ﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦ

قوله تعالى : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم لعلكم تشكرون . الشهر من الإشهار وهو الإعلان والإظهار، وفعله أشهر يشهر، نقول شهر السيف أي سله، وشهر فلانا أو أشهره أي أبرزه وجعله ظاهرا، وشهر الحديث بين الناس أي أفشاه فاشتهر١.
ورمضان من الفعل رمض رمضا أي اشتد حره. وفي الحديث الشريف : " شكونا إلى رسول الله ( ص ) الرمضاء في جباهنا فلم يشكنا " ورمض الصائم يرمض إذا احترقت جوفه من شدة العطش. والرمضاء هي الحجارة شديدة الحر، ومنها اشتق اسم رمضان، وقد سمي بذلك لما وافقت تسميته الزمن الذي سمي فيه إذ كان شديد الحر كالرمضاء، ويجمع رمضان على رمضانات وأرمضة وأرمضاء، وقيل أيضا رماضين٢.
وثمة قول وجيه في تعليل هذه التسمية وهو أنه سمي بذلك ؛ لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها بالأعمال الصالحة. وذلك من الإرماض ومعناه الإحراق٣.
وقوله : الذي أنزل فيه القرآن أي أن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا جملة واحدة، وكان ذلك في شهر رمضان وفي ليلة القدر بالذات. وفي ذلك يقول سبحانه إنا أنزلناه في ليلة مباركة وقوله : إنا أنزلناه في ليلة القدر وبعد إنزال القرآن إلى السماء الدنيا في تلك الليلة الكريمة المباركة تقرر تنزيله منجما على النبي ( ص ) تبعا للأحوال والظروف ومقتضيات الحياة.
وقوله : هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان هذه حقيقة كاملة يقف عليها العارفون بهذا الدين، العاملون بالكتاب الحكيم وما ينطوي عليه من روائع الإعجاز في مختلف المناحي والضروب، سواء في ذلك روعة البيان والأسلوب أو روعة التشريع في كماله وشموله واتساعه بما يغطي واقع الحياة كلها، أو روعة التربية وتهذيب النفس بما يصنع الأعاظم من الرجال والعظيمات من النساء على نحو فذ عجيب وكيفية غريبة لا نظير لها في تاريخ الأفراد والأناسي.
وذلك الذي يدفعنا للقول مبادرين بأن القرآن جاء للناس هدى، فهو فيه هدايتهم وما يأخذ بأيديهم ونفوسهم وطبائعهم وأذهانهم وكل أسباب الحياة والمعايش إلى الخير والسعادة وإلى الأمن والرشاد، وما يقتضيه ذلك من معاني العدل والفضل والاستقامة والتعاون والتواد.
وكذلك فإن القرآن بينات من الهدى والفرقان أي أنه يحمل للبشرية دلائل وبراهين فيها الهداية والتفريق الجلي الواضح بين الحق والباطل.
وقد قدمنا في مطلع تفسير الآية أن هذا الشهر عظيم الفائدة والقدر. وهو ليس كغيره من الشهور، بل إنه خيرها وسيدها، وإن فيه كبير الأجر للعاملين المخلصين، وكبير الوزر على الخاطئين العصاة أو الساهين الناكبين عن شريعة الله وعن قسطاسه العدل.
وفي عظمة الشهر وجليل قدره أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ( ص ) قال : " إذا جاء رمضان فتحت أبواب الرحمة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين ".
وروى النسائي في سننه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ( ص ) : " أتاكم رمضان شهر مبارك، فرض الله عز وجل عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب جهنم، وتغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم ".
وروى النسائي عن عبد الرحمن بن عوف قال قال رسول الله ( ص ) " إن الله تعالى فرض رمضان عليكم، وسننت لكم قيامه فمن صامه وقامه إيمانا واحتسابا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ".
قوله : فمن شهد منكم الشهر فليصمه من اسم شرط. ( شهد ) فعل ماض والجملة الفعلية في محل جزم للشرط. ( الشهر ) ظرف زمان منصوب وليس مفعولا به. والفاء مقترنة بجواب الشرط. واللام للأمر يصمه مجزوم بلام الأمر وأصلها يصومه. والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ومعنى الآية أن من حضر شهر رمضان وكان غير معذور إلا هادم لركن عظيم من أركان هذا الدين، ومقارف لمعصية فظيعة هي إحدى الكبائر من الذنوب٤.
وفي هذا الصدد من الحديث عن الصيام وفرضيته على كل مسلم عاقل بالغ مقيم صحيح البدن، نعرض لجملة مسائل لنناقشها مناقشة فقهية.
المسألة الأولى : فهم بعض أهل العلم أن من كان مقيما في أول الشهر ثم سافر أثناءه فإنه لا يجوز له أن يفطر بحجة السفر، بل إنه يباح الإفطار للمسافر الذي أقبل عليه الشهر وهو في حال السفر. وقد استندوا في هذا الرأي إلى ظاهر قوله تعالى :( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) فالذي حضر الشهر أثناء السفر له أن يفطر.
ولا نظن هذا القول إلا مرجوحا ضعيفا، وبذلك فهو قول لا يعول عليه، والرد عليه من السنة واضح، فقد ثبا عن النبي ( ص ) أنه خرج من شهر رمضان لغزوة الفتح، فسار حتى بلغ الكديد ثم أفطر وأمر الناس بالفطر.
المسألة الثانية : في الإفطار في السفر، هل هو واجب أم مباح ؟ فقد ذهب جمهور العلماء إلى أنه مباح وليس واجبا، وأن صورة الأمر الواردة في الآية لا تفيد الوجوب، بل تفيد التخيير، فالمسافر مخير بين الصيام والإفطار.
وذهب آخرون من العلماء إلى وجوب الإفطار في السفر استنادا إلى ظاهر قوله تعالى :( فعدة من أيام أخر ) وفي تصورنا أن هذا الرأي ( الثاني ) مرجوح لا يعول عليه فهو بذلك غير معتمد. وقول الجمهور هو الصحيح. ويعزز ذلك ما روي أن الصحابة كانت تخرج مع النبي ( ص ) وفيهم الصائم والمفطر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم. وبذلك فإنه لو كان الإفطار واجبا لأمرهم النبي ( ص ) به ولأنكر عليهم الصيام.
المسألة الثالثة : أيهما أفضل في السفر الصيام أم الإفطار ؟ فقد قال الشافعي : إن الصيام أفضل ؛ وذلك لما ثبت عن النبي ( ص ) أنه كان يصوم في السفر.
وقال آخرون : إن الإفطار للمسافر أفضل ؛ وذلك نظرا للرخصة بالإفطار حال السفر. وكذلك لما سئل النبي ( ص ) عن الصوم في السفر قال : " من أفطر فحسن، ومن صام فلا جُناح عليه " وفي حديث آخر " عليكم برخصة الله التي رخص لكم ".
وذهب آخرون إلى أن الصيام والإفطار في السفر سواء ؛ وذلك لحديث عائشة أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال : يا رسول الله ! إني كثير الصيام أفأصوم في السفر ؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام : " إن شئت فصم وإن شئت فأفطر ".
ولعل الصواب في هذه المسألة أن من شق عليه الصوم في السفر حتى بلغ منه حرجا، فإن الإفطار في حقه أفضل. ودليل ذلك حديث جابر أن النبي ( ص ) رأى رجلا قد ظلل عليه، فقال : " ما هذا ؟ " قالوا : صائم. فقال : " ليس من البر الصيام في السفر " أما إن كان الصوم لا يشق عليه في السفر، ولا يبلغ به الحرج والجهد، فإن الراجح لدينا إذ ذاك أن الصوم أفضل والله تعالى أعلم٥.
المسألة الرابعة : هل يجب القضاء متتابعا أو يجوز فيه التفريق ؟
ثمة قولان في الإجابة عن ذلك. وأحد هذين القولين أنه يجب التتابع في قضاء الصوم بحيث تصام الأيام متتابعة يتلو أحدها الآخر دون تفريق بينها بإفطار يوم أو أيام، وليس من دليل على ذلك إلا الاحتجاج بأن القضاء يشبه الأداء ويقوم مقامه. والأداء لا يكون إلا متتابعا فكذلك القضاء.
وثان هذين القولين وهو الصحيح. وهو قول جمهور العلماء من السلف والخلف إذ ذهبوا جميعا إلى أن التتابع في صوم القضاء غير واجب، فالصائم قضاء إن شاء تابع وإن شاء فرق تفريقا. وتوجيه هذا القول أن التتابع إنما وجب في الشهر ؛ لضرورة أدائه في نفس الشهر. وأما بعد انقضاء الشهر ( رمضان ) فلا يبقى بعد ذلك إلا المقصود وهو صيام عدة أيام. وذلك بعدد الأيام التي أفطرها المعذور في رمضان ؛ ومن أجل ذلك قال سبحانه :( فعدة من أيام أخر ) وذلك بإطلاق ليس فيه تحديد بالتتابع، بل إن الآية تنطوي على المقصود الأساسي وهو وجوب صيام عدة أيام على سبيل القضاء من غير اشتراط بتتابع٦.
وثمة مسألة هامة أخرى جديرة بالاعتبار والنظر، وهي ما لو رؤي الهلال في بلد، فهل يلزم الصيام كل البلدان الأخرى ؟ وفي ذلك تفصيل نبينه في الآتي : إذا رؤي هلال رمضان في بلد فقد لزم الصيام كل البلدان الأخرى القريبة من بلد الرؤية، كما لو رؤي في بغداد مثلا وجب على أهل المدن الأخرى غير النائية كالبصرة والكوفة أن يصوموا. وكذا لو رؤي في دمشق لزم أهل حمص وحماة وحلب أن يصوموا، أي أن البلدان القريبة تلتزم بحكم الرؤية، سواء كان ذلك في هلال رمضان الموجب للصيام، أو في هلال شوال الموجب للإفطار حيث العيد. وإذا لم يره القريبون من بلد الرؤية فليس ذلك إلا لتقصيرهم في الملاحظة والتأمل لرؤية الهلال، أو لعارض طرأ فحجب عنهم الرؤية. وذلك ما ليس فيه خلاف.
لكن الخلاف في اختلاف رؤية الهلال عند تباعد البلدان، وذلك كما بيم المشرق والمغرب. وهو أن يُرى الهلال في العراق ولم يُر في المغرب. أو رؤي في دمشق ولم يُر في اليمن أو الحجاز. وذلك للبعد بين بلد الرؤية والبلدان الأخرى.
على أن السبب في عدم الرؤية عند تباعد البلدان هو اختلاف مطالع القمر تبعا لكروية الأرض، وصغر حجم القمر إذا ما قورن بالأرض، فإذا رؤي الهلال في أقصى المشرق ربما لم يره أهل المغرب في نفس الليلة. وكذا ما بين شمال الأرض وجنوبها، فإن كان كذلك، كان في المسألة من حيث حكم الصيام ثلاثة أقوال :
القول الأول : وهو أنه إذا رؤي الهلال في بلد لزم جميع المسلمين أن يصوموا ؛ وذلك لقوله تعالى : فمن شهد منكم الشهر فليصمه ولقوله عليه الصلاة والسلام : " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا شعبان ثلاثين ) ٧.
وهذا يقتضي وجوب الصيام في حق الجميع لمجرد الرؤية في بلد. وهو قول الحنابلة وبعض الشافعية وأكثر المالكية٨.
القول الثاني : وهو أنه إذا كانت البلدان بعيدة بعدا عظيما عن بلد الرؤية فلا تلتزم بالصيام، وإنما يلزم الصيام بلد الرؤية دون غيره ؛ وذلك نظرا لاختلاف مطالع القمر مما يقتضي رؤية الهلال في بلد دون غيره من البلدان النائية. وهو قول الحنفية وأكثر الشافعية وبعض المالكية٩ وقد احتجوا بحديث كريب، وهو ما يعول عليه كثيرا في هذه المسألة.
فقد روى الجماعة عن كريب أن أم الفضل بعثته إلى معاوية بالشام، فقال : فقدمت الشام فقضيت حاجتها واستهل علي رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس ثم ذكر الهلال فقال : متى رأيتم الهلال ؟ فقلت : رأيناه ليلة الجمعة. فقال : أنت رأيته ؟ فقلت : نعم. ورآه الناس وصاموا وصام معاوية. فقال : لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت : ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه ؟ فقال : لا، هكذا أمرنا رسول الله ( ص ).
وموضع الاستدلال هنا هو قوله : " هكذا أمرنا رسول الله ( ص ) ". والأمر المشار إليه هو ما قاله ابن عباس : " فلا نزال نصوم حتى نرى الهلال أو نكمل عدة شعبان ثلاثين يوما ". أي أن أهل البلد النائي والذين لم يروا الهلال لم يلزمهم حكم رؤيته في البلد الآخر، بل عليهم التربص حتى يروا الهلال أو يكملوا الثلاثين. ويؤيد ذلك ما رواه أحمد ومسلم وابن ماجه والنسائي عن أبي هريرة أن النبي ( ص ) قال : " إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأي

١ - القاموس المحيط جـ ٢ ص ٦٨. ومختار الصحاح ص ٣٤٩.
.

٢ - القاموس المحيط جـ ٢ ص ٣٤٤ والمصباح المنير جـ ١ ص ٢٥٦..
٣ - تفسير القرطبي جـ ٢ ص ٢٩١..
٤ - فتح القدير جـ ١ ص ١٨٢ وتفسير النسفي جـ ١ ص ٩٤ والبيان للأنباري جـ ١ ص ١٤٤..
٥ - بداية المجتهد ١ ص ٢٥١ والغني جـ ١ ص ١٥٠ وتفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢١٧..
٦ - تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢١٧..
٧ - أحكام القرآن لابن العربي جـ ١ ص ٨٤ والمغني لابن قدامة جـ ٣ ص ٨٨ وتفسير القرطبي جـ ٢ ص ٢٩٥ وبداية المجتهد جـ ١ ص ٢٤٥..
٨ - رواه البخاري والترمذي عن أبي هريرة..
٩ - البدائع جـ ٢ ص ٨٣ والمجموع جـ ٦ ص ٢٧٣ وتفسير القرطبي جـ ٢ ص ٢٩٥ وبداية المجتهد جـ ١ ص ٢٤٥..

التفسير الشامل

عرض الكتاب
المؤلف

أمير عبد العزيز

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير