ﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦ

فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه، إن شئت فواتر، وإن شئت ففرّق» «١» وعن علىّ وابن عمر والشعبي وغيرهم أنه يقضى كما فات متتابعاً «٢». وفي قراءة أبىّ: فعدّة من أيام أخر متتابعات. فإن قلت:
فكيف قيل (فَعِدَّةٌ) على التنكير ولم يقل: فعدّتها، أى فعدة الأيام المعدودات؟ قلت: لما قيل: فعدّة، والعدّة بمعنى المعدود فأمر بأن يصوم أياما معدودة مكانها، علم أنه لا يؤثر عدد على عددها، فأغنى ذلك عن التعريف بالإضافة وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ وعلى المطيقين للصيام الذين لا عذر بهم إن أفطروا فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ نصف صاع من برّ أو صاع من غيره عند أهل العراق، وعند أهل الحجاز مدّ، وكان ذلك في بدء الإسلام: فرض عليهم الصوم ولم يتعوّدوه فاشتدّ عليهم، فرخص لهم في الإفطار والفدية. وقرأ ابن عباس: يطوّقونه، تفعيل من الطوق إما بمعنى الطاقة أو القلادة، أى يكلفونه أو يقلدونه ويقال لهم صوموا. وعنه: يتطوّقونه بمعنى يتكلفونه أو يتقلدونه. ويطوقونه بإدغام التاء في الطاء. ويطيقونه ويطيقونه بمعنى يتطوقونه، وأصلهما يطيوقونه ويتطيوقونه، على أنهما من فيعل وتفعيل من الطوق، فأدغمت الياء في الواو بعد قلبها ياء كقولهم: تدير المكان وما بها ديار. وفيه وجهان: أحدهما نحو معنى يطيقونه. والثاني يكلفونه أو يتكلفونه على جهد منهم وعسر وهم الشيوخ والعجائز، وحكم هؤلاء الإفطار والفدية، وهو على هذا الوجه ثابت غير منسوخ.
ويجوز أن يكون هذا معنى يطيقونه، أى يصومونه جهدهم وطاقتهم ومبلغ وسعهم فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فزاد على مقدار الفدية فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ فالتطوع أخير له أو الخير. وقرئ فمن يطوّع، بمعنى يتطوّع وَأَنْ تَصُومُوا أيها المطيقون أو المطوقون وحملتم على أنفسكم وجهدتم طاقتكم خَيْرٌ لَكُمْ من الفدية وتطوّع الخير. ويجوز أن ينتظم في الخطاب المريض والمسافر أيضاً.
وفي قراءة أبىّ: والصيام خير لكم.
[سورة البقرة (٢) : آية ١٨٥]
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)
الرمضان: مصدر رمض إذا احترق- من الرمضاء- فأضيف إليه الشهر وجعل علماً، ومنع الصرف للتعريف والألف والنون كما قيل «ابن داية» للغراب بإضافة الابن إلى داية البعير،

(١). موقوف: الدارقطني من روايته.
(٢). أخرجه عبد الرزاق عنهما قالا «يقضيه تباعا»

صفحة رقم 226

لكثرة وقوعه عليها إذا دبرت. فإن قلت: لم سمى شَهْرُ رَمَضانَ؟ قلت: الصوم فيه عبادة قديمة، فكأنهم سموه بذلك لارتماضهم فيه من حرّ الجوع ومقاساة شدّته، كما سموه ناتقا لأنه كان ينتقهم أى يزعجهم إضجاراً بشدّته عليهم. وقيل لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر. فإن قلت: فإذا كانت التسمية واقعة مع المضاف والمضاف إليه جميعاً، فما وجه ما جاء في الأحاديث من نحو قوله عليه الصلاة والسلام: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً «١» » «من أدرك رمضان فلم يغفر له» «٢». قلت: هو من باب الحذف لأمن الإلباس كما قال:
بمَا أعْيَا النِّطَاسِى حِذْيَمَا «٣»
أراد ابن حذيم، وارتفاعه على أنه مبتدأ خبره الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ أو على أنه بدل من الصيام في قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ) أو على أنه خبر مبتدإ محذوف. وقرئ بالنصب على: صوموا شهر رمضان، أو على الإبدال من (أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ)، أو على أنه مفعول (وَأَنْ تَصُومُوا). ومعنى (أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) ابتدئ فيه إنزاله، وكان ذلك في ليلة القدر. وقيل: أنزل جملة إلى سماء الدنيا، ثم نزل إلى الأرض نجوما. وقيل: أنزل في شأنه القرآن، وهو قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ) كما تقول أنزل في عمر كذا، وفي علىّ كذا. وعن النبي عليه السلام «نزلت صحف إبراهيم أوّل ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين، والإنجيل لثلاث عشرة، والقرآن لأربع وعشرين مضين «٤» » هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ نصب على الحال، أى أنزل وهو هداية للناس إلى الحق، وهو آيات واضحات مكشوفات مما يهدى إلى الحق ويفرق بين الحق والباطل. فإن قلت: ما معنى قوله: (وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى) بعد قوله: (هُدىً لِلنَّاسِ) ؟ قلت:
ذكر أوّلا أنه هدى، ثم ذكر أنه بينات من جملة ما هدى به اللَّه، وفرق به بين الحق والباطل من وحيه وكتبه السماوية الهادية الفارقة بين الهدى والضلال فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ فمن كان

(١). متفق عليه من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه
(٢). أخرجه الترمذي من رواية عبد الرحمن بن إسحاق عن سعيد بن أبى سعيد المقبري عن أبى هريرة رفعه «رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له- الحديث» قلت: ليس هذا موافقا للفظ المصنف.
والموافق له ما أخرجه ابن حبان.
(٣).
فهل لكم فيما إلى فاننى بصير بما أعيى النطاسي حذيما
يقول: فهل لكم رغبة فيما ينسب إلى من إصابة الرأى، فاننى بصير بحل الأمور المعضلة. وكنى عن ذلك بقوله: بما أعيى حذيما النطاسي، وهو طبيب ماهر حاذق. وحذيم- بكسر فسكون- أراد به ابن حذيم، لأنه كنيته، فحذف جزء الاسم لأمن اللبس. والنطاسي نسبة للنطاس وزان القرطاس، وهو في لغة الروم بمعنى الحاذق الماهر في الطب. وتخفيفه هنا إما من تصرف العرب، وإما لأجل الوزن. وقيل معناه: فهل لكم رأى وتبصر فيما يرجع نفعه إلى، ثم أعرض عن مشاورتهم بقوله: فانى أعلم وأعرف منكم بما أعيى النطاسي، ولا يخفى أنه لا موقع للفاء حينئذ، إلا أن يكون المعنى بأنه يطلب منهم الرشوة.
(٤). أخرجه أحمد والطبراني من حديث واثلة بن الأسقع مرفوعا به. وفي الباب عند أبى داود. وأخرجه الثعلبي في تفسيره. وعن جابر أخرجه أبو يعلى. [.....]

صفحة رقم 227

الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل

عرض الكتاب
المؤلف

محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشريّ، جار الله، أبو القاسم

الناشر دار الكتاب العربي - بيروت
الطبعة الثالثة - 1407 ه
عدد الأجزاء 4
التصنيف التفسير
اللغة العربية