ﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦ

١٨٥- وقوله تعالى :( شهر رمضان ) |البقرة : ١٨٥|.
ذهب بعض الناس(١) إلى أنه لا يقال رمضان، ولا جاء رمضان، ولا خرج رمضان، وإنما يقال شهر رمضان في ذلك كله كما قال الله تعالى، ورووا في ذلك حديثا، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تقولوا رمضان، وقولوا شهر رمضان، فإن رمضان اسم من أسماء الله عز وجل " (٢).
وذكر أبو الطيب الطبري أنه يقال : صمت رمضان لأن المعنى معروف فإذا وصف بالمجيء، لم يقل جاء رمضان حتى يقال جاء شهر رمضان للإشكال الذي فيه، والصواب أن ذلك كله جائز، وقد روي من غير ما طريق صحيح، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا جاء رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين " وليس في قوله : " شهر رمضان " (٣) تحريج في أن يقال رمضان(٤).
وقد قرئ " شهر رمضان " بالنصب على الإغراء أو على الصرف أو على البدل من قوله :( أياما معدودات ) ورفعه إما على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي ذلكم الصيام شهر رمضان أو بدل من الصيام، أو مبتدأ خبره ( الذي أنزل ) أو ( فمن شهد منكم ) وجعله مبتدأ إنما هو على قول من جعل الصيام ثلاثة أيام من كل شهر ويوم عاشوراء، ومن قال غير ذلك مما قدمته جعل الصيام هنالك رمضان(٥).
١٨٥- قوله تعالى :( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) |البقرة : ١٨٥|.
اختلف في تأويله، فذهب بعضهم إلى أن الشهر منصوب على الظرف، وأن المفعول محذوف والتقدير، فمن شهد منكم المصر في الشهر(٦) فليصم. وذهب بعضهم إلى أن المعنى من حضر دخول الشهر، وكان مقيما في أوله فليكمل صيامه، سافر بعد ذلك أو لا، وإنما يفطر في السفر من دخل عليه وهو في سفره، وإلى هذا القول ذهب علي وابن عباس، وعبيدة السلماني، وسويد بن غفلة، وأبو مجلز(٧). وهو قول مردود بسفر النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان وإفطاره فيه وهو بالكديد. قال ابن المنذر : وإنما أمر الله تعالى من شهد الشهر كله أن يصوم، ولا يقال لمن شهد بعض الشهر إنه شهد الشهر كله، والنبي صلى الله عليه وسلم أنزل عليه الكتاب وأوجب عليه بيان ما أنزل عليه، قد سافر في رمضان وأفطر في سفره(٨).
وذهب الجمهور إلى أن المعنى من شهد أول الشهر أو آخره فليصم، ما دام مقيما. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن المعنى من شهد الشهر بشروط التكليف غير مجنون، ولا مغمى عليه فليصم، ومن دخل عليه رمضان وهو مجنون وتمادى به طول الشهر، فلا قضاء عليه لأنه لم يشهد الشهر بصفة يجب بها الصيام، ومن جن أول الشهر أو آخره فإنه يقضي أيام جنونه(٩). والشافعي ممن خالف في هذا، فروي عنه |أنه قال|(١٠) : إن أفاق بعد انقضاء الشهر فلا قضاء عليه، وإن أفاق في بعضه لم يقض ما فات وصام ما بقي منه(١١). وقد روي عنه أيضا مثل قول أبي حنيفة. ومالك رحمه الله قد خالفهما جميعا فذهب إلى أنه يلزمه القضاء أفاق قبل انقضاء الشهر أو بعده، واعتمد على عموم قوله تعالى :( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) الآية. قال أبو أصحابه : وهذا شهد الشهر مريضا فيلزمه(١٢) عدة من أيام أخر(١٣). قال أبو الحسن : يحتمل أن يكون قوله : " شهد الشهر " مغمى عليه وكذلك يدل على أن من أفاق من الجنون بعد مضي شهر فلا قضاء عليه عندنا خلافا لمالك فإنه قال فيمن بلغ وهو مجنون فمكث سنين ثم أفاق فإنه يقضي صيام تلك السنين. ومالك يحمل قوله ( فمن شهد منكم الشهر ) على شهوده بالإقامة وترك السفر دون ما ذكره غيره من شهوده بالتكليف، وأبو حنيفة يقول لا يمكن أن يراد بالآية شهود جميع الشهر، فتقدير الكلام عنده، فمن شهد منكم بعض الشهر فليصم ما لم يشهد منه، وهذا بعيد جدا. ولمالك أن يقول قوله ( شهد ) بمعنى أدرك كما يقال شهد زمان النبي صلى الله عليه وسلم أي أدركه. والمجنون قد أدرك ذلك الزمان فلزمه الصوم لزوما في الذمة(١٤). ويتعلق بهذه الآية مسائل منها إذا التبست الشهور على أسير أو تاجر في بلاد العدو أو غيره، فاجتهد فصام، فلا يخلو من ثلاثة أحوال :
-أحدها : أن يوافق رمضان.
-والثانية : أن يوافق ما قبل رمضان.
-والثالثة : أن يوافق ما بعده.
فإن وافق رمضان فإنه يجزيه عند الجمهور. وذهب الحسن بن صالح إلى أنه لا يجزيه. وحجة الأجزاء قوله تعالى :( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) وهذا قد شهده وصامه. وأما إن وافق ما قبله مثل أن يوافق شعبان فلا يجزيه عند مالك وأكثر أصحابه وعلى أحد قولي الشافعي. وذهب عبد الملك إلى أنه يجزيه وهو أحد قولي الشافعي. وقال بعض أصحاب الشافعي ليس له إلا قول واحد مثل قولنا أنه لا يجزيه، وحجة عدم الأجزاء قوله تعالى :( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) وهذا لم يشهد الشهر، فلم يلزمه أن يصومه. وأما إن وافق ما بعده فيجزيه قولا واحدا(١٥).
ومنها الصوم هل يجوز أن ينوب فيه أحد عن أحد، فذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي إلى أنه لا يصوم أحد عن أحد(١٦). وذهب أهل الظاهر وبعض أصحاب الشافعي –وقد حكي عن الشافعي- أنه يصوم عنه وليه(١٧).
وحجة من ذهب إلى أنه لا يصوم أحد عن أحد قول تعالى :( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) ( فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ) وجب على المكلف أن يصومه أو يقضيه بنفسه، فانتفى بذلك أن يصوم غيره عنه.
ومنها من سافر بعد طلوع الفجر فهل يجوز له الفطر أم لا ؟ فذهب جمهور العلماء(١٨) إلى أنه لا يفطر. وقال أحمد، وإسحاق، والمزني : يجوز له الفطر. وحجة من ذهب إلى أنه لا يفطر، قوله تعالى :( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) وهذا شاهده، فعليه صومه وإذا نوى الصوم في الحضر وسافر قبل طلوع الفجر جاز له أن يفطر.
وقال أبو حنيفة والشافعي لا يجوز له أن يفطر والحجة للقول الأول :( أو على سفر فعدة من أيام أخر ). ومنها أنه إذا رأى أحد الهلال لزمه الصوم في نفسه. وذهب بعض التابعين إلى أنه لا يلزمه الصوم إلا بحكم الإمام. وحجة القول الأول :( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ).
١٨٥- قوله تعالى :( ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ) |البقرة : ١٨٥|(١٩).
وهذه اللام يجوز أن تكون متعلقة بما قبلها، ويجوز أن تكون اللام لام الأمر، ويكون المعنى أو في مرضه، فليكمل عدة الأيام التي أفطر فيها. وأجمع أصحاب أبي حنيفة على أنه إذا صام أهل بلدة ثلاثين يوما لرؤية وأهل بلدة تسعة وعشرين يوما لرؤية(٢٠) أن على الذين صاموا تسعة وعشرين يوما قضاء يوم(٢١). وقال أصحاب الشافعي : إذا كانت المطالع من البلدان يجوز أن تختلف. وحجة أصحاب أبي حنيفة قوله تعالى :( ولتكملوا العدة ) وقد ثبتت برؤية أهل البلدان العدة ثلاثون يوما فيجب أن تكمل ومخالفهم |يحتج|(٢٢) بقوله –عليه السلام- : صوموا بالرؤية وأفطروا بالرؤية " (٢٣) والقولان لمالك في المذهب ويرويان عنه(٢٤).
١٨٥- وقوله تعالى :( ولتكبروا الله على ما هداكم ) |البقرة : ١٨٥|. حض على التكبير في يوم العيد في الطريق والجلوس، وهو سنة فيهما. وذهب أبو حنيفة إلى كراهة ذلك يوم الفطر، والآية حجة عليه. وقد اختلف الناس في حد التكبير الذي أمر الله به ما هو، فذهب ابن عباس إلى أنه يكبر من رؤية الهلال إلى انقضاء الخطبة، ويمسك وقت خروج الإمام ويكبر بتكبيره(٢٥). وقال قوم يكبر من رؤية الهلال إلى خروج الإمام إلى الصلاة وهو قول الشافعي. وقال مالك هو من حين يخرج الرجل من منزله إلى أن يخرج الإمام(٢٦). قال سفيان هو التكبير يوم الفطر.
واختلفوا أيضا في كيفية اللفظ اختلافا كثيرا إذ لم يخص الله تعالى ذلك بلفظ معين ولا بقدر مؤقت(٢٧)، فمنهم من قال التكبير لفظان إن شاء : الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر ولله الحمد. وإن شاء قال : الله أكبر، الله أكبر ثلاثا. فأيهما قال جاز والأول أحسن. وهذا مذكور عن أصحاب مالك. والذي يروى عن مالك والشافعي : الله أكبر ثلاثا. ومنهم من قال : لا يجزيه إلا التكبير الأول وهو أبو حنيفة. ومنهم من يقول : الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا. وروي عن ابن عباس –رضي الله عنه_ : الله أكبر، الله أكبر كبيرا، الله أكبر كبيرا ولله الحمد، وروي عنه(٢٨) أيضا : الله أكبر، الله أكبر كبيرا، الله أكبر كبيرا، الله أكبر وأجل، الله أكبر ولله الحمد. وروي عن ابن عمر : الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر(٢٩)، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. ومن العلماء من يكبر ويهلل ويسبح أثناء التكبير. وذهب ابن عبد الحكم إلى أنه ليس فيه شيء مؤقت، والآية حجة على من ذكر أثناء التكبير تهليلا وتسبيحا، وحجة لمن يرى إلا التكبير(٣٠).

١ هو مجاهد كما رواه الطبري في تفسيره (٢/١٩٠، ١٩١) وذكره ابن عطية وغيره كما في المحرر الوجيز (١/٥١٥)..
٢ رواه ابن عدي في الكامل (٧/٢٥١٧) ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٤/٢٠١) عن علي بن سعيد، ثنا محمد بن أبي معشر، حدثني أبي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة. فذكره مرفوعا.
وأبو معشر هذا هو نجيح السندي ضعفه غير واحد فيراجع الميزان للذهبي (٤/٢٤٦) قال ابن أبي حاتم في العلل (١/ رقم ٧٣٤): "قال أبي هذا خطأ إنما هو قول أبي هريرة" وقال البيهقي: "وقد قيل: عن أبي معشر عن محمد بن كعب من قوله وهو أشبه" ثم رواه من طريقه (٤/٢٠٢).
وذكره ابن الجوزي في الموضوعات (٢/١٠٢) وضعفه سندا ومتنا.
وقال ابن كثير في تفسيره (١/٢١٧): "وقد أنكره عليه الحافظ ابن عدي وهو جدير بالإنكار فإنه –يعني نجيحا- وقد وهم في رفع الحديث.." وضعفه الحافظ في فتح الباري (٤/١١٣)..

٣ يراجع البخاري في الصوم (١٨٩٨) ومسلم في الصيام (١٠٧٩).
٤ يراجع في هذا كلام القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (٢/٢٩١، ٢٩٢)..
٥ يراجع المحرر الوجيز (١/٥١٥) وتفسير الطبري (٢/١٩١)..
٦ في ن و أ "الصوم" والمثبت موافق لما في المحرر الوجيز (١/٥١٦)..
٧ يراجع المحرر الوجيز (١/٥١٦، ٥١٧) وتفسير الطبري (٢/١٩٣ -١٩٦) والاستذكار (١٠/٧٣ -٧٤)..
٨ يراجع كلام الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٤/١٨٠)..
٩ يراجع المحرر الوجيز لابن عطية (١/٥١٧) والاستذكار لابن عبد البر(١٠/٧٢)..
١٠ سقطت من أ..
١١ يراجع أحكام القرآن للهراسي (١/٦٤، ٦٥)..
١٢ في ن "فلزمه"..
١٣ يراجع المدونة (١/٠٨) والإشراف للقاضي عبد الوهاب (١/٤٤٠، ٤٤١ – ط ابن حزم)..
١٤ أحكام القرآن للهراسي (١/٦٤، ٦٥)..
١٥ يراجع الإشراف لعبد الوهاب (١/٤٤٦، ٤٤٧)..
١٦ المصدر السابق (١/٤٤٦) وبتوسع الاستذكار (١٠/١٦٦ -١٧٣)..
١٧ يراجع المحلى (٢/٧ -٩)..
١٨ في ب "الفقهاء"..
١٩ يراجع في الموطأ، كتاب الصيام (١/٣٩٨، ٣٩٩) والإشراف لعبد الوهاب (١/٤٤٤، ٤٤٥) ولا استذكار (١٠/٧٦ -٩٠)..
٢٠ في أ "برؤية"..
٢١ يراجع أحكام القرآن للجصاص (١/٢٧٣، ٢٧٤)..
٢٢ سقطت من أ..
٢٣ يراجع أحكام القرآن للهراسي (١/٧٠، ٧١)..
٢٤ يراجع تفسير القرطبي (٢/٢٩٥، ٢٩٦)..
٢٥ يراجع المحرر الوجيز (١/٥١٨) وتفسير الطبري (٢/٢٠٧، ٢٠٩)..
٢٦ يراجع المدونة (١/١٧٦، ١٧٧)..
٢٧ في ب "لفظا معينا ولا قدرا معينا مؤقتا"..
٢٨ في ب "عن ابن عباس"..
٢٩ في ب "ثلاثا"..
٣٠ يراجع في هذا المحرر الوجيز (١/٥١٨) وأحكام القرآن للجصاص (١/٢٧٨ -٢٨١).
وأحكام القرآن لابن العربي (١/٨٥ -٨٩) وتفسير القرطبي (٢/٣٠٦، ٣٠٧) وفتح الباري لابن حجر (٢/٤٥٦ -٤٦١)..

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

ابن الفرس

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير