ﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦ

وقوله تعالى: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ أي: الصوم خيرٌ لكم، فالجملة ابتداء وخبر.
والمعنى: والصوم خيرٌ لكم من الإفطار والفدية، وهذا إنما كان خيرًا لهم قبل النسخ، وبعد النسخ فلا يجوز أن يقال: الصوم خيرٌ من الإفطار والفدية (١).
١٨٥ - قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الآية، الشهر: مأخوذ من الشهرة، تقول شَهَرَ الشيء يَشْهَرُه شَهْرًا: إذا أظهره، وسمي الشَّهْرُ شهرًا لشهرة أمره في حاجة الناس إليه في معاملاتهم، ومحل ديونهم، وقضاء نسكهم في صومهم وحجهم وغير ذلك من أمورهم.
قال الليث: والشهر: ظهور الشيء، وسمي (٢) الهلال شهرًا، قال ابن الأعرابي: لأنه يشهر به (٣).

= عمم بقوله: فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا، فلم يخصص بعض معاني الخير دون بعض، فإن جمع الصوم مع الفدية من تطوع الخير، وزيادة مسكين على جزاء الفدية من تطوع الخير، وجائز أن يكون الله -تعالى ذكره- عنى بقوله: فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا، أيَّ هذه المعاني تطوع به المفتدي من صومه فهو خير له؛ لأن كل ذلك من تطوع الخير ونوافل الفضل. وقد ذكر ابن العربي ١/ ٨٠ قول من قال: (فمن تطوع)، أي: زاد على طعام مسكين، وقيل: من صام، وهذا ضعيف؛ لقوله تعالى بعد ذلك: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ. معناه: الصوم خير من الفطر في السفر، وخير من الإطعام، وتحقيق ذلك أن الصوم الفرض خير من الإطعام النفل، والصدقة النفل خير من الصوم النفل.. اهـ
(١) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢٥٣.
(٢) في (م): (ويسمى).
(٣) نقله عنه في "اللسان" ٤/ ٢٣٥١ (شهر).

صفحة رقم 569

وقال الزجاج: سمي الهلال شهرًا لشُهْرتِه وبيانه (١).
وقال بعضهم: سُمي الشهر شهرًا باسم الهلال إذا أهلّ سمي شهرًا. والعرب تقول: رأيتُ الشَّهْرَ، أي: رأيت هلاله، قال ذو الرمة:
يرى الشَّهْرَ قَبْلَ الناسِ وهو بخيلُ (٢)
وقد أَشْهَرْنا، أي: أتى علينا شَهْرٌ.
قال الفراء: ولم أسمع منه فعلًا إلا هذا (٣). وارتفع على البدل من الصيام، كأن المعنى: كتب عليكم شَهْرُ رمضانَ. ويجوز أن يكون ابتداءً، وخَبرُه الذي مع صلته، كقولك: زيد الذي في الدار (٤).
وقال الأخفش: ارتفع على أنه خبر ابتداء محذوف، المعنى: هي شهر رمضان (٥)؛ لأن قوله: شَهْرُ رَمَضَانَ تفسيرٌ للأيام المعدُودات، وتبيين لها، ونحو هذا قال الفراء (٦)، أراد: ذلكم شهر رمضان، الصيام شهر رمضان، أي: صيامه كما قال في: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا [النور: ٢] أي: فيما فرض عليكم الزانية والزاني، أي: حكمهما، وكذلك: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا قال: والأشبه أن يكون الَّذِي وصفًا، ليكون النص قد وقع على الأمر بصيام الشهر، يعنى: أَنَّكَ إن جعلت الذي خبرًا

(١) من "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢٥٩، ونقله عنه في "اللسان" ٤/ ٢٣٥١ (شهر).
(٢) البيت في "ديوانه" ص ٥٦١، وورد في "البحر المحيط": نحيل.
(٣) ينظر في معاني الشهر: "تفسير الطبري" ٢/ ١٤٤، "تفسير الثعلبي" ٢/ ٢٦٤، "المفردات" ص ٢٧٣، "اللسان" ٤/ ٢٣٥١ (شهر).
(٤) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢٥٣.
(٥) "معاني القرآن" للأخفش ١/ ٣٥٢.
(٦) "معاني القرآن" للفراء ١/ ١١٢.

صفحة رقم 570

لم يكن شهر رمضان منصوصًا على صومه بهذا (١) اللفظ، إنما يكون مخبرًا عنه بإنزال القرآن فيه، قال: وإذا جعلت الذي وصفًا كان حقُّ النظر أن يكنى عن الشهر في قوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ كقولك: شهر رمضان المبارك من شهده فليصمه، قال: وهذا كقوله: الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ [الحاقة: ١ - ٢] و الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ [القارعة: ١ - ٢] ونحو ذلك، يعنى: أن ذكر الابتداء أعيد ولم يُكْنَ عنه للتعظيم، كذلك في هذه. والفاء في قوله: فَمَنْ شَهِدَ داخل على خبر الابتداء، وليس من حق خبر الابتداء (٢) دخول الفاء عليه. ونذكر الكلام فيه إذا انتهينا إليه (٣).
و رَمَضَانَ لا ينصرف للتعريف وزيادة الألف والنون، مثل: عثمان وسَعْدان. واختلفوا في اشتقاق رَمَضَانَ، فقال بعضهم: هو مأخوذ من الرمض، وهو حرُّ الحِجَارة من شدّة حَرِّ الشمس، والاسم: الرَمْضَاء، رَمِضَ الإنسان رَمَضًا: إذا مشى على الرَمضاء، والأرض رَمِضة، فسُمي هذا الشهر رمضان؛ لأن وجوبَ صَومه وافقَ بشِدَّة الحرّ، وهذا القول حكاه الأصمعي عن أبي عمرو (٤).
وحكي عن الخليل أنه قال: مأخذه من الرَّمَضي (٥)، وهو من السَحَاب

(١) في (ش): (فهذا).
(٢) في (م): (المبتدأ).
(٣) ينظر: "معاني القرآن" للفراء ١/ ١١٢ - ١١٣، "تفسير الطبري" ٢/ ١٤٦ - ١٤٩، "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢٥٣، "تفسير الثعلبي" ٢/ ٢٦٣، "التبيان" ص١١٨، "البحر المحيط" ١/ ٣٨ - ٣٩، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٢٣٨.
(٤) رواه الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ٢٦٧، وقد ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" ٢/ ١٤٦٨ (رمض) ولم ينسبه لأحد.
(٥) عند الثعلبي: (الرمض).

صفحة رقم 571

والمطر: ما كان في آخرِ القَيْظ وأول الخريف، سمّي رمَضيًا لأنه يُدرِك سخونةَ الشمس وحَرَّها، فسمي هذا الشهر رمضان؛ لأنه يغسل (١) الأبدان من الآثام (٢).
وقيل: هو من قولهم: رمَضتُ النصْلَ أرمِضُه رَمْضًا: إذا دقَقْتَه بين حجرين ليرقَّ، ونصل رَميض ومَرْمُوض، فسمي هذا الشهر رمضان لأنهم كانوا يرمُضُون فيه أسلحتهم، ليقضوا منها أوطارهم في شوالٍ قبل دخول الأشهر الحرم، وهذا القول يُحْكَى عن الأزهري (٣)، وعلى القولين الأولين يجب أن يكون هذا الاسم إسلاميًا، وقبل الإسلام لا يكون له هذا الاسم، وعلى ما حكاه الأزهري، الاسم جاهلي (٤).
وروي مرفوعًا أن النبي - ﷺ - قال ذات يوم لأصحابه: "أتدرون لم سمي شعبان؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "لأنه يشعب (٥) فيه خير كثير لرمضان"، أتدرون لم سُمي رمضان؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "لأنه يرمض الذنوب" (٦). والإرماض: الإحراق.

(١) في (م): زيادة (لأنَّ وجوب صومه يغسل).
(٢) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ٢٦٩، وعزاه الأزهري في "تهذيب اللغة" ٢/ ١٤٦٩ (رمض) إلى أبي عمرو.
(٣) لم يذكره في "تهذيب اللغة" ٢/ ١٤٦٨، وذكره أبو حيان في "البحر المحيط" ٢/ ٢٦، ولم ينسبه لأحد.
(٤) ينظر في رمضان: "تفسير الطبري" ٢/ ١٤٤، "تهذيب اللغة" ٢/ ١٤٦٨ - ١٤٦٩، "المفردات" ص٢٠٩، "اللسان" ٣/ ١٧٣٠، "البحر المحيط" ٢/ ٢٦ (رمض).
(٥) سقطت من (ش).
(٦) أخرجه ابن الشجري في "أماليه" ٢/ ١٠٢.

صفحة رقم 572

وروى سلمة عن الفراء، يقال: هذا شهر رمضان، وهما شهرا ربيع، ولا يُذكَر الشهرُ مع سائر أسماء الشهور العربية (١)، ونحو هذا يروى عن مجاهد (٢)، أنه كره أن يقال: رمضان.
وروى أنس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تقولوا رمضان، انسبوه كما نسبه الله في القرآن، فقال: شهر رمضان" (٣).
وقوله تعالى: أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ قال ابن عباس: أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ في ليلة القدر من شهر رمضان، فوضع في

(١) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" ٢/ ١٤٦٩، وزاد، يقال: هذا شعبان قد أقبل، وكذا في "اللسان" ٣/ ١٧٣٠ (رمض).
(٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٢/ ١٤٤، ورواه ابن أبي حاتم عن جماعة منهم مجاهد ومحمد بن كعب القرظي، وقال ابن أبي حاتم ١/ ٣١٠: ورخص فيه ابن عباس وزيد بن ثابت.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" عن أنس ٢/ ٢٦٥، وليس في شئ من المصادر الحديثية عن أنس، بل روى من حديث أبي هريرة وابن عمر وعائشة - رضي الله عنها - عند ابن عدي في "الكامل" ٧/ ٥٣، والبيهقي ٤/ ٢٠١ والجوزقاني في "الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير" ٢/ ٨٨، وابن أبي حاتم ١/ ٣١٠، وحكم ابن الجوزي عليه في "الموضوعات" ٢/ ١٨٧ بأنه موضوع لا أصل له، وقال المعلمي في تعليقه على "الفوائد المجموعة" ص ٨٧ موضوع بلا ريب، وضعفه القرطبي في "تفسيره" ٢/ ٢٧٨، وقال: والصحيح جواز إطلاق رمضان من غير إضافة كما ثبت في الصحاح وغيرها.
روى مسلم (في الصيام، باب: فضل شهر رمضان برقم ١٠٧٩)، عن أبي هريره أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا جاء رمضان فتحت أبواب الرحمة، وغلقت أبواب النار، وصُفِّدت الشياطين". ورواه البخاري برقم [١٨٩٨] ثم ذكر القرطبي آثارًا كثيرة كلها بإسقاط الشهر.

صفحة رقم 573

بيت العزة في سماء الدنيا، ثم نزل به جبريل على محمد - ﷺ - نجومًا (١) عشرين سنة (٢).
وقال سفيان بن عيينة: أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ معناه: أنزل في فضله القرآن. وهذا اختيار الحسين بن الفضل، قال: ومثله: أن تقول: أنزل في الصديق كذا آية، تريد في فضله (٣).
وقال ابن الأنبارى: أنزل في فرضه وإيجاب صومه على الخلق القرآن. كما تقول: أنزل الله في الزكاة كذا وكذا تريد في فرضها، وأنزل في الخمر كذا تريد في تحريمها (٤). فأما (٥) القرآن فهو اسم لكلام الله تعالى

(١) سقطت من (ش).
(٢) رواه أبو عبيد في "فضائل القرآن" ٣٦٧، والنسائي في "تفسيره" ٢/ ١٣١، والحاكم ٢/ ٢٤٢، وصححه، والبيهقي في "دلائل النبوة" ٧/ ١٣١، والطبري ٢/ ١٤٤ - ١٤٥، وابن الضريس في "فضائل القرآن" ص ١٢٥، والطبراني في "الكبير" ١١/ ٣٠٥، والثعلبي في "تفسيره" ٢/ ٢٦٩، وصحح إسناده الحافظ في "الفتح" ٩/ ٤.
قال القرطبي: "ولا خلاف أن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ ليلة القدر جملة واحدة، فوضع في بيت العزة في سماء الدنيا ثم ذكر قول مقاتل: أنزل من اللوح المحفوظ كل عام ليلة القدر إلى سماء الدنيا قلت: وقول مقاتل هذا خلاف ما نقل من الإجماع" انتهى كلامه.
(٣) ذكره الرازي عن سفيان ٥/ ٨٥، "البحر المحيط" ٢/ ٣٩.
(٤) نسب ابن الجوزي هذا القول في "زاد المسير" ١/ ١٨٥، وأبو حيان في "البحر المحيط" ٢/ ٣٩ إلى مجاهد والضحاك، وذكر ابن الجوزي قولًا ثالثًا نسبه إلى ابن إسحاق وأبي سليمان الدمشقي، وهو أن القرآن ابتدئ بنزوله فيه على النبي - ﷺ -.
(٥) في (م): (وأما).

صفحة رقم 574

واختلفوا (١) في اشتقاقه وهمزه، فقرأه أبن كثير بغير همز (٢).
أخبرنا سعيد بن العباس القرشي (٣) كتابة، ثنا أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهري، ثنا محمد بن يعقوب المعقلي، عن محمد بن عبد الله ابن عبد الحكم (٤)، أن الشافعي، رحمه الله، كان يقول: القرآن اسم، وليس بمهموز، ولم يؤخذ من قرأت، ولكنه اسم لكتاب الله، مثل التوراة والإنجيل، قال: ويهمز قرأت ولا يهمز القرآن، كما تقول: وإذا قرأت القرآن (٥). وقول الشافعي: إنه اسم لكتاب الله يشبه أنه ذهب إلى أنه ليس

(١) ينظر في هذه المسألة "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٩١٢، "التفسير الكبير" ٥/ ٨٦، "تفسير القرطبي" ٢/ ٢٧٨، "اللسان" ٦/ ٣٥٦٣ "قرأ"، "الإتقان" للسيوطي ١/ ١٤٦، "البرهان" للزركشي ١/ ٢٧٧.
(٢) قرأ ابن كثير بنقل حركة الهمزة إلى الراء، وحذف الهمزة في الحالين، وكذلك حمزة عند الوقف، وليس لورش فيه توسط ولا مد؛ نظرا للساكن الصحيح الذي قبل الهمز، وهكذا كل ما جاء من لفظه في القرآن معرَّفا أو منكرا. ينظر: "النشر" ٢/ ٢٢٦، "البدور الزاهرة" ص ٥٦، وقال الأزهري في "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٩١٢ (قرأ): وقال أبو بكر بن مجاهد المقرئ: كان أبو عمرو بن العلاء لا يهمز القرآن، وكان يقرؤه كما روي عن ابن كثير.
(٣) هو: سعيد بن العباس بن محمد بن علي القرشي الهروي، قدم بغداد حاجا، وحدث عن أبي حامد بن حسنويه وأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري وغيرهم، توفي سنة ٤٣٣ هـ. ينظر: "السير" ١٧/ ٥٥٢ - ٥٥٣، "تاريخ بغداد" ٩/ ١١٣ - ١١٤.
(٤) هو: شيخ الإسلام المصري الفقيه، كان عالم الديار المصرية في عصره مع المزني كان أعلم بمذهب مالك وأحفظهم له، وكان عارفا بأقوال الصحابة والتابعين، له مصنف في أدب القضاة، توفي سنة ٢٦٨ هـ. ينظر: "السير" ١٢/ ٤٩٧، "وفيات الأعيان" ٤/ ١٩٣، "تقريب التهذيب" (٦٠٢٨).
(٥) ذكره الأزهري بسنده في "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٩١٢ (قرأ)، والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" ٢/ ٦٢، ونقله عن الواحدي: الرازي في "تفسيره" ٥/ ٨٦.

صفحة رقم 575

بمشتق، وقد قال بهذا جماعة، قالوا: إنه اسمُ كلامِه، يجرى مجرى الأعلام في أسماء غيره، كما قيل في اسم الله: إنه غير مشتق، من معنى يجرى مجرى اللقب في صفة غيره (١).
وذهب آخرون إلى أنه مأخوذ من قَرَنْتُ الشيءَ بالشيء: إذا ضممت أحدَهما إلى الآخر، فسمي لاقتران السور والآيات والحروف، ولأن العبارة عنه: قرن بعضه إلى بعض. فهو مشتق من قرن. والاسم: قران غير مهموز، كما يقال: خرج، والاسم خُراج، ومن هذا يقال للجمع بين الحج والعمرة: قران (٢).
وذكر الأشعري (٣) رحمه الله هذا المعنى في بعض كتبه فقال: إن كلام (٤) الله يسمى قُرآنًا؛ لأن العبارةَ عنه قرن بعضه إلى بعض (٥).

(١) نقل ذلك الرازي في "تفسيره" ٥/ ٨٦، وقال بعده: وذهب آخرون إلى أنه مشتق، واعلم أن القائلين بهذا القول منهم من لا يهمزه ومنهم من يهمزه، أما الأولون فلهم فيه اشتقاقان: أحدهما أنه مأخوذ من قرنت.
(٢) نقله عن الواحدي: الزركشي في "البرهان" ١/ ٢٧٨.
(٣) هو: علي بن إسماعيل بن أبي بشر، أبو الحسن تتلمذ في العقائد على الجبائي زوج أمه، وبرع في علمي الكلام والجدل على طريقة المعتزلة، ثم رجع فرد عليهم، وشُهر بمذهب ينسب إليه، وقيل إنه رجع بعده إلى مذهب السلف، له: "مقالات الإسلاميين"، و"الإبانة"، توفي سنة ٣٢٤ هـ. ينظر: "شذرات الذهب" ٢/ ٣٠٣، "الأعلام" ٤/ ٢٦٣.
(٤) في (م): (كتاب).
(٥) نقله عن الواحدي: الزركشي في "البرهان" ١/ ٢٧٨. وهذا مذهب الأشاعرة واعتقاد السلف إثبات صفة الكلام لله تعالى على الوجه اللائق به سبحانه من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل على حد قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١].

صفحة رقم 576

وقال الفراء: ظن أن القرآن سمي من القرائن، وذلك أن الآيات يصدق بعضها بعضًا، ويشبه بعضها بعضًا، فهي قرائن، فمذهب هؤلاء أنه غير مهموز (١).
وأما الذين همزوا اختلفوا، فقالت طائفة: إنه مصدر القراءة.
قال أبو الحسن اللحياني (٢) (٣): يقال: قرأت القرآن، فأنا أقرأه قَرْأً (٤) وقراءةً وقرآنًا، وهو الاسم، قوله: وهو الاسم يعني: أن القرآن يكون مصدرًا لقرأت، ويكون اسمًا لكتاب الله، ومثل القرآن من المصادر: الرُّجْحَان والنُّقْصَان والخُسْران والغُفْران (٥)، قال ابن مقبل (٦):
يُقَطِّعُ اللَّيلَ تسبيحًا وقرآنًا (٧)
أي: قراءة، هذا هو الأصل، ثم المقروء، ويسمي قرآنًا لأن المفعول يسمى بالمصدر، كما قالوا للمشروب: شراب، وللمكتوب: كتاب، واشتهر هذا الاسم في المقروء حتى إذا طرق الأسماع سبق إلى القلوب أنه المقرُوء، ولهذا لا يجوز أن يقال: القرآن مخلوق مع كون القراءة مخلوقةً؛

(١) ينظر: "التفسير الكبير" ٥/ ٨٦.
(٢) هو: علي بن المبارك، وقيل ابن حازم، أبو الحسن اللحياني، تقدم.
(٣) "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٩١٢ (قرأ).
(٤) في (م): (قراء).
(٥) ينظر: "التفسير الكبير" ٥/ ٨٦، "اللسان" ٦/ ٣٥٦٣ (قرأ).
(٦) هو: الشاعر تميم بن أبي بن مقبل العجلاني، تقدم.
(٧) صدر البيت:
ضحوا بأشمط عنوان السجود به
والبيت لحسان بن ثابت في رثاء الخليفة عثمان - رضي الله عنه - كما في "المغني" ١/ ٢١٨، رقم ٣٦٣، "البحر المحيط" ٢/ ٣٢، ومعنى الأشمط: شيب اللحية.

صفحة رقم 577

لأن القرآن أشهر تسمية للمقروء (١).
وقال أبو إسحاق الزجاج (٢): معنى قرآن معنى الجمع، يقال: ما قَرَأَتْ هذا الناقة سلًا قط، إذا لم يَضْطَم رحمها على ولد، وهذا مذهب أبي عبيدة (٣)، قال: إنما سُمي القرآن قرآنًا لأنه يجمع السور ويضمها، وأصل القرآن: الجمع، وأنشد قول عمرو:
هِجَان اللون (٤) لم تَقْرأْ جَنِينَا (٥)
أي: لم تجمع في رحمها ولدًا، ومن هذا الأصل: قُرء المرأة، وهو أيام اجتماع الدم في رحمها.
وقال قُطْرب (٦) في (القرآن) قولين:
أحدهما: ما ذكرنا وهو قول أبي إسحاق وأبي عبيدة.
والثاني: أنه سُمي قرآنًا؛ لأن القارئ يُظهرُه ويبينه ويلقيه من فيه، أخذ من قول العرب: ما قَرَأَتِ الناقة سلًا قَط، أي: ما رمت بولد، ونحو

(١) "التفسير الكبير" ٥/ ٨٦، "تفسير القرطبي" ٢/ ٢٧٨.
(٢) "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٩١٣، وينظر: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣٠٥.
(٣) ينظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ١/ ١ - ٤، "التفسير الكبير" ٥/ ٨٦، "البرهان" للزركشي ١/ ٢٧٧، "اللسان" ٦/ ٣٥٦٣.
(٤) في (م): (اللون).
(٥) البيت لعمرو بن كلثوم في معلقته وأوله:
ذِراعَيْ حُرَّةٍ أَدْماءَ بَكْرٍ
وينظر: "شرح المعلقات العشر" ١١١، "الجمهرة" ٧٦، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ١/ ٢ "لسان العرب" (مادة: قرأ)، و"تفسير القرطبي" ٣/ ١١٤، "معاني القرآن" للزجاج ١/ ١٧٠.
(٦) "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٩١٢، "التفسير الكبير" ٥/ ٨٦.

صفحة رقم 578

هذا قال أبو الهيثم واللّحياني، أي: ما أسقطت ولدًا قَط، وما طرَحت، وتأوِيلُه: ما حَمَلَتْ قَطّ. وأنشد قول حميد:

أَرَاها الوليد أن الخلا فتشذّرتْ مرَاحًا ولم يقرأ (١) جنينًا ولا دمَا (٢)
قال: معناه: لم ترمِ بجنين، وسمي قرء المرأة من هذا على مذهب أهل العراق، والقرآن يلفظه القارئ من فيه ويلقيه، فسمي قرآنًا، ومعنى قرأت القرآن: لفظت به مجموعًا (٣).
قال أبو إسحاق: وهذا القول ليس بخارج من الصحة وهو حسن. قَرَأْتُه أي: جَمَعْتُه (٤).
فبيّن على هذا أنه اسمٌ منقول من اسمِ هذا الحدث، كما أن قولنا: (زيد) في اسم رجل منقول من مصدر زاد يزيد، فأما دخول لام التعريف فيه بعد النقل فكدخوله في الحارث والعباس والفضل بعد النقل.
ومذهب الخليل وسيبويه في هذه الأسماء التي يسمى بها، وفيها الألف واللام: أنها بمنزلة صفات غالبةٍ، كالنابغة والصَّعِق، وهذا فيما ينقل من الصفات، فأما الفضل فإنما (٥) دخله الألف واللام لأنه (٦) أيضًا
(١) في (ش): (تقرأ).
(٢) البيت لحميد بن ثور في "ديوانه" ص ٢١، "لسان العرب" ٦/ ٣٥٦٥ (قرأ).
(٣) "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٩١٢، "اللسان" ٦/ ٣٥٦٥.
(٤) "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٩١٢.
(٥) في (م): (فإنه).
(٦) في (م): (فإنه).

صفحة رقم 579

على (١) وعلى هذا دخلت اللام في قولنا: القرآن، ومن هذه الأسماء ما يكون اللام فيه تعريفًا ثانيًا، كما قالوا في اسم الشمس: إلاهة والإلاهة (٢)، ومنها ما يكون اللام فيه زائدة، نحو قوله:
يا ليت أم العمرو كانت صاحبي (٣)
قال: وقول من يقول: إنّ القرآن غير مهموز من قَرَنْتُ الشيء بالشيء سهو، وإنما هو تخفيف الهمزة ونقل حركتها إلى الساكن قبلها، فصار اللفظ به كفُعَال، من قرنت، وليس منه، ألا ترى أنك لو سميت رجلًا بقُرَان (٤) مخفف الهمزة لم تصرفه في المعرفة، كما لا تصرف عثمان، ولو أردت به فعالا من قرنت لا تصرف في المعرفة والنكرة، ذكر ذلك أبو علي في المسائل الحلبية (٥).
وقوله تعالى: هُدًى لِلنَّاسِ أي: هاديًا، وهو حال قد سَدّ مَسَدّ المفعول الثاني لأنزل (٦)، و بَيِّنَاتٍ عطف على قوله هُدًى،

(١) بياض في نصف سطر في نسخة (أ) (م) وفي نسخة (ش) الكلام متصل كما هو مثبت والكلام غير واضح.
(٢) سقطت من (ش).
(٣) عجزالبيت:
مكان من أشتى على الركائب
ولم يعرف قائل هذا الرجز، والبيت ورد في "الأغفال" ١/ ٢٦٧، "المخصص" ١/ ١٦٨، "الإنصاف" ص ٢٧٢، "تهذيب اللغة" ٢/ ١٣٤٧، "الصحاح" ٣/ ١٦٩، "اللسان" ٢/ ١٥٦٣ (ربع). وانظر ص ٤٨ من هذا المجلد.
(٤) في (ش): (بقرأت).
(٥) "المسائل الحلبية" ص ٢٩٧، وينظر: "البرهان" للزركشي ١/ ٢٧٨.
(٦) ينظر: "معاني القرآن" للأخفش ١/ ١٥٩، "تفسير الثعلبي" ٢/ ٢٧٨، "البحر المحيط" ٢/ ٤٠.

صفحة رقم 580

وتأويله: أنزل القرآن بيانًا للناس (١).
والبيِّنَات: جَمْعُ بينة، يقال: بانَ الشيءُ يبين بيانًا فهو بين، مثل: بيِّع بمعنى بايع. والبيِّنات: الواضحات (٢).
وقوله تعالى: مِنَ الْهُدَى يريد: من الحلال والحرام والحدود والأحكام.
وذكرنا معنى الفرقان في قوله: وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ [البقرة: ٥٣]، قال عطاء عن ابن عباس في قوله: وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى: يريد: من الرشاد إلى مرضاة الله، وَالْفُرْقَانِ يريد: فرّق فيه بين الحق والباطل، وبيّن لكم ما تأتون وما تَذَرُونُ.
وقوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ زعم الأخفش والمازني: أن الفاء ههنا زائدة، وذلك أن الفاء تدخل للعطف أو للجزاء أو زيادة، وليس للعطف ولا للجزاء ههنا مذهب (٣)، ومن زيادة الفاء: قوله: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ [الجمعة: ٨] وقول الشاعر:

لا تجزعي إِنْ مُنْفِسًا أهلكته وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي (٤)
ألا ترى أن إحدى الفاءين لا تكون إلا زائدة؛ لأن (إذا) إنما تقتضى جوابًا واحدًا.
(١) ينظر: "البحر المحيط" ٢/ ٤٠.
(٢) ينظر: "تفسير البغوي" ١/ ١٩٩.
(٣) نقله عنه في "التفسير الكبير" ٥/ ٨٧ - ٨٨، والعكبري في "التبيان" ص ١١٧، ١١٨.
(٤) البيت للنمر بن تولب في "ديوانه" ص ٧٢، وانظر: "لسان العرب" ٨/ ٤٥٠٣ (نفس).

صفحة رقم 581

قال أبو علي: ولا يمتنع (١) أن يكون دخول الفاء لمعنى الجزاء؛ لأن شهر رمضان وإن كان معرفة فليس معرفة (٢) بعينه (٣)، ألا ترى أنه شائع في جميع هذا القبيل، لايراد به واحدٌ بعينه، فلا يمتنع من أجل ذلك من معنى الجزاء، كما يمتنع ما يشار به إلى واحد مخصوص، ومن ثم لم يمتنع ذلك في صفة الموت في قوله: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ [الجمعة: ٨]، لأن الموت ليس يراد به موتٌ بعينه، إنما يراد به الشِّيَاع ومعنى الجنس وخلاف الخصوص، والجزاءُ بوجبُ الشِّياع والإبهام واستغراق الجميع، ويكون التقدير فيه: الذي أنزل فيه القرآن من هذه الشهور التي سمي الواحد منها رمضان فمن شهده فليصمه (٤).
وقوله تعالى: شَهِدَ أي: حضر. ومعنى الشهود في اللغة: الحضور (٥)، ومفعول شهد محذوف؛ لأن المعنى: فمن شَهِدَ منكم البلد أو بيته، يعنى: لم يكن مُسَافرًا (٦).

(١) في (ش): (لا يمتنع).
(٢) ليست في (أ) و (م).
(٣) في (ش): (معينة).
(٤) ينظر: "التفسير الكبير" ٥/ ٨٨، قال: وأقول: يمكن أن يقال الفاء هاهنا للجزاء، فإنه تعالى لما بين كون رمضان مختصًا بالفضيلة العظيمة التي لا يشاركه سائر الشهور فيها، فبين أن اختصاصه بتلك الفضيلة يناسب اختصاصه بهذه العبادة، ولولا ذلك لما كان لتقديم بيان تلك الفضيلة هاهنا وجه، كأنه قيل: لما علم اختصاص هذا الشهر بهذه الفضيلة فأنتم أيضا خصوه بهذه العبادة.
(٥) ينظر: "التبيان" ص ١١٥، "البحر المحيط" ٢/ ٤١.
(٦) المراجع السابقة.

صفحة رقم 582

وقوله تعالى: الشَّهْرَ انتصابه على الظرف، ولا يجوز أن يكون مفعولًا به؛ لأنه ما من أحدٍ غَابَ أو حضر إلّا وهو يشهد الشهر، لكن المعنى: من شهد منكم بيته في الشهر (١)، ولا بد أيضًا من إضمار حال الشاهد وصفته، التي بوجودها يجب الصوم، وهو أن يقال: من شهد منكم الشهر عاقلًا بالغًا مقيمًا صحيحًا (٢).
قوله: فَلْيَصُمْهُ، قال ابن عباس وأكثر أهل التأويل: معناه: فليصم ما شَهِدَ منه؛ لأنه إن سافر في حال الشهر كان له الإفطار (٣).
وذهب طائفة إلى أنه إذا شهد أول الشهر مقيمًا ثم سافر لم يحل له الإفطار. وهو قول النخعي (٤) والسُدي (٥) وابن سيرين (٦) ومذهب

(١) "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٢٣٨، "الكشاف" ١/ ١١٤، "البحر المحيط" ١/ ٤١، قال: وقيل: انتصاب الشهر على أنه مفعول به، وهو على حذف مضاف، أي: فمن شهد منكم دخول الشهر عليه، وهو مقيم لزمه الصوم، ثم قال: وقيل: التقدير: هلال الشهر، وهذا ضعيف؛ لأنك لا تقول: شهدت الهلال، إنما تقول: شاهدت، ولأنه كان يلزم الصوم من كل من شهد الهلال وليس كذلك.
(٢) ينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ١٤٨، "أحكام القرآن" للجصاص ١/ ١٨٣، "تفسير الثعلبي" ٢/ ٢٩٨.
(٣) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" ٣/ ١٨، والطبري ٢/ ١٤٦، والبيهقي ٤/ ٢٤٦، وذكرها الثعلبي ٢/ ٣٠٠، وابن العربي في "أحكام القرآن" ١/ ٨٢، والقرطبي ٢/ ٢٩٩، وروى الطبري في "تفسيره" عن ابن عباس ما يوافق القول الثاني ٢/ ١٤٧.
(٤) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٢/ ١٤٧، وذكره ابن أبي حاتم ١/ ٣١٢.
(٥) رواه عنه الطبري ٢/ ١٤٦، وذكره ابن أبي حاتم ١/ ٣١٢.
(٦) رواه عنه عبد الرزاق في "المصنف" ٤/ ٢٦٩، وابن أبي شيبة في "المصنف" ٣/ ١٨، والطبري ٢/ ١٤٦، ١٤٧، وقد ذكره من روايته عن عبيدة السلماني عن علي مرة، وعن عبيدة مرة أخرى.

صفحة رقم 583

جماعة (١)
وقوله تعالى: وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ أعاد هاهُنا تخييرَ المريض والمسافر وترخيصهما في الإفطار؛ لأن الله تعالى ذكر في الآية الأولى تخيير المقيمين بقوله: فَلْيَصُمْهُ، فلو اقتصر على هذا لاحتمل أن يعود النسخ إلى تخيير الجميع، فأعاد بعد النسخ ترخيصَ المسافر والمريض؛ ليعلم أنه باق على ما كان (٢).
والمرض الذي يبيح الإفطار هو كل مرض كان الأغلبُ من أمر صاحبه بالصوم الزيادةَ في علته زيادةً لا يحتمله، والأصل فيه: أنه إذا أجهده الصوم أفطر (٣).

(١) وممن حكي عنه هذا: علي وعائشة وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم، وعبيدة السلماني وسعيد بن جبير وابن الحنفية وسويد بن غفلة وعلي بن الحسين ومجاهد والشعبي وأبو مجلز، وغيرهم. تنظر الروايات عنهم في: "تفسير الطبري" ٢/ ١٤٦، ١٤٧، ابن أبي حاتم ١/ ٣١٢، "تفسير الثعلبي" ٢/ ٢٩٨، وقال ابن العربي في أحكام القرآن ١/ ٨٣: وقد سقط القول الأول -يعني: قول هؤلاء- بالإجماع من المسلمين كلهم على الثاني، وكيف يصح أن يقول ربنا: (فمن شهد منكم الشهر فليصم منه ما لم يشهد)، وقد روي أن النبي - ﷺ - (سافر في رمضان فصام حتى بلغ الكَديد فأفطر وأفطر المسلمون). رواه البخاري برقم (٢٩٥٣) كتاب الجهاد والسير، باب: الخروج في رمضان، ومسلم برقم (١١١٣) كتاب الصيام، باب: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر.. ، وقال جمهور الأمة: (من شهد أول الشهر وآخره فليصم ما دام مقيما، فإن سافر أفطر)، وهذا هو الصحيح، وعليه تدل الأخبار الثابتة. وينظر: "المغني" ١/ ٣٤٣ - ٣٤٤، "تفسير ابن كثير" ١/ ٢٣١.
(٢) ينظر: "تفسير البغوي" ١/ ١٩٩.
(٣) ينظر: "أحكام القرآن" للشافعي ص ١٢١، "تفسير الثعلبي" ٢/ ٣٠٤، "أحكام =

صفحة رقم 584

وحدُّ السَّفَرِ الذي يبيح الإفطار (١): ستة عشر فرسخا (٢) فصاعدًا. والإفطار رخصة من الله للمسافر، فمَنْ (٣) أَفْطَرَ فبرخصة الله أخذ، ومن صام ففرضه أدّى، على هذا عامة الفقهاء (٤). ومن أجهده الصوم في السفر كره له ذلك (٥)، وفي مثل هذا: جاء ما روي أنه - ﷺ - قال: "ليس من البر الصوم في

= القرآن" لابن العربي ١/ ٧٧، "تفسير القرطبي" ٢/ ١٥٦ - ١٥٧، "المغني" ٤/ ٤٠٣، وذكر الطبري في "تفسيره" ٢/ ١٥٠ أقوال العلماء في المرض الذي يبيح الفطر، فذكر ثلاثة أقوال: الأول: هو الذي لا يطيق معه صاحبه القيام لصلاته، ورواه عن الحسن وإبراهيم النخعي. والثاني: كل مرض كان الأغلب من أمر صاحبه بالصوم الزيادة في علته زيادة غير محتملة، ونسبه للشافعي. الثالث: كل مرض يسمى مرضا، ونسبه لمحمد بن سيرين، ورجح أن من أجهده الصوم جهدا غير محتمل من المرض فله الفطر. وذكر القرطبي أن الجمهور يرون أن من كان به مرض يؤلمه ويؤذيه أو يخاف تماديه أو يخاف تزيده صح له الفطر، وقد ذكر قبل ذلك أن للمريض حالتين: إحداهما: أن لا يطيق الصوم بحال، فعليه الفطر واجبا. والثانية: أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة، فهذا يستحب له الفطر، ولا يصوم إلا جاهل. وهذا من كلام ابن العربي في "الأحكام" ١/ ٧٧.
(١) اختلف العلماء في حد السفر الذي يبيح الفطر على أقوال كثيرة. ينظر: "تفسير الثعلبي" ٢/ ٣٢٧، "المغني" ٣/ ١٠٥ - ١١٠، ٤/ ٣٤٥، "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ٧٧، "تفسير القرطبي" ٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨، والذي في البخاري: كان ابن عمر وابن عباس يفطران ويقصران في أربعة برد، وهي "ستة عشر فرسخا".
(٢) الفرسخ: ثلاثة أميال هاشمية، والميل: ستة آلاف ذراع، والذراع: أربعة وعشرون أصبعا معتدلة معترضة أي: أن طول الفرسخ نحو ٦ كلم. ينظر: "المجموع شرح المهذب" ٤/ ١٩٠، "القاموس" ٣٢٩، "المكاييل والأوزان الإسلامية وما يعادلها في النظام المتري" ص ٩٤.
(٣) في (أ)، (م): (ومن).
(٤) ينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ١٥٣، "تفسير الثعلبي" ٢/ ٣١١، "المغني" ٤/ ٤٠٦.
(٥) ينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ١٥٥، "تفسير الثعلبي" ٢/ ٣١٨ - ٣٢٢، "تفسير القرطبي" ٢/ ٢٦٠.

صفحة رقم 585

السفر" (١) يريد: لمن يشق عليه ويجهده.
وذهب قومٌ من الصَّحَابة إلى أن الإفطار في السفر واجب (٢).
وقوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ أي: بالرخصة للمسافر والمريض (٣). واليُسْر في اللغة: معناه: السهولة، ومنه يقال للغِنَى والسَّعَة: اليَسَار؛ لأنه يتسهل به الأمور، واليد اليُسْرى قيل: على التفاؤل باليسر، وقيل: لأنه يتسهل الأمر بمعاونتها اليمنى (٤).
وقوله تعالى: وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ لأنه لم يشدد ولم يضيق عليكم. وهذه الإرادة ونفي الإرادة تختص بالأحكام لأهل الإسلام (٥) (٦). قال الحسين بن الفضل: يريد الله أن يكون أمره بالصوم عليكم ميسَّرًا، ولم يرد أن يكون أمره بالصوم عليكم مُعَسَّرًا (٧).
وقوله تعالى: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ذكرنا معنى العدة (٨)، والمدةُ من الأيام تسمى عِدَّة، قال أبو زيد: يقال انقضت عدة الرجل إذا انقضى

(١) أخرجه البخاري (١٩٤٦) (كتاب الصوم)، باب: قول النبي - ﷺ - لمن ظلل عليه واشتد الحر، ومسلم (١١١٥) (كتاب الصيام)، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر. من حديث جابر وقد روي من حديث أبي سعيد وأنس.
(٢) ينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ١٥٢ حيث روى ذلك عن عمر وأبي هريرة وعروة بن الزبير، "تفسير الثعلبي" ٢/ ٣٠٥، "المغني" ٤/ ٤٠٦، "تفسير ابن كثير" ١/ ٢٣١.
(٣) "تفسيرالثعلبي" ٢/ ٣٢٧.
(٤) ينظر: "المفردات" ص ٥٥٣، "اللسان" ٨/ ٤٩٥٧ - ٤٩٦٠ (يسر).
(٥) في (أ)، (م): لأهل (الأحكام) سلام.
(٦) "تفسيرالثعلبي" ٢/ ٣٢٨.
(٧) لم أجده.
(٨) تقدم معنى العدة في الآية السابقة.

صفحة رقم 586

أجله (١).
قال عطاء عن ابن عباس: ولتكملوا عدة أيام الشهر، إن كان ثلاثين قضيتم ثلاثين، وإن كان تسعًا وعشرين قضيتم تسعًا وعشرين، عددًا (٢) بعدد (٣). وروي عنه أيضا يعني: عدة ما أفطرتم، يوما مكان يوم. رواه الكلبي عن أبي صالح عنه (٤)، فحمل ابن عباس إكمال العدة في الروايتين على قضاء رمضان (٥).
ومعنى الواو في قوله: وَلِتُكْمِلُوا على هذا التفسير: العطف على معنى الكلام لا على ظاهر اللفظ، وذلك أن في إباحته الإفطار للمريض والمسافر تسهيل، فتأويل الكلام: فعل الله ذلك ليسهل عليكم، ولتكملوا العدة إذا أقمتم وبرأتم، والعرب ربما تحمل الكلام على المعاني وتترك اللفظ، أنشد الزجاج (٦):

بادَت وغُيِّر آيُهنّ مع البلى إلا رَواكدَ جمرهُن هباءُ
ومشججٌ أما سواءُ قذاله فبدا وغيّبَ سارَه المَعْزَاءُ (٧)
(١) ينظر: "اللسان" ٥/ ٢٨٣٤ (عدد).
(٢) روى الطبري ٢/ ١٥٦، ١٥٧، أثرين عن الضحاك وابن زيد بمعنى ما ذكر.
(٣) تقدم الحديث عن رواية عطاء ص ٩٢.
(٤) تقدم الحديث عن رواية الكلبي ص ٩٢.
(٥) ينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ١٥٦، ١٥٧، "تفسير الثعلبي" ٢/ ٣٣٠، "تفسير أبي المظفر السمعاني" ٢/ ١٧٤.
(٦) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢٥٤، وينظر: "التفسير الكبير" ٥/ ٩٢.
(٧) البيت لشماخ بن ضرار، في ملحق "ديوانه" ص ٤٢٧ - ٤٢٨، ولذي الرمة في ملحق "ديوانه" ص ١٨٤٠ - ١٨٤١، "لسان العرب" ٤/ ٢١٩٧. والرواكد: الأثافي، والمَعْزاء بفتح الميم: الأرض الغليظة الصلبة. والمشج: الوتد، والقذال: أعلاه،=

صفحة رقم 587

فعطف المشجج على معنى: بها رواكِد ومشجج؛ لأنه لما قال: بادت إلا رواكد ومشجج علم أن المعنى بقيت رواكدُ ومشجج (١).
واحتج ابن الأنباري لهذه الطريقة بقول الشاعر:

قد سالَمَ الحياتُ منه القَدَما الأُفْعُوانَ والشُّجَاع الشَّجْعَما (٢)
رد الأفعوان والشجاع على الحيات بالنصب، وهي مرفوعة على تغليب المعنى وتحلية (٣) اللفظ؛ لأن الحيات إذا سالمت القدم فقد سالمتها القدم. قال: ويحتمل أن تكون الواو عاطفة على مضمر في الكلام يدل عليه المعنى، والتأويل: يريد الله بكم اليُسر، ولا يريد بكم العسر، ليسعدكم ولتكملوا العدة، فحذفت اللام الأولى لوضوح معناها، وبقيت الثانية منعطفة عليها؛ لأن قيام معناها في الكلام يجري مجرى إظهارها.
واختار الفراء هذا القول، وقال: معنى الآية: ولتكملوا العدة في قضاء ما أفطرتم، والواو واو استئناف، واللام من صلة فعل مضمر بعدها، والتقدير: ولتكملوا العدةَ فعلَ ذلك، أو شرع ذلك، أي: الرخصة في الإفطار. ومثله: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ
= وساره: سائره. وهذا البيت من شواهد "الكتاب" لسيبويه ١/ ١٧٣ - ١٧٤.
(١) زيادة يقتضيها الكلام، من "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢٥٤.
(٢) اختلف في قائل هذا الرجز، فنسب في "اللسان" ٤/ ٢٢٠١ (شجع) إلى مساور بن هند، ويقال هو لأبي حيان الفقعسي، وفي "كتاب سيبويه" ١/ ١٤٥، لعبد بني عبس، ونسبه الأعلم للعجاج، وفي "شرح شواهد المغني" للسيوطي ص ٣٢٩ قال: هو من أرجوزة لأبي حيان الفقعسي، وقيل. لمساور بن هند العبسي، وبه جزم البطليوسي، وقيل: للعجاج، وقال السيرافي: قائله التدمري، وقال الصغاني: قائله عبد بني عبس، انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص ١٩٥.
(٣) في (أ): (تخلية).

صفحة رقم 588

الْمُوقِنِينَ} [الأنعام: ٧٥]، أي وليكون من الموقنين أريناه ذلك، وروي عن ابن عباس أيضا ما يدل على أن المراد بإكمال العدة إكمالها في الأداء لا في القضاء، وهو أنه قال في قوله وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ يعني: عدة أيام الشهر (١). وتقدير الآية على هذا التفسير: يريد الله بكم اليُسر ولا يريد بكم العُسْر، ويريد لتكملوا العدة. والمفسرون على أن المراد به إكمالُ العِدّة في القضاء (٢).
وفي قوله: وَلِتُكْمِلُوا، قراءتان: التخفيف والتشديد (٣)، فمن خَفَّفَ فلقوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (٤) [المائدة: ٣]، وقد قال امرؤ القيس:

طوالُ المتون والعرانين والقنا لِطافُ الخُصور في تمام وإكمال (٥)
ومن شدَّدَ فلأن فَعَّل وأفعل يتعاقبان في أكثر الأحوال، كما ذكرنا في وصَّى وأوصى (٦).
وقال النابغة:
(١) "معاني القرآن" للفراء ١/ ١١٣ - ١١٤، وينظر: "التفسير الكبير" ٥/ ٩٢، واختار هذا الطبري في "تفسيره" ٢/ ١٥٧.
(٢) هذا من رواية عطاء وقد تقدم الحديث عنها، ونسبه الثعلبي ٢/ ٣٢٩، البغوي ١/ ٢٠١ لعطاء.
(٣) ينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ١٥٧، وابن أبي حاتم ١/ ٣١٣، والبغوي ١/ ٢٠١، "المحرر الوجيز" ٢/ ١١٤، ١١٥، "تفسير ابن كثير" ١/ ٢٣٢.
(٤) قرأ يعقوب وأبو بكر بن عياش عن عاصم بتشديد الميم، والباقون بالتخفيف. ينظر: "النشر" ٢/ ٢٢٦، "الحجة" ٢/ ٢٧٤.
(٥) البيت لامرئ القيس في "ديوانه" ص ١٣٩.
(٦) ينظر: "الحجة" لأبي علي ٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥.

صفحة رقم 589

فكمَّلَتْ مائةً فيها حمامتُها وأسرعت حسبةً في ذلك العددِ (١)
واللام في وَلِتُكْمِلُوا، لام كي (٢)، وليستْ لامَ الأمر، ولو كانت لامَ الأمرِ لجاز تسكينُها مع الواو؛ لأنه إذا دخل على لام الأمر الواو أو الفاء أو ثم جاز تسكينها وتحريكها، كقوله: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ [الحج: ٢٩]، قرئ بالتسكين والحركة (٣) (٤). ونذكر الكلام فيه في سورة الحج إن شاء الله.
قوله تعالى: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ قال عطاء عن ابن عباس: يريد لتعظموا الله على. ما أرشدكم له من شرائع الدين (٥). وقال أكثر العلماء (٦): أراد به التكبير ليلة الفطر (٧).
قال ابن عباس في هذه الآية: حقٌّ على المسلمينَ إذا رَأَوا هَلالَ
(١) "ديوان النابغة" ص ١٦.
(٢) ينظر: "تفسير الثعلبي" ٢/ ٣٢٩، "معاني القرآن" للأخفش ١/ ٣٥٠، "تفسير البغوي" ١/ ٢٠١.
(٣) سقطت من (م).
(٤) ينظر: "الحجة" لأبي علي ٢/ ٢٧٦ - ٢٧٧، قرأ ابن ذكوان بكسر اللام فيهما، والباقون بالإسكان، وقرأ شعبة بفتح الواو وتشديد الفاء من: وليوَفُّوا، والباقون بسكون الواو وتخفيف الفاء.
(٥) هذا من رواية عطاء، وقد تقدم الحديث عنها ص ٩٢. وذكره الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ٣٣٠ دون عزو لأحد.
(٦) في (م): (المفسرين العلماء).
(٧) ينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ١٥٧، "تفسير القرطبي" ٢/ ٢٨٦ - ٢٨٧، "تفسير ابن كثير" ١/ ٢٣٢ - ٢٣٣.

صفحة رقم 590

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية