شهر رمضان مبتدأ خبره ما بعده، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره ذلك شهر رمضان، أو بدل من الصيام على حذف المضاف، أي : كتب عليكم الصيام ؛ صيام شهر رمضان، وذلك على تقدير كون نزول هذه الآية متصلا في النزول بقوله تعالى : كتب عليكم الصيام لا على تقدير كونه متراخيا عنه ناسخا لما سبق، والشهر مشتق من الشهرة، ورمضان مصدر رمض إذا احترق، فأضيف إليه الشهر وجعل علما ومنع من الصرف للعلمية والألف والنون، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إنما سمي رمضان أن رمضان يرمض الذنوب » رواه الأصبهاني في الترغيب. الذي أنزل فيه القرآن سمي القرآن قرآنا لأنه يجمع السور والآي الحروف، وجمع فيه القصص والأمر والنهي والوعد والوعيد، وأصل القرآن الجمع، أو هو مشتق من القراءة بمعنى المقروء. قرأ ابن كثير القرآن وقرآنا وقرانه حيث وقع بحذف الهمزة بعد القاء الحركة على الراء، ووافقه حمزة وقفا فقط، والباقون بالهمزة، قال البغوي : كان يقرأ الشافعي غير مهموز ويقول ليس هو من القراءة ولكنه اسم لهذا الكتاب كالتوراة والإنجيل، قال البغوي : روى مقسم عن ابن عباس أنه سئل عن قوله تعالى : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن وقوله : إنا أنزلناه في ليلة القدر وقوله : إنا أنزلناه في ليلة مباركة وقد نزل في سائر الشهور وقال الله تعالى : وقرآنا فرقناه فقال : أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ في ليلة القدر من شهر رمضان إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم نزل به جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم نجوما في عشرين سنة، فذلك قوله تعالى عز وجل بمواقع النجوم وقال داود بن أبي هند : قلت للشعبي شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن أما كان ينزل في سائر السنة ؟ قال : بلى ولكن جبرائيل عليه السلام كان يعارض النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان فأنزل عليه فيحكم الله ما يشاء ويثبت ما يشاء وينسيه ما يشاء، وروي عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«أنزلت صحف إبراهيم في ثلاث ليال مضين من رمضان، ويروى في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لموسى في ست ليال مضين من رمضان، وأنزل الإنجيل في ثلاث عشرة مضت من رمضان، وأنزل زبور داود في ثمان عشر ليلة من رمضان، وأنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم في أربعة وعشرين لست بقين بعدها » وأخرج أحمد والطبراني من حديث واثلة بن الأسقع «نزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين، والإنجيل لثلاث عشرة، والقرآن لأربع وعشرين » والله أعلم. والموصول بصلته خبر لشهر رمضان على تقدير كونه مبتدأ وصفته، على تقدير كونه خبرا أو بدلا، ويحتمل أن يكون صفة للمبتدأو خبره فمن شهد، والفاء لوصف المبتدأ إنما يتضمن معنى الشرط، وعلى هذا التقدير معنى قوله أنزل فيه القرآن أي في شأن القرآن وهو قوله كتب عليكم الصيام حتى يتحقق كون الإنزال سببا لاختصاصه بوجوب الصوم هدى للناس من الضلالة بإعجازه وبينات من الهدى والفرقان أي دلالات واضحات مما يهدي إلى الحق من الحلال والحرامن والحدود والأحكام، ويفرق بين الحق الذي من الله وبين الباطل الذي من شياطين الجن والإنس، حالان من القرآن فمن شهد منكم الشهر يعني أدرك الشهر صحيحا مقيما طاهرا من الحيض والنفاس، أما المريض والمسافر فخصا منه بالآية اللاحقة، وأما الحائض والنفساء فبالنقل المستفيض وعليه انعقد الإجماع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في جواب قولها وما نقصان دينها يا رسول الله ؟ قال :«أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم » متفق عليه.
فائدة : أجمعوا على أن الحائض يحرم عليها الصوم، ولو صامت لم يصح ولزمها القضاء والله أعلم. فليصمه البتة لا يكفيه الفدية كما كان في بدء الإسلام، قال البغوي : اختلف أهل العلم فيمن أدركه الشهر وهو مقيم ثم سافر، روي عن علي أنه قال لا يجوز له الفطر وبه قال عبيدة السلماني لقوله تعالى : فمن شهد منكم الشهر فليصمه أي الشهر كله، وذهب أكثر الصحابة والفقهاء إلى أنه إذا أنشأ السفر في شهر رمضان جاز له أن يفطر بعد ذلك اليوم، قلت وعليه انعقد الإجماع، ومعنى الآية فمن شهد منكم الشهر فليصمه يعني فليصم ما شهد منه، إن شهد كله فكله وإن شهد بعضه فبعضه، ويؤيد ذلك التأويل ما مر من حديث جابر وحديث ابن عباس قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر وأفطر الناس معه، وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
مسألة : ولو كان مقيما في أول النهار ثم سافر لا يجوز له الفطر من ذلك اليوم عند أبي حنيفة ومالك والشافعي رحمهم الله لهذه الآية، لأنه شهد أول اليوم فليصمه، وقال أحمد وداود جاز له الفطر في ذلك اليوم أيضا. احتج ابن الجوزي بحديث ابن عباس المذكور حتى إذا بلغ كراع الغميم أفطر، وحديث ابن عباس خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مسافرا في رمضان حتى أتى عسفان فدعى إناء من شراب نهارا ليرى الناس ثم أفطر حتى قدم، قلنا : لم يكن صلى الله عليه وسلم ذلك اليوم مقيما أول النهار فإن كراع الغميم وعسفان لم يكونا في أول مرحلة من المدينة. مسألة : ولو أصبح مسافرا أو مريضا صائمين ثم أراد الفطر جاز عند أحمد وكذا ذكر صاحب المنهاج مذهب الشافعي، وقال ابن الهمام : ومذهب أبي حنيفة أن إباحة الفطر للمسافر إذا لم ينو الصوم، فإذا نواه ليلا وأصبح من غير أن ينقض عزيمته قبل الفجر أصبح صائما فلا يحل فطره في ذلك اليوم، لكن إذا أفطر فيه لا كفارة عليه كما في المسألة السابقة لمكان الشبهة، وحديث كراع الغميم حجة لأحمد والشافعي في هذه المسألة كما لا يخفى ومن كان مريضا أو على سفر فعدة أي فالواجب عليه عدة من أيام أخر كرر ذلك الحكم ليدل على أن المنسوخ إنما هو الفدية دون الفطر والقضاء للمعذور ولو لم يكن حكم الفدية منسوخا وكان المراد بقوله تعالى : أياما معدودات هو شهر رمضان لا غير، فحينئذ لم تكن لتكرار المريض والمسافر فائدة.
فائدة : ويلحق بالمريض والمسافر في حق وجوب القضاء الحائض والنفساء بالإجماع، والأحاديث عن معاذة العدوية أنها قالت لعائشة : ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة ؟ قالت عائشة :" كان يصيبنا ذلك فتؤمر بقضاء الصوم ولا تؤمر بقضاء الصلاة " رواه مسلم.
مسألة : وبهذه الآية يثبت أن المسافر والمريض إذا صح وأقام فعليه قضاء الصيام عدد ما أدرك من الأيام صحيحا مقيما طاهرا بعد رمضان، فمن فاته عشرة من صيام رمضان وأدرك بعد الصحة والإقامة يومين من غير رمضان ثم مات يجب عليه قضاء يومين فحسب. واختلفوا في أنه من أدرك عدة من أيام أخر لم يقض حتى مات هل يجب على الوارث الفدية أو القضاء ؟ فقال أبو حنيفة ومالك : لا يجب على الوارث شيء إلا أن يوصي الميت بالفدية فيجب إنفاذ وصيته من الثلث لا فيما زاد على الثلث إلا برضاء الورثة، وكذا إذا كان عليه صوم نذر أو كفارة، وقال الشافعي في القديم : صام عنه وليه سواء كان من رمضان أو من نذر، وفي الجديد أنه يطعم فيهما الولي القريب، وقال أحمد في صوم رمضان : يطعم ولا يصام وإذا كان عليه نذر صام عنه وليه.
احتجوا على وجوب الصوم على الولي بحديث ابن عباس قال أتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت : يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضي عنها ؟ قال :«أرأيت لو كان على أمك دين أما كنت تقضينه ؟ » قالت : بلى، قال :«فدين الله عز وجل أحق » متفق عليه. وعن عائشة أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن مات وعليه صيام فقال :«يصوم عنه وليه » متفق عليه، وحديث بريدة عن أبيه أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله أمي كان عليها صوم شهر أفتجزئها أن أصوم عنها ؟ قال :«نعم » رواه أحمد وحديث ابن عباس أن امرأة ركبت البحر فنذرت أن الله عز وجل إن نجاها أن تصوم شهرا، فأنجاها الله فلم تصم حتى ماتت، فجاءت قرابة لها فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال :«صومي » وحديث ابن عباس أن سعد بن عبادة سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن نذر كان على أمه توفيت قبل أن تقضيه فقال :«اقضه عنها » فمن هذه الأحاديث ما هو صريح في النذر على صوم النذر، قلت : لا وجه للحمل على النذر مع إطلاق اللفظ، بل الأحاديث المذكورة الصحيحة تدل على جواز صوم الولي عن الميت مطلقا سواء كان الصوم عن نذر أو رمضان فلا بد من اتباعها، وليس شيء منها تدل على وجوب الصوم على الوارث فلا يكون حجة على أبي حنيفة، كيف وقد قال الله تعالى : ولا تزر وازرة وزر أخرى فكيف يعذب الوارث بترك الصوم عن الميت. واحتجوا على وجوب الإطعام عن الميت بحديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«ومن مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينا » رواه الترمذي وقال : لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه، يعني من طريق الأشعث بن سوار وهو ليس بشيء، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو ضعيف مضطرب الحديث، والصحيح أنه موقوف على ابن عمر، ووجه قول أبي حنيفة أن الطاعة لا تجري فيها النيابة لأن المقصود منه النية والامتثال وهو مناط الثواب والعذاب، ووجوب الصوم أو المال على الوارث يمنعه قوله تعالى : ولا تزر وازرة وزر أخرى فلا يحب عليه شيء. غير أنه إذا أوصى به المورث فإنفاذ وصيته واجب بقوله تعالى : من بعد وصية يوصي بها أو دين والمرجو من فضل الله سبحانه أن يقبل منه والله أعلم، قلت : والتحقيق في المقام أن الوارث إن تطوع عن الميت بالصوم أو الصدقة فالثابت بالأحاديث أن الله تعالى يقبله لفضله ويفك رقبة الميت، ولكن ليس ذلك واجبا على الوارث لما ذكرنا، وقد ورد في رواية للبزار في حديث عائشة «فليصم عنه وليه إن شاء » وهذا أظهر، لكن الرواية ضعيفة لأنها من طريق ابن لهيعة.
يريد الله بكم اليسر بإباحة الفطر والقضاء في المرض والسفر ولا يرد بكم العسر قرأ أبو جعفر العسر و اليسر ونحوهما بضم السين والباقون بالسكون، وهذه الآية تدل على أن الفطر للمريض والمسافر رخصة لأجل اليسر وليس هو العزيمة، حتى لو صام المريض والمسافر صح إجماعا، إلا ما روي عن ابن عباس وأبي هريرة وعروة ابن الزبير وعلي بن الحسين رضي الله عنهم أنهم قالوا : لا يجوز الصوم في السفر، ومن صام فعليه القضاء لظاهر قوله تعالى : فعدة من أيام أخر حيث جعل الله تعالى الواجب صيام عدة من أيام أخر لا غير، فمن صام في الحال فقد صام قبل وجوبه فلا يجوز، قلنا : سبب الوجوب الشهر والسفر مانع لوجوب الأداء لا لنفس الوجوب. فمن صام فقد صام بعد نفس الوجوب صح كمن أدى الزكاة قبل حولان الحول، ويؤيد مذهب الجمهور حديث أبي سعيد :" غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لست عشر مضت من رمضان، فمنا من صام ومنا من أفطر فلم يعب الصائم المفطر ولا المفطر الصائم، " رواه مسلم، وحديث جابر عند مسلم وحديث أنس في الموطأ ولتكملوا العدة أي عدد شهر رمضان بقضاء ما أفطر منه. عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأك
التفسير المظهري
المظهري