ﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦ

قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ .
ابن عطية انظره وأبا حيان.
قال ابن عرفة: نقل الآمدي في شرح/ الجزولية عن السهيلي أنك إذا قلت: صمت رمضان كان العمل في كله، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه».
وإذا قلت: صمت في شهر رمضان كان العمل في بعضه بدليل هذه الآية.
قال ابن عرفة: يرد بأن الفعل في الآية لم يتعد إليه بنفسه بل بواسطة «في» لقوله الذي أُنْزِلَ فِيهِ القرآن وما كان يتم له

صفحة رقم 538

الاستدلال إلا لو كان تعدى إليه الفعل بنفسه. ونقل بعضهم عن شرح المقرب لابن عصفور أنك إذا قلت صمت رمضان أو شهرا، فالعمل في كله وإن قلت: صمت شهر رمضان فهو محتمل لتخصيصه بالإضافة ولم يرضه ابن عطية.
قال الضحاك: أُنزِلَ القُرآنُ في (فرضه) وتعظيمه والحض عليه، وقيل: الذي أنزل القرآن فيه.
قال ابن عرفة: ولا يبعد أن يراد الأمران فيكون أنزل القرآن فيه تعظيما له وتشريفا ولم يمدح القرآن بما مدح به الشهر لأن فضله معلوم. وقيل: أنزل فيه القرآن جملة إلى سماء الدنيا.
قال ابن عرفة: فالقرآن على هذا الاسم للكل وعلى القول الثاني بأنه أنزل فيه بعضه يكون القرآن اسم جنس يصدق على القليل والكثير.
قوله تعالى: وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ .
قال ابن عطية: الألف وللام في «الهدى» للعهد والمراد به الأول.
قال ابن عرفة: إن كانت «مِنَ» لبيان الجنس فالألف (واللاّم) للعهد في الشخص وإن كانت للتبعيض فهي للعهد في جنس فيكون القرآن نوعا من أنواع جنس الهدى.
قوله تعالى: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ... .

صفحة رقم 539

قال الزمخشري: فمن حضر المدينة في الشهر.
قال ابن عرفة: خشي أن يترك الآية على ظاهرها لأن ظاهرها وجوب الصوم على حاضر الشهر مع أنه ينقسم إلى حضري وإلى مسافر (فتأولها) على أن المراد حاضر المصر في الشهر والّذي فر منه وقع فيه، لأن حاضر المصر في الشهر ينقسم (أيضا) إلى صحيح وإلى مريض، وظاهر الآية وجوب الصوم على الجميع فإن قال: خرج ذلك بالنّص عليه في الآية الثانية. قلنا: وكذلك المسافر خرج بالنّص عليه. وقيل: من شهد هلال الشهر.
قال ابن عطية: وقال علي بن أبي طالب وابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم من حضر دخول الشهر وكان مقيما في أوله فليكمل صيامه سافر بعد ذلك أو أقام، وإنّما يفطر في السّفر من دخل عليه رمضان وهو مسافر.
قال ابن عرفة: انظر هذا مع قول ابن بشير: «لا خلاف بين لأمة أن السفر من مقتضيات الفطر على الجملة».
قلت: وكان سيدنا الشيخ أبو العباس أحمد بن ادريس رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى يقول: هذه الآية تدل على أن المسافر غير مأمور بالصّوم لأن «شهد» بمعنى حضر والمسافر ليس بحاضر وقالوا إذا صامه فإنه يجزيه ويكون أداء، وقالوا في العبد: إنّ الحج ساقط عنه فإن حج

صفحة رقم 540

ثم عتق لم يجزه عن حجة الفريضة، فحينئذ نقول: فعل العبادة قبل وجوبها إن كانت عندكم نفلا سدّ مسدّ الفرض.
قال: والجواب عن ذلك أن المسافر مأمور بالقضاء لقوله تعالى: فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وذلك دليل على أن اباحة الفطر له (إنما هو رخصة) لا لكون السفر مانعا من الصوم بخلاف العبد فإنه إن عتق فلا يزال مطلوبا بالحج وإذا فعله بعد العتق كان أداء لأنّه أوقعه في وقته وهذا إن أدركه الصوم في السفر ثم حضر وفعله كان قضاء.
قلت: هذا لا يلزم إلا إذا جعلنا الشّهر من قوله: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ظرف زمان لأنه على تقدير «في» والمسافر لم يحضر في الشهر، ويحتمل أن يكون «الشهر» مفعولا به فلا يلزم هذا السؤال لأن المسافر حضره وفرق بين قوله حضره وحضر فيه.
وذكرته لشيخنا ابن ادريس فوافقني عليه.
قوله تعالى: يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر.
قال ابن عرفة: المتعذر هو الذي لايمكن فعله ولو بمشقة والمتعسر هو الذي يمكن فعله بمشقة.
قال: في الآية إشكال وهو أن متعلق الإرادة إما فعل أو حكم.
والأول: باطل بالمشاهدة لأن الله تعالى يفعل الخير والشر وقد رأينا بعض الناس في الخير وبعضهم في الشر.

صفحة رقم 541

والثاني، باطل لأنه يلزم عليه أن يكون حكم الله تعالى مرادا فيكون حادثا (إذ) من شأن الإرادة التخصيص، مع أن الحكم راجع إلى كلامه القديم الأزلي والتخصيص يستلزم الحدوث.
(قيل) لابن عرفة: يقال المراد الحكم باعتبار متعلقه وهو الحكم المتعلق التنجيزي لا (الصلوحي) ؟
قال ابن عرفة: قد تكرر أنّ الصحيح أنّ التعلق صفة نفسية والتعلق التنجيزي حادث، فإن حكمنا لموصوف بحكم صفته لزم عليه حدوث حكم الله تعالى، وإن لم يحكم له بحكمها لزم عليه مفارقة الصفة (النفسية) لموصوفها، والأمران باطلان.
قيل له: نقول إن الإرادة متعلقة بالحكم؟
فقال: قد تقرر الخلاف في الإرادة هل هي مؤثرة؟ والتحقيق أنه إن أريد به التعلق التنجيزي فهي/ مؤثرة كالقدرة، ومعنى التخصيص فيها كون الشيء على صفة خاصة في وقت معين، وإن أريد به التعلق الصلاحي فهى غير مؤثرة كالعلم فإنه يتعلق ولا يؤثر وهو اختيار المقترح.
قيل لابن عرفة: لعل المراد الحكم التكليفي وهو يسر لاعسر؟
فقال: هذا تخصيص والآية عامة.
قيل له: (الحكم) أبدا لايمكن أن يكون إلا مرادا، وليس هناك حكم غير مراد، تعالى أن يكون في ملكه ما لا يريد؟

صفحة رقم 542

فقال: الحكم موافق (للارادة) أي مقارن لها لأنه مراد كما نقول العلم مقارن للارادة وليس متعلقا بها.
قال ابن عرفة: الجواب عن الإشكال لا يكون إلا بأنّ (يشرب) يريد معنى يحكم أي يحكم الله عليكم باليسر لا بالعسر ولا سيما إن قلنا: إن تكليف ما لا يطاق غير جائز أو جائز غير واقع. فإن قلت: قوله يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر عام فيقتضي عموم متعلق الإرادة باليسر. فقوله تعالى: وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر تأكيد فلا فائدة له.
قلنا: يُرِيدُ الله بِكُمُ ليس جملة مثبتة، فهي مطلته لا تعم، وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ، (فعل منفي) فيعم. قال: والعسر واليسر (تجنيس) مختلف مثل وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْئَوْنَ عَنْه قال ابن عطية: وقال مجاهد (والضحاك) : اليسر الفطر في السفر والعسر الصوم في السفر.
قيل لابن عرفة: يلزم أن يكون الصوم في السفر غير مأمور به.
فقال: هذا مذهب المعتزلة، لأنهم يجعلون الأمر نفس الإرادة وإنّما معنى الآية: يريد الله بكم إباحة الفطور ولا يريد بكم وجوب الصوم. لأن الوجوب والإباحة قسمان من أقسام الحكم الشرعي.

صفحة رقم 543

قلت: وتقدم في الختمة الأخرى لابن عرفة أنه لا يمكن أن تحمل الإرادة هنا على حقيقتها لأنّ المريض (الذي) بلغ الغاية في المرض والمحبوس المعسر بالنفقة، قد أريد بهم العسر فترجع الإرادة إلى باب التكليف وقد قال وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ قوله تعالى: وَلِتُكْمِلُواْ العدة وَلِتُكَبِّرُواْ الله على مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
منهم من قال: إنه أمر.
قيل لابن عرفة: قول الله جل جلاله فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يغني عنه لأنه يفيد أنه (يقضي) أياما على عدد ما فاته؟
فقال: أفاد هذا الأمر بإكمالها وهو الإتيان بها على وجهها موفاة كما قالوا: إنّ (الصائم) يأخذ جزءا من أول الليّل في أول النّهار وجزْءا من آخره يتحرّاه لأنه مما لا يتوصل إلى الواجب إلا به.

صفحة رقم 544

تفسير ابن عرفة

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله محمد بن محمد ابن عرفة الورغمي التونسي المالكي

تحقيق

حسن المناعي

الناشر مركز البحوث بالكلية الزيتونية - تونس
سنة النشر 1986
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 2
التصنيف التفسير
اللغة العربية