ﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦ

واختلفوا في الحامل والمرضع إذا أفطر تاهل يجب عليهما الفدية مع القضاء أم لا مع اتفاقهم على ان المريض والمسافر لا يحب عليهما مع القضاء فدية فقال ابو حنيفة لا وهو رواية عن مالك- وفي رواية عن مالك يجب على المرضع دون الحامل وقال احمد وهو الراجح من مذهب الشافعي انه يجب ولا سند يعتمد عليه لهذا القول والمروي عن ابن عمرو ابن عباس ان على الحامل والمرضع يجب الكفارة دون القضاء- ومن اخّر قضاء رمضان من غير عذر حتى جاء رمضان اخر قال مالك والشافعي واحمد وجبت عليه الفدية مع القضاء- وقال ابو حنيفة لا يجب عليه الا القضاء ولو ادّى بعد سنين لامتناع الزيادة على الكتاب من غير قاطع- ومن اخر بعذر مرض او سفر حتى جاء رمضان اخر فعليه القضاء فقط بالإجماع- وروى عبد الرزاق وابن المنذر وغيرهما بطرق صحيحة- عن نافع عن ابن عمر قال من تابعه رمضانان وهو مريض لم يصح بينهما قضى الاخر منهما بصيام وقضى الاول منهما باطعام- قال الطحاوي تفرد بهذا القول ابن عمر قال الحافظ وعند عبد الرزاق عن ابن جريح عن يحيى ابن سعيد قال بلغني مثل ذلك عن عمر لكن المشهور عن عمر خلافه- احتجوا بحديث ابى هريرة عن النبي ﷺ في رجل مرض في رمضان فافطر ثم صح فلم يصم حتى أدركه رمضان اخر يصوم الذي أدركه ثم يصوم الذي أفطر فيه ويطعم عن كل يوم مسكينا رواه الدارقطني وهذا الحديث لا يصح فيه ابراهيم بن نافع قال ابو حاتم كان يكذب وفيه عمر بن موسى كان يضع الحديث قال الحافظ لم يثبت فيه شىء مرفوع انما ثبت فيه اثار الصحابة وسمى صاحب المهذّب منهم عليا وجابرا «١» والحسين بن على ولم اطلع على سند صحيح عنهم غير ابى هريرة وابن عباس- ولو كان الحديث المرفوع فيه صحيحا فحينئذ ايضا لم يجز به الزيادة على الكتاب لكونه من الآحاد- وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ يعنى الصوم فِدْيَةٌ قال البغوي اختلف العلماء في تأويل هذه الاية وحكمها فذهب أكثرهم الى ان الاية منسوخة وهو قول ابن عمر وسلمة بن الأكوع وغيرهما- وذلك انهم كانوا في ابتداء الإسلام مخيرين بين ان يصوموا وبين ان يفطروا ويفتدوا خيرهم الله تعالى لئلا يشق عليهم فانهم لم يكونوا معتادين بالصوم ثم نسخ التخيير ونزلت العزيمة بقوله تعالى.
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ- قلت وعلى هذا التقدير فالمريض والمسافر كانا حينئذ مخيرين في ثلثة امور الصوم والفطر بنية القضاء والفدية ثم إذا انسخت الفدية بقي لهما التخييريين الصوم والقضاء- وقال قتادة هى خاصة في الشيخ الكبير الذي يطيق الصوم ولكن يشق عليه رخص له في ان يفطر ويفدى ثم نسخ بذلك

(١) فى الأصل جابر-

صفحة رقم 191

وقال الحسن هذا في المريض الذي يستطيع الصوم خير بين ان يصوم وبين ان يفطر ويفدى ثم نسخ بذلك وعلى هذه الأقوال كلها لم يثبت حكم الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم بنص القران ومن ثم قال مالك والشافعي في أحد قوليه ان الشيخ الفاني يجوز له الفطر للعجز حيث لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ولا يجب عليه الفدية لان إيجاب الفدية لا بد له من دليل والمثل الغير المعقول لا يثبت بالرأى- وذهب جماعة الى ان الاية غير منسوخة ومعناه وعلى الذين كانوا يطيقونه في حال الشباب فعجزوا عنه بعد الكبر الفدية بدل الصوم- وهذا التأويل لا يصاعده نظم الكلام- وقال الشيخ الاجل جلال الدين في تفسير الاية بتقدير لا يعنى وعلى الّذين لا يطيقونه فدية- كما في قوله تعالى يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا اى لان لا تضلّوا- قلت وتقدير لا ايضا بعيد فانه ضد ما هو ظاهر العبارة حيث يجعل الإيجاب سلبا- فان قيل مذهب ابى حنيفة واحمد والأصح من مذهب الشافعي وبه قال سعيد بن جبير ان الواجب على الشيخ الفاني الفدية مكان الصوم ومبنى هذه الأقوال ليس الا هذه الاية ولولا ذلك التأويل الذي لم ترتض منه فبم تقول بوجوب الفدية على الشيخ الكبير والمريض الذي لا يرجى برؤه- قلت والله اعلم ان التأويل هو الاول وحاصله ان حكم الاية كان في ابتداء الإسلام التخيير بين الصوم والفدية للذين يطيقون الصوم وللذين لا يطيقونه بدلالة النص بالطريق الاولى لانه سبحانه لما خير المطيقين فضلا وتيسيرا فغير المطيقين اولى بالتخيير ومن ثم قلت ان المريض والمسافر كانا حينئذ مخيرين بين ثلثة امور- ثم لما نزل فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً «١» الاية نسخ حكم الفدية في حق الذين كانوا يطيقونه حالا وفي حق الذين يطيقونه مالا وهم المرضى والمسافرين الذين يرجون القضاء بعد الشفاء وصار أداء الصوم او قضاؤه حتما في حقهم وبقي حكم من لا يطيقونه لا في الحال ولا في المال على ما كان عليه من جواز الفدية ثابتا بدلالة النص لعدم دخولهم في قوله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ يعنى صحيحا مقيما فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً يرجوا الشفاء أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وانما قيدنا المريض بقولنا يرجوا الشفاء بدلالة العقل- فان من لا يرجوا الشفاء تكليفه بالقضاء تكليف بما لا يطيق- ومنسوخية الحكم الثابت بعبارة النص لا يستدعى منسوخية الحكم الثابت بالدلالة والله اعلم طَعامُ مِسْكِينٍ قرا نافع وابن ذكوان فدية طعام مسكين بإضافته فدية وجمع المسكين بفتح النون- وهشام بتنوين فدية ورفع طعام على البدل وجمع مسكين والباقون بتنوين فدية ورفع طعام وتوحيد مسكين بكسر النون- والفدية الجزاء وإضافته الى الطعام

(١) فى الأصل ومن كان منكم مريضا-

صفحة رقم 192

بيانية وهو نصف صاع من بر او صاع من شعير او تمر على قول ابى حنيفة قياسا على صدقة الفطر وقال الشافعي كل يوم مسكينا مدا من الطعام من غالب قوة البلد- وقال احمد نصف صاع من شعيرا ومد من بر وقال بعض الفقهاء ما كان المفطر يتقوّيه يومه الذي أفطره- وقال ابن عباس يعطى كل مسكين عشاءه وسحوره وسيجيئ عنقريب تحقيق طعام الفدية في تفسير قوله تعالى فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ ان شاء الله تعالى فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فزاد في الفدية فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ من اصل الفدية وَأَنْ تَصُومُوا ايها المطيقون خَيْرٌ لَكُمْ من الفدية- هذا صريح في ان المراد ب الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ هم المطيقون لا غير المطيقين من الشيخ والمريض فان كون صومهم خيرا لهم ممنوع وهذه الاية تدل على ان المسافر إذا لم يكن له بالصوم ضرر بين فالافضل في حقه الصوم كذا قال الجمهور خلافا لاحمد والأوزاعي وسعيد بن المسيب والشعبي احتجوا بالأحاديث منها ما روى عن جابر بن عبد الله قال كان رسول الله ﷺ في سفر فراى ازحاما ورجلا قد ظلل عليه فقال ما هذا قالوا صائم- فقال ليس من البر الصوم في السفر- متفق عليه وعنه- انه ﷺ خرج عام الفتح الى مكة في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس اليه ثم شرب فقيل له بعد ذلك ان بعض الناس قد صام فقال أولئك العصاة أولئك العصاة- روا مسلم عن عبد الرحمن بن عوف قال قال رسول الله ﷺ صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر- رواه ابن ماجة قلنا هذه الأحاديث «١» في حق من يتضرر بالصوم غاية التضرر ولا شك ان الفطر فى حقه أفضل سواء كان مسافرا او مريضا- وكذا الفطر أفضل إذا اقترب الجهاد لحديث ابى سعيد انه ﷺ قال انكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم- قال وكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر ثم نزلنا منزلا اخر فقال انكم تصبحون «٢» عدوكم والفطر أقوى لكم فافطروا- فكانت عزيمة فافطرنا- رواه مسلم وأخرجه مالك في المؤطا عن بعض اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم- واخرج «٣» الشافعي عنه في المسند وابو داود- وصححه الحاكم وابن عبد البر واما إذا لم يتضرر بالصوم فالصوم أفضل بهذه الاية وحديث ابى الدرداء انه كان مع رسول الله ﷺ في سفر قال وان أحدنا نضع يده على رأسه من شدة الحر وما منا صائم الا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة- متفق عليه- قلت وما ذكرنا من التفصيل انما هو في حق المسافر لان الرخصة له دائرة على نفس السفر سواء كانت له مشقة في الصوم

(١) فى الأصل هذا الأحاديث
(٢) فى الأصل تصبحوا
(٣) فى الأصل واخرج عنه الشافعي عنه-

صفحة رقم 193

اولا واما الشيخ والمريض والضعيف والحامل والمرضع فالرخصة في حقهم دائرة على نفس المشقة والتضرر بالصوم فلولا التضرر لا رخصة لهم وإذا تضرروا بالصوم وهو خوف زيادة المرض او حدوثه فحكمه حكم المتضرر بالسفر والله اعلم إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤) ما في الصوم من الفضيلة- وجواب «١» ان محذوف دل عليه ما قبله يعنى اخترتموه على الفطر والفداء عند التخيير واما بعد نسخ التخيير فمن أفطر في رمضان بلا عذر فان كان مستحلا يكفر والا يفسق ويجب عليه القضاء لوجوب التدارك بقدر الإمكان وبدلالة ما ورد في المعذور بالطريق الاولى من قوله تعالى فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ويجب عليه الاستغفار بالإجماع وقال النخعي لا يقضى صوم رمضان إذا أفطر من غير عذرا لا بألف عام- وقال على وابن مسعود رضى الله عنهما لا يفيد صوم الدهر- شَهْرُ رَمَضانَ مبتدأ خبره ما بعده او خبر مبتدأ محذوف تقديره ذلك شهر رمضان او بدل من الصيام على حذف المضاف اى كتب عليكم الصيام صيام شهر رمضان وذلك على تقدير كون هذه الاية متصلا في النزول بقوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ لا على تقدير كونه متراخيا عنه ناسخا لما سبق والشهر مشتق من الشهرة ورمضان مصدر رمض إذا احترق فاضيف اليه الشهر وجعل علما ومنع من الصرف للعلمية والالف والنون- عن انس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ انما سمى رمضان لان رمضان يرمض الذنوب- رواه الاصبهانى في الترغيب الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ سمى القران قرانا لانه تجمع السور والاى والحروف وجمع فيه القصص والأمر والنهى والوعد والوعيد واصل القران «٢» الجمع او هو مشتق من القراءة بمعنى المقر وقرا ابن كثير القران وقرانا- وقرانه حيث وقع بحذف الهمزة بعد إلقاء الحركة على الراء ووافقه حمزة وقفا فقط- والباقون بالهمزة قال البغوي كان يقرا الشافعي غير مهموز ويقول ليس هو من القراءة ولكنه اسم لهذا الكتاب كالتورية والإنجيل- قال البغوي روى مقسم عن ابن عباس انه سئل عن قوله تعالى شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ- وقوله إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ- وقوله إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ وقد نزل في سائر الشهور وقال الله تعالى قُرْآناً فَرَقْناهُ
فقال- انزل القران جملة واحدة من اللوح المحفوظ في ليلة القدر من شهر رمضان الى بيت العزة في السماء الدنيا ثم نزل به جبرئيل عليه السلام على رسول الله ﷺ نجوما في عشرين سنة فذلك قوله تعالى عز وجل بِمَواقِعِ النُّجُومِ- وقال داود بن ابى هند قلت الشعبي شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ اما كان ينزل في سائر السنة قال بلى ولكن جبرئيل عليه السلام

(١) فى الأصل وجواب لو
(٢) فى الأصل واصل القرا

صفحة رقم 194

كان يعارض النبي ﷺ في رمضان وانزل عليه فيحكم الله ما يشاء ويثبت ما يشاء وينسيه ما يشاء- وروى عن ابى ذر عن النبي ﷺ قال انزل صحف ابراهيم في ثلاث ليال مضين من رمضان- ويروى في أول ليلة من رمضان وأنزلت تورية موسى في ست ليال مضين من رمضان وانزل الإنجيل في ثلاث عشرة مضت من رمضان وانزل زبور داود في ثمان عشر ليلة من رمضان وانزل القران على محمد ﷺ في الاربعة وعشرين لست بقين بعدها- واخرج احمد والطبراني من حديث واثلة بن الأسقع نزلت صحف ابراهيم أول ليلة من رمضان وأنزلت التورية لست مضين والإنجيل لثلاث عشرة والقران لاربع وعشرين- والله اعلم والموصول بصلته خبر لشهر رمضان على تقدير كونه مبتدأ وصفته على تقدير كونه خبرا او بدلا ويحتمل ان يكون صفة للمبتدأ وخبره فمن شهد والفاء لوصف المبتدأ بما يتضمن معنى الشرط وعلى هذا التقدير معنى قوله أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ اى في شأنه القران وهو قوله كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ حتى يتحقق كون الانزال سببا لاختصاصه بوجوب الصوم هُدىً لِلنَّاسِ من الضلالة باعجازه وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ اى دلالات واضحات مما يهدى الى الحق من الحلال والحرام والحدود والاحكام ويفرق بين الحق الذي من الله وبين الباطل الذي من شياطين الجن والانس حالان من القران فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ يعنى أدرك الشهر صحيحا مقيما طاهرا من الحيض والنفاس- اما المريض والمسافر فخصا منه بالآية اللاحقة- واما الحائض والنفساء فبالنقل المستفيض وعليه انعقد الإجماع- قال رسول الله ﷺ في جواب قولها وما نقصان دينها يا رسول الله أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم- متفق عليه ((فائدة)) اجمعوا على ان الحائض يحرم عليها الصوم ولو صامت لم يصح ولزمها القضاء والله اعلم فَلْيَصُمْهُ البتة لا يكفيه الفدية كما كان في بدء الإسلام- قال البغوي اختلف اهل العلم فيمن أدركه الشهر وهو مقيم ثم سافر روى عن على انه قال لا يجوز له الفطر وبه قال عبيدة السلماني لقوله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ اى الشهر كله- وذهب اكثر الصحابة والفقهاء الى انه إذا إنشاء السفر في شهر رمضان جاز له ان يفطر بعد ذلك اليوم- قلت وعليه انعقد الإجماع- ومعنى الاية فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ يعنى فليصم ما شهد منه ان شهد كله فكله وان شهد بعضه فبعضه ويؤيد ذلك التأويل ما مر من حديث جابر وحديث ابن عباس قال ان رسول الله ﷺ خرج الى مكة عام الفتح في رمضان فصام

صفحة رقم 195

حتى بلغ الكديد ثم أفطر وأفطر الناس معه وكانوا يأخذون بالأحدث فالاحدث من امر رسول الله ﷺ مسئلة ولو كان مقيما في أول النهار ثم سافر لا يجوز له الفطر من ذلك اليوم عند ابى حنيفة ومالك والشافعي رحمهم الله لهذه الاية لانه شهد أول اليوم فليصمه وقال احمد وداود جاز له الفطر في ذلك اليوم ايضا- احتج ابن الجوزي بحديث ابن عباس المذكور حتى إذا بلغ كراع الغميم أفطر- وحديث ابن عباس خرج رسول الله ﷺ مسافرا في رمضان حتى اتى عسفان فدعى اناء من شراب نهارا ليرى الناس ثم أفطر حتى قدم- قلنا لم يكن ﷺ ذلك اليوم مقيما أول النهار فان كراع الغميم وعسفان لم يكونا في أول مرحلة من المدينة مسئلة ولو أصبح مسافر او مريض صائمين ثم أراد الفطر جاز عند احمد وكذا ذكر صاحب المنهاج مذهب الشافعي رحمه الله وقال ابن الهمام مذهب ابى حنيفة ان اباحة الفطر المسافر إذا لم ينو الصوم فاذا نواه ليلا وأصبح من غير ان ينقص عزيمته قبل الفجر أصبح صائما فلا يحل فطره في ذلك اليوم لكن لو أفطر فيه لا كفارة عليه كما في المسألة السابقة لمكان الشبهة- وحديث كراع الغميم حجة لاحمد والشافعي في هذه المسألة كما لا يخفى وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ اى فالواجب عليه عدة مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ كرر ذلك الحكم ليدل على ان المنسوخ انما هو الفدية دون الفطر والقضاء للمعذور ولو
لم يكن حكم الفدية منسوخا وكان المراد بقوله تعالى أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ هو شهر رمضان لا غير فحينئذ لم تكن لتكرار حكم المريض والمسافر فائدة- فائدة ويلحق بالمريض والمسافر في حق وجوب القضاء الحائض والنفساء بالإجماع والأحاديث عن معاذة العدوبة انها قالت لعائشة ما بال الحائض تقضى الصوم ولا تقضى الصلاة قالت عائشة كان تصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة- رواه مسلم- مسئلة وبهذه الاية يثبت ان المسافر والمريض إذا صح واقام فعليه قضاء الصيام عدد ما أدرك من الأيام صحيحا مقيما طاهرا بعد رمضان فمن فاته عشرة من صيام رمضان وأدرك بعد الصحة والاقامة يومين من غير رمضان ثم مات يجب عليه قضاء يومين فحسب واختلفوا في انه من أدرك عدة من ايام اخر ولم يقض حتى مات هل يجب على الوارث الفدية او القضاء فقال ابو حنيفة ومالك لا يجب على الوارث شىء الا ان يوصى الميت بالفدية فيجب إنفاذ وصيته من الثلث لا فيما زاد على الثلث الا برضاء الورثة وكذا إذا كان عليه صوم نذر او كفارة- وقال الشافعي في القديم صام عنه وليه سواء كان من رمضان او من نذر وفي الجديد

صفحة رقم 196

انه يطعم فيهما الولي القريب- وقال احمد في صوم رمضان يطعم ولا يصام وإذا كان عليه نذر صام عنه وليه- احتجوا على وجوب الصوم على الولي بحديث ابن عباس قال أتت النبي ﷺ امراة فقالت يا رسول الله ان أمي ماتت وعليها صوم شهر فاقضى عنها قال ارايت لو كان على أمك دين اما كنت تقضيه قالت بلى قال فدين الله عز وجل أحق- متفق عليه- وعن عائشة- انها سالت رسول الله ﷺ عمن مات وعليه صيام فقال يصوم عنه وليه- متفق عليه- وحديث بريدة عن أبيه ان امراة أتت النبي ﷺ فقالت «١» يا رسول الله أمي كان عليها صوم شهرا فتجزئها ان أصوم عنها قال نعم- رواه احمد- وحديث ابن عباس ان امراة ركبت البحر فنذرت ان الله عز وجل ان نجاها ان تصوم شهرا فانجاها الله فلم تصم حتى ماتت فجاءت «٢» قرابة لها فذكرت ذلك النبي ﷺ فقال صومى- وحديث ابن عباس ان سعد بن عبادة سال النبي ﷺ عن نذر كان على امه توفيت قبل ان تقضيه فقال اقضه عنها- فمن هذه الأحاديث ما هو صريح في النذر وما هو مطلق فقال احمد بوجوب الصيام في النذر ويحمل ما ليس فيه ذكر النذر على صوم النذر- قلت لا وجه للحمل على النذر مع اطلاق اللفظ بل الأحاديث المذكورة الصحيحة تدل على جواز صوم الولي عن الميت مطلقا سواء كان الصوم عن نذر او رمضان فلا بد من اتباعها «٣» - وليس شىء منها تدل على وجوب الصوم على الوارث فلا يكون حجة على ابى حنيفة كيف وقد قال الله تعالى وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى فكيف يعذب الوارث بترك الصوم عن الميت واحتجوا على وجوب الإطعام عن الميت بحديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال ومن مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينا- رواه الترمذي وقال لا نعرفه مرفوعا الا من هذا الوجه يعنى من طريق الأشعث بن سوار وهو ليس بشىء ومحمد بن عبد الرحمن بن ابى ليلى وهو ضعيف مضطرب الحديث- والصحيح انه موقوف على ابن عمر- ووجه قول ابى حنيفة ان الطاعة لا يجرى فيها النيابة لان المقصود منه النية والامتثال وهو مناط الثواب والعذاب ووجوب الصوم او المال على الوارث يمنعه قوله تعالى لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى فلا يجب عليه شىء غير انه إذا اوصى به المورث فانفاذ وصيته واجب بقوله تعالى مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ والمرجو من فضل الله سبحانه ان يقبل منه والله اعلم- قلت والتحقيق في المقام ان الوارث ان تطوع عن الميت بالصوم او الصدقة فالثابت بالأحاديث ان الله تعالى يقبله بفضله ويفك رقبة الميت ولكن ليس ذلك واجبا

(١) فى الأصل فقال
(٢) فى الأصل فجاء
(٣) فى الأصل اتباعها-

صفحة رقم 197

على الوارث لما ذكرنا وقد ورد في رواية البزار في حديث عائشة فليصم عنه وليه إنشاء- وهذا اظهر لكن الرواية ضعيفة لانها من طريق ابن لهيعة- يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ بإباحة الفطر والقضاء في المرض والسفر وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ قرا ابو جعفر العسر واليسر ونحوهما بضم السين والباقون بالسكون- وهذه الاية تدل على ان الفطر للمريض والمسافر رخصة لاجل اليسر وليس هو العزيمة حتى لو صام المريض والمسافر صح اجماعا الا ما روى عن ابن عباس وابى هريرة وعروة ابن الزبير وعلى بن الحسين رضى الله عنهم انهم قالوا لا يجوز الصوم في السفر ومن صام فعليه القضاء لظاهر قوله تعالى فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ حيث جعل الله تعالى الواجب صيام عدة من ايام اخر لا غير فمن صام في الحال فقد صام قبل وجوبه فلا يجوز- قلنا سبب الوجوب الشهر والسفر مانع لوجوب الأداء لا لنفس الوجوب فمن صام فقد صام بعد نفس الوجوب فصح كمن ادى الزكوة قبل حولان الحول ويؤيد مذهب الجمهور حديث ابى سعيد غزونا مع رسول الله ﷺ لست عشر مضت من رمضان فمنا من صام ومنا من أفطر فلم يعب الصائم الفطر ولا للفطر الصائم- رواه مسلم- فحديث جابر عند مسلم وحديث انس في المؤطا وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ اى عدد شهر رمضان بقضاء ما أفطر منه عن ابن عمر رضى الله عنهما ان رسول الله ﷺ قال الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فان غم عليكم فاكملوا العدة ثلاثين- متفق عليه قرا ابو بكر بتشديد الميم والباقون بالتخفيف وهو مع ما عطف عليه معطوف على اليسر اما لان اليسر علة معنى وتقديره شرعنا ذلك الاحكام يعنى اباحة الفطر للمريض والمسافر ووجوب القضاء بعدد ايام المرض من ايام اخر ليسهل عليكم الأمر ولتكملوا العدة- او بان يجعل اللام زائدة للتأكيد وتكملوا مع ان مقدرة معطوف على اليسر مفعول به ليريد تقديره يريد الله بكم اليسر وان تكملوا وان تكبروا وان تشركوا- لو متعلق بفعل محذوف معطوف على يريد الله بكم اليسر في اباحة الفطر ويأمركم بالقضاء لتكملوا العدة وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ ما مصدرية او موصولة اى على إرشادكم او على الذي أرشدكم اليه مما تكسبوا به مرضات ربكم وفراغ ذمتكم وجزيل المثوبة- قال ابن عباس هو تكبيرات ليلة الفطر روى الشافعي عن ابن المسيب وعروة وابى سلمة انهم كانوا يكبرون ليلة الفطر يجهرون بها- وقيل تكبيرات يوم الفطر قلت ويمكن ان يراد بالتكبير صلوة العيد او تكبيرات

صفحة رقم 198

صلوة العيد فحينئذ تجب تكبيرات العيد وتجب الصلاة ايضا بالالتزام لان التكبير خارج الصلاة في يوم الفطر او ليلة الفطر لم يجب اجماعا فنحمله على تكبيرات الصلاة او على الصلاة تسمية الكل باسم الجزء كما في قوله تعالى وَقُرْآنَ الْفَجْرِ والله اعلم- ولم يفترض صلوة العيد لمكان الاحتمال- وتايّد وجوب الصلاة بمواظبة النبي ﷺ والله اعلم وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥) ولكى تشكروا على وجوب الصوم فانه وسيلة لنيل الدرجات وعلى اباحة الفطر للمريض والمسافر فان فيه تخفيفا ورخصة معطوف على لتكبروا- فصل في فضائل شهر رمضان وصيامه- عن ابى هريرة عن النبي ﷺ قال- إذا دخل رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب وينادى مناديا باغي الخيرا قبل ويا باغي الشرا قصر ولله عتقاء من النار وذلك فى كل ليلة- رواه الترمذي وابن ماجة واحمد- وفي الصحيحين نحوه اقصر منه- وعنه عن النبي ﷺ قال من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه- متفق عليه- وعن سلمان رضى الله عنه قال خطبنا رسول الله ﷺ في اخر يوم من شعبان فقال يا ايها الناس قد أظلكم شهر عظيم وفي رواية اطلكم بالطاء المهملة بمعنى اشرف شهر مبارك شهر فيه ليلة القدر خير من الف شهر جعل الله صيامه
فريضة وقيام ليلة تطوعا ومن تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن ادى فريضة فيما سواه ومن ادى فيه فريضة كان كمن ادى سبعين فريضة فيما سواه- وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة وشهر المواساة وشهر يزداد فيه الرزق من فطّر فيه صائما كان له مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار وكان له مثل اجره من غير ان ينقص من اجره شىء- قالوا يا رسول الله ليس كلنا يجد ما يفطّر به الصائم قال رسول الله ﷺ يعطى الله هذا الثواب لمن فطّر صائما على مذقة لبن او تمرة او شربة من ماء ومن أشبع صائما سقاه الله عز وجل من حوضى شرية لا يظمأ حتى يدخل الجنة وهو شهر اوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار فاستكثروا فيه بأربع خصال خصلتين ترضون بهما ربكم وخصلتين لا غنى بكم عنهما اما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة ان لا الله الا الله وتستغفرونه واما اللتان لاغنى

صفحة رقم 199

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

القاضي مولوي محمد ثناء الله الهندي الفاني فتي النقشبندى الحنفي العثماني المظهري

تحقيق

غلام نبي تونسي

الناشر مكتبة الرشدية - الباكستان
سنة النشر 1412
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية