجْمَلاً موقوفَ الحكم على البيان لما كان لذكر التخيير قبل ثبوت الفرض معنى، قيل له : لا يمتنع ورودُ فَرْضٍ مجملاً مضمناً بحكم مفهوم المعنى موقوف على البيان، فمتى ورد البيان بما أُرِيدَ منه كان الحكمُ المضمن به ثابتاً معه، فيكون تقديره : أياماً معدودات حكمها إذا بين وقتها ومقدارها أن يكون المخاطبون به مخبرين بين الصوم والفدية كما قال تعالى : خذ من أموالهم صدقةً تطهرهم [ التوبة : ١٠٣ ] فاسم الأموال عمومٌ يصحّ اعتباره فيما عُلِّقَ به من الحكم، والصدقة مجملة مفتقرة إلى البيان ؛ فإذا ورد بيان الصدقة كان اعتبار عموم اسم الأموال سائغاً فيها، ولذلك نظائر كثيرة. ويحتمل أن يكون قوله : وعلى الذين يطيقونه متأخراً في التنزيل وإن كان مقدَّماً في التلاوة، فيكون تقدير الآيات وترتيب معانيها :" أياما معدودات هي شهر رمضان، ومن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر، وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين " فيكون هذا حكماً ثابتاً مستقرّاً مدة من الزمان، ثم نزل قوله : فمن شهد منكم الشهر فليصمه فنسخ به التخيير بين الفدية والصوم على نحو ما ذكرنا في قوله عز وجل : وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة [ البقرة : ٦٧ ] مؤخراً في اللفظ، وكان ذلك يَعْتَوِرُهُ مَعْنيان، أحدهما أنه وإن كان مؤخَّراً في التلاوة فهو مقدَّم في التنزيل، والثاني : أنه معطوف عليه بالواو وهي لا توجب الترتيب، فكأن الكل مذكور معاً. فكذلك قوله : أياماً معدودات إلى قوله : شهر رمضان يحتمل ما احتملته قصة البقرة.
وأما قوله : فمن شهد منكم الشهر فليصمه ففية عدة أحكام ؛ منها : إيجاب الصيام على من شهد الشهر دون من لم يشهد، فلو كان اقتصر على قوله : كتب عليكم إلى قوله : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن لاقْتَضَى ذلك لزوم الصوم سائر الناس المكلفين، فلما عقب ذلك بقوله : فمن شهد منكم الشهر فليصمه بيَّن أن لزوم صوم الشهر مقصورٌ على بعضهم دون بعض، وهو من شهد الشهر دون من لم يشهَدْهُ. وقوله تعالى : فمن شهد منكم الشهر يَعْتَوِرُهُ معانٍ، منها : من كان شاهداً يعني مقيماً غير مسافر، كما يقال للشاهد والغائب المقيم والمسافر، فكان لزوم الصوم مخصوصاً به المقيمون دون المسافرين. ثم لو اقتصر على هذا لكان المفهومُ منه الاقتصار بوجوب الصوم عليهم دون المسافرين، إذ لم يُذكروا، فلا شيء عليهم من صوم ولا قضاء، فلما قال تعالى : ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر بيَّن حكم المريض والمسافر في إيجاب القضاء عليهم إذا أفطروا، هذا إذا كان التأويل في قوله : فمن شهد منكم الشهر الإقامة في الحَضَرِ. ويحتمل قوله : فمن شهد منكم الشهر فليصمه أن يكون معنى شَاهَدَ الشهر أي عَلِمَهُ، ويحتمل قوله : فمن شهد منكم الشهر فمن شَهِدَهُ بالتكليف، لأن المجنون ومَنْ لَيْسَ من أهل التكليف في حكم من ليس بموجود في انتفاء لزوم الفرض عنه، فأطلق اسم شهود الشهر عليهم وأراد به التكليف، كما قال تعالى : صمّ بكم عمي [ البقرة : ١٨، ١٧١ ] لما كانوا في عدم الانتفاع بما سمعوا بمنزلة الأصمّ الذي لا يسمع سمّاهم بُكْماً عُمْياً، وكذلك قوله : إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب [ ق : ٣٧ ] يعني عقلاً، لأن من لم ينتفعْ بعقله فكأنه لا قلب به، إذْ كان العقلُ بالقلب ؛ فكذلك جائز أن يكون جَعَل شُهُودَ الشهر عبارةً عن كونه من أهل التكليف، إذ كان من ليس من أهل التكليف بمنزلة من ليس بموجود فيه في باب سقوط حكمه عنه.
ومن الأحكام المستفادة بقوله : فمن شهد منكم الشهر فليصمه غير ما قدمنا ذكره تعيين فرض رمضان، فإن المراد بشهود الشهر كونه فيه من أهل التكليف، وأن المجنون ومن ليس من أهل التكليف ؛ غير لازم له صوم الشهر. والله أعلم بالصواب.

باب ذكر اختلاف الفقهاء فيمن جن في رمضان كله أو بعضه


قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزُفر والثوري :" إذا كان مجنوناً في رمضان كله فلا قضاء عليه، وإن أفاق في شيء منه قضاه كله ". وقال مالك بن أنس فيمن بلغ وهو مجنون مطبق فمكث سنين ثم أفاق " فإنه يقضي صيام تلك السنين ولا يقضي الصلاة ". وقال عبيدالله بن الحسن في المعتوه يفيق وقد ترك الصلاة والصوم " فليس عليه قضاء ذلك " وقال في المجنون الذي يجن ثم يفيق أو الذي يصيبه المِرَّة ثم يفيق :" أرى على هذا أن يقضي ". وقال الشافعي في البويطي :" ومن جُنَّ في رمضان فلا قضاء عليه، وإن صحّ في يوم من رمضان قبل أن تغيب الشمس كذلك لا قضاء عليه ".
قال أبو بكر : قوله تعالى : فمن شهد منكم الشهر فليصمه يمنع وجوب القضاء على المجنون الذي لم يفق في شيء من الشهر، إذْ لم يكن شَاهَدَ الشهرَ، وشهوده الشهر كونه مكلَّفاً فيه، وليس المجنون من أهل التكليف لقوله عليه السلام :" رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ : عَنِ النَّائم حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ ".
فإن قيل : إذا احتمل قوله فمن شهد منكم الشهر فليصمه شهوده بالإقامة وترك السفر دون ما ذكرتَهُ من شهوده بالتكليف، فما الذي أوجب حمله على ما ادعيت دون ما ذكرنا من حال الإقامة ؟ قيل له : لما كان اللفظُ محتَملاً للمعنيين وهما غير متنافيين بل جائزٌ إرادتهما معاً وكونهما شرطاً في لزوم الصوم، وَجَبَ حمله عليهما ؛ وهو كذلك عندنا لأنه لا يكون مكلَّفاً بالصوم غير مرخص له في تركه إلا أن يكون مقيماً من أهل التكليف، ولا خلاف أن كونه من أهل التكليف شرطٌ في صحة الخطاب به، وإذا ثبت ذلك ولم يكن المجنون من أهل التكليف في الشهر ؛ لم يتوجّه إليه الخطاب بالصوم، ولم يلزمه القضاء. ويدلّ عليه ظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم :" رُفع القلمُ عن ثلاثة : عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصغير حتى يحتلم "، ورَفْعُ القلم هو إسقاط التكليف عنه. ويدلّ عليه أيضاً أن الجنون مَعْنى يستحقّ به الولاية عليه إذا دام به، فكان بمنزلة الصغير إذا دام به الشهر كله في سقوط فرض الصوم. ويفارق الإغماء هذا المعنى بعينه لأنه لا يستحق عليه الولاية بالإغماء وإن طال، وفَارَقَ المغمى عليه المجنونَ والصغير، وأشْبَهَ الإغماءُ النَّوْمَ في باب نَفْي ولاية غيره عليه من أجله.
فإن قيل : لا يصحّ خطاب المغمى عليه كما لا يصح خطاب المجنون، والتكليف زائل عنهما جميعاً، فوجب أن لا يلزمه القضاء بالإغماء. قيل له : الإغماء وإن منع الخطاب بالصوم في حال وجوده ؛ فإن له أصلاً آخر في إيجاب القضاء، وهو قوله : ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر وإطلاق اسم المريض على المغمى عليه جائز سائغ، فوجب اعتبار عمومه في إيجاب القضاء عليه وإن لم يكن مخاطباً به حال الإغماء ؛ وأما المجنون فلا يتناوله اسم المريض على الإطلاق، فلم يدخل فيمن أوجب الله عليه القضاء. وأما من أفاق من جنونه في شيء من الشهر، فإنما ألزموه القضاء بقوله : فمن شهد منكم الشهر فليصمه وهذا قد شهد الشهر، إذْ كان من أهل التكليف في جزء منه، إذ لا يخلو قوله : فمن شهد منكم الشهر أن يكون المراد به شهود جميع الشهر أو شهود جزء منه ؛ وغير جائز أن يكون شرط لزوم الصوم شهود الشهر جميعه من وجهين، أحدهما : تناقض اللفظ به، وذلك لأنه لا يكون شاهداً لجميع الشهر إلا بعد مُضِيِّه كله، ويستحيل أن يكون مُضِيُّه شرطاً للزوم صومه كله، لأن الماضي من الوقت يستحيل فعل الصوم فيه، فعلمنا أنه لم يُرِدْ شهود الشهر جميعه. والوجه الآخر : أنه لا خلاف أن من طرأ عليه شهر رمضان وهو من أهل التكليف أن عليه الصوم في أول يوم منه لشهوده جزء طرأ من الشهر، فثبت بذلك أن شرط تكليف صوم الشهر كونه من أهل التكليف في شيء منه.
فإن قيل : فواجب إذا كان ذلك على ما وصفْتَ من أن المراد إدراك جزء من الشهر أن لا يلزمه إلاّ صوم الجزء الذي أدركه دون غيره، إذ قد ثبت أن المراد شهود بعض الشهر شرطاً للزوم الصوم، فيكون تقديره : فمن شهد بعض الشهر فليصم ذلك البعض.
قيل له : ليس ذلك على ما ظننتَ، مِنْ قِبَلِ أنه لولا قيام الدلالة على أن شرط لزوم الصوم شهود بعض الشهر لكان الذي يقتضيه ظاهر اللفظ استغراق الشهر كله في شرط اللزوم، فلما قامت الدلالة على أن المراد البعض دون الجميع في شرط اللزوم حملناه عليه وبقي حكم اللفظ في إيجاب الجميع إذْ كان الشهر اسماً لجميعه، فكان تقديره : فمن شهد منكم شيئاً من الشهر فليصم جميعه.
فإن قيل : فإذا أفاق وقد بقيت أيامٌ من الشهر، يلزمك أن لا توجب عليه قضاء ما مضى لاستحالة تكليفه صوم الماضي من الأيام، وينبغي أن يكون الوجوب منصرفاً إلى ما بقي من الشهر قيل له : إنما يلزمه قضاء الأيام الماضية لا صومها بعينها، وجائز لزوم القضاء مع امتناع خطابه بالصوم فيما أُمر به من القضاء، ألا ترى أن الناسي والمغمَى عليه والنائم كلّ واحد من هؤلاء يستحيل خطابه بفعل الصوم في هذه الأحوال، ولم تكن استحالة تكليفهم فيها مانعة من لزوم القضاء ؟ وكذلك ناسي الصلاة والنائم عنها، فإن الخطاب بفعل الصوم يتوجه إليه على معنيين، أحدهما : فِعْلُهُ في وقت التكليف، والآخر : قضاؤه في وقت غيره، وإن لم يتوجه إليه الخطاب بفعله في حال الإغماء والنسيان. والله أعلم.

باب الغلام يبلغ والكافر يُسْلم في بعض رمضان


قال الله تعالى :{ فمن شهد منكم الشهر فليصم

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

الجصاص

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير