ولما بيَّن الحقُ تعالى ما يحرم في النكاح أصالَةً، بيَّن ما يحرم فيه عُروضاً، فقال :
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ * نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ
قلت : المحيض : مصدر، كالمقيل والمعيش والمجيء، وهو الحيض.
يقول الحقّ جلّ جلاله : ويسألونك يا محمد عن قرب النساء بالجماع في زمن المحيض قل لهم : هو أذى ، أي : مُضِرٍّ، أو مُنتن مستقذر، لا يَرضى ذو همة أن يقربه، فاعتزلوا مجامعة النساء في زمن المحيض ولا تقربوهن بالجماع في المحل حتى يطهرن من الدم، بانقطاعه، ويغتسلن بالماء، فإذا تطهرن بالماء فأتوهن من حيث أمركم الله وهو الفرج، الذي أمركم باجتنابه في الحيض ؛ إذ هو محل زراعة النطفة. فمن غلبته نفسه حتى وطئ في الحيض، أو النفاس، فليبادر إلى التوبة، إن الله يحب التوابين كلما أذنبوا تابوا.
ولا تجب كفارة على الواطئ، على المشهور. وقال ابن عباس والأوزاعي :( من وطئ قبل الغسل تصدق بنصف دينار، ومن وطئ في حال سيلان الدم تصدق بدينار ). رواه أبو داود حديثاً. ومن صبر وتنزَّه عن ذلك فإن الله يحب المتطهرين من الذنوب والعيوب كلها، وإنما أعاد العامل ؛ لأن محبته للمتنزهين أكثر.
قال البيضاوي : رُوِيَ أن أهل الجاهلية كانوا لا يُسَاكنون الحائض ؛ ولا يُؤاكلونها، كفعل اليهود والمجوس، واستمر ذلك إلى أنْ سأل أبو الدحْداح، في نفر من الصحابة، عن ذلك، فنزلت. ولعله سبحانه - إنما ذكر " إنما يسألونك " من غير واو، ثلاثاً، ثم بها ثلاثاً ؛ لأن السؤالات الأُوَل كانت في أوقات متفرقة، والثلاثة الأخيرة كانت في وقت واحد ؛ فلذلك ذكرها بحرف الجمع. ه.
فبقدر ما تزرعون من العبودية تحصدون من الحرية. وبقدر ما تزرع فيها من الذل تحصده من العز، وبقدر ما تزرع فيها من الفقر تحصده من الغنى، وبقدر ما تزرع فيها من التواضع تحصده من الشرف والرفعة.
والحاصل : بقدر ما تزرع فيها من السفليات تحصد ضده من العلويات. قال تعالى :
وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ في الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ( ٥ ) وَنُمَكِنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ [ القصص : ٥، ٦ ]. فإذا تركتها هَمَلاً، أنبتت لك الشوك والحنظل. وقدموا لأنفسكم من أوصاف العبودية ما تجدونه أمامكم من مشاهدة الربوبية، واتقوا الله فلا تشهدوا معه سواه، واعلموا أنكم ملاقوه حين تغيبون عن وجودكم وتفقدونه، وبشر المؤمنين الموقنين بشهود رب العالمين.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي